كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

«أحداث ومواقف» لمولاي المهدي العلوي في ندوة بمعرض الرباط للكتاب

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري
TT

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

كانت إشكالية كتابة المذكرات والسيرة الذاتية، من لدن الشخصيات الدبلوماسية والسياسية، حول التاريخ السياسي والدبلوماسي للمغرب الحديث بأسلوب مغاير موضوع لقاء فكري بمناسبة تقديم وقراءة مؤلف «أحداث ومواقف» للسياسي والدبلوماسي المغربي مولاي المهدي العلوي.
وأجمع المشاركون في هذا اللقاء، الذي جاء ضمن فعاليات الدورة الـ27 للمعرض الدولي للنشر والكتاب التي تحتضنها العاصمة المغربية الرباط، على أن الكاتب استطاع في هذا الإصدار الجديد، أن يتجاوز إلى حد ما مقولة أن «تكتب سيرة ذاتية، كأن تسير على بيض تخشى أن يتهشم أسفل قدميك»، في بلد مثل المغرب تصعب فيه «السياقة» بحنكة في منعرجات السياسة والدبلوماسية.
من هكذا منطلق يبدو أن المؤلف عمل جهد المستطاع والمتاح تجاوز بقدر ما القراءة الانتقائية للماضي، كما هو معروف في الكتابة التقليدية؛ وذلك لأن تجربة الكتابة التاريخية في الوقت الراهن تعرف تجديداً، وتطوراً على مستوى الممارسة المنهجية والمفاهيم، خاصة بالرجوع إلى الأسئلة المطروحة، إلى نقط الاهتمام وتأويل المعلومات.
مؤلف مولاي المهدي العلوي «أحداث ومواقف» كانت له «القدرة الإيجابية على تدوير الحقيقة التاريخية»، كما كتبها البعض، وإعادة إنتاجها من زاوية مختلفة تماماً عن الطرح الآيديولوجي لأوجه الصراع المختلف، من خلال استحضاره الكثير من التفاصيل والشهادات والأحداث التاريخية منذ استقلال المغرب سنة 1956 إلى نهاية الألفية الثانية، وهي مرحلة فارقة طبعت تاريخ المغرب المعاصر.
فالمؤلف يسرد هذه الأحداث والوقائع بـ«خطاب هادئ وخالٍ من التحيز والانفعال، وبالتالي فمتنه يعد وصفة منضبطة وواعية، فيها الكثير من الاتزان والنقد الموضوعي»، حسب ما قاله الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالمغرب في بدية اللقاء الذي اعتبر أن هذا الكتاب «قراءة جديدة للتاريخ النضالي والسياسي، قراءة فيها من الواقعية والكياسة ما يمد جسور التواصل، ويغلب لغة الحوار، ويكرّس مبدأ الشفافية؛ مما يجعل هذه السيرة، تتجاوز الكثير من مثيلاتها من المذكرات والشهادات إلى تنحو منحى المواجهة والصراع».
يقول الدكتور سعيد منتسب، معد الكتاب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مذكرات (مولاي المهدي العدوي... أحداث ومواقف) لا تتعلق بالتمييز بين تاريخين: تاريخ متاح وتاريخ سري أو على الأقل مختلف، ولا بتثبيت الأصلي على حساب الحقيقي، ولا بالتحيز للحظي على حساب الكلي»، مبرزاً أن المؤلف «يقدم إلينا ذاكرة في غاية الحيوية، لا يعوزها ذلك الألق التي يمنحها أسباب الوجود، ذاكرة رجل متعدد المراكز، وله دور في صنع المغرب الراهن، وفي ضبط تحولاته الكبرى، من موقف الفاعل المشارك جنباً إلى جنب مع أهم السياسيين الذين عرفهم المغرب المعاصر».
لقد وضع المؤلف، كما يضيف «مسافة صريحة بين التاريخ والنزعة الشُطَّارية (أو البيكارسكية) التي تتحلى بها الشخصية المصارعة والمتمردة وغير المنصاعة للقواعد. فنحن لا نقتفي أي (أسطورة) تتطور بنظرة تبتعد عن الالتزام بـ(الحقيقة) بمعناها الأخلاقي، خارج الإشكالات الفلسفية التي يمكن أن يثيرها مفهوم الحقيقة في علاقته بالذاكرة والتاريخ».
إذن، ليس هناك، في هذه المذكرات، أي انجرار أمام المنطق التخييلي الذي يمكن أن يطرحه استدعاء الذاكرة، كما ليس هناك أي اندفاع وراء خلق «الأوديسا الشخصية» الذي لاحظناه في الكثير من مذكرات المغاربة والأجانب، سواء أكانوا أدباء أم سياسيين أم مفكرين أم فنانين. إن هذا الإغراء الذي تمارسه علينا الذاكرة يخفت بوضوح في هذا الكتاب، رغم أن «حياة صاحبها بحر مضطرب»، كما يوضح معدّ الكتاب، الذي أعرب فيه عن اعتقاده بأن «ما منح حرارة لهذه المذكرات، وجعلها ملتزمة بحقيقتها التي تتجاوز حتى صاحبها، بل جعلها تنجح في تجاهل الترابط الممكن بين البيوغرافي والخيالي، لصالح (التاريخ المشترك)، تاريخ جيل صنع الاستقلال، وتقلب على نحو تراجيدي في صراعاته، وقاسى من تجاذبات كل السلط التي أفرزها».
الشهادة التاريخية التي يسعى الكتاب إلى تدوينها لا ترتبط بالماضي على نحو يمجد الذات ويعطل الحاضر، بل على العكس تماماً، هناك طموح واضح، لا يخفيه صاحبه، إلى تحرير هذا الماضي من أساطيره المؤسسة، لإعلاء المستقبل عبر القراءة الجيدة لما عاشه المغرب، دون أي تحيز لهذا الطرف أو ذاك.
لذا؛ يرى منتسب أن هذا الكتاب يضع نفسه بوضوح تام ضد الموقف التقليدي «الذي يمجد الصراع ويؤبده أو يؤصله؛ سعياً إلى بناء الذات على نقيض ما هو أصلي».
يتوقف الكتاب «المرفق بملاحق وبصور فوتوغرافية» عند تسع محطات، هي «البئر الأولى» و«بداية الوعي الوطني»، و«ميلاد الاتحاد» و«المهدي بن بركة: الرجل والقضية» و«ثورة الطلاب (1968 والقضية الفلسطينية)» و«المحاولتان الانقلابيتان» و«عمر بن جلون الشهادة والاستشهاد» و«تستمر محن الاتحاد» و«بين الحزب والدفاع عن القضية الوطنية في الأمم المتحدة» و«مغادرة الحزب والمهام الدبلوماسية» و«حكايتي مع العراق» و«سفير المغرب بالأردن» و«مستشار دبلوماسي في وكالة بيت مال القدس».
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استعرض الدبلوماسي السابق محمد بنمبارك، الذي يعود إليه الفضل في إقناع صاحبه بخوض هذه «المغامرة»، لـ«ما يحمله في جعبته حول تاريخ المغرب المعاصر في غاية الأهمية بالنسبة للأجيال الحاضرة والقادمة»، موضحاً أن الفكرة التي تداول معه فيها أسفرت في الأخير عن ميلاد هذا الكتاب الذي يعرض ما عايشه العلوي من أحداث سياسية ودبلوماسية بـ«إيقاع حيادي يستند كل شيء إلى الحقيقة، بعيداً عن التحيز والتحامل والحسابات الباردة المتجنبة للنزق السياسي، ولا يميل إلى الكلام بالألغاز واللعب بالألفاظ والعبارات التي كثيرا ما تفقد الكلام معناه».
ويمكن هنا التساؤل مع عبد الله العروي، ما هو دور الماضي في فهم الحاضر؟ ودور الحاضر في فهم الماضي؟ يقول معد الكتاب «لا يمكننا النظر إلى هذه المذكرات إلا باعتبارها استرجاعاً لهوية أصبحت قابلة للطمس، بفعل انحياز العديد من الفاعلين الذين رحلوا إلى الصمت، أو إلى النسيان، أو إلى المراجعة السياسية للمواقف السابقة، على ضوء الامتيازات المحصل عليها. ولهذا يتكئ الكاتب، على ركيزتين أساسيتين هما: (العقلانية) و(الواقعية) كمدخل استراتيجي لقراءة التاريخ، بدل القراءة من داخل النسق الإيديولوجي الحزبي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

«كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها». على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر «الشرق الأوسط». وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة «زينا لبست خلخالها» بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي «دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص»، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ«كثارسيس (catharsis)» أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق درّبته هو يوسف جول، كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها «اللي شبكنا يخلّصنا» كممثل أساسي. «يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن»، توضح دكّاش.

في «اللي شبكنا يخلصنا» تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

«في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي»، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت «الكثارسيس» الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ «زوزو» أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في «زينا لبست خلخالها» تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – (زينة دكّاش)

«قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها»، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى «تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح»، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ«زينا لبست خلخالها»، تقول دكّاش: «إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي».

«إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف» – (زينة دكّاش)

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: «أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين». رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أي خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة «الكثارسيس» خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ «المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج». تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: «في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل».

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مَن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.


ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

رغم مرور 81 عاماً على المأساة، تستعيد اليابانية ساداي كاساوكا (94 عاماً) لحظات نجاتها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945، وتقول بتأثر لـ«الشرق الأوسط» إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات وأحياناً تبكي.

ومع تلك المعاناة سعت السيدة إلى نقل تجربتها للأجيال؛ إذ عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً وبدأت تروي تجربتها علناً عام 2000.

وكانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أُنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما». وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة. لا تخفي كاساوكا أنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية التي تسميها بـ«كتلة شر» بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام. وقالت: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية».


إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
TT

إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)

أطلق وزير السياحة أحمد الخطيب جدول فعاليات برنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، الذي يجمع باقة واسعة من الفعاليات والأنشطة السياحية المتنوعة في عدة وجهات شتوية داخل البلاد، بما يمنح الزوار خيارات متعددة لقضاء موسم حافل بالتجارب التي تلائم مختلف الاهتمامات والأعمار.

واستعدت مجموعة من الوجهات لاستقبال الزوار، منها الرياض والعلا والقصيم وحائل وجدة والخبر والأحساء والمدينة المنورة والبحر الأحمر، ويقدم الجدول تحت شعار «شتاء السعودية على ما تحب»، نافذة متكاملة لاستكشاف أبرز الفعاليات والأنشطة والتجارب التي تحتضنها خلال الموسم.

وتجمع الفعاليات بين الترفيه والثقافة والمغامرة والاسترخاء، بدءاً من المهرجانات والفعاليات الرياضية والعروض الحية والتجارب الثقافية والتراثية، وصولاً إلى الرحلات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، والإقامة في المنتجعات.

ويُوفِّر الموسم خيارات متنوعة من المطاعم والمقاهي والتسوق والجلسات المطلة على البحر، بما يتيح للزوار من العائلات والأصدقاء تصميم رحلاتهم وفق اهتماماتهم، والجمع بين تجارب متعددة خلال زيارة واحدة.

ويعكس جدول فعاليات «شتاء السعودية» تنوع الخيارات التي تقدمها الوجهات الشتوية في المملكة، من الفعاليات العالمية الكبرى والتجارب الترفيهية في المدن، إلى المواقع التاريخية والمسارات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، بما يمنح كل زائر مساحة لاختيار تجربته الخاصة، واكتشاف المزيد مما تقدمه البلاد خلال هذا الموسم.

كانت «هيئة السياحة» نظمت ورشة عمل لبرنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، بمشاركة أكثر من 100 شريك من القطاعين العام والخاص، حيث يشمل البرنامج أكثر من 1800 منتج سياحي، إلى جانب العديد من الفعاليات والأنشطة النوعية والتجارب الثقافية والطبيعية، التي تلائم مختلف الشرائح وتعزز تنافسية الوجهات وترفع جاذبيتها خلال الموسم.