بلقيس ونزار... قصة حب شائكة أوصلها الموت إلى تخوم الأسطورة

ذكاؤها الحاد ساعدها على كبح شعورها بالغيرة للفوز بقلب الشاعر النجم

بلقيس الراوي ونزار قباني
بلقيس الراوي ونزار قباني
TT

بلقيس ونزار... قصة حب شائكة أوصلها الموت إلى تخوم الأسطورة

بلقيس الراوي ونزار قباني
بلقيس الراوي ونزار قباني

كثيرون بالطبع هم الشعراء العرب، القدماء والمحدثون، الذين شغفوا بالمرأة أشد الشغف، وأفردوا لها مساحة غير قليلة من قصائدهم وأعمالهم الشعرية. ومع ذلك فإن أحداً من هؤلاء، باستثناء عمر بن أبي ربيعة، لم يجعل المرأة قِبلته وملهمته ومحور حياته وشعره، كما هو الحال مع نزار قباني. لا بل لا يكاد اسم نزار يُذكر في أي مناسبة أو محفل، إلا مقروناً بالمرأة ومتصادياً مع الأنوثة الكونية، التي قلّ أن عول الشاعر خارجها على شيء، تماماً كما كان حال محيي الدين بن عربي قبله بقرون عدة.
وإذا كان قباني يجسد بشكل أو بآخر، صورة الشاعر الدون جوان ذي العلاقات العاطفية المتعددة، والباحث بلا انقطاع عن التجليات المتباينة للمطلق الأنثوي، فإنه في مقالة له بعنوان «أنا والدون جوانية» ينكر هذا التوصيف، مؤكداً على تشبثه بالجانب العاطفي والروحي من العلاقة، ومعتبراً أنه لا يتعامل مع الجسد الأنثوي على طريقة القصابين، وأنه لم يغرر بامرأة قط بل كانت علاقاته بالنساء تتم برضا الطرفين وبالتناغم القلبي والفكري. أما عن زعم البعض بأن القصائد الوفيرة التي كتبها نزار في موضوعي الغزل والحب، لا تستند بالضرورة إلى نساء ملموسات وإلى مغامرات عاطفية حقيقية، بل إلى نساءٍ جرى استدعاؤهن من سماء المخيلة، فهو ادعاء يحتاج وفق قوله إلى الكثير من المراجعة والتدقيق، ذلك أنه نشأ في كنف عائلة ميسورة ومنفتحة على الثقافة والفن، إضافة إلى امتهانها المتوارث للعشق والحب، اللذين «يولدان مع أطفال العائلة كما يولد السكر في التفاحة»، على حد تعبيره الحرفي.
على أن ولع نزار بالمرأة لا يعني أن كل قصيدة حب كتبها في حياته ينبغي أن تكون ممهورة بالضرورة بجسد امرأة مختلفة أو توقيع مختلف. إذ يمكن أن تتمحور مجموعة كاملة أو أكثر حول امرأة واحدة جمعتها بالشاعر علاقة حب أو حالة شغف جامحة... فهو يقول في أحد حواراته بأن المرأة في حياته لم تكن أبداً صورة معلقة داخل برواز، بل هي امرأة الحواس واللحم والدم، وبأنه لم يكتب مطلقاً عن نساء متخيلات، لم تربطه بهن صلات عاطفية.
إلا أن صاحب «الرسم بالكلمات» يحذر من قراءة نصوصه على نحو حرْفي. ليس فقط لأن الشعر في الأساس يقوم على المبالغة والتخييل، بل لأن ضمير المتكلم في الكثير من قصائده لا يعود بالضرورة إليه، بل إلى الشخصية التي يتقمصها أثناء الكتابة. ومع ذلك فإن إصرار قباني على التوضيح بأن بيته الشهير «طرزت من جلد النساء عباءة/ وبنيت أهراماً من الحلماتِ»، لا يعكس بالضرورة تجربته الشخصية، بل هو التعبير الفاقع عن التشاوف الذكوري المرَضي لشخصية شهريار، فإن ذلك لا يحجب نزوع الشاعر إلى التلطي وراء أقنعته أو نماذجه الفحولية.
وإذا كان لكل هذه المقدمات أن تصب في مآل أو خانة معينة، فهي لا تنفك تحملنا على الاستنتاج بأن شاعراً ملولاً ومفطوراً على الحرية وبالغ الجموح كنزار قباني، سيكون بالضرورة أقل البشر تناغماً مع المؤسسة الزوجية، وتكيفاً مع إيقاعها الرتيب ومستلزماتها المحبِطة. فكيف لنا أن نفسر في هذه الحالة إقدام الشاعر على الزواج لمرتين اثنتين، وهو الذي ظل على امتداد حياته مطارَداً من نساءٍ كثيرات، وفارس أحلام المئات من المراهقات؟

اللقاء ببلقيس الراوي
إن أي قراءة متأنية لزواج نزار الأول من الفتاة الدمشقية زهراء أقبيق عام 1946، لا بد أن تقودنا إلى الاستنتاج بأن حبه لزهراء، ذات الإشراقة الجمالية اللافتة، كان أحد العوامل التي دفعته إلى الإقدام على خطوة كهذه، لكن عوامل أخرى «مسانِدة» قد لعبت دوراً في ذلك، بينها صلة القربى بين الطرفين، حيث تعمد العائلتان إلى ترسيخ العلاقة بينهما عن طريق المصاهرة، وبينها التقاليد الاجتماعية المتوارثة التي ترى في الزواج المبكر، الطريقة الأنجع لمنع الشبان والشابات من الانجراف وراء علاقات محرمة. إلا أن كل تلك العوامل مجتمعة، ما لبثت أن فقدت مفاعيلها على الأرض الشائكة للمسرح الزوجي. ذلك أن زهراء التي أهدت نزاراً ابنته هدباء وابنه توفيق، لم تستطع التكيف مع التصاعد المطرد لشهرة الشاعر، ولا كبح شعورها المدمر بالغيرة إزاء تحلق الكثير من المعجبات حول زوجها الوسيم. وهو ما تعترف به الزوجة بعد سنوات طويلة من الطلاق الذي تم عام 1952، حيث أقرت في حوار صحافي بأن غيرتها المفرطة على نزار هي التي قادت علاقتها به إلى انهيارها السريع.
كان على نزار قباني أن ينتظر سنوات عشراً بعد ذلك لكي يلتقي ببلقيس الراوي، التي تؤكد معظم الروايات على أنها استرعت اهتمامه بحضورها الباهر، أثناء أمسية شعرية له، أقيمت في بغداد عام 1962، وإذ أدرك قباني آنذاك أن الفتاة الجالسة قبالته هي ضالته المنتظَرة منذ سنوات، لم يتردد في البحث عن هويتها ومكان إقامتها، ليكتشف أنها تسكن مع عائلتها في منطقة الأعظمية المطلة على دجلة. وإذ لم يتوان الشاعر عن التقدم لخطبتها، فوجئ برفض أبيها الحازم لهذه الخطوبة، بناءً على ما يعرفه عن الشاعر الأشهر في دنيا العرب، الذي لا يكف عن اصطياد النساء وإغوائهن واللعب على مشاعرهن. وهكذا كان على نزار أن يجر وراءه أذيال الخيبة، ليلتحق بالسلك الدبلوماسي السوري في إسبانيا، دون أن تمكنه السنوات السبع التي قضاها هناك، من نسيان «الزرافة العراقية» التي وقع في شباكها من النظرة الأولى. واللافت في الأمر أن الحادثة تلك، ستتكرر في ظروف أقل تعقيداً مع محمود درويش، حيث في أمسية مماثلة في واشنطن، تقع عينا محمود على الشابة السورية رنا قباني، ابنة شقيق نزار، وحين يفاجئها بطلب الزواج منها، تجيبه بالموافقة دون تردد، ثم تعود برفقته إلى بيروت، دون أن تبدي عائلتها الدمشقية المتنورة أي اعتراض على ما حدث.
كان يمكن للأمور أن تقف عند هذا الحد، لو لم يكن مآلها معقوداً لطرفين بالغي العناد، وممعنين في الدفاع عن عشقهما المشروع: نزار الذي ضاعف من تشبثه ببلقيس رفض أبيها له، ورغبته في الثأر لكرامته «المغدورة»، كما لنرجسيته المثلومة في العمق، وهو الشاعر الذي تتمنى الاقتران به آلاف النساء العربيات، وبلقيس المتماهية مع ظهيرها الأسطوري، كما مع الأنوثة المتعالية والقابضة على مصيرها، في بلاد الرافدين. وهكذا راح الطرفان العنيدان يتبادلان رسائل الشغف والحب، في غفلة عن الأب، لسبع سنوات «عجاف»، حتى إذا دعي الشاعر للمشاركة في مهرجان المربد الشعري في العراق عام 1969، راح يروي على مسامع جمهوره الذاهل فصولاً من قصته المؤثرة مع بلقيس، ومنها أبياته:
مرحباً يا عراق، جئتُ أغنيكَ
وبعضٌ من الغناء بكاءُ
أكَلَ الحب من حشاشة قلبي
والبقايا تقاسمتْه النساءُ
إلى أن يقول:
كان عندي هنا أميرة حب
ثم ضاعت أميرتي الحسناءُ
أين وجهٌ في الأعظمية حلوٌ
لو رأتهُ تغار منه السماءُ؟
وحيث كان الكثير من الحاضرين مدركين تماماً لما يقوله شاعرهم الأثير، وعمن يتحدث، فقد تناهت إلى مسامع الرئيس العراقي آنذاك، أحمد حسن البكر، أصداء تلك العلاقة المجهَضة التي جمعت بين العاشق الدمشقي ومعشوقته العراقية، مع كل ما تحمله من دلالات وأبعاد قومية وسياسية بالغة، فأوفد إلى أبيها كلاً من وزير الشباب العراقي شفيق الكمالي، ووكيل وزارة الخارجية شاذل طاقة، وكلاهما شاعران مرموقان، ليخطباها باسمه الشخصي لنزار قباني.
وحيث لم يكن أمام الأب جميل الراوي، مؤسس الحركة الكشفية في العراق، سوى الموافقة على اقتراح الموفديْن والنزول عند رغبة الرئيس، تمت مراسم الزفاف دون إبطاء. عاد الزوجان إثر ذلك إلى بيروت، التي اختار نزار الإقامة فيها، لأنها المدينة التي تشبه قصائده، وتتسع رغم ظروفها الصعبة، لأفكاره الجريئة وتعلقه المرَضي بالحرية.
وعلى امتداد ثلاثة عشر عاماً من الحياة المشتركة، تقاسم الشاعر الشهير، والزوجة التي تصغره بستة عشر عاماً، ألق المدينة ودمارها الكارثي، بقدر ما تقاسما مغامرة صعبة لم ينجحا في تجاوز أفخاخها إلا ببذل الكثير من الجهد والصبر والعناء.
وإذا لم يكن من المستغرب تبعاً لذلك، أن يتساءل الكثيرون عن الأسباب الفعلية التي وفرت لزواج بلقيس ونزار، سبل النجاح والاستمرار لثلاثة عشر عاماً متواصلة، قبل أن يطيح به انفجار السفارة العراقية الكارثي، مقابل الفشل الذريع لزواج الشاعر السابق، فإن مثل هذه التساؤلات لا تحتمل، على وجاهتها، إجابات قاطعة ويقينية. ليس فقط لأن كل فرد من البشر عالم قائم بذاته، وليس ثمة بالتالي من تماثل تام بين علاقتين، ولا لأن الكيمياء الشخصية تتفاوت، تجانساً وتنافراً، بين فردٍ وآخر، بل لأمر آخر إضافي أخفقت زهراء في اجتياز مطباته، في حين تلقته بلقيس برحابة نادرة، وقدرة هائلة على الصبر والمرونة، وأعني به: امتحان الغيرة المدمر.
ومع أن الزوجة المعتدة بكرامتها، كما بجمالها وذكائها اللماح، لم تكن بمنأى عن لسعة الغيرة التي تطال النساء المرتبطات برجال مشاهير، كما هو حال زوجها نزار، إلا أنها عملت كل ما بوسعها لكبح جماح تلك الغيرة وإبقائها تحت السيطرة، باذلة كل جهدها لتجنب الوقوع في المطب نفسه الذي وقعت فيه زوجة الشاعر الأولى.
ولعل قباني يقصد هذه النقطة بالذات في قصيدته المعروفة «أشهد أن لا امرأة إلا أنت»، التي كتبها لبلقيس في عيد زواجهما العاشر، كما تشير بعض الدلائل، من مثل «أشهد أن لا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنتِ واحتملتْ حماقتي عشرة أعوامٍ كما احتملتِ واصطبرتْ على جنوني مثلما اصطبرتِ».
لكن ذلك الزواج الناجح الذي صمد أمام الكثير من العوائق والملابسات والأنواء، لم يستطع الصمود أمام ضربة القدر القاصمة التي شاءت للزوجة الاستثنائية، وأم عمر وزينب، أن تقضي نحبها بشكل مأساوي تحت ركام الانفجار المروع الذي ضرب السفارة العراقية في بيروت، حيث كانت تعمل لسنوات.
واللافت في الأمر أن بلقيس لم تكف عن مفاجأة شاعرها المكلوم، في الموت كما في الحياة، حيث أبلغه ياسر عرفات آنذاك، بأن زوجته الراحلة لم تتوان عن القدوم إلى الأردن عام 1968، أي قبل زواجها بعام واحد، لتتلقى تدريبات مكثفة على القتال، ولتضع نفسها مع بعض رفيقاتها العراقيات في تصرف الثورة الفلسطينية. وكما رأى نزار في الشعر الصخرة التي عصمته من التصدع والقنوط، إثر الرحيل المدوي لابنه توفيق في أوائل السبعينات، فقد استعان بالصخرة نفسها مرة أخرى، موكِلاً كل ما تجيش به نفسه من سخط على القتلة المجرمين، وحزن على الزوجة المغدورة، إلى قصيدته «بلقيس» ذات النفس الملحمي والنبرة الشبيهة بالمزامير، وهاتفاً من أعماقه المطحونة:
بلقيسُ تذبحني التفاصيلُ الصغيرة
في علاقتنا
وتجلِدُني الدقائق والثواني
فلكل دبوسٍ صغيرٍ قصة
ولكل عقدٍ من عقودكِ قصتانِ
حتى ملاقطُ شَعرك الذهبي
تغمرني كعادتها
بأمطار الحنانِ
بلقيسُ يا بلقيسُ
لو تدرينَ ما وجع المكانِ
في كل ركنٍ أنت حائمة كعصفورٍ،
وعابقة كغابة بيلسانِ


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الأمم المتحدة تقلّص مساعداتها الغذائية الطارئة لسوريا إلى النصف

أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تقلّص مساعداتها الغذائية الطارئة لسوريا إلى النصف

أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)
أطفال يلعبون في حقل بريف دير الزور (رويترز)

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الأربعاء)، أنها ستقلّص المساعدات الغذائية الطارئة المخصّصة لسوريا بنسبة 50 في المائة، وستوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يستفيد منه ملايين السوريين، بسبب نقص التمويل، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال برنامج الأغذية العالمي، ومقره روما، في بيان إنه سيقلّص عدد المستفيدين من المساعدات الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً.

ورأى أن سوريا شهدت استقراراً نسبياً منذ نهاية الحرب الأهلية، فيما لا يزال 7.2 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.

وكجزء من عملياته، أوضح البرنامج أنه دعم أكثر من 300 مخبز عبر تزويدها بدقيق القمح المدعّم.

وأشار البيان إلى أن «برنامج دعم الخبز كان بمنزلة شريان حياة، إذ حافظ على القدرة على تحمّل تكلفة هذا الغذاء الأساسي».

وقالت مديرة البرنامج في سوريا ماريان ورد، إن «تقليص مساعدات برنامج الأغذية العالمي ناتج فقط من نقص التمويل، وليس بسبب تراجع الاحتياجات».

وأضافت: «هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى سوريا. فالتعافي لا يزال هشاً، والاحتياجات كبيرة، ونحن مضطرون إلى سحب شبكة أمان أساسية».

كذلك، أشار البرنامج إلى أن نقص التمويل يؤثر أيضاً على اللاجئين السوريين في دول الجوار مثل الأردن ولبنان.

وحسب المدير الإقليمي للبرنامج سامر عبد الجابر، فإن «الأُسر الأكثر ضعفاً في المنطقة تواجه تراكم آثار الأزمات الطويلة وارتفاع التكاليف وتراجع المساعدات».

وأوضح البرنامج أنه يحتاج إلى 189 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة للحفاظ على المساعدات الحالية في سوريا واستئنافها.


زيادة في هجمات إسرائيل على غزة منذ بدء وقف إطلاق النار مع إيران

خيام تؤوي نازحين فلسطينيين قرب أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين على مدينة غزة (رويترز)
خيام تؤوي نازحين فلسطينيين قرب أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين على مدينة غزة (رويترز)
TT

زيادة في هجمات إسرائيل على غزة منذ بدء وقف إطلاق النار مع إيران

خيام تؤوي نازحين فلسطينيين قرب أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين على مدينة غزة (رويترز)
خيام تؤوي نازحين فلسطينيين قرب أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين على مدينة غزة (رويترز)

صعدت إسرائيل من هجماتها على غزة خلال الأسابيع الخمسة التي أعقبت بدء وقف إطلاق النار في الحرب التي شنتها مع الولايات المتحدة على إيران، إذ عاودت توجيه نيرانها نحو القطاع الفلسطيني المدمر، حيث يعتقد الجيش أن مقاتلي حركة «حماس» يعززون سيطرتهم.

وقالت وزارة الصحة في غزة إن 120 فلسطينياً، بينهم ثماني نساء و13 طفلاً، قتلوا في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار في الحرب على إيران في الثامن من أبريل (نيسان)، بزيادة 20 في المائة عن الأسابيع الخمسة السابقة عندما كانت إسرائيل تشن غارات جوية على إيران. وقالت منظمة «أكليد» المعنية بمراقبة الصراعات، والتي تتابع الهجمات الإسرائيلية في غزة، في تقريرها الشهري لشهر أبريل إن هجمات إسرائيل زادت 35 في المائة الشهر الماضي مقارنة مع مارس (آذار)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

والزيادة في الغارات الإسرائيلية على غزة علامة جديدة على تعثر التقدم في إطار خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف الحرب هناك، وبدء إعادة الإعمار.

وقال لافي النجار (36 عاماً) وهو فلسطيني كفيف فقد أحد أبنائه في 28 أبريل في هجوم إسرائيلي «لسة الحرب ما زالت شغالة».

وأضاف النجار الذي تعيش أسرته في مخيم وسط أنقاض بخان يونس التي كانت يوماً ما ثاني أكبر مدينة في غزة: «هي وقفت على الإعلان، لكن على الطبيعة وأرض الواقع لم تقف الحرب».

ولم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد بشأن أسباب تكثيف هجماته في غزة. لكن أربعة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين قالوا لـ«رويترز» إن الجيش حذر حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأسابيع القليلة الماضية من أن «حماس» تشدد قبضتها، وتعيد بناء قواتها، وتصنع أسلحة.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي آخر، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، إن وقف إطلاق النار في غزة يسمح لإسرائيل بالتصدي للتهديدات الوشيكة. وأضاف أن الجيش مستعد لأي سيناريو، بما في ذلك وضع خطط قتالية أوسع نطاقاً لاستئناف القتال في غزة، رغم عدم صدور أي أمر من هذا القبيل حتى الآن.

خطوات متعثرة

حد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول) من العمليات القتالية الكبيرة في قطاع غزة بعد حرب استمرت نحو عامين. لكن لم تنجح مساعي التوصل إلى تسوية دائمة من شأنها سحب القوات الإسرائيلية، ونزع سلاح المسلحين، والسماح بإعادة بناء القطاع المدمر.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تحتل أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، حيث هدمت معظم المباني المتبقية، وأمرت جميع السكان بالإخلاء.

ويعيش الآن أكثر من مليوني نسمة في شريط ضيق من الأراضي على طول الساحل، غالبيتهم في مبانٍ متضررة، أو خيام في مناطق تسيطر «حماس» فيها فعلياً على الأوضاع.

وقتل نحو 850 فلسطينياً في غارات إسرائيلية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر، وفقاً لإحصاءات لا تفرق بين المقاتلين والمدنيين. وقتل أربعة جنود إسرائيليين على أيدي مسلحين خلال الفترة نفسها. ولا تفصح «حماس» عن أعداد من سقطوا من مقاتليها.

ومنذ وقف إطلاق النار في إيران، استهدفت عدة غارات إسرائيلية على قطاع غزة مواقع تابعة لقوات الشرطة التي تديرها «حماس». وأفاد مسؤولون في قطاعي الصحة والشرطة بمقتل ما لا يقل عن 14 شرطياً منذ 14 أبريل.

وقال ناصر خضور الباحث في منظمة «أكليد» إن إسرائيل شنت هجمات استهدفت «حماس»، وجماعات مسلحة أخرى، وأفراداً من الشرطة، ومراكزها، ونقاط تفتيش أمنية فيما يزيد على 30 واقعة منفصلة في أبريل.

وأضاف أن معظم هذه الهجمات وقعت في مناطق تسيطر عليها «حماس»، «واستمر القصف، والغارات الجوية، وإطلاق النار قرب (خط الهدنة)، مستهدفاً مسلحين، ومدنيين، منهم نساء، وأطفال، اقتربوا من جنود».

ومنذ انضمام إسرائيل إلى الولايات المتحدة في قصف إيران، كثفت قواتها عملياتها العسكرية بوتيرة كبيرة، وشنت أيضاً غزواً برياً وحملة جوية في لبنان ضد جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران. وهدأت حدة القتال هناك، لكنها لم تتوقف، بموجب اتفاق وقف إطلاق نار منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.


برلمان العراق لمنح حكومة الزيدي الثقة غداً

إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)
إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)
TT

برلمان العراق لمنح حكومة الزيدي الثقة غداً

إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)
إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)

حدّدت رئاسة مجلس النواب العراقي يوم غد الخميس موعداً للتصويت على التشكيلة الوزارية والمنهاج الحكومي لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي، وسط استمرار خلافات سياسية بشأن عدد من الحقائب الوزارية ومناصب مستحدثة، الأمر الذي أبقى احتمالات التصويت الجزئي أو الكامل مفتوحة حتى اللحظات الأخيرة.

ونشرت الدائرة الإعلامية للبرلمان جدول أعمال الجلسة رقم 24، متضمناً فقرة وحيدة نصّت على «التصويت على المنهاج الحكومي وحكومة رئيس مجلس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي»، في مؤشر على سعي القوى السياسية للمضي في منح الثقة للحكومة الجديدة، رغم استمرار التباينات داخل التحالفات الرئيسية، ولا سيما قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي.

وحسب مصادر سياسية وبرلمانية، فإن النقاشات لا تزال جارية بشأن عدد من الوزارات السيادية ومناصب نواب رئيس الوزراء الأربعة، فضلاً عن وزارتين جديدتين يجري التداول بشأن استحداثهما، في وقت تتزايد فيه الضغوط لإنجاز تشكيل الحكومة قبل عطلة العيد، تفادياً لأي فراغ سياسي أو تصعيد أمني محتمل.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن غالبية النواب لم يطلعوا حتى الآن على السير الذاتية للمرشحين لشغل المناصب الوزارية، رغم أن الدستور يفرض تسليمها إلى رئاسة البرلمان لتوزيعها على الأعضاء قبل جلسة التصويت.

وأضاف المصدر أن «أغلب النواب ليسوا جزءاً من الحوارات الجارية بين قادة الكتل السياسية، والتي تتركز أساساً حول تقاسم الحصص الوزارية، وفق نظام النقاط، مع استمرار الخلافات على بعض المناصب الحساسة».

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الماضي (أ.ب)

مفاجآت اللحظة الأخيرة

ورغم أن الأجواء السياسية بدت هادئة نسبياً عشية جلسة منح الثقة، فإن مصادر سياسية تحدثت عن «مفاجآت اللحظة الأخيرة»، مشيرة إلى وجود خلافات داخل بعض القوى السياسية بشأن أولويات المنهاج الحكومي، وفي مقدمتها ملف حصر السلاح بيد الدولة.

وقال سياسي مطلع على المفاوضات إن بعض قادة «الإطار التنسيقي» باتوا أقل حماسة لدعم الزيدي مقارنة بالمراحل الأولى من تكليفه، ليس فقط بسبب تعهداته المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، بل أيضاً بسبب المخاوف من طبيعة علاقته المستقبلية مع الفصائل المسلحة المنضوية ضمن قوى الإطار.

وأضاف أن بعض تلك القوى «ترى أن الزيدي يحظى بدعم دولي وأميركي واضح»، في إشارة إلى مواقف داعمة صدرت خلال الأسابيع الماضية عن مسؤولين غربيين، الأمر الذي أثار مخاوف لدى أطراف سياسية من احتمال تبني الحكومة المقبلة نهجاً أكثر تشدداً تجاه السلاح خارج إطار الدولة.

وتداولت وسائل إعلام محلية تقارير تُفيد بأن إصرار بعض الفصائل المسلحة على رفض التخلي عن سلاحها يُمثل أحد أبرز أسباب تأخر حسم التشكيلة الحكومية، في حين أرجع باحثون سياسيون الأزمة أيضاً إلى استمرار الخلافات بين الكتل بشأن توزيع الحقائب الوزارية.

وناقشت لجنة منبثقة عن «الإطار التنسيقي» مع الزيدي ملف حصر السلاح، مضيفاً أن بعض الجهات المسلحة «ترفض نزع سلاحها بسبب غموض مستقبل هذا السلاح».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بتشكيل الحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)

حقائب الكرد والسنة

في سياق توزيع الحقائب، بدا أن القوى السنية اقتربت من حسم حصتها الوزارية، إذ تداولت وسائل إعلام تابعة لحزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي أسماء المرشحين وتقسيم الوزارات بين القوى السنية.

ووفق تلك التسريبات، سيحصل حزب «تقدم» على وزارتي التربية والصناعة، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين تذهب وزارة التجارة إلى حزب «السيادة» بزعامة خميس الخنجر، ووزارة الدفاع إلى تحالف «حسم» بقيادة ثابت العباسي، وتُمنح وزارة التخطيط إلى حزب مثنى السامرائي.

كما تضمنت الترشيحات أسماء شخصيات تنتمي إلى عائلات سياسية بارزة، من بينها عبد الله أثيل النجيفي، نجل محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي، ومازن الجبوري، نجل السياسي أحمد الجبوري المعروف بـ«أبو مازن».

أما على صعيد المكون الكردي، فتشير التفاهمات الأولية إلى حصول «الحزب الديمقراطي الكردستاني» على وزارتي الخارجية ومنصب نائب رئيس الوزراء، فيما تذهب الإعمار والعدل إلى «الاتحاد الوطني الكردستاني».

وقال عضو «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، وفا محمد، إن وزارة البيئة قد تذهب إلى «حركة الجيل الجديد» أو إلى مجموعة أحزاب صغيرة متحالفة تمتلك نحو 10 مقاعد في البرلمان.

وفي أول تعليق له على مسار تشكيل الحكومة، قال الزيدي إنه «لن يستجيب لأي مطلب شخصي» خلال عملية اختيار الوزراء، مؤكداً في الوقت نفسه حصوله على دعم القوى الكردية بعد اجتماعات أجراها في أربيل.

وأضاف الزيدي أنه يسعى إلى تشكيل «حكومة اقتصاد متين ورصين»، في إشارة إلى أولوية الملفات الاقتصادية والتنموية ضمن برنامجه الحكومي.

وكان الزيدي قد سلّم، في 7 مايو (أيار)، المنهاج الوزاري إلى رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، تمهيداً لتوزيعه على النواب ودراسته قبل جلسة التصويت.