المبشر: المبادرات الخارجية مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل على الليبيين بالقوة

رئيس «مجلس أعيان ليبيا» قال لـ«الشرق الأوسط» إن وجود السلاح عائق يُفشل أي انتخابات

الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
TT

المبشر: المبادرات الخارجية مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل على الليبيين بالقوة

الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد المبشر (الشرق الأوسط)

(حوار سياسي)
دعا الشيخ محمد المبشر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالح»، أطراف الصراع السياسي إلى «التنازل قليلاً بدل أن يخسروا كثيراً غداً»، وقال إن «الجميع في مركب واحد، ولا بد من البحث عن طريق للوصول إلى بر الأمان وليس أن يصل فريق ويُقصى الآخر».
ورأى المبشر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «القرار الدولي بإنهاء أزمة بلاده لم يُتخذ حتى الآن»، معبّراً عن اعتقاده أن «كل المؤتمرات التي تتم في الخارج، وليس منبعها الداخل الليبي، مآلها الفشل إلا إذا فُرض الحل بالقوة». مستبعداً نجاح الاحتجاجات الشبابية التي تشهدها بعض المدن الليبية في إزاحة الأجسام السياسية من المشهد راهناً. كما تطرق إلى الخطة التي أطلقها المجلس الرئاسي بشأن «الانسداد السياسي»، وعدّها «مجرد محاولة لتلمّس الحل، لينقصها الاستماع لجميع الأطراف». كما تحدث المبشر عن مدى إمكانية دخول حكومة فتحي باشاغا إلى العاصمة طرابلس، أو اندلاع حرب، وفرص إجراء انتخابات عامة في البلاد، ودور الوسيط الاجتماعي في حل الأزمة. وإلى نص الحوار:
> بدايةً... أين دور الوسطاء الاجتماعيين مما يحدث على الأرض راهناً... وهل تراجَع؟
- طبيعة الصراع في ليبيا سياسية كما نعلم، وبالتالي سُلّم ملف الأزمة إلى البعثة الأممية، وهنا فقد المصلحون المحليون أو الوسطاء الاجتماعيون الكثير من عناصر القوة التي كانوا يعتمدون عليها؛ والتي تتمثل في العمق الاجتماعي، وقوة التأثير على الجانب المُسلح. ومع انتشار قناعة لدى الليبيين بأنهم فقدوا الثقة في أنفسهم لم يتبق إلا دور محدود جداً لهؤلاء الوسطاء في التعاطي مع القضايا السياسية بين المجالس الموجودة. لكن على الصعيد الاجتماعي والقبلي والمدن وغيره فإنه لا يزال هناك دور للوسطاء بشكل فاعل، حتى ولو لم يُسلط عليه الإعلام الضوء، وهو قادر على تجاوز الكثير من المِحن والأزمات بالدلائل، وليس بالكلام فقط. علماً بأن هناك كثيراً من المُصلحين الذين يتعرضون للانتقادات، كما أن وجود أطراف سياسية استثمرت في العامل الاجتماعي لصالحها، سبّب إشكاليات حقيقية في زعزعة ثقة الليبيين بالوسطاء المحليين، لكنني واثق أن ليبيا تستطيع بعمقها الاجتماعي تجاوز محنتها بعون الله.
> على ذكر المصالحة... ما تقييمكم للرؤية الاستراتيجية لمشروع المصالحة التي أطلقها المجلس الرئاسي مؤخراً؟
- الحقيقة أنها استراتيجية تعب في تحضيرها عدد من الأكاديميين ومراكز البحوث، وهي في مجملها جيدة، لكنّ تنفيذها من عدمه يتوقف على صلاحيات المجلس الرئاسي الآن، وإمكانياته وقدرته في توحيد البلاد. وإذا تمكن من تحقيق ذلك بأن يكون قوياً خصوصاً أن لديه كل القدرات على إنجاح مشروع المصالحة، فإن ذلك سيكون جيداً، وإن لم يستطع فهذا أمر آخر.
> متى تتخلص ليبيا من حالة الاستقطاب المجتمعي في نظرك؟
- توجد في ليبيا بالطبع حالة استقطاب متعددة، سواء كانت آيديولوجية مسلحة أو جهوية، أو حتى عصبية قبلية، وهذا موجود في غالبية المجتمعات، لكن تتزايد حدّته في أثناء الحروب والخصومات الواضحة، وهذا الاستقطاب يقسّم ليبيا. لكن دائماً هناك خط فاصل يقف فيه المحايدون، ممن ينظرون إلى كل الليبيين على أنهم أبناؤهم. وبالتالي من الغباء السياسي اللجوء إلى تفريق ليبيا، وتقسميها بجعلها ثلاثة معسكرات أو أربعة، ومن يفعل ذلك سيفشل لأنهم سيقتنعون بأنهم شعب واحد مهما اختلفت الأفكار والآيديولوجيات، على الرغم من سطوة الإعلام والمال السياسي الكبيرة في تزايد هذه الحالة.
> وهل القائمون على حكم ليبيا لم يفهموا طبيعتها الاجتماعية؟
هناك قصور في فهم «الكيمياء» الاجتماعية. فالليبيون ليسوا عبارة عن مجتمع قبلي بالمطلق مبنيّ على الهيكلية القبلية مثل أفغانستان أو اليمن، القبلية في ليبيا لها بُعد آخر، وكل من أراد أن يحكم البلاد بعد عام 2011 لم يتعاطَ بفهمٍ حقيقي وعميق لجهة التعامل مع التوازنات الاجتماعية التي تؤثر في الدور السياسي. فهو إما يريد إقحام القبيلة في السياسة وإما ينفيها ولا يعتدّ بها ظناً منه أنها عديمة القيمة. هناك عقد اجتماعي خفيّ بين الليبيين متعارف عليه يجب أن يصل إليه من يدير البلاد، ويصبح هو من يُنظم كل عناصر القوة في المجتمع من أجل استقراره، وتخفيف المعاناة عنه. ولا أرى أن كل من تسلّم السلطة تصرف بطريقة عميقة وحكيمة في التعامل مع هذا الموضوع. فـ«الكيمياء» الاجتماعية والسياسية في ليبيا خليط واحد، ويجب أن تكون هناك إدارة من رأس الدولة لطريقة توظيفها بشكل سليم من أجل صناعة الاستقرار.
> ما تعليقكم على الخطة التي أطلقها المجلس الرئاسي لـ«حل الانسداد السياسي»؟
- هي مجرد محاولة من (السيد) محمد المنفي (رئيس المجلس الرئاسي) لتلمّس الحل، لكن كان يجب استباق هذه الخطوة بخطوات، وألا يعتمد فقط على ما يسمعه من الأحزاب السياسية، أو الشباب الذين خرجوا إلى الشارع للتظاهر. ومن بينها الذهاب إلى جميع الأطراف والاستماع إليها كي يتمكن من وضع تصور حقيقي ومقبول. لكن أن تعلن بمفردك عن خطة لحل الأزمة، وأنت لا تملك الصلاحيات وفق (اتفاق جنيف)، فسوف يُطعن فيها، ولا تحقق نجاحاً حتى لو أقنعت بها بعض الأطراف. ما طرحه المنفي كان يجب أن يُبنى على تجربة سابقة في ليبيا، وكل من يطرح مبادرة الآن يتم انتقادها لأسباب عدة؛ ولو استُشرتُ في هذا الموضوع قبل طرحه لنصحت بدراسة القضية بتعمق أكبر.
> شهدت ليبيا مبادرات خارجية عدة لكن دون نتائج ملموسة... ما تعقيبك؟
- في رأيي الاجتماعات و(خرائط الطريق)، التي تَرِد إلينا من الخارج ليست نابعة من قناعة وإرادة ليبية محلية حقيقية، وبالتالي فكل المؤتمرات التي تتم بالخارج وليس منبعها الداخل الليبي مرهونة بالفشل، اللهم إلا إذا فُرض الحل بالقوة عبر قرارات مجلس الأمن أو بضغط دولي كبير، وفي هذه الحالة يمكن أن تنجح. ولديّ نموذج الصومال الذي فشل في التوصل إلا حلول إلى أن أنجز في شمال البلاد منطقة (صومالي لاند). إذن القرار الوطني الحقيقي المبنيّ على قناعة سيكون هو الحل، وليس المؤتمرات والحوارات الدولية. وهنا نلفت إلى أن تقاطعات المصالح، التي تعمل عليها بعض الدول الخارجية وتضاربها في ليبيا، أفشل غالبية المبادرات.
> إذن لماذا تُبذل الجهود السياسية الدولية؟
- الجهود السياسية ليست للحل أصلاً، لكنها لإدارة الأزمة. هناك الكثير من المصالح الدولية والمحلية التي تتحكم في الصراع الليبي، وفي تصوري لم يُتخذ القرار الدولي لإنهاء هذا الصراع بعد. هناك اتفاق على إدارة الصراع، كما توجد إرادة وطنية تحاول تقصير زمن المعاناة، لكن تظل أدوات الفعل القوية في قبضة المجتمع الدولي، وليست في يد الوطنيين، إلا إذا قامت ثورة قوية جداً تقلب الطاولة على الجميع، وتعيد السيادة الوطنية. إنهم يديرون الصراع وفق إدارة مصالحهم.
> بالعودة إلى ما يجري في ليبيا... هل يمكن أن تنجح المظاهرات التي تخرج للشارع من وقت إلى آخر في إزاحة الوجوه السياسية الراهنة من المشهد؟
- لا أعتقد ذلك. فالمظاهرات التي تشهدها البلاد لم تكتسب الزخم الحقيقي الكبير الذي يمكّنها من أن تقلب الطاولة وتغيِّر المشهد الحالي، نعم لديها تأثير، وتمارس ضغطاً حقيقياً على الأطراف السياسية، لكن لن تنجح في إزاحتها من المشهد.
> البعض يبشّر بثورة شعبية في ليبيا؟
- أستبعد ذلك، وأستبعد أن يخرج جميع المواطنين إلى الشارع. هذا أمر لا يزال بعيداً، والحراك الشبابي سيضغط بشكل معين، وقد ينجح في حدود معينة، لكن المشهد في ليبيا مُربك، ولن تكون هناك ثورة شعبية تغير المشهد في البلاد بالكامل. هذا اعتقادي.
> هل تتوقع دخول حكومة باشاغا طرابلس بالقوة بعد تحييد العدد الأكبر من المجموعات المسلحة؟
- لن يحدث أي جديد فيما يتعلق بحكومتي الدبيبة وباشاغا، إلا من خلال اتفاق دولي بين الحكومتين، ولن يدخل باشاغا طرابلس بالحرب، لأن الأخيرة ليست قراراً محلياً فقط، بل تخضع لحسابات دولية وإقليمية حتى لو صارت بعض المناوشات. أعتقد أن القضية الليبية ليست في يد السياسيين بالمطلق، لأن هذا القرار له علاقة بأطراف دولية وأصحاب المصالح الكبرى في ليبيا. وبالتالي فلكي تدخل حكومة (السيد) باشاغا طرابلس لا بد أن يكون وفق اتفاق دولي، وهذا ليس تقليلاً من قيمة الليبيين... هذه هي الحقيقة.
> وماذا عن وعودهما بالاستعداد لإجراء الانتخابات؟
- أولاً وقبل الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لا بد من توافق وطني، وفق عقد وميثاق يحترم بمقتضاه الجميع نتائج هذه الاستحقاقات. كما أن وجود السلاح يعد من عوامل إفشال أي انتخابات، وحتى لو تمّت وحظيت باعتراف دولي فستظلّ المشكلة قائمة. لذا يجب توفر ضمانات من جميع الأطراف بالالتزام بالنتائج. إذا حدث ذلك ستنجح الانتخابات، ويتمكن الرئيس القادم من ممارسة عمله، غير هذا مجرد إضاعة للوقت.
> لمن تُحمّل فشل حل الأزمة الليبية منذ عِقد وأكثر؟
- لليبيين، لأننا فقدنا الثقة فيما بيننا، والفاشل هو من يلقي باللوم على الغير، ولا يتحمل مسؤولية ما أقدم عليه. المسؤولية الحقيقية تقع علينا نحن، وليس على البعثة الأممية، أو الأطراف الخارجية. صحيح هم يتدخلون لكنّ المسؤولية تقع على شعبنا وعلى سياسيينا، وعلى أطراف الصراع، لذا يتوجب عليهم التنازل قليلاً اليوم خير لهم من أن يخسروا الكثير غداً. الوطن باقٍ ومن بداخله راحلون.
وهنا أقول، ليبيا أكبر من الجميع، أكبر من السياسيين والعابثين بها، إنها تستحق أفضل من ذلك، ولا بد أن نبحث عن طريق للوصول جميعاً إلى بر الأمان، وليس أن يصل طرف معين دون الآخر، والباقي يُقصى؛ فنحن في مركب واحد، وبالتالي لا بد من اختيار رئيس شمولي يحترم الجميع، ويستطيع أن ينتشل ليبيا ويسير بها إلى الأمام.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الموريتانية، مساء الثلاثاء، قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد حكم الاستئناف القاضي بحرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية 5 سنوات، في تطور يفتح الباب أمام إعلان شغور مقعديهما بالبرلمان رسمياً.

وتنتمي النائبتان إلى حركة «إيرا» الحقوقية، ودخلتا البرلمان عبر حزب «الصواب» ذي الميول القومية البعثية، وتعود القضية إلى أبريل (نيسان) الماضي، إثر بثّ مباشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» انتقدت خلاله البرلمانيتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات اعتبرت النيابة العامة أنها تضمنت مساساً بالرموز الوطنية، وإهانة لرئيس الجمهورية، وتحريضاً على العنف.

وجرى توقيف البرلمانيتين بموجب حالة «التلبس»، التي تتيح تجاوز الحصانة البرلمانية استثنائياً، حيث أصدرت محكمة نواكشوط الغربية في مايو (أيار) حكماً بسجنهما 4 سنوات نافذة، خفّفتها محكمة الاستئناف في يوليو (تموز) إلى سنتين، مع إضافة الحرمان من الحقوق السياسية 5 سنوات، وهو الشق الذي يمس مباشرة عضويتهما البرلمانية.

وبعد صدور قرار محكمة الاستئناف، أصدر الرئيس ولد الغزواني عفواً رئاسياً أسقط عقوبة السجن، لكنه استثنى الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، فيما أصدر المجلس الدستوري بعد ذلك قراراً يقضى بعدم إمكانية تأكيد فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية في تلك المرحلة.

واستند المجلس في قراره إلى أن حكم محكمة الاستئناف، الصادر وقتها، لم يكن قد اكتسب بعد الصفة النهائية لكونه لا يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا؛ وبالتالي عادت البرلمانيتان إلى البرلمان مؤقتاً بعدما كان الحرس قد منعهما من الدخول في وقت سابق. غير أن هذه العودة لم تخلُ من توتر إضافي، إذ فرض البرلمان لاحقاً عقوبات تأديبية بحقهما تمثلت في طرد مؤقت، إثر اعتصام نظمتاه داخل المبنى.

واليوم أصبح حكم الحرمان نهائياً بقرار المحكمة العليا، حيث يتوقع أن تبدأ إجراءات خروجهما من البرلمان ليحل محلهما آخران من نفس الحزب.

وكان قرار المحكمة قد فجّر جدلاً سياسياً حاداً، حيث انتقد حزب «الصواب»، في بيان، قرار المحكمة العليا، معتبراً أنه يندرج ضمن «سياسة إسكات أصوات المعارضين» والتضييق على البرلمانيين، ومستشهداً بالمادة 50 من الدستور التي تحظر متابعة أي نائب بسبب رأيه أو تصويته أثناء أداء مهامه.

ووصف الحزب توقيت القرار بأنه يأتي في «ظرف سياسي دقيق»، مشيراً إلى أن المساس بحرية النائبتين يمتد أثره إلى «حق المواطنين في التمثيل» داخل البرلمان.

ويتجدد هذا الجدل، في وقت تستعد الأطراف السياسية لتنظيم حوار وطني شامل، دعا له ولد الغزواني، بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي يقود إلى إصلاحات متفق عليها.


«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
TT

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس، وذلك خلال زيارة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي إلى واشنطن، التي شملت لقاءات مع مسؤولين أميركيين بارزين.

والتقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بتوقيت طرابلس.

وشملت المباحثات، بحسب بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية وتبادل الخبرات، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها مع الأطراف الليبية بشأن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويكتسب لقاء الطرابلسي مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي دلالة إضافية، إذ يضع التعاون الأمني الليبي ـ الأميركي في إطار الاتصالات الأوسع التي تجريها واشنطن بشأن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية وترتيبات توحيدها.

الأمين العام للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خيري التميمي خلال لقاء مع وفد عسكري فرنسي في بنغازي الثلاثاء (إعلام القيادة العامة)

ووفق بيان للحكومة، تناولت اللقاءات سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين، وتعزيز القدرات وتبادل الخبرات، فضلاً عن ملف الهجرة غير النظامية والحد من تداعياتها، ورفع قدرات المؤسسات المختصة في تأمين الحدود والتعامل مع هذا الملف.

وشدد الجانبان على أهمية استمرار التنسيق والتواصل، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وذهب الطرابلسي إلى التأكيد على «أهمية تطوير مجالات العمل المشترك بين المؤسسات الأمنية الليبية ونظيرتها الأميركية، ورفع القدرات الأمنية وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، إلى جانب تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود».

وتأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه طرابلس تحركات لإعادة ترتيب انتشار التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية، وسط استمرار تعدد القوى الفاعلة داخل العاصمة وتداخل مناطق نفوذها.

وبحسب مصدر سياسي مطلع في طرابلس، تتزامن التحركات الأميركية مع ترتيبات أمنية تقودها أطراف في حكومة «الوحدة»، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، لإعادة تنظيم الخريطة الأمنية والعسكرية في العاصمة.

وتداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن اعتماد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع أمني في مصراتة، خطة لإعادة توزيع التشكيلات المسلحة في طرابلس، بعد تصنيفها إلى «موثوقة» و«غير موثوقة». ولم تؤكد حكومة «الوحدة» هذه المعلومات أو تنفها.

وعاد التوتر خلال الأيام الماضية بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة، على خلفية خلاف بشأن الانتشار في «جزيرة القادسية» وسط طرابلس، بما يعكس استمرار هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعيد تشكيلها خلال العامين الماضيين، رغم مساعي حكومة «الوحدة» إلى إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

ومنذ اشتباكات العام الماضي، تعمل حكومة الدبيبة على إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في طرابلس، لكنها اعتمدت في الوقت نفسه على أكثر من قوة لتأمين العاصمة، الأمر الذي أبقى التوازن بين التشكيلات المسلحة عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة الانتشار الأمني.

وفي شرق ليبيا، برز تحرك فرنسي موازٍ مع قيادة الجيش الوطني، إذ استقبل الفريق خيري التميمي، الأمين العام للقيادة العامة، السفير الفرنسي تيري فالا والملحق العسكري الجديد تانغي تروغييه، الثلاثاء، في لقاء تناول تطوير العلاقات والتنسيق وتبادل الخبرات.

وجاء اللقاء عقب وصول سفينة الدعم الفرنسية «لوار» إلى قاعدة بنغازي البحرية. وتنتمي السفينة إلى فئة سفن الدعم والمساعدة متعددة المهام، وتستخدم في الدعم اللوجيستي والتدريب والمساعدة الفنية.

وكانت السفينة قد شاركت مؤخراً في نشاط بحري قبالة الساحل الغربي لليبيا، إلى جانب سفن جزائرية وإيطالية، ضمن أنشطة مبادرة «5+5 دفاع» الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلامة البحرية وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية العملياتية.

وتشارك فرنسا في رئاسة مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، وتدعم الحوار بين المؤسسات الأمنية في شرق ليبيا وغربها، بينما تضع الولايات المتحدة توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون الأمني ضمن محاور اتصالاتها مع الأطراف الليبية.


نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.