تساؤلات في الخرطوم بعد قرار حميدتي البقاء في دارفور

هل بسبب توتر مع الجيش أم اعتراضاً على الوساطة الأميركية ـ السعودية؟

محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
TT

تساؤلات في الخرطوم بعد قرار حميدتي البقاء في دارفور

محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)

أثار قرار قائد قوات الدعم السريع، نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مغادرة الخرطوم، للبقاء في إقليم دارفور لمدة 3 أشهر، في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة أحداثاً مهمة، كثيراً من الجدل والتساؤلات، حول ما إذا كان القرار نابعاً من رغبة الرجل في بسط الأمن في إقليم دارفور، أو أن له علاقة بالأوضاع في الخرطوم ومزاعم التوتر بينه وبين الجيش، أو عدم رغبته في البقاء قريباً من الحوار بين تحالف المعارضة «الحرية والتغيير» والجيش الذي ترعاه الوساطة الثنائية الأميركية السعودية. وقال حميدتي في تصريحات أدلى بها في إقليم دارفور المضطرب، بحسب نشرة وزعتها أجهزة إعلامه، إنه جاء من الخرطوم لمعالجة كل القضايا والمشكلات القبلية في ولاية غرب دارفور، وإنه لن يرجع حتى يجد حلاً لتلك المشكلات. وأضاف: «حضرنا هذه المرة، نحمل خيامنا للبقاء أطول فترة، ولن نغادر حتى نقف ميدانياً على كل صغيرة وكبيرة، نزور كل الأهل والمناطق التي شهدت أحداثاً، وسنجد حلاً لتلك المشكلات».
وبرغم أن حميدتي يترأس اللجنة العسكرية التي تتفاوض مع تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» (المجلس المركزي)، في إطار الوساطة الأميركية – السعودية، فإن الرجل آثر أن يبقى في إقليم دارفور لحل النزاعات في الإقليم كما يقول؛ لكن تحليلات ذهبت إلى أنه سيبقى هناك بسبب استيائه، لا سيما بعد انتشار معلومات عن توتر بين قواته والجيش السوداني، وتحذير من مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، مولي فيي، أثناء زيارتها للبلاد، من احتمال الصدام بين الطرفين.
وتطرقت تحليلات أخرى إلى احتمال أن يكون الرجل قد اختار النأي بنفسه عن الحوار بين المدنيين والعسكريين الجاري في الخرطوم، والذي قد يتوصل إلى توافق على حساب حلفائه من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، لا سيما أن الاجتماعات التي دارت في بيت السفير السعودي وشارك فيها حميدتي لم تشمل تلك الحركات، ولم تشمل حتى ممثلي الاتحاد الأفريقي في الآلية الثلاثية، واكتفت بإشراك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان (يونيتامس)، وهو الأمر الذي أثار غضب سفير الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، محمد بلعيش، الذي أعلن الانسحاب من الآلية الثلاثية، قبل أن يعود ويتراجع عن انسحابه.
ومن دارفور، قال حميدتي واصفاً التوتر داخل الآلية الثلاثية وانزعاج حلفائه من حركات دارفور الموقعة على اتفاق سلام جوبا، والمشاركة في الحكومة الانقلابية، إنه يجدد التأكيد على دور الآلية الثلاثية في تسهيل الحوار بين الأطراف السودانية؛ خصوصاً دور الاتحاد الأفريقي في العمل وفق منهجية واضحة ومحددة.
ويترأس حميدتي الجانب العسكري في التفاوض مع «الحرية والتغيير»، إلى جانب كل من عضوي مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق إبراهيم جابر. وبرغم أن الزمن ليس في صالح المتحاورين، فإن حميدتي آثر أن يكون بعيداً عن الخرطوم، زاعماً أنه هناك من أجل بسط الأمن في جنوب دارفور، وإنهاء حالة عدم استقرار الأمن، وقام بالفعل بعقد مصالحات بين عدد من المكونات الدارفورية.
وتتهم قطاعات واسعة من القوى المدنية قوات الدعم السريع بالضلوع في جريمة فض اعتصام القيادة العامة الشهير، وممارسة انتهاكات واسعة أدت إلى مقتل العشرات، وتضمنت انتهاكات جنسية وعمليات تعذيب وإخفاء قسري لا تزال عالقة. بيد أن الرجل قال في دارفور، الأسبوع الماضي، إنه ألقى القبض على كل الذين شاركوا في عملية فض الاعتصام من قواته، وتعهد بتقديمهم لمحاكمات عن تلك الجرائم.
وتواجه قوات الدعم السريع، منذ عهد الرئيس المعزول عمر البشير، اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أثناء الحرب الأهلية التي شهدتها دارفور في العشرية الأولى من القرن الجاري، بيد أن حميدتي، وحسب ما تردده مصادر مناوئة له، دخل في حلف سياسي وعسكري غير معلن مع خصومه السابقين في الحركات المسلحة الدارفورية، لا سيما «حركة العدل والمساواة» التي ألحق بقواتها خسائر فادحة في معركة شهيرة عُرفت بمعركة «قوز دنقو» في عهد نظام البشير.
ولم يشفع للرجل القادم من صحراء دارفور على ظهور إبل المجموعة العربية المسلحة في الإقليم، والمدعوم بسيارات «لاندكروزر» مسلحة، وعشرات الآلاف من المقاتلين، وبسيرة طويلة من القتال مع الحركات المسلحة في دارفور لصالح حكومة الإسلاميين، لم يشفع له دوره في القضاء على نظام الإسلاميين ودعم الثورة ضده، ورفضه قتل المحتجين السلميين وإعلانه الانحياز لهم، وفقاً لما ذكره في مقابلة أجرتها معه «الشرق الأوسط» قبل أكثر من عام، قال فيها إنه من أبلغ الرئيس المعزول عمر البشير بتنحيته، وإنه أخذ شقيقه ونائبه عبد الرحيم إلى سجن «كوبر» الذي لا يزال يقبع فيه. لكن حميدتي اتُّهم لاحقاً بالقيام بدور كبير في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مشروع مصري لموارد مائية «غير تقليدية» في ظل أزمة «شح»

وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم خلال مناقشة المشروع الجديد (وزارة الري المصرية)
وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم خلال مناقشة المشروع الجديد (وزارة الري المصرية)
TT

مشروع مصري لموارد مائية «غير تقليدية» في ظل أزمة «شح»

وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم خلال مناقشة المشروع الجديد (وزارة الري المصرية)
وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم خلال مناقشة المشروع الجديد (وزارة الري المصرية)

أعلنت وزارة الموارد المائية والري في مصر مناقشة مشروع «تجريبي» يتضمَّن استخدام تقنيات حديثة لشحن الخزانات الجوفية في محافظة مرسى مطروح (غرباً) عبر تنفيذ منشآت مائية تشمل سدوداً صغيرة، وخزانات أرضية، وحواجز حجرية؛ بما يحقِّق الاستفادة القصوى من مياه الأمطار، في ظلِّ أزمة «شح» مائي تعانيها البلاد خلال السنوات الماضية.

وناقش وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، إنشاء موقع تجريبي في إحدى قرى محافظة مرسى مطروح لتنفيذ التجربة التي تأتي ضمن مشروع «الموارد المائية غير التقليدية لإدارة مرنة للمياه»، ويتم تنفيذه في إطار التعاون «الأورو-متوسطي»؛ بهدف صياغة سياسات مائية مبتكرة تعزِّز من كفاءة استخدام الموارد المائية ومواجهة التحديات المناخية، وذلك وفقاً لبيان صادر عن الوزارة الخميس.

وأشار سويلم إلى أنَّ المشروع يرتكز على دمج الحلول التقنية الحديثة في خطط إدارة المياه، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتوظيف نتائج البحوث العلمية لتناسب الاحتياجات المحلية.

ويعتمد المشروع في الموقع الذي تمَّ تحديده على تنفيذ منشآت مائية تشمل سدوداً صغيرة، وخزانات أرضية، وحواجز حجرية؛ بهدف حصاد مياه الأمطار لشحن الخزانات الجوفية بالمنطقة، بما ينعكس على دعم التنمية المستدامة للأنشطة الاقتصادية لأهالي المنطقة، خصوصاً في قطاعَي الزراعة والرعي، وفقاً لبيان وزارة الموارد المائية والري.

ويعمل المشروع، بحسب وزير الموارد المائية والري، على محاور استراتيجية عدة تشمل إصدار دليل فني متكامل لحلول المياه غير التقليدية اللامركزية، ووضع نظام مراقبة دقيق لتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية لمختلف التقنيات المطبقة.

مشروعات مصرية متعددة للتعامل مع أزمات «شح المياه» (وزارة الموارد المائية والري المصرية)

وتعاني مصر من «عجز مائي» يقدَّر بنحو 54 مليار متر مكعب سنوياً، حيث تبلغ مواردها المائية نحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، تقابلها احتياجات تصل إلى 114 مليار متر مكعب سنوياً، حسب تصريحات لوزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

واتخذت الحكومة المصرية إجراءات كثيرة لمواجهة أزمات «الشح»، بينها التوسُّع في مشروعات تحلية المياه، وترشيد الاستهلاك، وتبطين الترع، وتطوير أساليب الري، وتطوير مشروعات تستهدف الاستفادة القصوى من مياه الأمطار.

وتضع مصر «خطة قومية لإدارة الموارد المائية 2037» والتي تُنفَّذ باستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، وتهدف إلى ترشيد استهلاك المياه، وتحسين كفاءة الري، وإنشاء محطات معالجة ضخمة مثل «بحر البقر» و«الحمام» لإعادة استخدام المياه في استصلاح ملايين الأفدنة الزراعية ضمن مشروع «الدلتا الجديدة».

كما شملت الخطة التوسع في محطات تحلية المياه على طول الساحل لتوفير مياه الشرب، مع تخصيص مياه نهر النيل للزراعة فقط، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية.


الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة و«إخوان ليبيا»... من «شراكة الظل» إلى صراع علني

الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)
الغرياني يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

تغيَّرت الرياح السياسية المتجهة من واشنطن نحو العاصمة الليبية، طرابلس، فتبدَّلت معها شراكات قائمة و«علاقات قديمة»؛ فما كان يجري سراً وراء الكواليس، بات الآن منبوذاً في العلن.

شيء من هذا يتجسَّد راهناً في العلاقة بين «الإخوان المسلمين» في ليبيا وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بعد هجومه على التنظيم خلال لقاء جماهيري، واتهامه بـ«استغلال مرضه للوصول إلى السلطة».

الدبيبة والغرياني في بطرابلس سبتمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

«حميد بيموت»

وبدا أنَّ الدبيبة، الذي اتهم الإخوان بـ«الانتهازية»، آخذ في التخفّف من ارتباطاته وشراكات الظل، لا سيما أنَّ الترتيبات الدولية الجديدة باتت تحتم إظهار مواقف واضحة من التنظيم؛ لذا لم يجد غضاضة في القول علناً: «أحد الإخوان اتصل بدول خارجية وقال لهم: (حميد بيموت ورشحوني مكانه)، قالوا له: (يموت... وبعدين نتفاهم)»!

وأدرجت الولايات المتحدة في مطلع العام الحالي فروع «الإخوان» في كل من مصر ولبنان والأردن على قائمة الإرهاب العالمي. وفي مارس (آذار) الماضي صنّفت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان «منظمةً إرهابيةً»، متهمة إياها بـ«تلقي دعم من إيران». وسارع الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من مجلس النواب (شرق البلاد)، لتدارك ما أقدم عليه الدبيبة، بوصفه «يطعن في تيار ساند قدوم الدبيبة إلى السلطة»، وفق سياسيين رصدوا هذا الدعم.

وعلى مدار العقد الماضي، تفاوت وزن التيارات ذات الإسناد الديني في ليبيا تبعاً للحاضنة الاجتماعية في أقاليمها الثلاثة. وبينما رسَّخ الإسلاميون وجودهم في المنطقة الغربية بوصفهم لاعباً أساسياً، فإنهم واجهوا ممانعة صلبة في المنطقة الشرقية التي اتخذت منهم موقفاً عدائياً صريحاً، وفق دراسة نشرها «مركز الإمارات للسياسات» التي أشارت إلى أنَّه في المقابل، اتسم تعامل قبائل الجنوب مع هذا التيار بالمرونة والواقعية؛ إذ تحكم «البراغماتية» واللامبالاة السياسية علاقة المكونات الاجتماعية في الجنوب مع التيار الإسلامي، تماماً كما تفعل مع بقية مفرزات المشهد السياسي.

وكان الدبيبة الذي تلقى علاجاً في الخارج مؤخراً، وجَّه انتقادات لاذعة إلى تنظيم «الإخوان»، وقال إنه «لم يعد لهم وجود في البلاد، ولن تكون لهم أي فرصة للعودة إلى المشهد السياسي»، الأمر الذي أزعج الغرياني وطالبه بالعدول عن التعميم الذي عدَّه «خطأ سياسياً يضر بالدبيبة».

ورأى الغرياني في أسلوب الدبيبة تشابهاً بممارسات «بعض أجهزة استخبارات دولية في التعامل مع خصومها، والحديث عن (الإخوان) كأنهم مرادف للإرهاب». وقال: «هجوم الدبيبة على (الإخوان) لا يجوز، كونه يتضمَّن تعميماً على الشرفاء والأحرار منهم».

ومضى الغرياني كأنَّه يلتمس عذراً للدبيبة، وذلك عبر حديثه في قناة «التناصح» التي يمتلكها نجله سهيل، مساء الأربعاء، وقال: «الدبيبة لا يقصد بحديثه (الإخوان) الداعمين له، وإنما يقصد يقيناً الفريق الذي يمثله صوان وانضم إلى شرق ليبيا»؛ في إشارة إلى محمد صوان الذي قال إنه انشق عن الإخوان وأسَّس «الحزب الديمقراطي».

الدبيبة مع أعيان ووجهاء قصر الأخيار الثلاثاء الماضي (حكومة «الوحدة»)

أمام حديث الدبيبة الذي يتهم «الإخوان» بالتواصل مع دول أجنبية بغرض المساعدة على الوصول للسلطة، طالب عبد الرزاق العرادي، عضو «المجلس الوطني الانتقالي» في ليبيا، الدبيبة بدعوة النائب العام للتحقيق في هذه الواقعة.

مؤتمر جنيف

العرادي، الذي كان عضواً في جماعة «الإخوان» وقال إنه تركها، روى مشاهداته على ما دار في كواليس «مؤتمر جنيف». وقال إن أعضاء «حزب العدالة والبناء» كانوا حلفاء للدبيبة، وصوَّتوا له ضد قائمة (باشاغا - عقيلة)، ثم استمروا مناصرين لحكومة «الوحدة» وشركاء لها داخل المجلس الأعلى للدولة.

وتساءل العرادي وفق ما نقلت وكالة «ريبورتاج» الإخبارية المحلية: «هل انتهى هذا الحلف؟».

رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان سابقاً فتحي باشاغا (أرشيفية - رويترز)

جانب من تحولات التيار الإسلامي في ليبيا دفع جماعة الإخوان في 2 مايو (أيار) 2021 إلى إعلان تحولها لجمعية تحمل اسم «الإحياء والتجديد»، في إجراء سبق ووصفه الدكتور فريد بن بلقاسم، الأكاديمي التونسي، بـ«لعبة الأسماء».

و«اتفاق جنيف» الذي جرى برعاية الأمم المتحدة انتهى في فبراير (شباط) 2021 إلى انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة وموحدة في ليبيا لإنهاء الانقسام السياسي، تمثلت في مجلس رئاسي برئاسة محمد المنفي، وحكومة برئاسة الدبيبة.

وفازت قائمة الدبيبة والمنفي في مواجهة قائمة عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفتحي باشاغا الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، في أجواء شابتها تجاوزات واتهامات للدبيبة بـ«تقديم رشى» لترجيح كفته على منافسيه.

ويرى المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش، في تصريح صحافي، أن «الإخوان أكثر مجموعة تجيد لعبة المصالح والاستفادة من الجميع دون أن تقدم شيئاً؛ ويبدو أن الدبيبة اكتشف تلاعبهم وأبعد عنه المستفيدين منه».

الإخوان... ودعم الدبيبة

وعلّق بيان منسوب لـ«رابطة شباب ومناصري الإخوان في ليبيا» على حديث الدبيبة، وذكر أنه «تضمَّن إشارات سلبية». وقال: «أعضاء إن الجماعة وذراعها السياسية (حزب العدالة والبناء) كانوا من الداعمين لحكومة الدبيبة طيلة السنوات الماضية بشكل مباشر».

وأشار إلى أن «العلاقة السياسية التي جمعت قيادات الحزب والحكومة لم تكن خفية، بل تجسدت في لقاءات رسمية ومعلنة، من بينها لقاءات مع رئيس الحزب السابق عماد البناني، في إطار التنسيق السياسي الطبيعي بين الفاعلين في الشأن العام». ولم يعلق البناني على البيان.

ويوظف الغرياني حضوره الإعلامي عبر فضائية «التناصح» - التي تبث من خارج البلاد - لإصدار فتاوى توصف بـ«المثيرة للجدل»، يتدخل من خلالها في عمق المشهد السياسي عبر تأييد سلطات طرابلس.

وتتسم مواقفه بالحدة تجاه جبهة الشرق، لا سيما القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وهو ما يعزِّز حالة الاستقطاب بين معسكرَي البلاد.

وكانت الجماعة بررت انتقالها إلى المسمى الجديد بكونه «خطوة لتعزيز رسالتها المجتمعية عبر شتى المجالات»، وذهبت إلى أن «قرار التحول كان ثمرة سلسلة من الندوات وورش العمل التحضيرية، تزامناً مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة».

وتأتي هذه التغيرات تبعاً لتصاعد الدور الدبلوماسي الأميركي في ليبيا عبر تحركات مكثفة يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، الذي بات يلعب دور «مهندس التقاربات» بين واشنطن ومراكز القوى الليبية.


نقاشات موسعة في بنغازي حول توحيد الجيش الليبي بمشاركة أممية

ستيفاني خوري والتميمي خلال لقاء في بنغازي الأربعاء (البعثة الأممية)
ستيفاني خوري والتميمي خلال لقاء في بنغازي الأربعاء (البعثة الأممية)
TT

نقاشات موسعة في بنغازي حول توحيد الجيش الليبي بمشاركة أممية

ستيفاني خوري والتميمي خلال لقاء في بنغازي الأربعاء (البعثة الأممية)
ستيفاني خوري والتميمي خلال لقاء في بنغازي الأربعاء (البعثة الأممية)

كشف لقاء بين نائبة مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني خوري وقيادي في قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، الأربعاء، عن توافق في الرؤى حيال ضرورة توحيد الجيش في بلد يعاني انقساماً بين شرقه وغربه، وتوترات أمنية متواصلة بغرب البلاد، كان أحدثها بين ميليشيات بمدينة الزاوية، وحادث اختطاف مواطنين في الجبل الغربي.

وحسب بيان صادر عن البعثة الأممية، عقب مباحثات الأمين العام للقيادة العامة، في «الجيش الوطني» الفريق أول خيري التميمي مع خوري، فقد جرى التأكيد خلال اللقاء على «ضرورة توحيد المؤسسات الليبية، بما فيها العسكرية والأمنية، لتحقيق مزيد من الاستقرار والوحدة الوطنية، فضلاً عن أهمية إجراء الانتخابات العامة»، كما ناقشا «أهمية الدعم الدولي لتعزيز هذه الجهود».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى «الاستقرار» وهي مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتسيطر على شرق البلاد وجنوبها، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

وتعززت مؤشرات إيجابية لدى مراقبين بشأن إمكانية تحقيق تقدم في ملف توحيد الجيش الليبي، عقب المناورات العسكرية التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها خلال أبريل (نيسان) الماضي، وما أعقبها من تشكيل غرفة مشتركة ضمت عسكريين من الجانبين فيما عرف بـ«3+3».

جاء الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية تزامناً مع انخراط أعضاء في «الحوار المهيكل» الليبي، الذي ترعاه الأمم المتحدة، في مناقشات بشأن سبل تطوير جيش موحد يخضع لمبادئ المساءلة، وذلك عقب مشاركة أعضاء مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن لجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا ضمن «عملية برلين»، في جلسة موسعة عُقدت، الثلاثاء، بمدينة بنغازي، مع أعضاء المسار الأمني في «الحوار المهيكل».

وخلال الجلسة التي ترأستها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، شدد المشاركون على أن «تحقيق الوحدة الوطنية الليبية يرتكز بالدرجة الأولى على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفق مبادئ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان».

ويُعدّ «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد بنود خريطة الطريق التي أقرَّتها الأمم المتحدة في أغسطس (آب) الماضي، وتشمل أيضاً استكمال شغل المناصب الشاغرة في مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتشكيل حكومة موحدة، وإقرار قوانين انتخابية تمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية طال انتظارها.

وشاركت في الاجتماعات وفود من إسبانيا، وإيطاليا، وتركيا، وروسيا، والصين، وفرنسا، ومصر، والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، في حين شارك عبر تقنية الاتصال المرئي ممثلون عن ألمانيا، والإمارات، والجزائر، والولايات المتحدة، وتونس، وجامعة الدول العربية، وسويسرا، وقطر، والمملكة المتحدة وهولندا.

في هذه الأثناء، ناقش رئيس أركان الجيش الوطني الفريق أول خالد حفتر مع قادة عسكريين الوضع العسكري في المنطقتين الجنوبية والغربية، واطلع على سير التدريب وجاهزية الوحدات المشاركة في مناورة «درع الكرامة 2»، والتي جرى الإعلان عنها قبل أيام بوصفها أكبر مناورة في ليبيا.

ويأتي الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية في وقت يستمر فيه تردي الأوضاع الأمنية بغرب ليبيا؛ إذ شهدت مدينة الزاوية تصعيداً جديداً بين مجموعات مسلحة خلال الساعات الأولى من صباح الأربعاء.

وحسب شهود عيان، اندلعت اشتباكات بعدما أقدمت مجموعة مسلحة تابعة لسالم باللطيف على السيطرة على بوابة السني بمدينة الزاوية، التابعة لما يعرف بجهاز مكافحة التهديدات الأمنية بقيادة محمد بحرون، ما أدى إلى انسحاب القوة المكلفة بتأمين البوابة.

تقع الزاوية غرب طرابلس بنحو 50 كيلومتراً ضمن محور أمني يمتد من جنزور إلى زوارة، وتشهد تقلبات أمنية متكررة واشتباكات متقطعة بين الفصائل المسلحة؛ ما يفاقم قلق سكانها البالغ عددهم نحو 351 ألف نسمة.

ويعكس هذا التدهور مخاوف مستمرة في منطقة استراتيجية تقع على الطريق الساحلي وتضم أكبر مصفاة نفطية في ليبيا.

إلى ذلك، وثّقت مؤسسة حقوقية اختطاف مواطنين اثنين من مدينة الرياينة بالجبل الغربي، وهما حمزة وفؤاد الدريبي، واقتيادهما إلى جهة مجهولة في ظروف وصفتها بالتعسفية.

ودعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إلى فتح تحقيق شامل في الحادثة ومحاسبة المسؤولين. وأشارت إلى أن الواقعة تأتي ضمن تصاعد جرائم الاختطاف والاعتقال التعسفي والقتل خارج القانون، في ظل ما وصفته بالفوضى الأمنية وضعف دور الجهات الأمنية بعموم البلاد.

في الأثناء، أعلن تجمع من المتظاهرين الليبيين أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، الأربعاء، رفضهم مبادرة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لتقاسم السلطة في البلاد.

وطالبوا في بيان بإصدار قرارات تنفيذية واضحة وتشكيل لجنة حوار سياسي وإنهاء الانسداد السياسي وتشكيل حكومة جديدة تمثل أطياف الشعب الليبي كافة. كما طالبوا مجلس الأمن الدولي بإصدار مذكرات اعتقال بحق المتورطين في الفساد والانتهاكات وفق تقرير لجنة الخبراء الدولية، وحذروا السفراء وخاصة السفير الأميركي من التدخل في الشأن الليبي. ورفضوا حكومة الدبيبة ودعوا للوحدة الوطنية الشاملة.