الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

ترحيب وسط مؤيدي الرئيس وناشطون معارضون يصفون المبادرة بـ«إجراء مرهون بالولاء»

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

تباينت المواقف إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج؛ إذ رحّب بها أنصار سياسات الحكومة، في حين ساد التوجّس لدى بعض المعنيين بالمبادرة، الذين رأوا أنها مشروطة بالتخلي عن مواقفهم السياسية إزاء قضايا الحكم.

وكان مجلس الوزراء قد أعلن في اجتماع عقده، الأحد، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون عن قرار بـ«تسوية وضعية الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في وضعيات هشة وغير قانونية»، حسبما أفاد به بيان لمجلس الوزراء.

وأكد البيان أن تبون «وجَّه نداءً إلى الشباب الجزائري الموجود بالخارج ممن دُفع بهم إلى الخطأ عمداً من قبل أشخاص اعتقدوا واهمين أنهم سيسيئون إلى مصداقية الدولة، بهدف استعمالهم بالخارج ضد بلدهم، بينما معظم هؤلاء الشباب لم يقترفوا سوى جنح صغيرة، كالتخوف من مجرد استدعاء من قبل الشرطة أو الدرك الوطني لسماعهم حول وقائع لها علاقة بالنظام العام أو أشياء أخرى من هذا القبيل».

الرئيس تبون في اجتماع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

وأضاف البيان مهاجماً جهة أو جهات لم يحددها: «أولئك الذين كانوا يودون استخدام الإحصائيات المتعلقة بالحرقة (الهجرة السرِّية) لتشويه سمعة الجزائر بهدف بث الارتباك بين الشباب ليفروا من الجزائر بصفة غير قانونية، نقول لهم إن هؤلاء الشباب يوجدون اليوم بعيدين عن وطنهم الأم وعن ذويهم وأصدقائهم، يعانون بسبب الفاقة والعوز ليتم استغلالهم في أعمال مهينة، بينما يُستعمل بعضهم الآخر ضد وطنهم».

ويشير الخطاب الرئاسي، بشكل خاص، إلى تقارير صحافية أجنبية تفيد بأن الأعداد الكبيرة للمهاجرين الجزائريين غير النظاميين عبر البحر المتوسط «هاربون من بلدهم بسبب القمع السياسي والظروف الاقتصادية الصعبة».

ووفق بيان مجلس الوزراء يجري استخدام هؤلاء المهاجرين «من قبل أوساط إجرامية وعصابات؛ ما يعرِّضهم إلى تشويه سمعتهم، سواء في البلد الذي يوجدون فيه أو في وطنهم الذي خرجوا منه».

وتابع البيان أن «مؤسسات الجمهورية اتخذت، بتوافق تام، قراراً بتسوية وضعية هؤلاء الجزائريات والجزائريين شريطة أن يلتزموا بعدم العود«؛ مؤكداً أن القنصليات الجزائرية في الخارج ستتكفل بتنفيذ الإجراءات المتعلقة بهذا القرار «إلى غاية رجوع أبناء الجزائر إلى وطنهم الأم».

فئات تقصيها «تدابير التهدئة»

غير أن هذه التدابير تُقصي فئة من المعارضين، بحسب البيان الرئاسي، وهم من «اقترفوا جرائم إراقة الدماء والمخدرات وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بوطنه الأم الجزائر».

ويُفهم من هذه الإجراءات ومن الخطاب الذي يشرحها أن المعنيين بها هم في الغالب من تعرضوا لملاحقات قضائية غيابياً بسبب انتمائهم إلى تنظيمات وضعتها السلطات الجزائرية على «لائحة الإرهاب»، ويأتي على رأسها «حركة تقرير مصير القبائل» التي أعلنت في 14 من الشهر الماضي قيام «دولة القبائل المستقلة» من باريس.

مظاهرة لانفصاليي القبائل في فرنسا (ناشطون)

وأصدرت الجزائر مذكرة اعتقال دولية ضد زعيم التنظيم فرحات المهني إثر إدانته بالسجن 20 سنة مع التنفيذ عام 2022.

وتُشكل «حركة تقرير مصير القبائل»، وهي ولايات تقع بشرق العاصمة الجزائرية وينطق سكانها بالأمازيغية، إحدى حلقات التوتر مع فرنسا التي تتهمها الجزائر بـ«توفير مأوى لإرهابيين يستهدفون ضرب استقرارنا الداخلي».

مظاهرة في منطقة القبائل رافضة لمشروع الانفصال (ناشطون)

ومن التنظيمات التي يُفترض أن تشملها إجراءات المنع من العفو تنظيم «رشاد» الإسلامي الذي ينتشر قياديوه في بريطانيا وسويسرا، وهم أيضاً متابَعون بتهمة «الإرهاب» و«المس بالاستقرار».

كما يشمل الإقصاء عشرات الصحافيين والناشطين الحقوقيين الذين غادروا الجزائر في السنوات الأخيرة، تحت ضغط الملاحقات الأمنية والمتابعات القضائية، والذين يقيمون حالياً في أوروبا وأميركا الشمالية بصفة لاجئين سياسيين.

واللافت في «إجراءات التهدئة» أن المعارض الذي يريد الاستفادة منها عليه أن يتعهد بعدم العودة إلى النشاط الذي كان سبباً في تعرُّضه للإدانة أو الملاحقة الأمنية كإصدار قرار من أجهزة الأمن يقضي بعدم دخوله إلى البلاد، أو بمنعه من السفر من جديد.

دعوة لـ«تمتين الصف الداخلي»

ووصفت «حركة البناء الوطني» في بيان، الاثنين، الإجراءات السياسية بـ«بادرة للتصالح الوطني... تُشكل خطوة إيجابية هامة لترقية التلاحم الوطني، وتمتين الجبهة الداخلية، ومن شأنها أيضاً بلا شك أن تعزز الثقة، وتسهم في تعزيز الاستقرار والسكينة العامة، وتُفشل مخططات الذين يضمرون العداء والحقد الدفين للوطن، ويُنصبون أنفسهم أوصياء على الشعب الجزائري ومصالحه وحقوقه».

من جهته، كتب البرلماني الإسلامي عبد الوهاب يعقوبي، ممثل المهاجرين في فرنسا، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «بصفتي نائباً عن الجالية الجزائرية بالخارج، أُثمن عالياً القرار الحكيم الذي اتخذه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والذي يفتح آفاقاً جديدة للإدماج وتسوية أوضاع فئة من شبابنا»، مشدداً على أنه يدعم «كل مبادرة من شأنها تعزيز التماسك الوطني، وتحسين أوضاع الجزائريين المقيمين في الخارج».

وأظهر سعيد صالحي، القيادي في «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» المحظورة، تحفظاً على المسعى، مؤكداً في منشور بمواقع التواصل الاجتماعي «أن ما يُنتظر فعلياً لرفع الحجر والخوف في البلاد هو تصويب حقيقي للمسار، عبر إصدار عفو شامل وإنهاء القمع، وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الجائرة، وفتح المجال السياسي والمدني والإعلامي دون قيود».

سعيد صالحي القيادي بـ«رابطة حقوق الإنسان المحظورة» (حسابه على وسائل التواصل)

وأوضح صالحي، وهو ناشط سياسي لاجئ في بلجيكا، أن الإعلان عن هذه الإجراءات «يأتي بعد أيام من زيارة مسؤولة المنظمة الدولية للهجرة، وبعد تناول ما يسمى برنامج الرجوع الطوعي للمهاجرين غير القانونيين. علماً أن هذا الإجراء معمول به منذ مدة تجاه النشطاء الذين تم العفو عنهم وتمكينهم من دخول البلاد مقابل التعهد أمام مصالح الأمن الخارجي في سفاراتنا بالكف عن أي نشاط سياسي وفرض الصمت الكامل عليهم».

وأضاف:«يحدث هذا في وقت يدير فيه رئيس الدولة ظهره لنداءات إطلاق سراح الشباب المعتقلين، وإنهاء القمع داخل البلاد».

وأفادت المنصة الإخبارية «إذاعة من لا صوت لهم»، التي تضم معارضين في الخارج، بأن المقاربة التي تنطوي عليها الإجراءات الرئاسية «تشبه في جوهرها طلب الولاء أكثر من كونها انفتاحاً سياسياً حقيقياً».


مقالات ذات صلة

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

شمال افريقيا الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر )
شمال افريقيا منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)

الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

تجد الجزائر نفسها، بوصفها رائدة إنتاج الغاز في أفريقيا والعاشرة عالمياً، في قلب استقطاب دولي غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

قرَّرت الجزائر، أمس (الخميس)، إعادة تفعيل «معاهدة الصداقة وحُسن الجوار والتعاون» التي تربطها بإسبانيا منذ أكتوبر «تشرين الأول» 2002.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية مع كبار المسؤولين الجزائريين (الرئاسة الجزائرية)

الغاز الجزائري يعيد رسم خريطة الثقة مع إسبانيا وإيطاليا

تقرر زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز إلى مدريد بنسبة 12 في المائة خلال زيارة وزير الخارجية الإسباني، اليوم (الخميس)، إلى الجزائر.


وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).