المبشر: المبادرات الخارجية مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل على الليبيين بالقوة

رئيس «مجلس أعيان ليبيا» قال لـ«الشرق الأوسط» إن وجود السلاح عائق يُفشل أي انتخابات

الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
TT

المبشر: المبادرات الخارجية مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل على الليبيين بالقوة

الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)

(حوار سياسي)
دعا الشيخ محمد المبشر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالح»، أطراف الصراع السياسي إلى «التنازل قليلاً بدل أن يخسروا كثيراً غداً»، وقال إن «الجميع في مركب واحد، ولا بد من البحث عن طريق للوصول إلى بر الأمان وليس أن يصل فريق ويُقصى الآخر».
ورأى المبشر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «القرار الدولي بإنهاء أزمة بلاده لم يُتخذ حتى الآن»، معبّراً عن اعتقاده أن «كل المؤتمرات التي تتم في الخارج، وليس منبعها الداخل الليبي، مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل بالقوة». مستبعداً نجاح الاحتجاجات الشبابية التي تشهدها بعض المدن الليبية في إزاحة الأجسام السياسية من المشهد راهناً. كما تطرق إلى الخطة التي أطلقها المجلس الرئاسي بشأن «الانسداد السياسي»، وعدّها «مجرد محاولة لتلمّس الحل، لينقصها الاستماع لجميع الأطراف». كما تحدث المبشر عن مدى إمكانية دخول حكومة فتحي باشاغا إلى العاصمة طرابلس، أو اندلاع حرب، وفرص إجراء انتخابات عامة في البلاد، ودور الوسيط الاجتماعي في حل الأزمة. وإلى نص الحوار:
> بدايةً... أين دور الوسطاء الاجتماعيين مما يحدث على الأرض راهناً... وهل تراجَع؟
- طبيعة الصراع في ليبيا سياسية كما نعلم، وبالتالي سُلّم ملف الأزمة إلى البعثة الأممية، وهنا فقد المصلحون المحليون أو الوسطاء الاجتماعيون الكثير من عناصر القوة التي كانوا يعتمدون عليها؛ والتي تتمثل في العمق الاجتماعي، وقوة التأثير على الجانب المُسلح. ومع انتشار قناعة لدى الليبيين بأنهم فقدوا الثقة في أنفسهم لم يتبق إلا دور محدود جداً لهؤلاء الوسطاء في التعاطي مع القضايا السياسية بين المجالس الموجودة. لكن على الصعيد الاجتماعي والقبلي والمدن وغيره فإنه لا يزال هناك دور للوسطاء بشكل فاعل، حتى ولو لم يُسلط عليه الإعلام الضوء، وهو قادر على تجاوز الكثير من المِحن والأزمات بالدلائل، وليس بالكلام فقط. علماً بأن هناك كثيراً من المُصلحين الذين يتعرضون للانتقادات، كما أن وجود أطراف سياسية استثمرت في العامل الاجتماعي لصالحها، سبّب إشكاليات حقيقية في زعزعة ثقة الليبيين بالوسطاء المحليين، لكنني واثق أن ليبيا تستطيع بعمقها الاجتماعي تجاوز محنتها بعون الله.
> على ذكر المصالحة... ما تقييمكم للرؤية الاستراتيجية لمشروع المصالحة التي أطلقها المجلس الرئاسي مؤخراً؟
- الحقيقة أنها استراتيجية تعب في تحضيرها عدد من الأكاديميين ومراكز البحوث، وهي في مجملها جيدة، لكنّ تنفيذها من عدمه يتوقف على صلاحيات المجلس الرئاسي الآن، وإمكانياته وقدرته في توحيد البلاد. وإذا تمكن من تحقيق ذلك بأن يكون قوياً خصوصاً أن لديه كل القدرات على إنجاح مشروع المصالحة، فإن ذلك سيكون جيداً، وإن لم يستطع فهذا أمر آخر.
> متى تتخلص ليبيا من حالة الاستقطاب المجتمعي في نظرك؟
- توجد في ليبيا بالطبع حالة استقطاب متعددة، سواء كانت آيديولوجية مسلحة أو جهوية، أو حتى عصبية قبلية، وهذا موجود في غالبية المجتمعات، لكن تتزايد حدّته في أثناء الحروب والخصومات الواضحة، وهذا الاستقطاب يقسّم ليبيا. لكن دائماً هناك خط فاصل يقف فيه المحايدون، ممن ينظرون إلى كل الليبيين على أنهم أبناؤهم. وبالتالي من الغباء السياسي اللجوء إلى تفريق ليبيا، وتقسميها بجعلها ثلاثة معسكرات أو أربعة، ومن يفعل ذلك سيفشل لأنهم سيقتنعون بأنهم شعب واحد مهما اختلفت الأفكار والآيديولوجيات، على الرغم من سطوة الإعلام والمال السياسي الكبيرة في تزايد هذه الحالة.
> وهل القائمون على حكم ليبيا لم يفهموا طبيعتها الاجتماعية؟
هناك قصور في فهم «الكيمياء» الاجتماعية. فالليبيون ليسوا عبارة عن مجتمع قبلي بالمطلق مبنيّ على الهيكلية القبلية مثل أفغانستان أو اليمن، القبلية في ليبيا لها بُعد آخر، وكل من أراد أن يحكم البلاد بعد عام 2011 لم يتعاطَ بفهمٍ حقيقي وعميق لجهة التعامل مع التوازنات الاجتماعية التي تؤثر في الدور السياسي. فهو إما يريد إقحام القبيلة في السياسة وإما ينفيها ولا يعتدّ بها ظناً منه أنها عديمة القيمة. هناك عقد اجتماعي خفيّ بين الليبيين متعارف عليه يجب أن يصل إليه من يدير البلاد، ويصبح هو من يُنظم كل عناصر القوة في المجتمع من أجل استقراره، وتخفيف المعاناة عنه. ولا أرى أن كل من تسلّم السلطة تصرف بطريقة عميقة وحكيمة في التعامل مع هذا الموضوع. فـ«الكيمياء» الاجتماعية والسياسية في ليبيا خليط واحد، ويجب أن تكون هناك إدارة من رأس الدولة لطريقة توظيفها بشكل سليم من أجل صناعة الاستقرار.
> ما تعليقكم على الخطة التي أطلقها المجلس الرئاسي لـ«حل الانسداد السياسي»؟
- هي مجرد محاولة من (السيد) محمد المنفي (رئيس المجلس الرئاسي) لتلمّس الحل، لكن كان يجب استباق هذه الخطوة بخطوات، وألا يعتمد فقط على ما يسمعه من الأحزاب السياسية، أو الشباب الذين خرجوا إلى الشارع للتظاهر. ومن بينها الذهاب إلى جميع الأطراف والاستماع إليها كي يتمكن من وضع تصور حقيقي ومقبول. لكن أن تعلن بمفردك عن خطة لحل الأزمة، وأنت لا تملك الصلاحيات وفق (اتفاق جنيف)، فسوف يُطعن فيها، ولا تحقق نجاحاً حتى لو أقنعت بها بعض الأطراف. ما طرحه المنفي كان يجب أن يُبنى على تجربة سابقة في ليبيا، وكل من يطرح مبادرة الآن يتم انتقادها لأسباب عدة؛ ولو استُشرتُ في هذا الموضوع قبل طرحه لنصحت بدراسة القضية بتعمق أكبر.
> شهدت ليبيا مبادرات خارجية عدة لكن دون نتائج ملموسة... ما تعقيبك؟
- في رأيي الاجتماعات و(خرائط الطريق)، التي تَرِد إلينا من الخارج ليست نابعة من قناعة وإرادة ليبية محلية حقيقية، وبالتالي فكل المؤتمرات التي تتم بالخارج وليس منبعها الداخل الليبي مرهونة بالفشل، اللهم إلا إذا فُرض الحل بالقوة عبر قرارات مجلس الأمن أو بضغط دولي كبير، وفي هذه الحالة يمكن أن تنجح. ولديّ نموذج الصومال الذي فشل في التوصل إلا حلول إلى أن أنجز في شمال البلاد منطقة (صومالي لاند). إذن القرار الوطني الحقيقي المبنيّ على قناعة سيكون هو الحل، وليس المؤتمرات والحوارات الدولية. وهنا نلفت إلى أن تقاطعات المصالح، التي تعمل عليها بعض الدول الخارجية وتضاربها في ليبيا، أفشل غالبية المبادرات.
> إذن لماذا تُبذل الجهود السياسية الدولية؟
- الجهود السياسية ليست للحل أصلاً، لكنها لإدارة الأزمة. هناك الكثير من المصالح الدولية والمحلية التي تتحكم في الصراع الليبي، وفي تصوري لم يُتخذ القرار الدولي لإنهاء هذا الصراع بعد. هناك اتفاق على إدارة الصراع، كما توجد إرادة وطنية تحاول تقصير زمن المعاناة، لكن تظل أدوات الفعل القوية في قبضة المجتمع الدولي، وليست في يد الوطنيين، إلا إذا قامت ثورة قوية جداً تقلب الطاولة على الجميع، وتعيد السيادة الوطنية. إنهم يديرون الصراع وفق إدارة مصالحهم.
> بالعودة إلى ما يجري في ليبيا... هل يمكن أن تنجح المظاهرات التي تخرج للشارع من وقت إلى آخر في إزاحة الوجوه السياسية الراهنة من المشهد؟
- لا أعتقد ذلك. فالمظاهرات التي تشهدها البلاد لم تكتسب الزخم الحقيقي الكبير الذي يمكّنها من أن تقلب الطاولة وتغيِّر المشهد الحالي، نعم لديها تأثير، وتمارس ضغطاً حقيقياً على الأطراف السياسية، لكن لن تنجح في إزاحتها من المشهد.
> البعض يبشّر بثورة شعبية في ليبيا؟
- أستبعد ذلك، وأستبعد أن يخرج جميع المواطنين إلى الشارع. هذا أمر لا يزال بعيداً، والحراك الشبابي سيضغط بشكل معين، وقد ينجح في حدود معينة، لكن المشهد في ليبيا مُربك، ولن تكون هناك ثورة شعبية تغير المشهد في البلاد بالكامل. هذا اعتقادي.
> هل تتوقع دخول حكومة باشاغا طرابلس بالقوة بعد تحييد العدد الأكبر من المجموعات المسلحة؟
- لن يحدث أي جديد فيما يتعلق بحكومتي الدبيبة وباشاغا، إلا من خلال اتفاق دولي بين الحكومتين، ولن يدخل باشاغا طرابلس بالحرب، لأن الأخيرة ليست قراراً محلياً فقط، بل تخضع لحسابات دولية وإقليمية حتى لو صارت بعض المناوشات. أعتقد أن القضية الليبية ليست في يد السياسيين بالمطلق، لأن هذا القرار له علاقة بأطراف دولية وأصحاب المصالح الكبرى في ليبيا. وبالتالي فلكي تدخل حكومة (السيد) باشاغا طرابلس لا بد أن يكون وفق اتفاق دولي، وهذا ليس تقليلاً من قيمة الليبيين... هذه هي الحقيقة.
> وماذا عن وعودهما بالاستعداد لإجراء الانتخابات؟
- أولاً وقبل الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لا بد من توافق وطني، وفق عقد وميثاق يحترم بمقتضاه الجميع نتائج هذه الاستحقاقات. كما أن وجود السلاح يعد من عوامل إفشال أي انتخابات، وحتى لو تمّت وحظيت باعتراف دولي فستظلّ المشكلة قائمة. لذا يجب توفر ضمانات من جميع الأطراف بالالتزام بالنتائج. إذا حدث ذلك ستنجح الانتخابات، ويتمكن الرئيس القادم من ممارسة عمله، غير هذا مجرد إضاعة للوقت.
> لمن تُحمّل فشل حل الأزمة الليبية منذ عِقد وأكثر؟
- لليبيين، لأننا فقدنا الثقة فيما بيننا، والفاشل هو من يلقي باللوم على الغير، ولا يتحمل مسؤولية ما أقدم عليه. المسؤولية الحقيقية تقع علينا نحن، وليس على البعثة الأممية، أو الأطراف الخارجية. صحيح هم يتدخلون لكنّ المسؤولية تقع على شعبنا وعلى سياسيينا، وعلى أطراف الصراع، لذا يتوجب عليهم التنازل قليلاً اليوم خير لهم من أن يخسروا الكثير غداً. الوطن باقٍ ومن بداخله راحلون.
وهنا أقول، ليبيا أكبر من الجميع، أكبر من السياسيين والعابثين بها، إنها تستحق أفضل من ذلك، ولا بد أن نبحث عن طريق للوصول جميعاً إلى بر الأمان، وليس أن يصل طرف معين دون الآخر، والباقي يُقصى؛ فنحن في مركب واحد، وبالتالي لا بد من اختيار رئيس شمولي يحترم الجميع، ويستطيع أن ينتشل ليبيا ويسير بها إلى الأمام.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

في تطور أثار مخاوف واسعة من ترسيخ واقع الانقسام السياسي والإداري في السودان، أعلنت حكومة «تأسيس» المدعومة من «قوات الدعم السريع»، وتتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، عزمها تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرتها خلال يونيو (حزيران) المقبل، بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة السودانية التي يرعاها الجيش اكتمال ترتيبات انعقاد الامتحانات في الولايات الواقعة تحت سيطرتها.

وجاء الإعلانان المتوازيان في وقت أطلقت فيه شخصيات وطنية وأكاديمية، الأسبوع الماضي، «المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية»، داعية إلى تأجيل الامتحانات التي أعلنتها الحكومتان، والعمل بدلاً من ذلك على تنظيم امتحانات موحدة لجميع الطلاب في أنحاء البلاد كافة.

وحظيت المبادرة بترحيب واسع من القوى المدنية المناهضة للحرب، التي طالبت طرفي النزاع بالاستجابة العاجلة، بما يضمن إجراء امتحانات آمنة وعادلة، بعيداً من الاستقطاب العسكري والسياسي.

وتستهدف المبادرة، بحسب القائمين عليها، حماية مستقبل نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى تقع تحت سيطرة تحالف «تأسيس»، حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية طوال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الحرب.

اتصالات مع طرفي الصراع

وقال منظمو المبادرة إنهم أجروا اتصالات مع قيادات في حكومة «الأمل» برئاسة كامل إدريس، وأعضاء في مجلس السيادة الانتقالي، إلى جانب قيادات في المجلس الرئاسي لحكومة «تأسيس»، سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يضمن تمكين الطلاب من أداء الامتحانات في مناطق وجودهم، مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة للطلاب والمعلمين والكوادر التربوية قبل الامتحانات وأثناءها وبعدها.

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

وكانت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية قد أعلنت اكتمال الاستعدادات لجلوس 544 ألف طالب وطالبة داخل البلاد وخارجها لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة في 13 أبريل (نيسان) المقبل.

في المقابل، قال وزير التربية والتعليم في حكومة «تأسيس»، كوكو جقدول، إن حكومته ماضية في إجراء الامتحانات خلال يونيو المقبل في المناطق التي تسيطر عليها. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «نحن جاهزون لإقامة امتحانات الشهادة الثانوية، ونعمل على تسهيل جلوس جميع الطلاب هذا العام، لأن ما يهمنا هو ألا يضيع مستقبلهم». ونفى جقدول علمه بالمبادرة القومية لتوحيد الامتحانات، فيما لم يصدر تعليق رسمي من وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية، بعد تعذر التواصل مع وكيل الوزارة أحمد خليفة. وتعد هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية داخل إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

مخاوف من ترسيخ التقسيم

يرى مراقبون أن إجراء امتحانات منفصلة في مناطق سيطرة كل طرف قد يفتح الباب أمام تكريس واقع الانقسام، ليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، وإنما على مستوى المؤسسات التعليمية والخدمات العامة أيضاً.

وفي هذا السياق، قال عضو لجنة المعلمين سامي الباقر إن تنظيم امتحانات مستقلة في مناطق سيطرة الجيش و«الدعم السريع» يمثل «مدخلاً خطيراً لتقسيم البلاد إدارياً وسياسياً». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «طالبنا مراراً بإبعاد ملف التعليم عن الصراع، وأن تتولى وزارة التربية والتعليم الاتحادية الإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة طرفي النزاع». واقترح الباقر تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى تنسيق الامتحانات والإشراف عليها في كل أنحاء السودان.

أسر سودانية تحتمي بأسوار إحدى المدارس في أم درمان هرباً من الحرب (أ.ب)

ويسيطر الجيش السوداني حالياً على ولايات الوسط والشرق والشمال، بما في ذلك سنار، ومعظم ولاية النيل الأزرق، وأجزاء واسعة من جنوب كردفان، إضافة إلى ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، فضلاً عن أجزاء من ولاية شمال كردفان.

في المقابل، تسيطر «قوات الدعم السريع» على ولايات دارفور الخمس: جنوب وغرب وشرق ووسط وشمال دارفور، إلى جانب أجزاء واسعة من ولايتي شمال وغرب كردفان، فيما تسيطر «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، الحليفة لحكومة «تأسيس»، على منطقة كاودا في جنوب كردفان.

وفي محاولة لمعالجة أوضاع الطلاب النازحين من دارفور، قال وزير التربية والتعليم في الولاية الشمالية، التجاني إبراهيم، إن الوزارة الاتحادية خصصت مراكز خاصة لاستقبال طلاب دارفور النازحين وتمكينهم من أداء الامتحانات دون عوائق.

وسبق أن أعلنت وزارة التربية والتعليم الاتحادية اكتمال ترتيبات السكن والإعاشة للطلاب والطالبات القادمين من دارفور إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.

إبعاد التعليم عن الصراع

ويستحضر كثير من التربويين تجربة الحرب السابقة في دارفور بين عامي 2003 و2010، حين كانت امتحانات الشهادة السودانية تُنظم في مناطق يتم التوافق عليها مسبقاً، مع توفير ترتيبات تضمن وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات ثم إعادتهم إلى مناطقهم بأمان.

من جانبه، قال الخبير في فضّ النزاعات عبد الله آدم خاطر إن الطلاب يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً من الحرب، بعدما حُرم آلاف منهم من حقهم في التعليم والامتحانات لأكثر من 3 أعوام متتالية.

الحرب ساهمت في ضياع 3 أعوام دراسية في السودان (أ.ف.ب)

وأضاف: «رغم الدعوات الداخلية والدولية المتكررة لإبعاد التعليم والصحة عن دائرة الصراع، فإن طرفي الحرب لم يستجيبا حتى الآن بالشكل المطلوب».

وأشار خاطر إلى أن تجربة التفاهمات التي جرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن تحييد منشآت النفط في منطقة هجليج بغرب كردفان من العمليات العسكرية، يمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق في ملف التعليم أيضاً. وقال: «إذا تمكن الطرفان من الاتفاق على حماية منشآت النفط، فمن الممكن، بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية بالتعليم، التوصل إلى تفاهم يضمن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد، بعيداً من خطوط القتال والانقسام السياسي».


إسقاط لفتاغرين... اختبار مزدوج لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

إسقاط لفتاغرين... اختبار مزدوج لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

4 أيام حاسمة شهدتها الخلافات بين الحكومة الصومالية الفيدرالية، و«ولاية جنوب غرب»، لتدخل مرحلة تغيير لرأس الإقليم، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية تكرار ذلك النموذج مع أقاليم متمردة أخرى، كولايتي «غوبالاند» و«بونتلاند».

ذلك التغيير الطارئ اعتبره خبير في الشأن الأفريقي والصومالي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، اختباراً مزدوجاً سياسياً وأمنياً لسلطة الصومال على الأقاليم المتمردة، «غير أنه ليس بالضرورة سيتكرر بأقاليم متمردة أخرى، في ظل خلافات مستمرة بين حكومة مقديشو وولايتي غوبالاند وبونتلاند، بشأن الدستور والصلاحيات، بخلاف الإقليم الانفصالي (أرض الصومال)، لاعتبارات مرتبطة بالقوة الأمنية والحاجة لدعم دولي». وتوقع 3 سيناريوهات، «أقربها التفاوض على الصلاحيات بين المركز والولايات المتمردة».

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (أرشيفية - وكالة الأنباء الصومالية)

وأعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشاكل الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

ومع وصول القوات المسلحة، الاثنين، أعلن رئيس ولاية «جنوب غرب»، عبد العزيز لفتاغرين، الاستقالة، بعد 7 سنوات من الحكم، وعيّن وزير المالية في حكومته أحمد محمد حسين رئيساً بالوكالة للإدارة الإقليمية، وفق إعلام صومالي.

ووسط خلافات مع الحكومة الفيدرالية بسبب الصلاحيات، أعلن لفتاغرين، الذي استقال من منصبه نائباً لرئيس الحزب الحاكم، تجميده علاقات الولاية معها، ثم إعلان فوزه بولاية ثانية بعد انتخابات رئاسية، السبت الماضي، لم تقبلها الحكومة، واعتبرتها غير قانونية، قبل أن تتحرك قوات فيدرالية تجاه بيدوا. وأعلن إقليم «جنوب غرب» الصومال، في بيان صحافي، «قلقه البالغ إزاء استخدام قوات الحكومة الفيدرالية الصومالية معدات عسكرية قدّمتها الحكومة التركية».

وقال الخبير في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، إن «إسقاط لفتاغرين اختبار جديد مزدوج سياسياً وأمنياً لسلطة مقديشو على الأقاليم المتمردة»، موضحاً «أن الحكومة أرادت إرسال رسالة بأن الانتخابات الإقليمية غير المتوافق عليها اتحادياً لن تُفرض كأمر واقع، عدا أن الأزمة مرتبطة أيضاً بخلافات حول تعديلات الدستور والنظام الانتخابي وتقاسم الصلاحيات بين المركز والولايات الأخرى».

عناصر من الجيش الصومالي (وكالة الأنباء الصومالية)

وتحمل الرسالة الأمنية، بحسب بري، ما مفاده «أن دخول الجيش الفيدرالي إلى عاصمة ولاية عضو في الاتحاد يمثل تحولاً مهماً في ميزان القوة، لكنه يظل نجاحاً تكتيكياً مؤقتاً، وليس حسماً استراتيجياً طويل المدى».

ولا تزال هناك خلافات بين الحكومة وولايتي غوبالاند وبونتلاند، مع رفضهما بنوداً في الدستور الجديد، والمساس بصلاحيات الولايات.

ويعتقد بري «أنه استراتيجياً لا يعني نجاح مقديشو في (جنوب غرب) قدرتها على تكرار النموذج في ولايات أخرى، مثل غوبالاند وبونتلاند، ويبدو الأمر صعباً جداً، لكنه ليس مستحيلاً».

ويرجع صعوبة التكرار إلى «أن غوبالاند تمتلك قيادة عسكرية محلية قوية، ولها شبكة علاقات إقليمية معقدة، وتبدو السيطرة على كسمايو عسكرياً أكثر صعوبة من بيدوا، فضلاً على أن الجغرافيا والحدود مع كينيا تمنحانها هامش مناورة أكبر... وكذلك بونتلاند أكثر استقلالية مؤسساتياً، وتمتلك قوات أمن منظمة، ولديها خبرة طويلة في إدارة ذاتها سياسياً وأمنياً، وتعتبر نفسها شريكاً مؤسساً للفيدرالية، وليست تابعاً لها»، وفق بري، موضحاً أن تكرار نموذج «جنوب غرب» في هاتين الولايتين أو إقليم أرض الصومال الانفصالي «يحتاج توافقاً سياسياً أو ضغطاً دولياً كبيراً، وليس تحركاً عسكرياً فقط».

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويبقى مستقبل الخلافات الفيدرالية في الصومال، بحسب الخبير في الشأن الأفريقي والصومالي، أمام 3 سيناريوهات محتملة: الأول، التصعيد التدريجي عبر استمرار المواجهة السياسية، واحتمال تحركات عسكرية محدودة، وتعطل مؤسسات التنسيق الفيدرالي. وهذا يحمل مخاطر واسعة، بخلاف السيناريو الثاني الذي يتمثل في إعادة التفاوض على النظام الفيدرالي، وهو الأكثر واقعية إذا تم الاتفاق على شكل الانتخابات، وحُسمت صلاحيات المركز والولايات. وهذا يحافظ على وحدة الدولة، فيما يقود السيناريو الثالث، حال إذا استمرت الخلافات مع غوبالاند وبونتلاند، وربما أطراف أخرى، إلى أزمة نظام سياسي، وليس أزمة ولاية واحدة فقط.


مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)
وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

أكدت مصر أن «نصيب الفرد من المياه يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وقال وزير الموارد المائية والري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً، وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يمثل نحو 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة».

وأشار إلى «توجيه أكثر من 75 في المائة من هذه الموارد لقطاع الزراعة لتأمين الغذاء للسكان، بينما يوفر هذا القطاع سبل العيش لأكثر من نصف المواطنين».

الحديث المصري جاء خلال مشاركة وزير الري في حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة، بحضور الممثل الخاص للمملكة المتحدة لشؤون المناخ، راشيل كايت، ونائب السفير البريطاني في القاهرة، كاثرين كار.

وحسب سويلم، فإن مشروع «المرونة المائية مبادرة متميزة تبرز كيف يمكن للشراكات والابتكار والمشاركة المجتمعية أن تسهم بفاعلية في مواجهة التحديات المتنامية المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ».

وأوضح أن أنشطة المشروع تتوافق بشكل مباشر مع استراتيجية وزارة الري «الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0» ، التي تركز على تحسين كفاءة استخدام المياه، ودمج إجراءات التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره في ممارسات إدارة المياه.

ولفت الوزير المصري، إلى ما يشهده العالم من تسارع وتيرة التنمية، والتأثيرات الكبيرة لتغير المناخ، التي تفرض ضغوطاً متنامية على الموارد المائية عالمياً، وأدت إلى تراجع نصيب الفرد من المياه، مؤكداً على الترابط الوثيق بين الأمنين المائي والغذائي، بما يضيف أعباءً إضافية على الدول الساعية إلى تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وأضاف أن «نصيب الفرد من المياه في مصر يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة »، حيث «يبلغ نحو 500 متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل نصف حد الندرة المائية العالمي».

نهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان بجنوب مصر (الشرق الأوسط)

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بـ«جامعة القاهرة»، عباس شراقي تحدث عن مصطلح «الندرة المطلقة»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «مصطلح أشد من الفقر المائي»، مضيفاً أن «الفقر المائي حسب تعريف الأمم المتحدة، عندما يقل احتياج الفرد عن 1000 متر مكعب سنوياً؛ لكن لو أقل من 500 يصبح فقراً مائياً شديداً». ويتابع: «حالياً في مصر نصيب الفرد 500 متر مكعب، والعام المقبل سيكون أقل، لأن عدد السكان في ازدياد، وأقل من هذا المعدل تدخل مصر في الفئة التي فيها فقر مائي شديد، أي ما يطلق عليه علمياً الندرة المطلقة».

لكن شراقي قلّل من مخاوف «الري المصرية» بشأن «الندرة المطلقة» للمياه، ويقول إن «مصر ليست الدولة الوحيدة في العالم التي نصيب الفرد فيها أقل من 500 متر مكعب، وهناك دول عربية نصيب الفرد فيها أقل من 1000 متر مكعب».

ويشير هنا، إلى «كيفية استخدام الكمية المتاحة لأي دولة من المياه بكفاءة، عبر استخدام طرق زراعة معروفة علمياً، وأساليب ري حديثة، وقد يكون حينها الـ400 متر مكعب أفضل من 2000».

كما يرى أن حديث «الري» المتكرر عن حصة مياه الفرد، «يهدف إلى إشعار المواطنين بالمسؤولية تجاه الاستخدامات، والترشيد، كما أنه رسالة للمجتمع الدولي بأن مصر تحافظ بشدة على مياه النيل لأنه مصدرها الوحيد ولديها ندرة مائية».

وتشدّد مصر في أكثر من محفل ولقاء رسمي على أهمية تعزيز التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة بين دول حوض النيل وفقاً للقانون الدولي، ولا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم الإضرار، ورفض الإجراءات الأحادية.

المشاركون بحفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحلّ نهائي وعادل للقضية، وهو ما رحّبت به القاهرة والخرطوم.

من جانبه، أشار وزير الري المصري، الثلاثاء، إلى أن «شراكة النمو الأخضر» بين مصر والمملكة المتحدة ستشكل ركيزة أساسية لتعزيز العلاقات الثنائية، والبناء على مخرجات مؤتمري المناخ «كوب 26» و«كوب 27» ودعم خطة عمل مشتركة للنمو الأخضر. كما ستوفر هذه «الشراكة» منصة للحوار المستمر من خلال «حوار النمو الأخضر» السنوي الذي يعقد بالتناوب بين البلدين، ويدعم تبادل الخبرات في مجالات تغير المناخ والقطاعات الحيوية مثل المياه والغذاء والطاقة.