زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

رئيس الحكومة الراحل ينتقد دور دمشق ويقول إنها لم تعالج الأمور بحكمة

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام

تنشر «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم ثلاث حلقات من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل صائب سلام تغطي مراحل مهمة من فصول الأزمة اللبنانية، من دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 إلى الغزو الإسرائيلي للجنوب ومناطق واسعة وصولاً إلى بيروت سنة 1982 وما رافق ذلك من أدوار لعبها سلام كأحد أبرز زعماء الطائفة السنية، ومحاولاته لتقريب وجهات النظر والحرص على التوافق الإسلامي - المسيحي والمحافظة على موقع لبنان كبلد مستقل خارج الصراعات.
ويلفت في مذكرات صائب سلام حرصه على التدوين شبه اليومي لوقائع الأحداث واللقاءات والاجتماعات التي شارك فيها وصراحته المتناهية في تقييم القادة والسياسيين العرب واللبنانيين الذين التقاهم وتعاطى معهم.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوافرة في مكتبات لبنان ابتداءً من 28 يونيو (حزيران) وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
وفي هذه الحلقة يعرض سلام ما رافق انتخاب الرئيس إلياس سركيس ودخول القوات السورية واتصالاته في تلك الفترة مع الرئيس حافظ الأسد ومع قيادات لبنانية وفلسطينية.

مع كمال جنبلاط

يوم الاثنين 10 مايو (أيار) من عام 1976، أي بعد انتخاب إلياس سركيس مباشرة، اجتمع عندي النوّاب ريمون إدّه، إميل روحانا صقر، جميل كبّي، محمد يوسف بيضون، ميخائيل الضاهر، حسين الحسيني، حسن الرفاعي، ألبير منصور الذين كانوا قد قاطعوا الانتخابات، وبعد المداولة أصدرنا بياناً هادئاً ومختصراً جداً يدعو إلى التريّث، ولقد لفت النظر يومها أنّ ريمون إدّه أخذ الخسارة بروح طيّبة جداً، وبدا أقلّ تأثّراً من غيره بما حدث. بعد يومين عقدنا اجتماعاً جديداً، تبيّنَ لنا فيه أنّ «التريّث» لا يزال هو الموقف الصحيح، فأصدرنا بياناً جديداً يدعو إليه، ولكن يوم الاثنين التالي، قرّرنا أن نصعّد بعض الشيء، فاجتمعنا وأصدرنا بياناً نحذّر فيه من «استمرار المؤامرة» ونحمّل فيه المسؤولية لـ«أصحابها»؛ وذلك لأنّ الناس بدأت تضجّ من عدم التقدّم بأي خطوة منذ انتخاب سركيس، علماً بأنّ الشعور العامّ الذي ساد بعد انتخابه – رغم المرارة والقهر – كان فيه أمل بالانفراج.
في تلك الآونة، شعر «أبو عمّار» ورفاقه في المقاومة بضيقٍ شديد، فطلبوا عقد قمّة في عرمون، وتقرّر إيفاد السيّد موسى الصدر إلى دمشق في محاولة لإبلاغ السوريين مشاعر القلق التي تعترينا من جرّاء تدخّلهم العسكري، ولا سيّما بسبب ما حصل في طرابلس. وعند نهاية اجتماع القمّة المذكورة، جرت مشادّة بيني وبين المفتي الشيخ حسن خالد، كنت فيها شديد القسوة عليه، خصوصاً أنّني كنت متألّماً من موقفه (وموقف كرامي) المتملّق لسوريا، وعند المشادّة انسحبتُ من الاجتماع؛ الأمر الذي كان له ضجّة كبيرة في الصحف ولدى الرأي العامّ. وكان لموقفي تأييدٌ واسع عند المسلمين الذين قالوا لي إنّهم يشعرون من جديد بأنّني أحافظ على كرامتهم. ووصل الأمر إلى أنّ أسامة فاخوري وغيره من الذين يحقدون عليّ، لم يتمالكوا أنفسهم من الاتّصال بي هاتفياً لتهنئتي على موقفي!

قوات سوريا في بيروت في نوفمبر 1976 (غيتي)

بعد عودة موسى الصدر من دمشق، عقد أعيان قمّة عرمون اجتماعاً آخر آثرت ألّا أحضره، عند ذلك زارني هاني الحسن موفداً من قبل «أبو عمّار»، يرجوني الحضور، فتمنّعت وهو ما زاد من تحبيذ موقفي عند الجميع، بينما ازدادت نقمة الشارع الإسلامي على المفتي وعلى رشيد كرامي.
وعطفاً على موقفي، أسرع شبابنا في «المقاومة الشعبية – روّاد الإصلاح» إلى إعادة قطَع السلاح التي كان الرئيس حافظ الأسد قد أهداها إلينا، وذلك بعد أن طالبتْنا قوّات «الصاعقة» بإعادتها!
بعد ذلك تلقيتُ دعوة أخرى من «أبو عمّار» لملاقاته في عرمون، حيث سيحضر من دمشق مباشرة برفقة عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الثاني بعد القذّافي، فأجبتُ بأنّني حاضر للاجتماع بهما متى أرادا، ولكن ليس في عرمون، فأنا منسحب مما يسمّى «قمّة عرمون». المهمّ، اجتمع جلّود بكرامي واليافي عند المفتي، كما اجتمع بجنبلاط والأحزاب، وبعد ذلك توجّه إلى بغداد. والحقيقة، أنّ زيارة جلّود للبنان أحدثتْ ضجّة كبيرة، حيث إنّ الناس أملوا منها خيراً. لكن ذلك كله سرعان ما ذهب أدراج الرياح؛ إذ إنّ جلّود نفسه أعلن قبل مغادرته بيروت، أنّ زيارته لم تكن للوساطة، حيث إنّه وليبيا، يؤيّدان المقاومة والحركة الوطنية، لذلك فهما طرف!
في تلك الأثناء كان قد عُقد اجتماع بين الرئيس إلياس سركيس وكمال جنبلاط بوساطة من المقاومة، وفي حضور «أبو عمّار» و«أبو إياد»، وكان قد جاءني باسل عقل، من قبَل «أبو إياد»، يسألني ما إن كنت أوافق على الاجتماع بإلياس سركيس بوساطتهم، فأجبتُه بأنّني أقبل ذلك ولكن بتحفّظ، أولاً لأنّني لا أوافق على أن يكون الاجتماع سرّياً، كما جرى مع جنبلاط، الذي سرعان ما انفضح اجتماعه بسركيس فأدّى ذلك إلى توجيه الانتقاد إليه من قِبل الأكثرية، وأنا طول عمري كنت ولا أزال ضدّ الاجتماعات السرّية، وخصوصاً أنّ ما من سرٍّ يمكن أن يبقى سرّاً في لبنان، فهو ينكشف على الفور، وحين ينكشف تكون النتيجة غير مُرضية. وبعد ذلك قلتُ إنّني أربط اجتماعي بسركيس باجتماعه بإدّه، إذا كان راغباً في ذلك، وقلت له إنّني على أي حال أحبّ أن أستشير بعض الزملاء والنوّاب قبل الموافقة النهائية على الاجتماع، وأصررتُ، على أي حال، على أنّ الغاية من الاجتماع يجب أن تكون المصارحة الكاملة، وأنّ ذلك يجب أن يكون مفهوماً. بعد ذلك خابرني باسل عقل يسألني ماذا جَدَّ في الأمر، فقلت إنّني أؤكّد استعدادي بعد مشاورة زملائي في «الجبهة النيابية»، فراجع «أبو إياد» مصادره، ثمّ أبلغني بأنّهم سيرتّبون اللقاء خلال 48 ساعة.

صائب سلام في اجتماع مع الرئيس اللبناني الأسبق إلياس سركيس

- الجيش السوري في لبنان
في الأول من يونيو 1976، انجلت الأمور عبر أحداث يومٍ تاريخي حقاً! ففي ذلك اليوم حدث ما كان يتوقّعه الكثيرون ويعتبرونه التتمّة المنطقية لما كان يحدث: فقد دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية من الشمال ومن الشرق تحت ذريعة حماية المسيحيين... وفي زحلة (بقاعاً) والقبيّات (شمالاً). والحال أنّ الكثيرين من المراقبين كانوا يتساءلون قبل ذلك بأيّام عن السرّ الكامن وراء عنف الأحداث من حول زحلة والقبيّات. وهكذا، بدلاً من أن تسوّى الأمور بحكمة من قبَل السوريين الذين كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك من دون تدخّل عسكري كبير، ها هي الأمور تؤدّي إلى ذلك التدخّل. مهما يكن، على الرغم من أن أطرافاً إسلامية وفلسطينية عديدة كانت تنظر بعين الخشية إلى تزايد التدخّل السوري خلال الأشهر الأخيرة، معتبرة إيّاه مقدّمة لوجودٍ عسكري كثيف، فإنّ الأوضاع اليائسة أودت بالناس إلى تمنّي مجيء أي جيوش لتوقف المجزرة الجماعية، ولتحقق الخلاص. والسؤال اليوم، بعدما حدث ما حدث، هل يكون الخلاص على يد الجيش السوري، أم تتفاقم الأمور في لبنان، وبعد ذلك في سوريا كما يقول بعض الذين يتحدّثون عن وجود مؤامرة أميركية - دولية، تستهدف تمزيق لبنان، ومن ثمّ توريط السوريين لتمزيق سوريا أيضاً؟
عندما صار دخول الجيش السوري حقيقة واقعة، عقَدَ كمال جنبلاط والمقاومة اجتماعات عديدة، وأصدروا العديد من البيانات العنيفة والتصعيدية مع تهديد بالتصادم والمجابهة.
كانت أيّاماً عصيبة تلك التي تلتْ دخول القوّات السورية، حيث تلاحقت الأحداث العسكرية والسياسية بشكل يقطع الأنفاس، وبدت «المقاومة الفلسطينية» مجبرة على خوض العديد من المعارك، سواء أكان ذلك على الجبهة مع السوريين، أم مع «الكتائب» وحلفائهم. غير أنّ ضراوة المعركة وطابعها المصيري لم يوقفا المقاومة عن العديد من التصرّفات التي تثير شكوى الناس. ويبدو أنّ أركان المقاومة شعروا بما يشكو منه الناس وما أشكو منه أنا من تصرّفاتهم، فجاءني «أبو اللطف» برفقة باسل عقل، وكان بيننا حديث طويل، حاول «أبو اللطف» فيه تبرير تصرّفاتهم، فكنت صريحا معه بإيضاح بعض مآخذي، ولا سيّما إهمالهم مشاعر المسلمين الذين هم الأرضية الصلبة التي يجب أن يرتكز عليها الفلسطينيون، ومع هذا، أفهمتُ «أبو اللطف» أنّنا باقون معهم بكلّ إمكاناتنا رغم ما نلقاه منهم؛ لأنّنا نعتبر أنفسنا أصحاب القضيّة مثلهم، ولا نعتبر أننا مثل أولئك الذين يلتفّون حولهم لمنافع سياسية مؤقتة.
جاءني عصام العرب ورفاقه، وهم من المحسوبين على ليبيا، ليبلغ تمّام أنّ عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الذي كان يزور بيروت في ذلك الحين، يرغب في الاجتماع بي مع رؤساء الوزارات وبعض الشخصيات، فأبلغه تمّام اعتذاري عن ذلك. في الساعة الرابعة من اليوم نفسه جاءني رسول من المقاومة ليبلغني، هو الآخر، أنّ جلّود يصرّ على الاجتماع بي في غرفة العمليات، فاعتذرتُ مرّة أخرى، فجاء رسول ثالث، ليقول لي إنّ جلّود سينتظرني في مقرّ الدائرة السياسية للمقاومة فاعتذرت مرّة ثالثة. وقد اعتذرت كلّ تلك المرّات حفاظاً على كرامتي تجاه جلّود وتجاه المقاومة. هذا بينما رشيد كرامي، وهو رئيس الحكومة، أتى عند عصام العرب ليجتمع بجلّود في حضور عبد الله اليافي وعدنان الحكيم ومحمد قبّاني. ويبدو أنّ اعتذاري المتكرّر كان له مفعوله لدى جلّود؛ إذ ما إن حلّت الساعة الثامنة مساءً، حتى وجدتُه يدخل علي في بيتي ومعه «أبو إياد» و«أبو اللطف»، دون سابق إعلام.
كان الحديث مع جلّود مستفيضاً، وأنا قدّرت له ولغيره غيرتهم ومساعيهم؛ إذ إنّه – والحقُّ يقال، مهما كانت دوافعه – كان العربي الوحيد الذي أبدى مثل ذلك الاهتمام وبذل مثل ذلك الجهد بالنسبة إلى الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان في تلك الآونة. من جهتي، نبّهتُه إلى ما اعتدتُ أن أنبّه إليه أركان المقاومة، من ضرورة عدم إهمال المجتمع الإسلامي في لبنان. ثمّ شرحتُ له تفاصيل ما دار بين الرئيس السوري حافظ الأسد وبيني من أحاديث. وصارحت جلّود بأنّني مقتنع الآن بأنّني كنت على غشاوة حين اعتقدتُ صحّة كلّ ما قاله لي الرئيس الأسد، وما زلت على هذه الغشاوة حتى الآن؛ إذ إنّني لا أريد أن أفقد إيماني بحسن نواياه تجاه لبنان. وأحببت أن أُفهم جلّود أنّ انهيار «منظمة الصاعقة» في بيروت كان نتيجة للنقمة الإسلامية العارمة والموقف الصلب الذي وقفناه تجاهها، وطالبتُ جلّود بأن يحاول، إن استطاع، اجتذاب الكتائبيين بفصلهم عن سليمان فرنجيّة وكميل شمعون المساندَين لكلّ أنواع الإجرام، قائلاً له «إن هذه هي خطتي الأساسية التي أتّبعها على الرغم من كلّ ما صدر عن الكتائبيين من وحشية وعنف وإجرام».
- الاجتياح السوري الجديد
ما كدنا نطمئنّ إلى بعض التفاؤل، حتى أتتنا الأنباء متوالية تتحدّث عن اجتياح سوري جديد في منطقة جزّين – صيدا، ومنطقة بعبدا – شانيه عاليه، ولقد ولّد ذلك قلقاً كبيراً عند الكثيرين. طبعاً هذه المرّة لم تكن ردّة فعل المسلمين مماثلة لردّة فعلهم السابقة، يوم دخل الجيش السوري لأول مرّة في يونيو. فالظروف كانت قد تبدّلت كثيراً، ونقمة المسلمين تفاقمت ضدّ المقاومة، بالنسبة إلى الممارسات غير المحمولة، وبالنسبة إلى المساندة المستمرّة التي يلقاها جنبلاط والشيوعيون من هذه المقاومة. إنّ المسلمين يشكون مُرّ الشكوى من الفلسطينيين وعلى الصعد كافة؛ لذلك لا يمكنهم أن يقيسوا ذلك بما يمكن أن يلاقوه على أيدي السوريين، ما دام هذا لم يحصل بعد!
مهما يكن، فإنّ خطة السوريين لم تتوضّح بعد، هل تراهم سيقومون بعمليات محدودة في الجنوب والجبل، أم أنّ ما يقومون به ليس سوى خطوة نحو احتلال شامل للبنان؟ على كلٍّ، هذه المرّة – كما أشرت – لم تصدر ردود فعل عنيفة ضدّهم، بل ولا حتى ردّات فعل عادية. وأنا بدوري لم أتكلم! فمن جهة «أبو عمّار» وجماعته كفّوا عن الاتّصال بي منذ أسبوع على رغم اتّصالي الدائم بهم، ومن جهة أخرى ها هم قد مضوا في تنفيذ خطّتهم مع «المجلس السياسي» و«الإدارة المدنية» و«الأمن الشعبي» في بيروت على رغم امتناعي عن إصدار البيان، وعلى الرغم مما شرحتُه لـ«أبو عمّار» عن الضرر الذي يخشاه أهل بيروت من تسليم شؤونهم لهذا المجلس الذي يسيطر عليه الشيوعيون، وخصوصاً في نواحي الأمن والأمور المعيشية (طحين ومحروقات وغيرها) وفي إدارة المدارس. فالأمن عند من يطلق عليهم اسم «الإدارة المدنية»، يتسلّمه صورياً سنان براج، ولكن وراءهفي الحقيقة ثلاثة شيوعيين حتماً، وهم: إسبر بيطار، «طانيوس» و«كميل». وإدارة التربية كذلك، والدعاية أيضاً، ومن وراء هذا كله أقدَر الشيوعيين، الأمين العام محسن إبراهيم الذي أطلق عليه اسم «ميني بريجنيف»!
- قمة سداسية في الرياض
اتّصل بي علي الشاعر هاتفياً ليبلغني أنّه قد جرى اتفاق على عقد قمّة سداسية في السعودية يحضرها الملك خالد، الأمير الكويتي الشيخ صباح السالم الصباح، الرئيس المصري أنور السادات، الرئيس السوري حافظ الأسد، الرئيس اللبناني إلياس سركيس و«أبو عمّار»، على أن يحاط عقد القمّة بتكتّم شديد. أنا، لمعرفتي بالخبرة، أنّ السرّية في مثل هذه الأمور مستحيلة، أوصلتُ الخبر لبعض أعضاء «الجبهة» وغيرهم! ولم يخبْ تقديري على أي حال، إذ بعد أقلّ من نصف ساعة كان راديو «مونتي كارلو» يذيع الخبر نقلاً عن نيويورك، كما أذاعه راديو «الكتائب» في الوقت نفسه نقلاً عن بيار الجميّل، نقلاً عن إلياس سركيس...
حاولت أن أساعد رشيد كرامي في توجّهه إلى السعودية، بعد أن علمتُ أنّ إلياس سركيس طلب منه مرافقته. كان على كرامي، لكي يتوجّه إلى السعودية، أن يصل أولاً إلى دمشق، لكنّه لم يكن راغباً في أن يخاطر عابراً الطريق إلى العاصمة السورية. هاتفت الشاعر فعلمت منه أنّه سيذهب إلى بعبدا ومن هناك سيرافق سركيس إلى السعودية. اتّصلت بكرامي أغريه بأن يذهب معه فرفض خشية خطر الطريق، إثر ذلك علمت من «أبو عمّار» أنّ طريق مرجعيون سالكة، فهاتفت كرامي مرّة أخرى، فتمنّع قائلاً، إنّ سركيس والسوريين أبلغوه أنّ الطريق خطرة!
ولأول مرّة منذ عشرة أيّام هتفت لياسر عرفات؛ إذ وجدتُ أنّ من غير المناسب في ظروفهم الحالية، وبعد زيارة هاني الحسن لي قبل يوم، وبعد الإعلان عن عقد «قمّة الرياض»، من غير المناسب ألّا أتّصل بالزعيم الفلسطيني قبل سفره، فأشجّعه وأطلب له التوفيق. شعرت على الفور بأنّ مكالمتي كانت بالنسبة إليه أشبه بهبَة من السماء، وكانت مجاملته لي أكثر من المعقول!
على الرغم من انعقاد «قمّة الرياض»، وإشاعتها جوّاً عارماً من التفاؤل، سرعان ما تفاقمت الأمور بعد أيّام قليلة وبشكل أشدّ خطورة وسوءاً من أي وقت مضى، إذ بين يومي 20 و21 أكتوبر (تشرين الأول)، أمضت بيروت أشدّ أيّامها هولاً، بسبب قصف عشوائي يشتدّ حيناً ثمّ يخفّ ويهدأ ليلاً ساعات قليلة لسبب مجهول، ثمّ يشتدّ بصورة مخيفة. قدّر البعض عدد القذائف التي هطلت على جانبَي بيروت بأكثر من خمسة آلاف قذيفة خلال اليومين الأخيرين. أمّا القتلى فتساقطوا بالعشرات والجرحى بالمئات. اتّصلتُ مراراً ببيار الجميّل وبياسر عرفات، وبغيرهما طبعاً، وكنت أحاول أن أحثّ الجميع، وخصوصاً زعيم «الكتائب» وزعيم «المقاومة الفلسطينية»، على التعاون في سبيل إيقاف تلك المجازر المرعبة. وأعتقد أنّني كنت الوحيد الذي يمكنه أن يتّصل بالفريقين معاً. يوم الخميس 21 أكتوبر كنّا قد أمضينا ليلتين في الطابق الأسفل أو الأوسط، وبدا لنا لبعض الوقت أنّ الجحيم الذي فُتح لن يهدأ أبداً. ولكن اعتباراً من يوم الأحد التالي، بدأت نتائج «مؤتمر الرياض» تلوح ميدانياً، فهدأ القصف إلى حدٍّ ما... وساد الأمل في أن يكون وقف النار الجزئي والنسبي الذي ساد في ذلك اليوم، نهائيا هذه المرّة.
مهما يكن، فإنّنا سرعان ما عدنا إلى عيشنا الروتيني، أنا بتّ لا أخرج من الدار إلّا نادراً، ودائماً يرافقني مسلّحون في سيّارة أمامي، وآخرون في سيّارة جيب تسير خلف سيّارتي. ولولا اضطراري إلى المشاركة في اجتماعات «جبهة الاتّحاد الوطني» و«التجمّع الإسلامي» لما كان من شأني أن أخرج أبداً.
- اغتيال كمال جنبلاط وارتداداته
في السادس عشر من مارس (آذار) 1977، اغتيل كمال جنبلاط على طريق المختارة في منطقة الشوف، وكان لذلك الاغتيال رجّة كبيرة في طول لبنان وعرضه، وقد حصلت من قِبل أهل الشوف الدروز ردّة فعل فورية غاضبة، ذهب ضحيّتها أكثر من مائة شوفي مسيحي، ولا سيّما في قرية مزرعة الشوف القريبة من المختارة.
كان واضحاً أنّ البلد مقبل على فتنة كبيرة، قد تكون أكبر من أي فتنة أخرى عرفها، وذلك بسبب مكانة جنبلاط في لبنان، وبسبب تعقّد الظروف اللبنانية، وخصوصاً بسبب الغموض الذي أحاط بالجريمة وجعل محاسبة أي كان عليها بديلاً من محاسبة المسؤولين الحقيقيين عنها. ولئن كان «شمعون» والشمعونيون تعمّدوا إذكاء نار الفتنة، عبر تحريض المسيحيين على إبداء ردود فعل مضادّة على ما حدث لمسيحيي الشوف، فإنّني من جهتي سارعتُ إلى التعاون مع «حزب الكتائب» في محاولة منّا لوأد نار الفتنة، قد نجحنا في ذلك إلى الحدّ الأبعد، وخصوصاً أنّ وليد جنبلاط نجل الزعيم الراحل تبدّى على الفور عاقلاً وحكيماً، وقرّر أن يدفن والده في اليوم التالي مباشرة، بعد أن كانت أحزاب «الحركة الوطنية» قرّرت تأجيل الدفن حتى يوم الأحد تأجيجاً لردود الفعل.
لقد رحل «كمال جنبلاط»، ورحيله أحزننا جميعاً وجعلنا نأسف أسفاً شديداً، في الوقت نفسه الذي دعونا فيه إلى الهدوء والتعقّل، وكانت دعوتنا لذلك قد انطلقت منذ ليلة الاغتيال.
رحل «كمال جنبلاط»، هذا الزعيم الذي لم يكن – في نظري كما في نظر الكثيرين – شخصاً عادياً، بل كان «ظاهرة» إنسانية، إنّه أكبر زعيم قبيلة وأهمّ إقطاعي في لبنان، ومع هذا فإنّه ينادي بالديمقراطية ويرأس حزباً اشتراكياً، هو ينتمي روحياً إلى الدروز – كما يحبّ أن يقول – لكنّه في الوقت نفسه يعلن إسلامه، وهو زعيم إقليمي شوفي ودرزي، ومع هذا نراه ينادي بوحدة لبنان، وبوحدة العرب، ووحدة الإنسانية كلها. إنّه مزيج من التناقضات التي لم يكن ليرفّ له جفن وهو يمارسها جميعاً، متقلّب في مواقفه وسياسته بين يوم وآخر، أفليس هو حامل جائزة «لينين» السوفياتية، في الوقت نفسه الذي يقال عنه فيه إنّه يتبع توجيهات الأميركيين الذين يشتمهم علناً؟
من ناحية الحسابات السياسية البحتة التي كان لا بدّ من أن ترِدَ إلى خاطري رغم فداحة الحدث، كان من الواضح لدي أنّ مقتل كمال جنبلاط وغيابه عن الساحة اللبنانية، سوف يؤدّي مباشرة إلى إضعاف مكانة كميل شمعون، وعلى هامش هذا الواقع طالب إخواننا في «التجمّع الإسلامي» بضرورة أن نتصلّب منذ الآن في مواقفنا، بعد أن كنّا نمثّل نوعاً من الاعتدال بين تطرّف كمال جنبلاط من جهة، وتطرّف كميل شمعون من جهة ثانية، وكنتُ أرى عكس هذا تماماً؛ لذلك رحتُ أقول بضرورة مضاعفة الانفتاح على المسيحيين لكسب المعتدلين وإحراج من يدّعون الاعتدال (وعلى رأس هؤلاء وأولئك «بيار الجميّل» في تناقضاته هو الآخر)، للتعاون على إضعاف شمعون.
في خضمّ ذلك كلّه، كان لا بدّ من طرح السؤال الأساسي: من قتل كمال جنبلاط؟
منذ سنة، وفي عزّ الأوقات العصيبة واشتداد المحنة، كنتُ لا أكفّ عن القول إنّه عندما يهدأ الأمن ظاهراً، ستكون هناك تفجيرات خفيّة، واغتيالات عديدة، والحقيقة أنّنا، منذ هدأت الأحوال نسبياً، كنّا نسمع بين الحين والآخر أسماءَ تتردّد على شفاه العالمين بالأمور، على أساس أنّها مُعرّضة للاغتيال. وكان في مقدّمة تلك الأسماء اسم «ريمون إدّه» واسمي واسم «كمال جنبلاط» واسم «كميل شمعون»، ولكن كان من الواضح لدينا أنّ ترداد الأسماء يهدف أوّلَ ما يهدف إلى إثارة الفتنة والبلبلة. ومع هذا لم أفاجأ أبداً حين جرت محاولات لاغتيال «ريمون إدّه»... الذي كان عمره طويلاً فنجا دائماً من تلك المحاولات. وكذلك لم تفاجئني قذيفة مدفع الهاون التي استهدفت «كميل شمعون» وأخفقت في قتله، والآن لا أحسّ أنّ اغتيال «كمال جنبلاط» كان مفاجأة لي. السؤال الآن: مَن صاحب الاسم التالي على اللائحة؟
غير أنّ هذا السؤال لم يحجب السؤال الآخر، الأساسي: مَن قتل جنبلاط؟
قال البعض، إنّ اغتيال جنبلاط قد نتج من ثارات شخصية...
وقال آخرون، إنّ القتلة عملاء لإسرائيل...
وقال فريق ثالث، إنّ اغتيال «جنبلاط» يقف وراءهالسوريون...
فإلى أي فريق، يا تُرى، يجب أن تتّجه ظنوننا؟
مهما كانت هويّة القاتلين وهويّة محرّضيهم، فإنّ شعور معظم الناس كان الأسف لرحيل رجل من طينة «كمال جنبلاط»، ولكن لم يخلُ الأمر من كثيرين شعروا بالراحة إزاء التخلّص من «جنبلاط»، وهؤلاء لم يكونوا في صفوف المسيحيين وحدهم، بل كان بينهم مسلمون ودروز أيضاً!
- زيارة الأسد والسادات
قبل اغتيال «كمال جنبلاط»، كنت عازماً على التوجّه إلى مصر لمقابلة الرئيس أنور السادات، بعد أن تأخّرَ الجواب الذي كنت أنتظره من سوريا بصدد مقابلة طلبتُها مع الرئيس «حافظ الأسد»، وكنت أوَدّ أن تتمّ قبل زيارتي إلى السعودية، ولكن فجأة، وفيما كنت أستعدّ للسفر إلى مصر، وصلتني برقيّة من السيد «عبد الحليم خدّام» تفيد بأنّ الرئيس «الأسد» سوف يستقبلنا في العاصمة السورية يوم السبت في التاسع عشر من مارس.
- الاجتماع مع حافظ الأسد
توجّهتُ إلى دمشق في الموعد المضروب، وكان الاستقبال كالعادة، لائقاً، تواكبه دراجات نارية وشرطة ووزير الرئاسة «أديب ملحم»، عند نقطة الحدود.
دام الاجتماع بين الرئيس «الأسد» وبيني ثلاث ساعات، من منتصف النهار حتى الثالثة بعد الظهر، وكان بحضور فيصل سلام. ظاهر الحديث كان ودّيّاً للغاية، ولكن لأنّ قلب المؤمن دليله، لم أشعر بأنّ ثمّة صفاءً حقيقياً خلف ذلك الودّ، وخصوصاً أنّ كمال جنبلاط كان لا يزال طريّاً في ذهني وأحاسيسي.
كالعادة، كنت صريحاً مع الرئيس الأسد، فشرحت له كلّ مآخذي على تصرّفاتهم في لبنان، عسكرياً وسياسياً، فلم يتوانَ عن أن يقول لي إنّه يأخذ ذلك في الاعتبار... ومع هذا داخَلَني شعور بأنّه يتصرّف الآن انطلاقاً من الواقع الجديد، أي إحساسه بأنّه أغرَقَ الجيش السوري في الرمال المتحرّكة اللبنانية، وأنّ ذلك يُشعره بالقلق، ويزيد بالتالي من تصلّبه.
بعد زيارتي للرئيس «الأسد»، كان عليّ أن أزور مصر لألتقي الرئيس «السادات»، بعد عشرة أيّام على زيارتي الدمشقية، ولأهمّية زيارتي للقاهرة، وجدت أنّ من الضروري أن أزور الرئيس «إلياس سركيس» وأقابله عشيّة تلك الزيارة، فتوجّهتُ إليه.
أذكر أنّ لقائي بالرئيس سركيس كان بعد ظهر السبت، وكان من المفترض أن يجتمع مجلس الوزراء يوم الاثنين، وفي أهمّ جدول أعماله تعيين قائدٍ جديد للجيش. ويوم الاثنين كنت أنا قد وصلت إلى القاهرة، وهناك صباحاً علمت بحادث الاعتداء الفظيع الذي تعرّض له منزل وزير الدفاع فؤاد بطرس، وكان من الواضح أنّ مسؤولية الاعتداء تقع على كميل شمعون وبشير الجميّل. شعرت بأنّ هذا الإرهاب غايتُه إخضاع رئيس البلاد، ولو خضع هذا للإرهاب لأنهار لبنان، والحقيقة أنّ السلطة برئاسة سركيس لم تخضع للإرهاب، بل إنّها بدلا من ذلك قرّبتْ موعد انعقاد الجلسة الحكومية من بعد الظهر إلى قبل الظهر، وأعلنتْ إعفاء حنّا سعيد من منصبه كقائد للجيش، معيّنة مكانه فكتور خوري. على الفور، حاول كميل شمعون وبشير الجميّل إقامة الدنيا وعدم إقعادها، وساندهم سليمان فرنجيّة في ذلك، لكنّ موقف بيار الجميّل حسم أمر الكتائبيين وحال دون وقوع الفتنة، حيث إنّ «الجميّل» الأب أيّد على الفور ما أقدمتْ عليه السلطة، وكذلك وقف موقفاً حازماً لمنع الإضراب الذي كان قد أعلن، وأيّده الرأي العامّ المسيحي في ذلك تأييداً قويّاً. وأنا حين اجتمعت بـ«بيار الجميّل» بعد ذلك، نبّهتُه إلى أنّ لي يداً في ذلك بالنسبة لما طرأ على الرأي العامّ المسيحي من تطوّر نتيجة لسياسة الانفتاح التي اتّبعتُها، فوافقني على ذلك كلّ الموافقة، والحقيقة أنّ الحادث الذي تعرّض له منزل فؤاد بطرس قد أسهم كثيراً بتبدّل موقف الرأي العامّ المسيحي، الذي لم تعدْ تستبدّ به الرغبة في معاودة الاقتتال.
وأنا، بعد عودتي من القاهرة، وحال وصولي إلى مطار بيروت، أعربت عن سروري بتعيين القائد الجديد، فكان لذلك تأثير طيّب.
- مع الرئيس السادات
وكنت قد توجّهتُ إلى القاهرة إثر مقابلتي للرئيس «سركيس»، وكان برفقتي في زيارتي العاصمة المصرية كلّ من «جميل كبّي» و«علي المملوك»، ومقابلتي مع الرئيس «السادات» جرتْ في «القناطر الخيرية»، واستمرّت ساعة ونصف الساعة، وكان حاضراً خلالها نائبه «حسني مبارك».
كان الحديث ودّيّاً وحميماً، والحقيقة أنّني كنت قد طلبتُ المقابلة قبل أسبوع، لكنّ السفير المصري أجابني، بعد المراجعة، بأنّ وقت الرئيس ضيّق عشية سفره إلى أميركا، وأنّه يفضّل أن يراني بعد عودته منها، لكنّه عاد في اليوم التالي وأخبرني أنّ الرئيس يرغب في مقابلتي قبل سفره، وهو أمر أخبرني به الرئيس «السادات» خلال اللقاء، حيث قال لي «كنت قد قلت للسفير إنّني سأقابلك بعد عودتي من الولايات المتّحدة، لكنّي عدتُ ووجدت أنّ من الأفضل أن نتبادل الرأي قبل ذهابي إلى هناك، رغم ضيق الوقت».
خلال المقابلة شعرت بأنّ «السادات» شديد التفاؤل بمقابلته المقبلة مع الرئيس الأميركي «جيمي كاتر»، قلت له إنّني بدوري متفائل، ومع هذا سألته «هل عندك ما يشير إلى هذا التفاؤل؟» قال «عندي ما نقَلَه إلى كارتر نفسه»، فأطلعتُ الرئيس «السادات» على المذكّرة التي كنت قد بعثتُ بها إلى وزير الخارجية الأميركية «سايروس فانس» خلال زيارته للبنان، فأبدى إعجاباً شديداً بها. بعد ذلك أخبرني الرئيس «السادات» أنّهم كانوا على وشك الاشتباك عسكرياً، مع إسرائيل، أخيراً، بسبب عدوانها في عملية حفر الآبار في خليج «السويس»، وأنّ البوارج والطائرات كانت وشيكة التصادم، لكنّ الرئيس «كارتر» تدخّل مؤكّداً أنّ المنطقة مصرية وستبقى مصرية، وأنّه – أي «كارتر» – لن يسمح بغير ذلك أبداً.
قال «السادات»، إنّه مصرّ على أن يلعب كلّ أوراقه مع الأميركيين؛ لأنّه يعتقد أنّ المفتاح لحلّ النزاع مع إسرائيل كله بيد أميركا، أمّا السوفيات فإنّهم مضطرّون إلى مجاراة واشنطن لا أكثر.
فيما يختصّ بلبنان، قال لي «أنور السادات»، كما سبق للرئيس اللبناني «إلياس سركيس» أن أكّده في خلال اجتماعي به قبل أيّام، أنّ السوريين هم الذين اغتالوا «كمال جنبلاط»، وأكّد «السادات» أنّه رغم كلّ الإشارات التي تنمّ عن رغبة السوريين في وضع اليد نهائياً على لبنان، فهو – أي «السادات» – لن يقبل بذلك، وكشف لي عن أنّه كان قد حذّر الرئيس «الأسد» قائلاً له، إنّ لبنان يجب أن يعود سيّدَ نفسه، في المقابل أخبره بأنّه يوافق على أي اتفاق سوري-أردني على الصعيد العسكري، وحتى على الصعيد السياسي إذا أراد «الأسد» ذلك، لكنّه لن يقبل المساس بلبنان، إلّا إذا رغب لبنان في ذلك بمطلق إرادته الحرّة... وبعد عودته إلى أوضاعه الطبيعية.
ويدرك الرئيس «السادات»، كما قال لي، أنّ المسلمين السُّنّة هم الذين خسروا أكثر من غيرهم من الفئات في لبنان، هذا العام. وللمناسبة، طلب «السادات» من نائبه «حسني مبارك» أن يبلغ السفير والسفارة في بيروت بضرورة التنسيق معي شخصياً في كلّ نشاطاتهم؛ لأنّه يعتبر أنّ صائب سلام هو أمل المسلمين والعرب الوحيد في لبنان. وفي الوقت نفسه حذّرني الرئيس «السادات» من خطر تعرّضي للاغتيال في لبنان، كما طلب منّي أن أبلغ التحذير نفسه إلى «سركيس»؛ لأنّ مَن اغتال «كمال جنبلاط» لن يتورّع عن اغتيال «إلياس سركيس» و«صائب سلام» من بعده. وطلب منّي الرئيس «السادات» أن أبلغ الرئيس سركيس أنّه يؤيّده كامل التأييد، محبّذاً تأييدي لدور الرئيس سركيس ولحكومته الحالية، وانفتاحي على المسيحيين عن طريق «بيار الجميّل». أمّا بالنسبة إلى «شمعون»، فإنّ الرئيس «السادات» يشاطرنا الاعتقاد بأنّه متّفق مع الإسرائيليين.
عندما انتهت المقابلة، وفي حين كان الرئيس السادات يودّعني، حذّرني مرّة أخرى من احتمال اغتيالي، وقال لي إنّني يجب أن أنتبه من السوريين.
- مناورات لتطبيق «اتفاق القاهرة»
مرّت الأسابيع التالية كما التي قبلها، دون أحداث كبيرة يمكن التوقّف عندها: مناورات سياسية وعدم استقرار في الصفّ الإسلامي، إمعان «المقاومة الفلسطينية» في الغرق في أوحال الوضع اللبناني، ازدياد استياء المواطنين... كلّ هذا في وقت راح فيه الجيش السوري يعزّز من وجوده في لبنان. وكان واضحاً أنّ سوريا باتت هي مركز الثقل في الواقع اللبناني. أمّا إسرائيل، فكانت تدخل على الخطّ بين الحين والآخر. وعلى الصعيد العربي، كانت الأوضاع بين شَدّ ومدّ، وكان واضحاً أنّ في الأفق أحداثاً كبيرة تنتظر الفرصة السانحة لتبرز. من ناحيتي، توزّعَ نشاطي بين «المقاصد»، و«التجمّع الإسلامي»، والاستجابة لصرخات الاستغاثة من المواطنين، وكنت أتشدّد أكثر وأكثر تجاه «أبو عمّار» وجماعته، لحرصي عليهم بقدر ما أحرص على «التجّمع» وعلى لبنان ككلّ، لكنّهم لم يشاؤوا أن يُصغوا إلى نصائحي.
وسط ذلك المناخ، تلقّيت دعوة لزيارة دمشق من جديد، والاجتماع بالرئيس «حافظ الأسد»، وكانت الزيارة الجديدة يوم 27 يونيو 1977، وهذه المرّة كان برفقتي النائب جميل كبي الذي كانت تلك هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس الأسد. والحقيقة أنّ انطباع «الكبّي» عن الرئيس «الأسد» بعد انتهاء اللقاء فاجأني؛ لأنّه كان مغايراً لما يُجمع عليه الكثيرون. المهمّ، كان الاستقبال الذي بدأ، كالعادة، عند الحدود وصولاً إلى «قصر الضيافة» في دمشق، حاملاً أسمى آيات التكريم، وهو ما أرضاني، لكنّني في الوقت نفسه لم أرتحْ كثيراً لما لمستُه فيه من مبالغة؛ إذ أحسستُ أنّه ربّما كان هناك قدْر من سوء النيّة يُبيَّتُ لي؛ إذ إنّني كنت أنا الوحيد الذي لا أزال أجرؤ على الخروج عن سلطتهم وتوجيهاتهم في لبنان. بعد «قصر الضيافة» أخذونا إلى قصر الرئاسة، حيث اجتمعنا بالرئيس «الأسد»، الذي بعد الترحيب المعتاد والكلام اللطيف والسؤال عن العائلة وعن «تمّام» و«فيصل»، أخذ دفّة الحديث ليقول إنّه يصرّ على ضرورة تنفيذ المقاومة لحصّتها من «اتفاق القاهرة»، طالباً منّا نحن، أن نعلن مطالبنا بذلك ونصرّ عليها، قائلاً إنّه سيحاول الوصول إلى التنفيذ بالتفاهم... فإن لم يُجدِ، فسيكون من الضروري، عندئذٍ، اللجوء إلى القوّة!
كرّر الرئيس الأسد، وكذلك فعل السيد عبد الحليم خدّام، أنّهم ليسوا وراء رشيد كرامي فيما يدعو إليه من «جبهة عريضة»، بل إنّهم منزعجون في الحقيقة من علاقته بالشيوعيين و«جنبلاط» و«المرابطون». قلت لهما إنّ الصورة في لبنان هي خلاف ذلك، وخصوصاً بالنسبة للاتّصالات التي يقوم بها أشخاص مثل «كمال شاتيلا» و«عاصم قانصوه» من المحسوبين على سوريا بشكل أو بآخر.
مهما يكن، فإنّ الرئيس الأسد لم يُخفِ أمامنا أنّه بات أقلّ تفاؤلا اليوم منه حين قابل الرئيس الأميركي «جيمي كارتر»، بل إنّه بات يذهب في تحليله إلى أنّ إسرائيل تتمتّع اليوم بفرصة ذهبية لشنّ حرب جديدة واحتلال أراضٍ عربية أخرى لتضع العالم، من جديد، تجاه الأمر الواقع.
والحقيقة أنّ من يتابع الأمور والتطوّرات، وخصوصاً في أميركا، يلاحظ أنّ التفاؤل الذي كان قد أشاعه الرئيس «كارتر» قبل شهرين، قد أخذ ينقلب إلى شيء من التشاؤم بعد وصول مناحيم بيغن وأحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى رئاسة الحكومة، وعلى ضوء الهجمة الصحافية وهجمة «الكونغرس» اللتين تجابهان الرئيس «كارتر» وحكومته، في هذا الصدد.
وكان الرئيس «السادات» قد وصف لي خلال زيارة قمت بها لمصر قبل أسابيع مقابلاته الخاصّة والعامّة مع «جيمي كارتر»، مؤكّداً أنّه اتفق وإيّاه على عقد «مؤتمر جنيف» والوصول إلى إقرار السلام قبل نهاية العام. ومع أنّ الرئيس «كارتر» أعلن عزمه على ذلك مرّة أخرى قبل أيّام، فإنّ من يتتبّع الأمور عن قرب يدرك جسامة المَصاعب والعقبات التي تواجه الرئيس الأميركي في «الكونغرس» والإعلام، كلما حاول أن يضغط على «إسرائيل وأن يفرض عليها شيئاً، وهذه ثابتة من ثوابت الوضع السياسي الأميركي. وأذكر هنا أنّني حين نجح «بيغن» وحزبه في الانتخابات الإسرائيلية ووصل اليمين المتطرّف إلى السلطة للمرّة الأولى، لاحظتُ ضخامة الحملة الإعلامية التي شُنّت ضدّه، فقلت لمن حولي «الله يجيرنا من هجمة صهيونية مضادّة». والواقع أنّ هذه الحملة ما لبثت أن بدأت، وبدا واضحاً أنّ «كارتر» سوف يكون ضحيّتها هو وكلّ أحلامه السلمية، اللهمّ إلّا إذا وجد في أوساط العرب تجاوباً معه يتمثّل في تنازلات إزاء تصلّب إسرائيل!
في أواخر يونيو، قابلتُ الرئيس سركيس، فوجدتُه قانطاً يائساً من إمكان قيامه بأي خطوة جدّية قبل حلّ قضيّة تنفيذ «اتفاق القاهرة»، ومع هذا فإنّه يعلّق بعض الأمل على نتائج الرحلة التي يقوم بها الوزير فؤاد بطرس للبلاد العربية (مصر، السعودية، الكويت) قائلاً، إنّ الأمير فهد بن عبد العزيز سيدعو إلى مؤتمر قمّة سداسيّ، يضع فيه المؤتمِرين أمام مسؤوليّاتهم، ويصرّ على الفلسطينيين لتنفيذ الاتفاقات المعقودة معهم.
أمل إلياس سركيس يكمن هنا فقط، أمّا المشكلة الأساسية فتكمن في المعارضة الشرسة التي يلقاها من قبل «الجبهة اللبنانية» ممثّلة بالرباعي «شمعون»/«فرنجيّة»/«الجميّل»/«قسّيس».
قبل يومين، كان قد تناول الغداء عندي سفير الولايات المتّحدة الأميركية «ريتشارد باركر» الذي أحضر لي معه النصّ الأصلي لبيان كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أصدرتْه في اليوم السابق، ولفتني في البيان أنّه يعيد إلينا شيئاً كثيراً من التفاؤل، بعد أن كانت الغيوم قد تلبّدت كثيراً، إثر هجوم الإعلام الصهيوني و«الكونغرس» على الرئيس جيمي كارتر.
بعد أيّام زارني أمين الجميّل برفقة المحامي عبد الحميد الأحدب، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي يجري فيها حديث طويل بيننا، وكان همّي الأوّل أن أدرس شخصيّته وأحدّد أهدافه وخلفياته وأستنتج إثر ذلك قيمته الحقيقية. كان مثل والده كثير الكلام، تكلَّم وحده أكثر من نصف ساعة وكان حديثه مزيجاً من الشرق ومن الغرب، المهمّ أنّني لاحظت أنّه متضايق مما يسمّيه «جبهة الكفور»، مستعملاً هذا الاسم بدل اسم «الجبهة اللبنانية»، وهذا الأمر كشف لي بالملموس واقع الخلافات التي كنّا نسمع عنها ولا نعرف لها تقييماً حقيقياً، وانتهى أمين الجميّل إلى اقتراحٍ يرمي إلى أن نضع اتفاقاً لمخطّطٍ مشترك نرسمه أنا ووالده بيار الجميّل، ونذهب به إلى رئيس الجمهورية لنعرضه عليه، ومع هذا قال أمين الجميّل، إنّ الآمال التي كانت معقودة على رئيس الجمهورية قد تبخّرت.
حدّثتُه عن إمكانية تفاهم مع الفلسطينيين لإنقاذ الجنوب ومنع الخطر عن كلّ لبنان، قال «إنهم كذابون!» قلت «لكنّهم اجتمعوا بأخيك بشير وبعدد من رفاقه الكتائبيين». قال «أخي بشير لا يفهم شيئاً، ولا يطلع منه شيء!» ولم أكن في حاجة إلى أكثر من هذا الدليل، حتى أتأكّد من الأخبار التي كانت لا تكفّ عن الحديث عن صراع عنيف بين الأخوين. بالنسبة إلى أمين الجميّل، لمستُ أنّ اختلاط كلّ الأمور في حديثه لا يجعله قادراً على أن يشكّل ثقلاً ليفاوض ويفاوَض. ولكن لا شك في أنّه استخدم مهارته لكي يرمي الطابة، في نهاية الأمر، في ملعبي، بحيث يمكنه في المستقبل أن يلقي اللوم علي قائلاً «لقد زرتك وحدّثتك بصراحة وطلبت منك المساهمة في وضع ورقة عمل لكنّك لم تفعل!». لذلك؛ وتحسّباً لهذه «الشطارة»، طلبتُ من عبد الحميد الأحدب، على حدة، أن يتّصل بمن يعرفهم في «الكتائب» من القوم المعتدلين والمنفتحين، من أمثال إبراهيم النجار، ليطلب منهم أن يضعوا، هم، ورقة العمل.
- قيادات المقاومة في الحضيض
في اليوم التالي زارني «أبو إياد» بعد طول جفوة وافتراق؛ إذ كنت لا أكفّ عن تحميله مسؤولية مساندة الشيوعيين و«المرابطون» في محاولاتهم لاقتحام منطقتنا، التي أوقفناها بعنف. مهما يكن، كنت أشعر بأنّ قيادات المقاومة في الحضيض، والوقت ليس وقت معاتبات، فأنا بعد كلّ شيء أحرص على القضيّة الفلسطينية من قيادات المقاومة نفسها. أخبرت «أبو إياد» بما جرى مع شمعون، وقلت له، إنّ هاني الحسن يلحّ علي بضرورة وصلهم بالقيادات المارونية، فرحّب بذلك كثيراً، لكنّه لم يصدّق أن كميل شمعون رضي بالاجتماع بـ«أبو عمّار»، هو الذي كان دائماً يصرّ على رفض ذلك، قلت له إنّ ما يجعلني أعتقد أنّ شمعون جادٌّ هذه المرّة فيما يقول هو أنّه أضاف لرفيق شاهين، الذي تولّى الوساطة بيننا، أنّني إذا وافقت على اقتراحه عليّ أن أخبره بذلك حتى يتدبّر الأمر مع أصحابه (ومع السوريين) كي لا يقوم هؤلاء بإفساد الأمر، معنى هذا أنّ «شمعون» يدرك أنّ هذا الأمر لا يروق السوريين!
عندما أشرتُ أمام «أبو إياد» إلى ما أعتقده من وجود خلافات وضروب منافسة بين قيادات المقاومة، وإلى انعدام الثقة بين هذه القيادات، وبـ«أبو عمّار» شخصياً، شاء «أبو إياد» أن يؤكّد لي تضامنهم فاقترح أن يبعث لي بالموافقة على هذه الخطوات مع «هاني الحسن» بالذات، علماً بأنّ الشائع هو أنّ الخلاف بين «هاني الحسن» و«أبو إياد» شخصياً على أشدّه، إلى درجة أنّ البعض عزا طلب زيارتي اليوم بالذات إلى ما رآه «أبو إياد» من تكرار زيارات «هاني الحسن» لي.
على أي حال، عاد هاني الحسن من دمشق بعد يومين، ليحدّثني فور زيارته لي عن لقاءاته بـ«ناجي جميل» و«محمد ناصيف»، ونقل إليّ معلومات تفيد بأنّ الأوضاع مضطربة في سوريا، وأنّ الوضع الاقتصادي متردٍّ، وقبل خروج «هاني الحسن» من عندي، وصل القاصد الرسولي (سفير الفاتيكان) فعرّفتُه إليه ورتّبتُ له موعدا لزيارته في الغد، ففرح بذلك كثيراً.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
TT

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

على أبعاد جغرافية متقاربة في قلب التاريخ، تقف مدينتان سعوديتان لتختصرا لوحةً إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين؛ خيبر، الواحة الرابضة فوق الحرات البركانية السوداء، والتي نجحت في حراسة أسرار ما قبل التاريخ؛ حيث تروي منشآتها الحجرية الغامضة و«مستطيلاتها» الأثرية قصة استيطان بشري موغل في القدم، يعود لأيامٍ سبقت ابتكار الكتابة نفسها.

وعلى بعد خطواتٍ بالتاريخ والمكان، تتلالأ «مهد الذهب»، مهد «التبر» والمعادن الثمينة في الحضارة الإسلامية المبكرة، التي ضجت جبالها بحركة التعدين، وخلّد «درب زبيدة» العابر بها خطى الحجيج والمسافرين في العصور الإسلامية الأولى، مخلّفاً وراءه نقوشاً ومحطاتٍ تنبض بالروحانية والنشاط الاقتصادي.

وبين أسرار خيبر العتيقة وكنوز مهد الذهب الإسلامية، حيث تجولت «الشرق الأوسط» لساعات بين تفاصيلها وكنوزها الأثرية التي تعكس حجم وعمق الإرث التاريخي الاستثنائي الذي تحتفظ به السعودية فوق أراضيها، تقدم الاكتشافات الأثرية الجديدة التي أعلنت عنها السعودية تباعاً، عن تكثف عمر البشرية وعمق التاريخ الإنساني والحضاري في أراضيها، وعن إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية، وتحول الجغرافيا السعودية إلى متحفٍ مفتوح يختصر فصول الوجود الإنساني، ويقدم قراءة جديدة لعمق إرثٍ تاريخي يعيد صياغة خطوط الحضارة العالمية من قلب الصحراء.

مواسم التنقيب كشفت عن المزيد من أسرار عاصمة مملكة كندة بمنطقة الفاو الأثرية (هيئة التراث‬)‬‬‬‬

أقدم وجود على أراضي السعودية

تتابُع الإعلان عن الآثار المكتشفة في السعودية، وقد حمل كل إعلان عمقاً جديداً من تاريخ الوجود البشري المبكر في الجزيرة العربية، يفصح عن مكانتها بوصفها موطناً أصيلاً للبشر الأوائل، ومستقراً للإنسان في تطوره وتطلعه ودوره في الحضارة البشرية عبر العصور.

ووفقاً لإعلانات هيئة التراث السعودية والبعثات الدولية، فإن أعمق ما دلّت عليه المكتشفات الأثرية حتى الآن عن بداية الاستيطان البشري في أراضي السعودية، يعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، ومن الدلائل على ذلك «موقع الشويحطية» الذي يقع على بعد 30 كيلومتراً شمال مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال السعودية، حيث تم اكتشاف أدوات حجرية بدائية مصنوعة من حجر الكوارتز، تدل على ارتباط الموقع بمواقع في شرق أفريقيا تعود إلى ما قبل الحضارة الآشولية.

واكتشفت في «شعيب دحضة» في نجران جنوب السعودية، مجموعة من الأدوات الحجرية والدلائل الأثرية الأخرى، التي أثبتت استيطاناً بشرياً قديماً في منطقة نجران.

وترجح اكتشافات الموقع من أدوات بدائية وقواطع ومطارق حجرية كبيرة ومكاشط وشفرات صغيرة، انتماء هذه الآثار إلى الحضارة الألدوانية؛ وهي مرحلة مبكرة من العصر الحجري القديم.

وعن أقدم مستوطنة معمارية، تعبر عن أول استقرار بشري مبني، فقد دلت الاكتشافات إلى موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.

وأعلنت هيئة التراث أن هذا الموقع يمثل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية بأكملها، وعُثر فيها على مطاحن حجرية، وأدوات زينة مصنوعة من الرخام، وعظام آدمية وحيوانية، وهياكل معمارية تثبت تحول الإنسان في المنطقة من حياة التنقل إلى الاستقرار والبناء.

جانب من أعمال الموسم السابع عشر للتنقيب الأثري في موقع جُرش بمحافظة أحد رفيدة في منطقة عسير (هيئة التراث‬)

أطياف الحضارات

تزخر السعودية بتاريخ حافل وحضارات متعاقبة، وتُعدّ الاكتشافات الأثرية في العقود الأخيرة شهادة علمية قاطعة على مكانة شبه الجزيرة العربية بوصفها مركزاً تجارياً وثقافياً رئيسياً في العالم القديم، كانت خلاله أرض السعودية مهداً لحوار الشعوب، وشرياناً ناطقاً بالفنون والعلوم والهندسة المعمارية؛ حيث تحتضن السعودية اليوم ثمانية مواقع مُدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي لمنظمة (اليونيسكو)، تتنوع بين مدن أثرية، وفنون صخرية، وواحات ثقافية.

وعبر هذه الجولة القائمة على التتبع الجغرافي والطبوغرافي، تأخذنا الرحلة داخل خريطة المجد المدفون، ونتنقل فيها بين جزء من الشواهد الأثرية، التي استطاعت أن تحول قلب الصحراء من مجرد مجالات عبور جغرافية، إلى مراكز ثقل حضاري وسياسي.

وعلى بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرقي مركز مدينة وادي الدواسر، تتربع عاصمة كِندة الأولى، «قرية الفاو» المسجلة على قائمة التراث العالمي (UNESCO) بتاريخها الزاخر وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد.

وتتجسد القيمة العلمية للموقع في الهندسة المتقدمة؛ حيث طور سكانها شبكات أنفاق حجرية عميقة للوصول إلى المياه الجوفية واستصلاح الواحات وسط بيئة قاحلة. وعلى الصعيد الفني والتاريخي، أظهرت التنقيبات نضجاً ثقافياً ونشاطاً استيرادياً هائلاً عبر جداريات ملونة ساحرة، وتماثيل برونزية ذات طابع دقيق.

قصر الحمراء مشيّداً من الحجارة المشذبة على مرتفع صخري في تيماء (هيئة التراث‬)

نقوش فرعونية

باتجاه شمال السعودية، تبرز «تيماء» الواحة التي تضم كنزاً من الآثار المهمة في قيمتها التاريخية، حتى أصبحت من أهم المناطق في السعودية، من حيث مكانتها التاريخية ومواقعها الأثرية المتعددة.

وعثر باحثو الآثار على أحفورة «ناب الفيل» ضمن مجموعة كبيرة من الأحافير لحيوانات كثيرة كانت تعيش قرب بحيرة قديمة يزيد عمرها على خمسمائة ألف سنة.

وفيها أعلنت بعثات سعودية ودولية مشتركة عن اكتشاف آثار مهمة، منها نقوش فرعونية في مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ، إضافة إلى ما تزخر بها من قصور أثرية باقية حتى الآن.

وشهدت هذه الواحة اندماجاً حضارياً نادراً بين الثقافات البابلية، الآشورية، الآرامية، والممالك العربية القديمة مثل لحيان.

ومن أبرز المعالم والاكتشافات فيها، مسلة تيماء (المحفوظة أصلها في متحف اللوفر)، وهي حجر بازلتي مكتوب باللغة الآرامية يوثّق دخول عبادات بابلية للمنطقة، إضافة إلى (مسلة نابونيد) وهي نقوش صخرية تظهر الملك البابلي بالرموز الدينية للقمر والشمس، و(بئر هداج) أقدم وأضخم نظام مائي للري والاستخدام البشري في الجزيرة العربية، وقصور الحمراء والرضم والأبلق، وهي مجمعات معمارية تعكس النضج الهندسي والعسكري.

وليس ببعيد عن تيماء، تبرز الفنون الصخرية في جبة والشويمس في حائل، التي توصف بسجل الإنسان الأول قبل نحو عشرة آلاف عام، وعلى صخور جبل أم سنمان في جبة (100 كيلومتر شمال مدينة حائل) وجبال الشويمس (270 كيلومتراً جنوب غربي مدينة حائل)، يقف الباحث أمام واحد من أهم متاحف الفنون الصخرية في الشرق الأوسط، والمدرج على قائمة «اليونيسكو».

وتعود القيمة التاريخية لهذه النقوش إلى العصر الحجري الحديث، وتوثق التحولات المناخية والبيئية في شبه الجزيرة العربية، وتطرح النقوش الدقيقة أدلة علمية حول استيطان الحيوانات المنقرضة للمنطقة، وتفاصيل أدوات الصيد، والطقوس الاجتماعية والدينية لإنسان شبه الجزيرة القديم.

وبالانتقال إلى درة التراث العالمي، «العلا» بكنوزها الأثرية، والنقوش على واجهات جبال العلا المحيطة بدادان، والمكتوبة بعددٍ من اللغات والخطوط، إلى «المكتبة اللحيانية» المفتوحة في موقع جبل عِكْمة الذي احتفظ بسجلات أثرية لأقوام وحضارات ازدهرت ومن ثَمّ اندثرت على أرض العلا.

وتتجلى قيمة العلا التاريخية في موقعين رئيسيين، هما مملكة دادان ولحيان (الألفية الأولى قبل الميلاد)، حيث كُشف عن «مقابر الأسود» والنقوش الدادانية واللحيانية التي تُعد الحاضنة الأولى لتطور الخطوط الكتابية العربية، والحِجر (مدائن صالح) وهي العاصمة الجنوبية للمملكة النبطية بعد البتراء، وأول موقع سعودي يُدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي (2008).

وتضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في الصخور الرملية بواجهات معمارية مزخرفة بالكامل تعود للقرن الأول قبل الميلاد. وتبرز في الحِجر الهندسة المعمارية والدقيقة النبطية، والقدرة على التحكم في إدارة الموارد المائية وتحصين المقابر والمراكز السياسية.

تضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في صخور رملية بواجهات مزخرفة تعود للقرن الأول قبل الميلاد (هيئة التراث)

شريان القوافل

على مسافة بعيدة عن العلا، حيث جنوب السعودية، يبرز موقع «جُرَش» الأثري الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن مركز مدينة أحد رفيدة (ونحو 35 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة أبها).

وتعود الحضارات المكتشفة في موقع جرش الأثري لفترة ما قبل الميلاد، وازدهر الاستيطان فيه خلال القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، حيث استمر الاستيطان خلال الفترات اللاحقة في وسط الموقع.

وتنوعت المعثورات الأثرية بين الأواني الزجاجية والمصنوعات الحجرية، وأوانٍ فخارية من فترة ما قبل الإسلام، إضافة إلى نقش على صخرة لأسد وثور مكتوب أسفل منهما بخط المسند، حيث نُفّذ هذا الرسم بالحفر البارز، ويرمز إلى النماء والقوة التي كانت تتمتع بهما مدينة جرش آنذاك.

وقريباً منها، تظهر منطقة حِمَى الثقافية (نجران)، أو مكتبة النصوص الصخرية العظمى، التي تبعد نحو (130 كيلومتراً شمال مدينة نجران)، ويعد من أحدث المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي عام (2021)، بما يمثله كإحدى أكبر المجموعات للفنون الصخرية والنقوش والمكتبات في العالم.

وتكمن القيمة الاستثنائية لـ«حِمَى» في كونها الشريان الأساسي لمرور القوافل التجارية والعسكرية عبر العصور؛ حيث كشف الموقع عن آلاف النقوش المكتوبة بأقلام متعددة (المسند، الثمودي، النبطي، والكوفي والعربي المبكر).

وتُعد «حِمَى» بمثابة «أرشيف مفتوح» يوثق أساليب الحياة، والحروب، والديانات، والأنشطة الاقتصادية، وتطور الكتابة في شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين.

شاهد أثري من «مهد الذهب» التي ضجت جبالها بحركة التعدين وخلَّد درب زبيدة ذكرها في العصور الإسلامية الأولى (هيئة التراث)

إعادة كتابة التاريخ

تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة التراث السعودية للاستفسار عن تفاصيل ما شهدته السعودية خلال الفترة الماضية من اكتشافات أثرية نوعية عززت مكانة الجزيرة العربية في التاريخ الإنساني، وأسهمت في إعادة النظر في بعض التصورات السائدة حول عمق الاستيطان البشري وتطور المجتمعات القديمة.

ومن أبرز هذه الاكتشافات، أطول سجل مناخي في دحول الصمان شرق الرياض والذي يعود لأكثر من 8 ملايين سنة بناء على تحليل الترسبات القديمة.

كما أعلنت الهيئة عن اكتشاف وتوثيق مجموعة من الفنون الصخرية المبكرة للجمل بالحجم الطبيعي يتراوح عمرها بين 11 - 12 ألف سنة في موقع جبال عرنان بمنطقة حائل، تبرز ثقافة ونشاط المجتمعات البشرية القديمة التي استوطنت المكان، إضافة إلى ما كشفت عنه أعمال المسح والتنقيب، بالتعاون مع جامعة كانازاوا اليابانية، عن دلائل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية.

وأشارت الهيئة أن هذه النتائج تعكس مراحل مبكرة من الاستقرار البشري وبدايات العمارة في المنطقة، بما يقدم أدلة مادية جديدة تسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية ودورها في حركة الإنسان واستقراره.

وتؤكد نتائج مشروعات المسح والتنقيب المستمرة، التي تنفذها هيئة التراث بالشراكة مع جهات علمية محلية ودولية، أن الجزيرة العربية كانت موطناً للاستيطان والتفاعل البشري منذ فترات مبكرة، وليست مجرد ممر للهجرات البشرية.

السعودية في خريطة التراث العالمي

يقود التركيز الكبير الذي يشهده قطاع الآثار في السعودية حالياً على آثار «العصر الحجري الحديث» والمستوطنات المبكرة، إلى سؤال عن موقع السعودية بأراضيها الواسعة والزاخرة بالتاريخ، على خريطة التراث العالمي مقارنة بالحضارات الكبرى الأخرى كالحضارة الفرعونية أو بابل.

وتقول هيئة التراث إن السعودية أصبحت اليوم من أبرز المناطق عالمياً في دراسة عصور ما قبل التاريخ عموماً، والعصر الحجري الحديث على وجه التحديد، حيث أسهمت الاكتشافات والبرامج البحثية الحديثة في إبراز الجزيرة العربية بوصفها منطقة رئيسة في دراسة الهجرات البشرية القديمة، وهو ما انعكس في نشر نتائج عدد من المشروعات الأثرية في مجلات ودوريات علمية دولية مرموقة.

وتتميز السعودية بسجل أثري واسع ومتعدد الفترات يقدم أدلة مهمة لفهم مراحل مبكرة من التاريخ البشري وتطور الاستيطان، يسبق الحضارات القديمة المعروفة، مع وجود شواهد أثرية وثَّقتها هيئة التراث، أعطت دلائل على التواصل الحضاري مع الحضارات المجاورة في بلاد الرافدين ومصر القديمة في تيماء منطقة تبوك مع ما تم توثيقه من تأثيرات حضارية أخرى في جانب المصنوعات واللقى الفخارية المكتشفة، والذي يمكن اعتباره دليلاً مادياً على أنها لم تكن بمنأى عن التطور الحضاري في كافة بلدان العالم.

شاهد حجري كوفي يعود لعام 311هـ ولقىً متنوعة تروي تفاصيل الحياة قديماً في موقع جُرش (هيئة التراث‬)

خلايا نحل التنقيب

وتشهد السعودية توسعاً مستمراً في أعمال الاستكشاف والتنقيب الأثري، ونفذت هيئة التراث أعمالاً ميدانية في 68 موقعاً أثرياً بمناطق متعددة من السعودية، في عام 2025، بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية من مختلف الجامعات والمعاهد، ومن مختلف المدارس الأثرية في العالم، مع مشاريع دولية نوعية في المنشآت الحجرية وأنظمة المياه القديمة مع مراكز وجامعات دولية أخرى، كما تعمل الهيئة من خلال 75 بعثة محلية أخرى في مختلف مناطق السعودية، ضمن خطط علمية ومنهجية تسهم في توسيع قاعدة المعرفة الأثرية.

وفي عمل البعثات، يتم التنسيق باستمرار مع الجامعات والمراكز البحثية الدولية من خلال مشاريع بحثية مشتركة واتفاقيات تعاون تحدد نطاق العمل وأهدافه العلمية، بما يعزز تبادل الخبرات ونقل المعرفة واستخدام التقنيات الحديثة في البحث الأثري. كما أسهمت هذه الأعمال في إشراك أكثر من 60 طالباً وطالبة في التدريب الميداني، بما يدعم بناء القدرات الوطنية الشابة وتأهيل جيل متخصص في مجال الآثار.

التنقيب تحت الماء

وعن مشاريع التنقيب تحت الماء (الآثار الغارقة) في البحر الأحمر والخليج العربي، تواصل هيئة التراث تنفيذ مشاريع المسح الأثري البحري في البحر الأحمر والخليج العربي، وقد كشفت هذه الأعمال عن مواقع ومؤشرات واعدة تسهم في توثيق تاريخ الملاحة والتجارة البحرية، وما زالت الدراسات مستمرة للكشف عن المزيد.

وقدمت هذه المشاريع أدلة تاريخية على أهمية الطرق التجارية البحرية ودورها في التبادل التجاري والاقتصادي على مر التاريخ، وتعمل الهيئة مع العديد من البعثات الدولية والمحلية في هذا الجانب، حيث كشفت عن سفن جانحة في البحر وثقت لمحتوياتها الأثرية، وقد وصل عدد المواقع الأثرية المسجلة كتراث مغمور إلى 1293 موقعاً أثرياً تم تصنيفها على أنها مواقع للتراث المغمور مع تصنيف بعضها الآخر مواقعَ للأنشطة البشرية والموانئ القديمة؛ إذ يمكن إجمالاً الإشارة إلى أن مواقع التراث المغمورة لا تقل أهمية عن المواقع الأثرية في اليابسة، وهي دليل على وجود طرق للملاحة البحرية تضاهي الطرق التجارية البرية الداخلية والدولية.

‏نقش جبل الحقون في منطقة حمى الثقافية ضمن متحف النقوش الأثرية الصخرية في منطقة نجران (هيئة التراث)

«مسلة تيماء»

تستقرّ «مسلة تيماء»، وهي اللوح الحجري الشهير المنحوت من الحجر الرملي والمحاط بنقوش آرامية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، اليوم خلف زجاج متحف اللوفر بباريس، محتفظةً بتفاصيل دقيقة تجسد تقديم الملك البابلي «نَبونيد» القرابين لإله الشمس، لتكون واحدة من أبلغ الشواهد على العمق الحضاري والمكانة التاريخية للجزيرة العربية بصفتها ملتقىً للإمبراطوريات العظمى، ومحوراً للتواصل الإنساني عبر العصور.

غير أن وجود هذا الأثر الفريد على بعد آلاف الكيلومترات من وطنه الأم لا يروي حكاية الريادة التاريخية لمدينة تيماء فحسب، بل يفتح ملفاً شائكاً حول الكيفية التي خرجت بها آلاف القطع والنفائس السعودية خلال القرن الماضي؛ حيث انتُزعت من بيئتها الأصيلة في ظل ظروف تاريخية معقدة ورحلات استكشافية غربية، لتستقر في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم.

ومع التحول الكبير الذي تشهده السعودية في حماية تراثها الوطني واستعادة هويتها التاريخية، يقف ملف «استرداد الآثار» في صدارة الاستراتيجية الثقافية السعودية، وفي مواجهة تعقيدات القوانين الدولية ومواقف المتاحف العالمية.

وحتى عام 2025، نجح قطاع الآثار في استعادة أكثر من 8500 قطعة أثرية، وفي إطار الجهود المستمرة لحماية التراث الثقافي الوطني واستعادة الممتلكات الأثرية، وبتعاون سفارات المملكة في الخارج، عادت مجموعة قطع أثرية للمملكة خرجت بصورة غير مشروعة قبل صدور نظام الآثار.

وتحاول هيئة التراث توسيع شبكة جهود استرداد الآثار الوطنية من داخل السعودية وخارجها، من خلال التنسيق مع الجهات المحلية والدولية ووفق الأنظمة والاتفاقيات ذات الصلة.

ولتجنب تكرار حوادث خروج الآثار بطريقة غير شرعية خارج حدود البلاد، تكثف وزارة الثقافة جهودها لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على الآثار، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن القطع الأثرية وتسليم ما بحوزتهم، بما يسهم في توثيقها ودراستها وحفظها وإبرازها ضمن سياقها الحضاري الصحيح، وصونها للأجيال المقبلة، وأطلقت هيئة التراث في السياق نفسه، برامج وطنية ومجتمعية مثل حملة «عادت» التي ركزت على تسليم القطع الأثرية، وأماكن وجودها، وأصبحت المجتمعات المحلية والأفراد، إلى جانب الجهات الحكومية، شركاء رئيسيين في هذا الجانب.

مدفن فوق الأرض في منطقة وعرة من العلا‬ يؤرخ إلى فترة العصر الحجري الحديث - النحاسي (الهيئة الملكية للعلا)

وفي السياق نفسه، يبرز تحدي «النبش العشوائي»، والتعدي على المواقع الأثرية في المناطق النائية، وعما إذا كانت العقوبات الحالية كافية للردع، أم أن الرهان الأكبر هو على وعي المجتمع.

وأفادت هيئة التراث أنها تعتمد على منظومة متكاملة تشمل تطبيق الأنظمة، والتعاون مع الجهات الأمنية والرقابية، إلى جانب تكثيف برامج التوعية المجتمعية.

وكشفت هيئة التراث عن أنها تلحظ تطوراً وتفاعلاً ملحوظَين للحد من هذه الظاهرة التي تعاني منها كافة المجتمعات والجهات المعنية بالآثار في كل دول العالم؛ إذ يبقى المواطن شريكاً رئيسياً في الإبلاغ عن التعديات مع حفظ كافة حقوقهم من خلال برامج التكريم والمكآفات وفق ضوابط محددة، إلى جانب ما يتم رصده من فرق الهيئة الميدانية أو المشاريع التي تنفذها الهيئة في التعريف والتسوير وتنفيذ اللوحات التحذيرية والتعريفية.

ليس مجرد ممر للقوافل

تحدثت «الشرق الأوسط»، مع أستاذ التاريخ بجامعة طيبة، الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الذي يرى أن الاكتشافات الأثرية الحديثة في السعودية، بدءاً من النقوش الصخرية والقطع الفخارية، وصولاً إلى الأحافير الحيوانية وشواهد القبور، أحدثت تحولاً جذرياً في تصحيح التصورات التقليدية حول تاريخ المنطقة، مؤكداً أنها تكشف عن استيطان بشري متواصل، ودور فاعل للجزيرة في صناعة التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده.

وأشار الوقيصي إلى أن هذه الاكتشافات «أسهمت في تصحيح كثير من التصورات التقليدية عن الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت أن هذه الأرض المباركة لم تكن مجرد ممر للقوافل، بل كانت مركزاً للحراك الإنساني والتبادل الثقافي والاقتصادي عبر آلاف السنين».

وحول المحطات التي شكلت نقطة تحول في التعامل مع التراث الوطني، يوضح الوقيصي أن الاهتمام بالآثار شهد تطوراً تدريجياً؛ حيث كانت الانطلاقة العلمية الأولى مع استكشاف قرية «الفاو» على حافة الربع الخالي، على يد فريق أثري سعودي بقيادة الراحل البروفسور عبد الرحمن الطيب الأنصاري.

جانب من أعمال ميدانية بمناطق متعددة من السعودية بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية عام 2025 (هيئة التراث‬)

غير أن التحول الأكبر والأنضج، بحسب الوقيصي، جاء مع تبني السعودية «رؤية 2030»، التي تعاملت مع التراث بوصفه ركيزة أساسية للهوية الوطنية ومحركاً للتنمية المستدامة. وأثمرت هذه الرؤية عن تأسيس هيئات متخصصة، وتطوير الأنظمة التشريعية لحماية الآثار، وتسجيل العديد من المواقع السعودية على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، مما أتاح تقديم تاريخ المملكة للعالم بصورة تليق بعمقها الحضاري.

وفي جوابه عن أهمية هذه المكتشفات للأجيال الشابة، ينفي الوقيصي الفكرة السائدة لدى البعض بأن الآثار مجرد «بقايا مادية لا قيمة لها»، مشدداً على أنها «شواهد حية على مسيرة الإنسان فوق هذه الأرض».

ويضيف: «عندما تُوثق هذه الآثار وتُعرض بأسلوب علمي حديث، فإنها تمنح الأجيال الناشئة فهماً أعمق لجذورهم التاريخية، وتزرع في نفوسهم الاعتزاز بالهوية الوطنية. فالوعي بالتراث هو الوقود الحقيقي لتعزيز الانتماء».

معرفة الآثار

يرى الوقيصي أن دور الأكاديمي والمؤرخ لم يعد محصوراً داخل قاعات المحاضرات أو بين رفوف المكتبات، بل أصبحت هناك مسؤولية مجتمعية تفرض عليه تقديم المعرفة المتخصصة بأسلوب يسير يجمع بين الدقة العلمية والتشويق الصحافي، عبر ربط المكتشفات بالقصص الإنسانية واستغلال المنصات الرقمية للوصول إلى مختلف فئات المجتمع.

وعن التطلعات المستقبلية، أشار أستاذ التاريخ بجامعة طيبة إلى وجود حاجة ماسة لسد بعض الفجوات الأكاديمية والبحثية، من خلال التركيز على الربط بين المكتشفات الأثرية والسياقات الاجتماعية والتاريخية، وإلقاء الضوء على مواقع أثرية لم تحظَ بالقسط الكافي من الدراسة والبحث حتى الآن.

واختتم الدكتور عبد الرحمن الوقيصي حديثه بالإشارة إلى الدور المحوري للإعلام في هذه الملحمة الثقافية، مؤكداً أن الصحافة العلمية والتحقيقات الميدانية هما الوسيلة المثلى لتحويل المعرفة الأثرية من نطاق النخبة والمتخصصين إلى ثقافة مجتمعية عامة.


«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
TT

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى

قبل بضعة أسابيع، فجرت الطبيبة المصرية الشابة أمنية سويدان جدلاً واسعاً، بتدوينة نشرتها على «فيسبوك»، حول العنف الذي تتعرض له نساء خلال الولادة، وفق ما يعرف اصطلاحياً بـ«العنف التوليدي»، وهو حديث أُثير لأول مرة في مصر على نطاق واسع، رغم أن الأحداث التالية أظهرت أن مثل هذه التجاوزات فعل قديم ومتكرر، وتتعرض له آلاف النساء، وسط تساؤلات عالقة عن مصير مقترفيه.

عدّدت سويدان، التي هجرت الطب من أجل الإخراج السينمائي، أشكالاً للعنف بين لفظي وجسدي وجنسي، تعرّضت له نساء داخل مستشفى الشاطبي خلال قضائها «فترة الامتياز»، أو التدريب المؤهل لممارسة المهنة، قبل عدة سنوات. المنشور الذي بدأ بعبارة تحذيرية على أنه «تريغر» قادر على إيقاظ ذكريات مؤلمة لدى من يشاهدنه، شجّع مئات النساء على كتابة تجاربهن المؤلمة، التي تنوعت بين مستشفيات حكومية وخاصة، ومع أطباء ذكور وإناث على السواء، بالإضافة إلى الجسم التمريضي.

من ضمن ما حكته سويدان، في 15 يونيو (حزيران) 2026، شتائم وإهانات واستهزاء بالألم تتعرض له نساء من أطباء وممرضين خلال الوضع (الولادة)، تجتمع كلها تحت اسم «العنف اللفظي»، فيما تتعرض أخريات لعنف جسدي موصوف من ضرب وضغط على البطن والفم لمنعهن من الصراخ، بالإضافة إلى الحديث عن الأعضاء الحميمة للسيدات والتندر عليها والتحرش الجنسي بذريعة تحفيز بعض السيدات لتسريع الطلق، وتكرار الكشف على نحو غير ضروري، وصولاً إلى الامتناع عن تقديم الرعاية الصحية لبعض الحالات.

مدخل مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية. (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذاكرة الألم

«كل ليلة لمدة 3 شهور، كنت أتذكر ما حدث معي وأبكي»، كان ذلك جزءاً من مضمون رسالة أرسلتها صديقة شخصية للناشطة النسوية صاحبة منصة «أحكي»، ناميس عرنوس، ونشرتها الأخيرة مصحوبة بتعليق منها على العنف التوليدي على صفحتها بـ«فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو الماضي.

حكت صاحبة الشهادة أنها عند ولادتها في مستشفى خاص، سخر الطبيب في الطوارئ ضاحكاً من ألم الطلق. ولما بدا عليها الامتعاض، أخضعها لفحص نسائي «عنيف لدرجة النزف»؛ تقول صاحبة الشهادة. وتضيف: «كنت قرأت عن فحص النساء قبل ولادتي، وما تعرضت له لا يمت له بصلة»، مشيرة إلى أن طبيباً قبل دخولها العمليات للولادة القيصرية جاء لها واعتذر ثم انصرف، ولا تعلم إن اتخذ أي إجراء بحق الطبيب المخالف.

وصفت دعاء أبو صالح، ممن كتبن شهادتهن عن العنف التوليدي على «فيسبوك»، تجربة ولادتها الثانية بأنها «أسوأ ساعات مرت علي في حياتي»، مشيرة إلى تأفف الطبيبة المشرفة على ولادتها وتلكؤها بمعاينتها. وكانت دعاء تتمسك بالولادة الطبيعية، لكنها واجهت تعنت الطبيبة، ورفضها الكشف عليها لفترة طويلة، وقالت: «جهاز قياس نبض الجنين بدأ يعطي إنذارات، وأنا أرجو الممرضة أن تستدعي الطبيبة لتكشف علي ولكنها رفضت»، مشيرة إلى أنها قدمت شكوى فيها، لكن ذلك لم ينه الألم النفسي لذلك اليوم في ذاكرتها.

أما نادية أبو زيد، فقالت: «أنا ولدت بالحيا»، في إشارة إلى شدة الألم خلال تعرضها لولادة قيصرية بتخدير لم يأخذ مفعوله تماماً. وكان الطبيب أعطاها البنج، وسألها عما إذا كانت تشعر بشيء، وقبل أن تُجيب أو تُمنح وقتاً «كانت بطني بتتشق وأنا بصرخ». وبقيت تصرخ لفترة، حتى جاء طبيب من الخارج وأعطاها بنجاً مرة أخرى، لكن المشرط كان قد فعل فعله في جسدها ونفسها. وتضيف بعد الولادة مباشرة: «كانت تأتي ممرضة وتضغط على جرحي بحجة إخراج الدم الفاسد».

نائبة وزير الصحة خلال جولة في بني سويف داخل مستشفى توليدي في يونيو 2026. (وزارة الصحة المصرية)

شاهدة أضحت متهمة

رغم الشهادات المتعددة التي ضجت بها وسائل التواصل المصرية وتحولت لقضية رأي عام، ألقت قوات الأمن القبض على سويدان، غداة كتابة المنشور، باتهامات «التعدي على قيم الأسرة المصرية ونشر أخبار كاذبة».

صدم القبض عليها كثيرين، خصوصاً مع اختلاف نهج ما اعتادت عليه النيابة العامة المصرية ووزارة الداخلية خلال السنوات الماضية، من فتح قضايا لمجرد نشر شهادات أو فيديوهات عنها عبر السوشيال ميديا، أما في حالة سويدان فتحولت «الشاهدة إلى متهمة»، حسب وصف المحامية الحقوقية عزيزة الطويل لـ«الشرق الأوسط».

في اليوم التالي، أفرجت النيابة العامة على سويدان على ذمة القضية، ونشرت بياناً تصفها فيه بأنها تعاني من مرض نفسي مزمن، وبعد نحو أسبوعين صدر الحكم عليها من المحكمة الاقتصادية، ببراءتها من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية، والإدانة في نشر أخبار كاذبة، وسجنها 6 شهور مع إيقاف التنفيذ على ذلك، وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً) بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2026.

لم تعترف الجهات القضائية والرسمية بشهادات السيدات، وحتى الأطباء الذي تجرأوا وأكدوا أيضاً عبر شهاداتهم الشخصية ما قالته سويدان.

الطبيب أيمن العطار، كتب في منشور على «فيسبوك»، عن واقعة حدثت عام 2000 أمامه في مستشفى القصر العيني، قائلاً: «أثناء توليد إحدى السيدات وكانت تشعر بألم شديد، كان النائب (الطبيب المشرف) يصيح فيها بطريقة مهينة لكي تحزق (الضغط على عضلات البطن)، ويبدو أنها لا تفعل ذلك، المهم في لحظة ما شتمها وضربها بقوة على فخذيها ضربة يميناً ويساراً».

وقالت الطبيبة سارة ناصر إنها خلال حضورها ولادة في مستشفى الشاطبي، خلال فترة امتيازها، كانت السيدة مرعوبة وتصرخ من الألم، فجاء الطبيب وعنفها وسبها حتى تصمت.

مع تجاهل كل هذه الشهادات النسائية والطبية، فتحت الجهات الرسمية، مثل جامعة الإسكندرية باب التحقيق فيما نُشر، وفق بيان نشرته في اليوم التالي لتفجير القضية، وناشدت من لديهن شهادات تقديمها للجامعة، ولما سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار عن نتيجة التحقيقات رفض التعليق قائلاً: «الأمر أصبح أمام القضاء».

الواجهة الأمامية لمبنى جامعة الإسكندرية. (الشرق الأوسط)

قل: «ولادة آمنة» ولا تقل: «عنف توليدي»

اختلف تعامل الجهات المعنية في مصر تجاه الأزمة، لكنها اتفقت على تجنب مصطلح «العنف التوليدي»، فحتى الجهة التي تفاعلت مع الأزمة إيجابياً وهي نقابة الأطباء، استخدمت بدلاً منه «الولادة الآمنة» بهدف تجنب أي تجاوزات قد تحدث.

التحفظ المصري، يقابله انفتاح عالمي على المصطلح الذي ذكرته منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 2014، عادّةً في بيان أن «سوء المعاملة أثناء الولادة انتهاك لحقوقهن»، ودعت إلى مزيد من الحوار والبحث والتوعية في هذا الملف. وفي عام 2019 أظهرت دراسة للمنظمة داخل أربع دول: «غانا، وغينيا، وميانمار، ونيجيريا»، أن أكثر من ثلث النساء تعرضن لسوء معاملة أثناء الولادة داخل المستشفيات.

وإذا كانت السيدات اليوم أكثر جرأة في الإفصاح عما مررن به، فإن تلك الحوادث نفسها قديمة ومتجذرة. فقبل 35 عاماً، وضعت هيام محمد (53 سنة) مولودها الأول في مستشفى الحسين الجامعي، بعد 5 ساعات قضتها في مستشفى الزهراء بمنطقة العباسية وسط القاهرة، حيث نهرها الطبيب المباشر لحالتها بسبب صراخها: «إنتِ مش هتولدي، إنتِ هتموتي». وقتها أصرت على مغادرة المستشفى: «قلبي انقبض وحسيت إني هموت فعلاً».

ومثلها ماجدة محمود (اسم مستعار)، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها لجأت في عام 1987 إلى مستشفى ناصر الحكومي في شبرا، وهي تشكو من ألم في الرحم. وتقول: «طيلة 10 أيام، كنت أنا والمريضات الأخريات مكشوفات قدام بعض وقدام الدكاترة، مفيش واحدة تقدر تعترض، ودكاترة كتير بيجوا يشوفونا، ومحدش بيقولي عندي إيه».

الموافقة المستنيرة

صنفت الطبيبة المصرية فريدة محجوب، والباحثة في ملف العنف التوليدي، أشكاله إلى 14 صنفاً، من ضمنها «غياب الخصوصية، والموافقة المستنيرة»، أي إعلام المريضة بكيفية إجراء الفحص وهدفه قبل أن تتعرض السيدة له، وضرورة أخذ موافقتها عليه.

وأضافت محجوب، في فيديو على «فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو، أنها تفاجأت بغياب الوعي لدى بعض الأطباء وأطقم التمريض، قبل السيدات المقبلات على الولادة. وتقول: «في أمهات متعرفش إن من حقها إن الدكتور ميزعلقهاش»، وذلك في دراسة أعدتها داخل مستشفى القصر العيني عام 2018 عن «العنف التوليدي».

ورصدت الدراسة، التي لم تُنشر بعد، أن 90 في المائة من العينة العشوائية، تعرضت لشكل واحد على الأقل من 11 شكلاً من أشكال العنف التوليدي.

جدل واسع تعرض نساء لتجاوزات خلال الولادة في مصر. (جامعة الإسكندرية)

الفقيرات الأكثر عرضة للعنف

تستقبل المستشفيات الحكومية والجامعية، التي تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية، مئات الآلاف من النساء للوضع سنوياً، وأكثرهن من غير المقتدرات، واشتكت 5 حالات تحدثت مع «الشرق الأوسط» من التعنيف، فيها أشادت واحدة بتجربتها.

ويقع أكثر من 30 في المائة من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات رسمية.

في مارس (آذار) عام 2023، خضعت ميادة إبراهيم (32 عاماً) لولادتها الأولى في مستشفى الشاطبي؛ تتذكر اليوم الذي أمرتها فيه طبيبتها بالتوجه إلى المستشفى على وجه السرعة لأن «التاسع بيخلص وابني مقلوب، ولازم أولد قيصري». عند الباب مُنع زوجها من مرافقتها، وتعرضت للإهانة والسخرية من ممرضة ثم خلال أول كشف للطبيب، وفي رد فعل على وجعها وقف قربها وراح يضحك ويسخر منها.

«اتحجزت في عنبر النساء وكل شوية يدخل دكتور من الامتياز ويكشف عليّ»، تقول ميادة لـ«الشرق الأوسط»، وحين سألناها: «عشرة أطباء مثلاً»، ردت: «أكثر»، ولم يخبرها أحد عن سبب الكشف، ولم يطلب أحد إذناً به وهي أصلاً ستلد قيصري. بعد الولادة: «خدوا ابني وخرجوه لزوجي، مشوفتوش غير لما روحت البيت بعد ساعات من الولادة، حتى ما سمحوش أرضعه أول رضعة».

حملة «الساعة الذهبية»

ذلك كله يخالف ما تتبناه وزارة الصحة حالياً من حملة للتوعية بأهمية «الساعة الذهبية» في إطار التشجيع على الولادة الطبيعية، وهي الساعة الأولى بعد الوضع، يمنح خلالها المولود للأم لملامسة جلدها والشعور بنبضات قلبها ما يساعد على انتظام نبضه وتثبيت حرارة جسمه.

وتأتي تلك الحملة بعدما سجّلت مصر أرقاماً قياسية في أعداد الولادة القيصرية، على الرغم من مخاطرها وتبعاتها الصحية، التي قفزت من 52 في المائة عام 2014 إلى 72 في المائة عام 2024؛ وفقاً للمسح الصحي للأسرة المصرية، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تتراوح أكثر من 10 إلى 15في المائة من مجموع الولادات. هذا علماً بأن غالبية هذه الولادات القيصرية تجري لأسباب غير طبية، ومن دون «موافقة مستنيرة» من السيدة نفسها.

لم تستطع منار سعيد (اسم مستعار)، وهي ربة منزل وزوجها سائق تاكسي، من محافظة الإسكندرية، أن تتحمل تكلفة الولادة في مركز أو مستشفى خاص قبل 3 أعوام. وتقول: «تابعت مع طبيب يعمل في مستشفى (يتبع وزارة الصحة)، على أمل أن ألد معه في المستشفى، بأسعار رمزية».

يوم الولادة، فاجأها الطبيب بطلب أضعاف المبلغ حتى تلد في القسم الاقتصادي، وحين سألته عن الفارق «كشف الستار عن سيدة تلد وهي غرقانة في دمها وحولها 7 أو 8 طلبة امتياز طب بيتعلموا فيها»، تقول منار: «من خوفي فقدت الوعي ولم أشعر إلا وأنا على السرير بعد الوضع».

تقول سناء سمير (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»، وهي مدرسة للغة الفرنسية خضعت للولادة في مستشفى الدمرداش عام 2019، إنها «شعرت بالمسؤولية بعد حديث سويدان، لحماية النساء غير القادرات بمشاركة قصتها»، موضحة أنها تستطيع مادياً الولادة في مستشفى خاص، لكن «الدكتور طلب مني أن أذهب للدمرداش لأني هولد في السابع والطفل سيحتاج إلى حضّانة»، وذلك بعد أزمة تعرضت لها في الحمل، ووعدها بأن يقوم هو بنفسه بتوليدها هناك.

«في الطريق إلى غرفة العمليات رأيت سيدة تلد في الممر وأخرى في الأسانسير، الوضع فوضوي ومرعب» تقول لـ«الشرق الأوسط». وفي غرفة العمليات «لم تتوفر الخصوصية الكافية»، صرخت سناء من الألم، فنهرها الطبيب وتدخلت طبيبة شابة في الامتياز، هدأتها وأخبرتها أنه عند مجيء الطلق عليها «الحزق لا الصراخ» لمساعدة الهواء المحتبس على دفع الجنين إلى مجرى الولادة عوضاً عن إخراجه من الفم فتزيد الانقباضات. وتعلق سناء: «لم أكن أعلم هذه المعلومة ولم يحضّرني لها أحد».

ملصق إرشادي نشرته وزارة الصحة المصرية ضمن حملة للحد من معدلات الولادة القيصرية

لماذا لا تشتكي النساء؟

سألت «الشرق الأوسط» السيدات عن أسباب عزوفهن عن تقديم شكوى رسمية، وهو ما تعد المؤسسات غيابه دليلاً على أن ما يثار مفتعل ومبالغ فيه، وكان جهل أكثر من حالة بأسماء المتورطين في العنف ضدهم سواء من أطقم التمريض أو الأطباء سبباً، مع عدم قدرتهن بعد الوضع على التفكير في الشكوى، خصوصاً وأن بعضهن ولدن أطفالاً خضعوا لعلاج لفترة حتى تحسنت أوضاعهم.

أخريات كن غير قادرات على التمييز أن ما حدث لهن هو «عنف توليدي» مثل منار، التي روت لـ«الشرق الأوسط» أكثر من موقف وقالت في بداية حديثها، ما حدث معي «سوء معاملة مش عنف توليدي»، رغم أن «سوء المعاملة» خلال الوضع جزء من العنف التوليدي.

أما ميادة إبراهيم، فقالت لـ«الشرق الأوسط»، «إحنا سكتنا، وقت ما عملوا فينا كده، وعلشان إحنا غلابة سكتنا، شكوى إيه اللي هنقدمها؟»، في نمط متكرر لشعور الضحية بالذنب.

ورأت سناء أن «شهادتها سواء عبر (فيسبوك) أو من خلال الإعلام تكفي لتوعية أخريات حتى لا يتعرضن لما تعرضت له خصوصاً الفقيرات»، فاقدة الأمل في المقابل أن تؤدي شكواها في المسارات الرسمية لنتيجة.

لقطة مأخوذة من فيديو لمبنى مستشفى الدمرداش الجامعي. (وزارة الصحة)

الولاية الطبية

تقدم المحامية الحقوقية عزيزة الطويل، تفسيرات إضافية لأسباب صمت النساء وعدم التقدم بشكوى تقتص لهن عند التعرض لتجاوز لا سيما من الناحية الطبية، أولها يتعلق بالسياق العام لمعاملة النساء بعدّهن «ناقصات الأهلية الطبية». وتقول الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، يرفض الأطباء إجراء عمليات للنساء حتى لو كانت منقذة للحياة مثل استئصال الرحم في حالة الورم، إلا بعد الحصول على موافقة الزوج»، عادّةً أن ذلك، يُشعر النساء بأن حقوقهن مهدرة، وأنهن لا يملكن القرار القانوني والطبي في أجسادهن، وبالتالي فإن الشكوى لن تأتي بنتيجة.

ووفق التقرير السنوي للمركز المصري لحقوق النساء، عن عام 2025، فقد «سجل العنف ضد المرأة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة وشدة الجرائم الموجهة ضدهن، امتدت من الفضاء الخاص إلى العام. ولم يقتصر الأمر على جرائم قتل الزوجات والمشاجرات العائلية (...) بل تجاوزها إلى محاولات منهجية لفرض الوصاية الذكورية، وترهيب النساء في الأماكن العامة».

وتشير الطويل إلى أسباب اقتصادية في عزوف النساء عن التقدم بشكوى: «لا يوجد وسائل سهلة للشكوى، فالشكوى الجنائية تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً في ظل طول مدد التقاضي في المحاكم المصرية، حتى الشكاوى التأديبية تحتاج إلى رسوم، ومحامٍ لمتابعتها في الأغلب مع تعقيد إجراءاتها». ولفتت إلى أن الشكوى في نقابة الأطباء تتكلف 750 جنيهاً رسوماً، وغير مضمونة النتائج، ومعتمدة في حكمها على تجربة خاضتها بنفسها مع موكلة عندها لتقديم شكوى في طبيب نهاية عام 2024.

وأرجع عضو مجلس نقابة الأطباء شادي صفوت، رسوم الشكاوى إلى «جدية الشكوى»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم فرض رسوم يجعل من السهل التقدم بشكوى كيدية».

أما السبب الثالث وفق الطويل فهو «اليأس من الوصول لنتيجة»، مستشهدة بواقعة هي كانت طرفاً فيها لشابة عشرينية تعرضت لـ«تحرش جنسي من طبيبها وتقدمت بشكوى للنقابة، لنكتشف أن الطبيب نفسه مقدم ضده أكثر من شكوى سابقة، ولم يتم اتخاذ أي قرار بحقه حتى الآن».

خطاب رسمي صامت

كل ذلك الضجيج ووزارة الصحة المصرية لم تصدر بياناً واحداً يُعلق على الأزمة. لم تنشر حتى أرقاماً للشكاوى أو إيضاحات، بل سلكت نهجاً «دعائياً»، للرد على ما عدّته «دعاية مضادة» تستهدف مستشفياتها.

وتنقسم المستشفيات العامة في مصر إلى مستشفيات حكومية تتبع وزارة الصحة، ومستشفيات جامعية تتبع وزارة التعليم العالي، التي يتلقى فيها طلاب الطب تدريبهم ويعرف ذلك بفترة الامتياز، مثل القصر العيني في القاهرة، والشاطبي في الإسكندرية، وتظل وزارة الصحة هي المظلة الأوسع المعنية بالقطاع الصحي ككل.

تتبعت «الشرق الأوسط» خطاب الوزارة عقب الأزمة لمدة أسبوعين، بتحليل محتوى صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فكانت نسبة المحتوى المتعلق بصحة النساء 10.3 في المائة فقط من مجمل المنشورات خلال فترة البحث، بعدد 20 بوستاً من بين 194 بوستاً، واشتبكت الوزارة مع «العنف التوليدي» في 5 منشورات منها، وهي عبارة عن مقاطع فيديو دعائية، مصورة بجودة عالية، تُظهر الجودة والانضباط والنظافة في المستشفيات الجامعية والحكومية مثل «الشاطبي، والدمرداش، والجلاء، وأحمد ماهر».

أظهرت المقاطع سيدات بعد وضعهن يحملن أطفالهن ويحكين تجربتهن «الممتازة والمميزة»، في الولادة بهذه المستشفيات، وقالت سيدة في فيديو عن مستشفى أحمد ماهر، المنشور بتاريخ 23 يونيو الماضي «والله مفيش نظرة اتنظرت لي من دكتور مش كويسة، جيت هنا أكني جيت مستشفى خاص». وكأن الأزمة أصبحت بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وليست بين تجاوزات قد تحدث في أي منها كما قد تحدث في أي بلد آخر، علماً بأن شهادات كثيرة عبر السوشيال ميديا حكت عن تجاوزات في مستشفيات خاصة، وبعضها حتى من طبيبات نساء.

بين صحة النساء ونظام الطيبات

لم تضع الوزارة هدف توعية النساء بحقوقهن خلال الولادة في خطتها للتعامل مع الأزمة، أو حتى التوعية بالصحة الإنجابية عموماً رغم الطفرة التي يشهدها الخطاب الإعلامي للوزارة من حملات ضخمة لمواجهة الإدمان والتدخين، أو للاشتباك مع أزمة «الطيبات» التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية.

و«الطيبات» هو نظام غذائي ادعى واضعه الطبيب السابق الراحل، ضياء العوضي، قدرته على شفاء الأمراض كافة والوصول بمتبعه إلى أفضل النتائج. يحظر النظام تناول الخضراوات والبيض واللحوم البيضاء، ويسمح بتناول السكر بكميات كبيرة، ويدعو للتوقف عن تناول الأدوية. اكتسب النظام شهرة واسعة بعد وفاة العوضي في 21 أبريل (نيسان) الماضي، وكان قد مُنع من مزاولة مهنة الطب قبل وفاته بشهور. وأطلقت وزارة الصحة حملة توعوية كبيرة تقدم خطاباً صحياً بديلاً، وتشدد على أهمية تناول الأطعمة التي منعها العوضي، وتصحيح المفاهيم حولها، علماً بأن الوزارة استمرت في نشر الحملة خلال فترة البحث، بواقع 5 منشورات.

ويحتل المضمون التوعوي المرتبة الأولى بين محتوى الوزارة، متجاوزاً حتى المضمون الإعلامي الخاص ببيانات الوزارة، بنسبة 61.9 في المائة من مجمل المحتوى. ويتنوع هذا المضمون بين حملات بعضها موسمية مما يرتبط بيوم عالمي لمرض معين، وأخرى دائمة مثل كبسولة الصحة، وهي فيديوهات قصيرة يظهر فيها طبيب أو طبيبة للتوعية أو الرد عن تساؤل يُثار حول مرض معين.

سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، في رسالة عبر «واتساب»، عما إذا كانت الوزارة تنوي استغلال الأزمة الأخيرة في حملات توعوية للمريضات بحقوقهن، ولم نتلق رداً حتى نشر التحقيق. السؤال نفسه توجهنا به إلى نائبة وزير الصحة الدكتورة عبلة الألفي، خصوصاً وأنها المعنية بالتوعية ضد مخاطر الولادة القيصرية، في ظل زيادة معدلاتها إلى نحو 72 في المائة، لكن لم نتلق رداً منها أيضاَ.

وعلى أهمية الحملات السوشيالية، يظل قطاع كبير من المتضررات أو المتضررات المحتملات من العنف التوليدي، خصوصاً من الطبقات الفقيرة أو اللواتي يفتقرن للقراءة والكتابة، بعيداً عن هذا النوع من المضمون، لذا لا بد من استهدافهن بحملات تلفزيونية أو حملات طرق للأبواب.

تقول وزارة الصحة المصرية إنها تركز على تقليل الولادات القيصرية بعد ارتفاع نسبتها. (موقع الوزارة)

ميثاق «الولادة الآمنة»

في 6 يوليو 2026، صدر أول رد فعل إيجابي مع الحراك الأخير حول «العنف التوليدي» من نقابة الأطباء المصرية، «الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة»، في نتاج لورشة عمل أقامتها النقابة في 23 يونيو الماضي، الذي رغم شموليته، يظل تطبيقه صعباً تحت عقبات خاصة بنقص الكادر الطبي والإمكانات الطبية مقارنة بعدد السكان، ومع غياب الجهة المنوط بها تنفيذ معظم مراحله، سواء في ورشة العمل أو بالأسماء والجهات الواضعة الميثاق في ختامه.

يبدأ الميثاق خطته بعنصر «التوعية»، والمنوطة بتقديمه وفق الميثاق، وزارة الصحة، وإدارات المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، ويقترح فيه تقديم جلسة تثقيفية موثقة ضمن متابعة الحمل، ونشر ميثاق عن حقوق الأم في جميع المنشآت الصحية.

ينتقل الميثاق إلى ضمان الخصوصية داخل الغرف بالستائر في حد أدنى، وتوفير وسائل تخفيف الألم، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة. كما ينص على ضرورة توثيق موافقة الأم على التدخلات الطبية غير الطارئة (الموافقة المستنيرة)، ثم إلى الإمكانات الطبية، بتنمية الموارد البشرية وبناء القدرات والكوادر المساعدة، من خلال تدريب الفرق الطبية ومقدمي الخدمة على التواصل والموافقة المستنيرة، وتفعيل برنامج القابلات، والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم للأمهات أثناء الولادة، وتحسين بيئة العمل ودعم مقدمي الخدمة، بداية من توفير القوى البشرية بأقسام النساء والتوليد والطوارئ بما يتناسب مع عدد من يتردد على الخدمة، وتنظيم ساعات العمل والمناوبات بأجر عادل، وزيادة بدل (المقابل المادي) المناوبات، وتوفير الدعم النفسي للعاملين.

ورشة عمل في نقابة الأطباء المصرية انبثقت عنها وثيقة «الولادة الآمنة». (موقع النقابة)

نظرياً، تحل هذه الوثيقة أزمة العنف التوليدي، بل وأزمة الأطباء في مصر، لكنها تصطدم بالواقع الذي يتسم بنقص الأطباء مقارنة بعدد السكان، وكذلك الإمكانات الطبية، بل ومنظومة الأجور التي يطالب الأطباء منذ سنوات بتحسينها.

وقبل أيام من صدور هذا الميثاق، أشار الوكيل العام لنقابة الأطباء جمال عميرة، إلى الضغط الواقع على الأطباء، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحدث بها 5 آلاف ولادة يومياً، فلو اشتكى 10 مش رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه سعيهم إلى أن تكون الخدمة الطبية على أعلى مستوى ومرضية، لكنه أشار إلى أنه «حتى يحدث ذلك نحتاج إلى ضعف عدد الأطباء الموجود حالياً في مصر».

يوجد 11.8 طبيب في مصر لكل 10 آلاف نسمة عام 2024، وفق عدد الأطباء خلال العام نفسه الذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء. وتبتعد هذه النسبة عن النسب العالمية 17.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة. زيادة عدد الأطباء في مصر ليست أمراً سهلاً، فبخلاف هجرة الأطباء «تحتاج زيادة الأعداد التوسع في كليات الطب، وهو ما ترفضه النقابة وتحذر منه في ظل غياب المستشفيات الجامعية، ما يضعنا أمام طبيب غير مؤهل... الأزمة متشعبة ومتشابكة» يقول عميرة.

وعلقت الطبيبة والباحثة فريدة محجوب على الميثاق، وهي ضمن من شارك في وضعه: «الحركة على مستوى السياسات الصحية والتغيير يحتاج إلى تشبيك معتبر ومجهود سنين. واللحظة الحالية تحتاج إلى عمل مع كل الأطراف وعلى كل المستويات»، مشيرة إلى أن الأهم بالنسبة لها «معرفة النساء بحقوقهن، وأن من يخطئ يُحاسب بآلية شكوى ومساءلة واضحة».

ونصت الوثيقة فيما يتعلق بالشكوى على «إنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى في وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والنقابات المهنية، وتوفير الحماية للشاكي، مع تحديد إطار زمني للتحقق من الشكوى».

وحتى تاريخ النشر، لم تتفاعل وزارة الصحة المصرية مع الوثيقة أو تصدر أي بيانات أخرى عن آليات تطبيقها، أو تجيب عن استفسارات الصحافة والسيدات.


واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

لم تعد العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تُقاس بحجم السلاح الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب فحسب، ولا بعدد المرات التي تحميها فيها داخل المؤسسات الدولية، بل أصبح الاختبار الحقيقي اليوم في مكان آخر: من يملك فعلاً حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟

فالذي يطفو على سطح العلاقة ليس انشقاقاً استراتيجياً ولا تراجعاً أميركياً عن الالتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام الإقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة.

فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسياً، وتنسق معها عسكرياً في الحرب على إيران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو حق تقرير توقيت الحروب ونهاياتها، أو تعطيل علاقات واشنطن مع تركيا والسعودية ودول الخليج ومصر والعراق وسوريا ولبنان. بهذا المعنى، لا تواجه إسرائيل خصماً أميركياً، بل حليفاً قرر أن يستعيد موقع القيادة.

من يقود سياسة الشرق الأوسط؟

هذا التحول يدحض المقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات الأميركية، وقد تدفع واشنطن نحو خيارات لم تكن في مقدمة أولوياتها، لكن الوقائع الأخيرة تظهر أن الإدارة الأميركية تحتفظ بسلطة ضبط الإيقاع وفرض التسويات عندما تتعارض الأجندة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية الأوسع، من أمن القوات والأسواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال الأطلسي ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتتجسد هذه الحقيقة في سلسلة وقائع متزامنة تبدأ باحتضان ترمب للرئيس التركي رجب طيب إردوغان رغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم مطالبة إسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائبه جي دي فانس عن التفاوض مع إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وصولاً إلى رهان ترمب على الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بدلاً من تحويلهما إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وليس البديل الأميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح المنطقة وترتيب أولوياتها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تركيا المدخل الأوضح لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو الحالي (رويترز)

تركيا تكسر الاحتكار

يشكل الملف التركي أوضح اختبار لهذا التحول في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد طلب نتنياهو من ترمب، قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، كبح خطاب إردوغان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سلاحها الجوي. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بين بيع مقاتلات «إف-35» أو محركات متطورة لأنقرة وبين المحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي، معتبراً في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «الإخوان المسلمين» وأن تسليحه سيخلّ بتوازن القوى.

جاء ذلك بعد وصف إردوغان الصهيونية بأنها «آيديولوجيا إبادة»، وقول وزير خارجيته هاكان فيدان إن الحكومة الإسرائيلية أصبحت «مشكلة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردها موقع «أكسيوس».

لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الناتو»، وقوة مؤثرة في سوريا والبحر الأسود، ووسيط استخدمته الإدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن في حزمة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتزويد مشروع المقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغم أن العودة الكاملة إلى برنامج «إف-35» لا تزال مرهونة بتخلي أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية (الحالي العمل على مخارج لها) وبقيود قانونية أميركية.

وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات المفروضة على تركيا وأنه منفتح على بيعها «إف-35»، وإن لم يتخذ القرار النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مواجهة الاعتراض الإسرائيلي، في مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت الإدارة مع خطاب أنقرة المناهض لإسرائيل باعتباره خلافاً يمكن احتواؤه، لا سبباً لإخراج تركيا من الحسابات الإقليمية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل تركيا قوة منافسة تجمع بين القدرة العسكرية والخطاب العقائدي والامتداد داخل سوريا والعلاقة بحماس. أما واشنطن فتراها شريكاً صعباً، لكنه لا غنى عنه. والخلاف هنا ليس على تقييم إردوغان أخلاقياً، بل على ما إذا كان أمن إسرائيل يمنحها حق الاعتراض على تسليح حليف أطلسي تحتاج إليه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي.

وإذا كان الملف التركي يكشف حدود الاعتراض الإسرائيلي على شراكات واشنطن، فإن الملف الإيراني يكشف حدود قدرة إسرائيل على تحديد سقف الحرب ونهايتها.

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

إيران: من يبدأ ومن يختم؟

تكشف الحرب مع إيران حدود التباعد وحدود التحالف في آن واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عملياتهما في 28 فبراير (شباط) الماضي بتنسيق عسكري عميق، ولا تزال واشنطن توفر لإسرائيل قدرات لا تستطيع تأمينها منفردة. وقبل التصعيد الأخير، أبلغت الإدارة تل أبيب أنها سترسل عشرات طائرات التزود بالوقود الإضافية إلى المطارات الإسرائيلية، فيما كانت خطط ضرب منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية تُناقش في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وفق «أكسيوس». وهذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ لإسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عملياً اتفاقاً على نهايتها.

حكومة نتنياهو تريد إزالة القدرات النووية والصاروخية الإيرانية جذرياً، والإبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بين هذه الأهداف وبين سلامة القوات الأميركية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات الأميركية في موجة التصعيد الأخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُمان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على الملاحة في المضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد.

وبلغ التوتر ذروته عندما قال جي دي فانس إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية حاولوا التأثير في الرأي العام الأميركي لإبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلى أجل غير مسمى». وأضاف أنه لا يعترض على محاولات الدول التأثير في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي الأميركي». لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن ترمب كان سيعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً حتى من دون ضغط إسرائيلي.

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن نتنياهو قدم «وعوداً كثيرة» بشأن حرب إيران لم تتحقق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول سرعة انهيار قدرات طهران. وتفسر هذه التجربة تشدد البيت الأبيض في فحص المطالب الإسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلّماً بها.

الخلاصة أن إسرائيل استطاعت التأثير في توقيت الحرب وبيئتها، لكنها لم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقد دعا ترمب إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطلاق النار عندما أوشك اتفاق سابق على الانهيار. القيادة الأميركية، إذن، لا تعني دائماً ضبط النفس؛ فقد تقود واشنطن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسلام أميركياً.

لبنان: الدولة قبل «المنطقة الأمنية»

الإشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بأدوات مختلفة؛ فهنا لا يدور الخلاف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة الأجدى لمعالجته.

الاختلاف يتبلور في مشروعين: مشروع أميركي يريد إعادة بناء سلطة الدولة تدريجياً، ومشروع إسرائيلي يعطي الأولوية لحرية العمل العسكري المباشر. وقد وفَّر الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو (حزيران) الماضي مختبراً عملياً لهذا التباين، إذ نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو علاقات سلمية.

وخلال استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت الأبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بلد «عومل بصورة سيئة جداً»، وتعهد بمساعدته، مع إقراره بوجود «مشكلة اسمها حزب الله». وقدم عون خطة مكتوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً لترمب إن نجاح المسار يمكن أن يصبح جزءاً من إرثه.

وبالتزامن، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن برنامج «المناطق النموذجية» الذي يشمل أيضاً صريفا وفرون.

وتتلخص الفكرة في انتقال المنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير المنفجرة والبنى المسلحة، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الاختبار يهدف إلى إثبات أن الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة المخولة حمل السلاح.

لكن الخلاف يبرز عند تحديد الجدول الزمني والجهة التي تصادق على نجاح التجربة. تريد بيروت وواشنطن منح الجيش مهلة ودعماً مالياً ولوجستياً لبسط سيادته، بينما تطالب إسرائيل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونقل «أكسيوس» أن ترمب قال لنتنياهو عن الوجود الإسرائيلي في سوريا ولبنان: «لا يريدونكم هناك، عليكم إعادة الانتشار»، بينما رد مكتب نتنياهو بالتشديد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود.

واشنطن لا تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط ولا تتجاهل سلاح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح الانسحاب أداة لتقوية الدولة، لا أن يتحول الاحتلال إلى بديل دائم عنها. وتراهن على عون والجيش لعزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ الإيراني، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل الاحتفاظ بضمانة القوة المباشرة.

وقد يفتح الاتفاق، إذا نجح، طريقاً نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسع. لكن عون لم يوافق حتى الآن على لقاء نتنياهو، وربط أي حديث عن السلام بالمبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عن انضمام لبناني سريع إلى «اتفاقيات إبراهيم» لا يزال طموحاً أميركياً - إسرائيلياً أكثر منه قراراً لبنانياً.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب واللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟

من لبنان يتسع النقاش إلى سوريا والعراق، حيث تتكرر المعضلة: هل تُدار بقايا النفوذ الإيراني عبر بناء الدولة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلى تحويل ضعف النفوذ الإيراني إلى فرصة لبناء دولتين أقل ارتهاناً للميليشيات، بينما تنظر إسرائيل إلى البلدين أساساً بوصفهما ممرات للسلاح ومنصات لتهديد حدودها.

في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، ثم طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأقرّ مسؤول أميركي إن وجودها يخلق توتراً قد يقود إلى تصعيد. وكانت الإدارة قد أمضت أشهراً في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حدود إسرائيل ويعيد الأراضي تدريجياً إلى دمشق، قبل أن تخلص إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم التنازلات المطلوبة، وفق تقارير صحافية.

المقاربة الأميركية تقوم على دعم سلطة مركزية سورية تستطيع منع عودة التنظيمات المتطرفة، ودمج القوى الكردية في مؤسسات الدولة، والعمل مع تركيا والأردن. وقد رحبت واشنطن باتفاق وقف النار والاندماج المرحلي بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في يناير (كانون الثاني) باعتباره «محطة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل الأمد، وتقول إن الانسحاب قد يسمح بتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر على حدودها الشمالية.

وفي العراق، لا تستطيع واشنطن التعامل مع الدولة كساحة قصف فقط؛ فلديها قوات وعلاقات اقتصادية وأمنية ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقد أبرز استقبال ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه الأولوية. فالزيدي، الذي شارك قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، تحدث في البيت الأبيض عن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإنجاز انسحاب القوات الأميركية المقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وكان نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران محوراً رئيسياً في محادثاته مع الإدارة الأميركية.

إسرائيل، في المقابل، تقيس العراق بمعيار الصواريخ والمسيَّرات وممرات الإمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» في مارس (آذار)، نسبتها بغداد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مقتل 15 عنصراً وأثارت احتجاج الحكومة العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نزع السلاح عبر الحكومة العراقية، لأن الضربات غير المنضبطة قد تقوي خصومها وتحوّل العراق مجدداً إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية.

غير أن أي هندسة إقليمية لا يمكن أن تكتمل من دون العودة إلى الملف الفلسطيني، بوصفه العقدة التي تحدد حدود التطبيع العربي مع إسرائيل.

فلسطين... القفل والمفتاح

لا تستطيع واشنطن بناء منظومة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج إذا بقي الاندماج الإسرائيلي منفصلاً تماماً عن القضية الفلسطينية. وقد طلب ترمب في مايو (أيار) من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام جماعياً إلى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حرب إيران. غير أن الدعوة لم تلقَ استجابة، لأن المزاج الشعبي في تلك الدول ومواقف حكوماتها لا يسمحان بتطبيع مجاني في ظل واقع غزة والضفة الغربية.

السعودية، وهي الجائزة الكبرى للمشروع الأميركي، أبلغت واشنطن مراراً أنها تحتاج إلى خريطة طريق موثوقة نحو دولة فلسطينية. وفي المقابل، يرفض نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون قيام تلك الدولة، ويتمسكون بمقاربة «السلام مقابل السلام»، أي التطبيع الإقليمي من دون أي تنازل سياسي للفلسطينيين. وهو ما دعا الرياض إلى القول إنها لا ترى إمكاناً قريباً للتطبيع ما دام هذا الرفض قائماً.

أما خطة ترمب لغزة، فتتضمن إعادة إعمار بمليارات الدولارات وقوة استقرار دولية وحكماً فلسطينياً تكنوقراطياً وانسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، لكنها تعثرت عند الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتواصل إسرائيل السيطرة على مساحات واسعة وبناء حاجز ترابي يمتد أكثر من 23 كيلومتراً داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من المراقبين. ومن دون معالجة ذلك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعادة الإعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة.

هنا يصبح الملف الفلسطيني جزءاً من الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على هندسة المنطقة ومستقبلها السياسي لا بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيران لبناء شبكة شراكات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمين الإسرائيلي يريد توظيف الضعف نفسه لتوسيع السيطرة الإقليمية من دون كلفة فلسطينية. وبين المنهجين تقف السعودية ومصر وتركيا والخليج بوصفها قوى لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتجاهل شروطها.

وتنعكس هذه التوازنات الإقليمية، في النهاية، على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يصبح صندوق الاقتراع اختباراً لقدرة نتنياهو على الاستمرار في إدارة التحالف بالشروط القديمة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو 2026 (رويترز)

صندوق الاقتراع المقرر الأخير

هذه التوازنات كلها ستوضع في ميزان الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران. وقد أعلن نتنياهو ترشحه مجدداً، لكنه يواجه تحدياً متصاعداً من رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه قادر على منافسته من موقع أمني متشدد، لا من موقع يساري تقليدي.

وتراجع موقع نتنياهو في واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيارات سريعة إلى البيت الأبيض منذ عودة ترمب، حاول لأكثر من أسبوعين الحصول على موعد جديد، قبل أن يحدد أخيراً الثلاثاء، في وقت وصف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيين وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا».

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، بينهم 80 في المائة من الديمقراطيين و41 في المائة من الجمهوريين، مع ارتفاع الرفض خصوصاً بين الجمهوريين دون الخمسين.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترمب قررت إسقاط نتنياهو أو التدخل المنظم لاستبداله. فترمب دافع عنه في مواجهة مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقاً لمنحه عفواً في قضايا الفساد، وأعلن أنه لن يُعتقل في أميركا، رداً على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، ولا تزال إدارته توفر لإسرائيل حماية وتسليحاً استثنائيين. الأصح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتكييف مشروعها الإقليمي مع احتياجات نتنياهو الانتخابية، وأن سياساتها قد تساعد خصومه بصورة غير مباشرة إذا أقنعوا الناخب الإسرائيلي بأن استمرار حكومته يهدد العلاقة مع الحليف الأميركي.

في المحصلة، لا تقف إسرائيل أمام خيار بين التحالف مع الولايات المتحدة أو القطيعة معها، بل أمام امتحان أكثر تعقيداً: هل تقبل أن تكون شريكاً مركزياً داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلى تفويض مفتوح يتيح لها فرض الوقائع العسكرية ثم مطالبة أميركا بتغطيتها؟

التحالف الأمني سيبقى، وربما يزداد عمقاً، لكن شروطه السياسية تتغير. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، ولا تتخلى عن إسرائيل، لكنها تقول بوضوح إن أمن إسرائيل لا يمنح حكومتها حق الفيتو على علاقات أميركا الإقليمية، ولا على مستقبل الدول التي تريد واشنطن إعادة إدخالها في معادلة الاستقرار.

هذه هي الرسالة الأهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفاً أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة.