روسيا وسوريا... و«البركان الأوكراني»

فتى على دراجة في ادلب شمال غربي سوريا في 2 الشهر الجاري ( أ ب )
فتى على دراجة في ادلب شمال غربي سوريا في 2 الشهر الجاري ( أ ب )
TT

روسيا وسوريا... و«البركان الأوكراني»

فتى على دراجة في ادلب شمال غربي سوريا في 2 الشهر الجاري ( أ ب )
فتى على دراجة في ادلب شمال غربي سوريا في 2 الشهر الجاري ( أ ب )

تطوران جديدان يخصان سوريا، يكشفان مرة جديدة مدى تأثرها بالحرب الروسية في أوكرانيا. وهذه المرة، تهب الرياح من بوابة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ودورها السياسي والإنساني.
يعود الربط بين «الملفين» السوري والأوكراني إلى العام 2014، عندما ضمت موسكو شبه جزيرة القرم «رداً» على التغيير الرئاسي، وهروب حليفها فيكتور يانوكوفيتش من قصر الرئاسة الأوكراني. حينها، طلبت موسكو من دمشق التشدد في مسار جنيف الأممي، ثم قررت التدخل عسكرياً في شكل مباشر نهاية 2015.
ومع بدء الحرب الأوكرانية، تفاقمت معاناة السوريين الاقتصادية وظهرت مؤشرات عن تشابك عسكري بين «الساحتين»: تراجع الدور العسكري الروسي في ساحة بسبب «الانشغال» بأخرى، مع محاولات إيرانية لملء الفراغ في سوريا، وتصاعد الضربات الإسرائيلية ضد مصالح طهران من جهة، وحصول اختبارات عسكرية روسية - أميركية عدة في الأجواء السورية من جهة ثانية، إضافة إلى سعي تركيا للإفادة من هذه التطورات بتوغل جديد شمال البلاد من جهة ثالثة.
حالياً، هناك تطوران: الأول، هو أن موسكو أبلغت دمشق بعدم المشاركة في اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف تحت قبة الأمم المتحدة، والآخر، إبلاغ روسيا الأطراف الغربية أنها لن تمدد القرار الدولي الخاص بإيصال المساعدات عبر الحدود لدى انتهاء مدته في 10 من الشهر المقبل.
دمشق كانت دائماً غير مرتاحة للمسار الأممي منذ صدور «بيان جنيف» في 2012 وانعقاد المؤتمر الدولي بداية 2014. فهي ضد تدويل الملف، وتريده محلياً، بأولويات واعتبارات وحسابات محلية. وكانت موسكو، لأسباب مختلفة، قد دفعت دمشق لقبول الغطاء الأممي في جنيف؛ لأن ذلك يعطي شرعية لجهودها ووجودها، ويوفر لها أيضاً منصة لحساباتها الدولية ومقايضاتها فيها، لكنها حافظت على خياراتها ومحاولاتها «تفكيك النفوذ الغربي بالأمم المتحدة». ولذا؛ خلقت مسارين متوازيين: الأول في آستانة بالتعاون مع إيران وتركيا، لبحث الأمور العسكرية، والآخر في سوتشي لبحث الأمور السياسية وعقد مؤتمر للحوار الوطني السوري.
فكرت موسكو أحياناً بالانقضاض على مسار جنيف والجهود الأممية، لكنها كانت تتريث وتفاوض، ثم تضغط على دمشق لإرسال وفودها إلى القصر الأممي الأول في أوروبا. أيضاً، كانت ترسل المبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنييف للقاء «الضامنين» التركي والإيراني، والمحاورين الأميركي والأوروبي. وباتت جنيف منصة لإطلالة دولية لروسيا على الملف السوري. وبات هذا المسار حاجة ملحة لجميع الأطراف، لتحقيق المكاسب أو تبرير العجز.
ماذا تغير الآن؟
الذي تغيّر وغيّر هو البركان الأوكراني. فبعض المؤسسات الأممية بدعم غربي، عاقبت روسيا على حربها. أيضاً، توقف المسار الخلفي الأميركي - الروسي الذي كان قائماً في جنيف. وقبل الجولة الأخيرة لاجتماعات اللجنة الدستورية نهاية مايو (أيار) الماضي، لم يلق لافرنييف الترحيب ذاته الذي كان يلقاه عادة.
هنا، أعلنت روسيا إأ سويسرا «ليست أرضاً حيادية»، وطلبت من دمشق أن تطلب بدورها من الأمم المتحدة البحث عن مكان جديد لاستضافة اجتماعات «الدستورية». وهناك أربعة خيارات بديلة: موسكو، سوتشي، دمشق أو الجزائر. الجانب الروسي يعرف أن إمكانية سفر المبعوثين الغربيين والمعارضة السورية إلى روسيا أو دمشق غير متوفرة. أيضاً خيار الجزائر التي ستستضيف القمة العربية بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لتبحث عودة عضوية دمشق بالجامعة العربية، خيار ليس واقعيا الآن.
مسار جنيف «الدستوري» بات بين خيارين: التجميد وعدم عقد الجلسة المقبلة نهاية الشهر المقبل، كما أعلن المبعوث الأممي غير بدرسين، بموجب اتفاقه مع الأطراف السورية، أو الإذعان للشروط الروسية بعد جولات تفاوضية مع الدول الغربية، باتت فرصها ضيقة بسبب أوكرانيا.
لقد بات هذا الملف ورقة، تضاف إلى التطور الثاني الذي يخص تمديد القرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية. فقبل سنة، لوّحت موسكو مرات عدة بأنها لن تمدد القرار وضغطت على المانحين لطرق أبواب دمشق. أما، واشنطن فرفعت السقف بأن تحدثت عن فتح ثلاثة معابر حدودية، اثنان منها مع تركيا والثالث مع العراق، واعتبرت تمديد القرار أولوية لإدارة جو بايدن الجديدة. انتهى الأمر، بعد جلسات تفاوضية سرية بين مبعوثي الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن بعد قمتها في جنيف منتصف يونيو (حزيران) العام الماضي، إلى صوغ مسودة قرار جديد تضمن التمديد لمعبر واحد بين تركيا وإدلب، وتراجعات أميركية، بينها تغيير لغة القرار، ودعم تمويل «التعافي المبكر» والمساعدات عبر خطوط التماس.
الوضع الآن، تغير كثيراً. فالخط السري بين القوتين العظمتين توقف، وهناك تصعيد عسكري في أوكرانيا، وبوادر صدام عسكري بين جيشيهما في سوريا. ومع اقتراب انتهاء ولاية القرار، هناك احتمال أن تبادر روسيا لطلب مشروع قرار يخص المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى شرق أوكرانيا مقابل تمرير القرار إلى الشمال السوري. ومرة جديدة، الربط واضح بين «الملفين».
الاحتمال الآخر هو عدم التمديد والبحث عن خطط بديلة. وبالفعل، بحث مبعوث الدول الغربية خططاً بديلة. هل يمكن الاعتماد على المنظمات التركية كي تكون بديلاً؟ الدول الغربية لا تريد إعطاء تركيا هذه الميزة. هل يمكن تأسيس صندوق بتمويل غربي يستعمل المؤسسات والخطوط القائمة؟ هذا احتمال يبحث في شكل جدي.
وبين الخيارين «الإنسانيين» والتطورين السوريين، رفعت الأمم المتحدة من حدة خطابها، واستعملت مفردات جديدة. فقد دخل الأمين العام أنطونيو غوتيريش على الخط، وقدم بياناً تفصيلياً عن أهمية الحفاظ على دور الأمم المتحدة، وتمديد القرار الدولي لإغاثة أكثر من أربعة ملايين شخص، وتقديم مساعدات لـ14 مليون شخص في بلد يقبع 90 من شعبه تحت خط الفقر.
غوتيريش قال «من الناحية الأخلاقية، من الضروري معالجة معاناة وضعف 4.1 مليون شخص في المنطقة ممن يحتاجون إلى المساعدة والحماية؛ إذ إن 80 في المائة من المحتاجين في شمال غربي سوريا هم من النساء والأطفال».
هذا من الناحية الأخلاقية والإنسانية. فماذا عن الجانب الاستراتيجي والجيوسياسي؟ أغلب الظن أن الاختبارين الجديدين سيُظهران أن سوريا باتت رهينة لعبة دولية - إقليمية وأن السوريين قد يدفعون ثمن «البركان الأوكراني».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
TT

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)

عادت محافظتا حضرموت والمهرة، شرق اليمن، إلى سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وذلك في أعقاب عملية «استلام المعسكرات» التي نفذتها قوات «درع الوطن» بقيادة محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، وأسفرت عن انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي خلال وقت قياسي.

وهنّأ الرئيس اليمني رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، أبناء محافظتي حضرموت والمهرة، وقيادتي السلطتين المحليتين، وقوات «درع الوطن»، بنجاح عملية «استلام المعسكرات» في المحافظتين، وإنجازها بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وصون السلم الأهلي.

ولفت العليمي إلى أن «هذا النجاح يعكس التفاف المجتمعات المحلية حول الدولة ومؤسساتها، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعايش، واستئناف الخدمات، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين».

وثمّن الرئيس اليمني عالياً جهود القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن لها دوراً حاسماً في تأمين عملية «استلام المعسكرات»، وخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وإنجاح العملية وفقاً للقوانين والأعراف الدولية.

ميدانياً، انتشرت قوات «درع الوطن»، التي استقبلها المواطنون بترحاب واسع، بمساندة قوات النخبة الحضرمية في مدينة المكلا، حيث تولّت تأمين المؤسسات الحيوية، ومن بينها البنك المركزي، ومبنى السلطة المحلية، والقصر الجمهوري.

من جهته، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن عملية «استلام المعسكرات» أُنجزت بكفاءة عالية وفي وقت وجيز، وبخسائر محدودة جداً. وقال الخنبشي، في تصريحات صحافية فور وصوله إلى مدينة سيئون الاستراتيجية، إن «الأضرار كانت محدودة للغاية، وكنا نتمنى حل الموضوع سياسياً، لكننا اضطررنا لاستخدام القوة الجبرية لإخراجهم خلال وقت قياسي».


أحداث فنزويلا... هل يمكن أن تؤثر على «اتفاق غزة»؟

شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
TT

أحداث فنزويلا... هل يمكن أن تؤثر على «اتفاق غزة»؟

شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)

طغت أحداث «فنزويلا» على معظم قضايا العالم عقب تحرك أميركي غير مسبوق باعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وترحيله من البلاد، وسط ترحيب إسرائيلي وتسريبات عبرية بأن هذه التطورات ستعطل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المتعثر منذ أسابيع.

وتباينت تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ بين من يرى أن هذه الأحداث ستعزز تحرك الرئيس الأميركي دونالد ترمب في غزة لتصحيح صورته بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، ومن يتوقع أن تكون سبباً في تأخير التقدم في ملف غزة مع احتمال تحرك إسرائيل عسكرياً في لبنان وإيران، مما يزيد من تعقيدات أي مسار سلام بالقطاع مع تضاؤل فرص نزع سلاح «حماس» على الفور.

وأفادت صحيفة «معاريف» عن مصادر في إسرائيل بأن البيت الأبيض قد يرجئ الإعلان عن تأسيس «مجلس السلام» في قطاع غزة، الذي كان مقرراً الأسبوع المقبل، نظراً لانشغال جدول الأعمال الأميركي بـ«الأزمة الحادة التي تعصف بفنزويلا»، مرجحة «احتمالية انعقاد اجتماع بخصوص المجلس في غضون أسبوعين، أو بالأحرى منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي».

وأضافت: «التطورات الحاصلة في فنزويلا استدعت تغييراً فورياً في أولويات الرئاسة الأميركية، ما قد يؤجل الإعلان عن تأسيس (مجلس السلام)».

فلسطيني يحمل حطباً وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الموقف الأميركي تجاه فنزويلا قوبل بترحيب من إسرائيل، ووصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الأحد، بأنه «تحرك حازم».

وقال نتنياهو في افتتاح اجتماع لمجلس الوزراء: «فيما يتعلق بفنزويلا، أودّ أن أعرب عن دعم الحكومة بأكملها للقرار والتحرك الحازم الذي قامت به الولايات المتحدة لاستعادة الحرية والعدالة في تلك المنطقة من العالم».

وكتب نتنياهو، السبت، على منصة «إكس»: «تهانينا، أيها الرئيس على قيادتكم الجريئة والتاريخية بالنيابة عن الحرية والعدالة. وأهنئكم على حزمكم القاطع والعمل الفذ لجنودكم البواسل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، سعيد عكاشة، أن تطورات الأحداث في فنزويلا تحمل إشارات تتعلق بملف غزة، مفادها أن ترمب قادر على أن يفعل ما هو غير منطقي، وقد يوجّه رسائل لحركة «حماس» بمهلة محددة لنزع سلاحها، ويتخذ بعدها إجراءات حاسمة تهدد أو تعجل بتنفيذ الاتفاق، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي سيكون حريصاً على «تحسين صورته» بدعم السلام بشكل أكبر في القطاع، «وربما تربح غزة في هذه الحالة».

في المقابل، يتوقع المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن تكون أحداث فنزويلا ذات «تأثير محدود» على اتفاق غزة، مشيراً إلى أن أولويات واشنطن بملف فنزويلا قد تؤخر الذهاب للمرحلة الثانية، وتسمح لإسرائيل بمزيد من المماطلة، واستغلال انشغال ترمب وتشتت الأنظار عن استحقاقات اتفاق غزة في إطالة تنفيذ الاتفاق أو تأخيره.

نازحون بجوار بركة كبيرة من مياه الأمطار المتراكمة بالقرب من خيامهم في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وعلى أرض الواقع، لا يزال اتفاق غزة يراوح مكانه في انتظار الانتقال للمرحلة الثانية. وقال نتنياهو، الأحد، إن ترمب أبلغه خلال زيارته إلى واشنطن الأسبوع الماضي بأن نزع سلاح «حماس» هو «شرط أساسي وجوهري» لتنفيذ خطته للسلام في قطاع غزة، المكونة من 20 بنداً، لافتاً إلى أن مسألة إيران حاضرة أيضاً، وسط تسريبات إسرائيلية باحتمال شن ضربة جديدة للدولة المشتعلة باحتجاجات.

في المقابل، يتحرك الوسيط المصري نحو دخول المرحلة الثانية دون حديث عن شروط مسبقة. وتبادل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، خلال اتصال هاتفي، الأحد، الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وخاصة في قطاع غزة في ظل الأوضاع الإنسانية المأساوية التي يشهدها.

وشدد عبد العاطي على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار والمضي قدماً في استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ للسلام. وأكد أهمية البدء في ترتيبات انتقالية، إلى جانب ضرورة نفاذ المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء مسار التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الرفض التام لأي إجراءات أو ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية.

وبحث عبد العاطي أيضاً مع نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، ملفات من بينها جهود الانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وهو أمر تناوله كذلك في محادثات هاتفية مع نظيرَيه الكويتي عبد الله اليحيا، والعماني بدر البوسعيدي، وفق بيانات منفصلة لـ«الخارجية» المصرية.

ورغم توقف حرب غزة منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي 2025، بإعلان دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ آنذاك، لا تزال الخروق الإسرائيلية متواصلة منذ ذلك الحين، وتجاوز عدد ضحاياها 420 شخصاً.

وخلال أول ثلاثة أيام من العام الجديد 2026، قتلت القوات الإسرائيلية ستة فلسطينيين من سكان قطاع غزة، وأصابت العشرات، جراء استهدافهم بالقرب من «الخط الأصفر» المشار إليه كخط انسحاب أوّلي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي حين حذَّر عكاشة من أن أي تحرك إسرائيلي تجاه لبنان أو إيران سيؤخر المرحلة الثانية من اتفاق غزة، استبعد نزال خوض إسرائيل معركة مباشرة جديدة مع إيران حالياً، انتظاراً لما ستؤول إليه التحركات الشعبية هناك، مع دعمها أو انتهاج استراتيجية «قطف الرؤوس»؛ أي الاغتيالات والاعتقالات. غير أنه استدرك قائلاً: «أي تحرك إسرائيلي في ملف إيران سيكون هو الآخر متعمداً لتفجير اتفاق غزة وتصعيد عسكري، أو تأخير تنفيذه على الأقل».


«عشرات المخالفات» تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية بمصر

مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
TT

«عشرات المخالفات» تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية بمصر

مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)

يسدل الستار، مساء الأحد، على انتخابات مجلس النواب المصري (الغرفة الرئيسية للبرلمان)، بعد مسار انتخابي وُصف بالأطول والأكثر جدلاً، عقب جولات إعادة متتالية بسبب «مخالفات انتخابية» رصدتها الهيئة الوطنية للانتخابات، فضلاً عن أحكام قضائية ببطلان العملية في عشرات الدوائر الانتخابية.

وعلى مدى يومي السبت والأحد جرى التصويت بجولة الإعادة في 27 دائرة سبق إلغاء نتائجها، وسط استمرار رصد تجاوزات حتى الساعات الأخيرة من التصويت، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية المصرية.

وخلال اليوم الثاني، الأحد، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على نحو 50 شخصاً بتهم تتعلق بمخالفات انتخابية، بعد ضبط 84 آخرين في اليوم الأول، ليصل إجمالي المقبوض عليهم في هذه الجولة إلى أكثر من 130 شخصاً في عدة محافظات، وفق بيانات متتالية لوزارة الداخلية.

وتمثلت الوقائع المضبوطة في محاولات دفع ناخبين للتصويت لصالح مرشحين بعينهم مقابل مبالغ مالية، حسب «الداخلية»، التي أشارت إلى العثور بحوزة المتهمين على «أموال نقدية وبطاقات دعائية خاصة بعدد من المرشحين» في عدة محافظات.

ناخبات في طابور أمام مركز اقتراع بمحافظة الإسكندرية الأحد (تنسيقية شباب الأحزاب)

وقبل ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، أكد مصدر أمني رفيع المستوى بالوزارة أن أي محاولة لتعكير صفو العملية الانتخابية «ستُواجه بكل حسم وفقاً للقانون»، مشدداً على أن دور الشرطة يقتصر على تأمين اللجان والمقار الانتخابية من الخارج «دون أي تدخل في مجريات التصويت أو الفرز»، وفق ما نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية.

ودعا المصدر المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات تقع خارج اللجان، مؤكداً أن البلاغات تُفحص فوراً، وتتخذ بشأنها الإجراءات القانونية اللازمة.

ولطالما كررت الهيئة الوطنية للانتخابات دعوتها للمواطنين للتصويت بكثافة في الانتخابات لقطع الطريق أمام من يحاول التأثير على إرادتهم.

الماراثون الانتخابي

كانت انتخابات مجلس النواب قد انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وفق جدول زمني معلن من الهيئة الوطنية للانتخابات. وشابت العملية تجاوزات تتعلق بالفرز واتهامات بشراء الأصوات، ما استدعى تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، ما أدى إلى إلغاء الانتخابات وإعادتها في عشرات الدوائر، لتُجرى في نهاية المطاف على سبع مراحل.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (البرلمان المصري)

ويعتقد الدكتور وليد عتلم، الباحث بالمركز الوطني للدراسات، أن طول أمد انتخابات مجلس النواب «لم يكن نتيجة بطء أو خلل، بل يأتي تأكيداً على إرادة المصريين وحقهم في اختيار ممثليهم بحرية، مع تصحيح التجاوزات الانتخابية لضمان نتائج نزيهة، خصوصاً بعد تدخل الرئيس المصري».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن إعادة سبع جولات تصويتية «تُحسب لصالح الدولة والهيئة الوطنية للانتخابات، حيث فضَّلت الدولة ضمان نزاهة العملية على تمرير نتائج مشوبة». وعدَّ أن إدارة انتخابات لأكثر من ثلاثة أشهر «اختبار للكفاءة اللوجيستية والجاهزية المؤسسية».

ومن بين المميزات الأخرى، وفق رؤية الباحث المصري، أن «طول الماراثون الانتخابي كسر الاحتكار السياسي، وسمح بظهور وجوه جديدة، مع ارتفاع نسبة المستقلين إلى نحو 16 في المائة من المقاعد».

في المقابل، لم يستبعد مختار غباشي، مدير مركز الفارابي للدراسات السياسية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يواجه مجلس النواب المقبل «تساؤلات حول شرعيته»، في ضوء العدد الكبير من الدوائر التي أُلغيت نتائجها بسبب المخالفات والشكاوى المتعلقة بتقسيم الدوائر.

مقترحات «لكبح المال السياسي»

في السياق ذاته، وجّه حزب «التجمع» المصري (يسار) نداءً عاجلاً إلى الرئيس السيسي، الأحد، مطالباً بتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق بشأن ما شاب الانتخابات من مخالفات، مع التركيز على استخدام المال الانتخابي والتجاوزات في الإنفاق.

وجاء ذلك عقب اجتماع المكتب السياسي للحزب، الذي ناقش ما وصفه بـ«المخرجات المقلقة» للعملية الانتخابية، داعياً إلى ملاحقة حالات رشوة الناخبين، والتحقيق في مصادر الأموال التي جرى إنفاقها خارج الأطر القانونية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه.

وقال أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بحزب «التجمع» لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب يدرس عدداً من المقترحات «لكبح تأثير المال السياسي» في أي انتخابات مقبلة.

ومن هذه المقترحات، حسب القيادي الحزبي، التوسع في تطبيق التصويت الإلكتروني، وتشديد العقوبات على المرشحين المخالفين «بحيث تبدأ بشطبهم من جداول الترشح، ولا تنتهي إلا بمساءلتهم جنائياً عن مصادر أموالهم».

وأعلن المستشار حازم بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، الأحد، إبطال التصويت في إحدى اللجان بمحافظة البحيرة بدلتا مصر أثناء إعلان نتائج جولة الإعادة في 19 دائرة انتخابية أخرى سبق إلغاؤها بسبب مخالفات موزعة على سبع محافظات. وعزا بدوي القرار إلى «ثبوت عيب جوهري أثَّر في مشروعية إجراءات الاقتراع والفرز»، موضحاً أن الهيئة أبلغت النيابة العامة بواقعة تداول بطاقات تصويت خارج مقر اللجنة.

غير أنه أكد، في الوقت ذاته، أن هذه المخالفة «لن تؤثر على سلامة العملية الانتخابية في عموم الدائرة»، في إشارة إلى حصر البطلان في اللجنة محل الواقعة.

ويُتوقع أن يعقد مجلس النواب بتشكيله الجديد أولى جلساته منتصف الشهر الحالي، وفق الإعلامي المصري مصطفى بكري، الذي أشار إلى أن «رئاسة المجلس في تلك المرحلة يُرجَّح أن تُسند إلى شخصية قضائية رفيعة المستوى، على أن يعاونها وكيلا المجلس، وربما يمثلان حزبين سياسيين كبيرين».