هاري وميغان يطويان رسمياً الصفحة الملكية

سرّحا العاملين معهما في «باكنغهام» وبدآ حياتهما مواطنَين عاديين

هاري وميغان في كنيسة «وستمنستر آبي» بلندن يوم 9 مارس 2020 (أ.ف.ب)
هاري وميغان في كنيسة «وستمنستر آبي» بلندن يوم 9 مارس 2020 (أ.ف.ب)
TT

هاري وميغان يطويان رسمياً الصفحة الملكية

هاري وميغان في كنيسة «وستمنستر آبي» بلندن يوم 9 مارس 2020 (أ.ف.ب)
هاري وميغان في كنيسة «وستمنستر آبي» بلندن يوم 9 مارس 2020 (أ.ف.ب)

أوقف الأمير هاري وزوجته ميغان ميركل حساباتهما المشتركة على مواقع التواصل الاجتماعي بصفتهما الملكية أمس، في خطوة جسدت إغلاقهما الرسمي لصفحة الحياة الملكية ليبدآ حياة مستقلة كمواطنين عاديين.
وفي آخر تصريح لهما على موقع «إنستغرام»، قال الزوجان إنهما يفضلان أن يظل الاهتمام منصباً على جائحة فيروس «كورونا المستجد»، وليس عليهما، ولم يتحدثا كثيراً عن مستقبلهما، بخلاف الإشارة إلى أنهما سيتأثران بالأزمة الحالية التي تجتاح العالم.
وقال الزوجان: «الشيء الأهم الآن هو صحة ورفاهية الكل في جميع أنحاء العالم، وإيجاد حلول لكثير من القضايا التي فرضت نفسها نتيجة لهذا الوباء؛ نحن نركز في هذا الفصل الجديد من حياتنا على فهم كيف يمكننا المساهمة بشكل أفضل».
وقال الزوجان إنهما سيقومان بإغلاق الموقع الإلكتروني الخاص بهما الذي يحمل اسم «SussexRoyal»، كجزء من اتفاقهما مع قصر باكنغهام على الانفصال، حيث تم الاتفاق على التوقف عن استخدام مصطلح «ملكي» فيما يتعلق بجميع الأنشطة التجارية أو الخيرية الخاصة بهاري وميغان.
كما قام الزوجان بتسريح العاملين لديهما في قصر باكنغهام، البالغ عددهم 15 شخصاً، وقاما بتعيين موظفين جدد في الولايات المتحدة، وأصبحت كاثرين سان لوران التي عملت لدى «مؤسسة بيل وميليندا غيتس»، وللسيدة غيتس بشكل مباشر، رئيسة موظفي دوق ودوقة ساسكس، كما يتم تعريفهما رسمياً، بالإضافة إلى أنها ستقوم أيضاً بإدارة منظمتهما الجديدة غير الربحية.
... المزيد

 


مقالات ذات صلة

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

يوميات الشرق الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

تعتزم دار «سوذبيز» أن تعرض للبيع في مزاد بنيويورك، خلال ديسمبر، «فستان الانتقام» للأميرة الراحلة ديانا... فما قصة الفستان؟ ولماذا ارتدته؟ وما علاقته بالخيانة؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل يبحران في ميناء سيدني (أ.ب)

بعد عودته إلى بريطانيا... الأمير هاري يعلن أول ارتباطاته العامة

بعد عودته إلى المملكة المتحدة برفقة عائلته، يستعد الأمير البريطاني هاري للظهور في عدد من الفعاليات الخيرية في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام (يسار) يظهر إلى جانب شقيقه الأمير هاري (رويترز) p-circle

هل تفتح عودة هاري باب المصالحة؟ ويليام يلتزم «الترقب والانتظار»

بعد سنوات من التوتر والقطيعة التي شابت علاقتهما، يبدو أن عودة الأمير هاري المفاجئة إلى المملكة المتحدة قد وضعت شقيقه الأكبر، الأمير ويليام، في حالة ترقب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (رويترز)

هاري وميغان «متفاجئان» بعد قرار ملكي يحسم مستقبلهما داخل العائلة المالكة

عبَّر دوق ودوقة ساسكس عن «استغرابهما» من تأكيد الملك تشارلز أنهما سيظلان خارج قائمة الأعضاء العاملين في العائلة المالكة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)

بسبب طفلي هاري وميغان مدرسة بريطانية تشدد قواعد الخصوصية... وتحذير صارم للأهالي

من المقرر أن يلتحق طفلا الأمير هاري وميغان ماركل بمدرسة خاصة في المملكة المتحدة، ما استدعى إصدار إدارة إحدى المدارس البريطانية تحذيراً للأهالي يتضمن قواعد جديدة

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
TT

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)

أثار اتجاه ناشرين لإنفاق ملايين الدولارات شهرياً على شراء الزيارات، تساؤلات بشأن تداعيات ذلك على مستقبل الإعلام، وبينما تباينت آراء الخبراء بشأن استمرار «شراء الترافيك» في السنوات المقبلة، أكدوا أن هذا الاتجاه ليس سلبياً في المطلق في ظل تراجع الزيارات، إذا ما استخدم بطريقة جيدة.

تقرير نشره موقع «أدويك» الأسبوع الماضي، رصد ارتفاع إنفاق الناشرين على «شراء الترافيك» بنسبة وصلت إلى 274 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية، إثر تراجع الزيارات القادمة بصورة طبيعية من محركات البحث». وبحسب «أدويك» أنفق ناشرون في 100 مؤسسة إعلامية نحو 113 مليون دولار على شراء الزيارات خلال يوليو (تموز) 2026 وحده. بزيادة قدرها 41 في المائة مقارنة بالعام السابق، وارتفاعاً بنحو 274 في المائة مقارنة بما كان عليه الإنفاق قبل ثلاث سنوات.

شعار «غوغل» (رويترز)

وفي الوقت نفسه ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 في المائة على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو، وبنسبة 148 في المائة خلال ثلاث سنوات، استناداً إلى إحصاء نشرته «سيميلرويب» Similarweb.

ونقل «أدويك» عن ديفيد كار، المسؤول عن أبحاث الأخبار في «سيميلرويب» قوله إن «البيانات أظهرت قفزة واضحة في الإنفاق بنظام الدفع مقابل النقرة PPC منذ أبريل (نيسان) 2026». في حين عدّ الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك يوشنا إكو «زيادة الإنفاق على البحث المدفوع، واحدة من الوسائل التي تلجأ إليها المؤسسات الإعلامية لمواجهة التراجع العام في الزيارات»، مشيراً إلى أن «هذه الوسيلة ليست سلبية بشكل مطلق إذا ما أحسن استخدامها مع وسائل أخرى لتوطيد العلاقة بالجمهور».

إكو قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الزيارات المدفوعة يمكن أن تصبح جزءاً طبيعياً من تكلفة اكتساب الجمهور، شريطة الحفاظ على ذلك الجمهور وإشراكه في الخدمات التي تقدمها المؤسسة الإعلامية»، لافتاً إلى أن «شراء الترويح بات وسيلة متبعة لدى غالبية المؤسسات الإعلامية».

لكن إكو نبه إلى «مخاطر الاعتماد الكبير على الزيارات المدفوعة»، موضحاً أنه «قد يهدد مستوى الثقة في المؤسسة الإعلامية»، داعياً بالتالي إلى «اعتماد وسائل أخرى في جذب الجمهور وبناء علاقة قوية معه»، ومحاولة العمل لزيادة الزيارات المجانية.

وفق بيانات «سيميلرويب» واصلت الزيارات المجانية القادمة من محركات البحث الهبوط، وتراجعت الزيارات العضوية إلى «فوربس» بنسبة 26.7 في المائة على أساس سنوي، وإلى «سي إن إن» بنسبة 28.9 في المائة، وإلى «يو إس إيه توداي» بنسبة 24.1 في المائة، بحسب «سيميلرويب».

من جهة ثانية، أرجع المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي رائف الغوري السبب في اتجاه الناشرين لشراء لترافيك إلى «تراجع الزيارات المجانية الناتجة عن تزايد الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي (AI Overviews)، وسياسات محركات البحث التي تجيب عن أسئلة المستخدمين دون الحاجة للنقر»، مشيراً إلى «اتجاه المؤسسات إلى تحسين نتائجها للظهور في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعرف اصطلاحياً بـ(GEO)، ومن ثم العمل على تحسين ظهورها كإجابات عند طرح أسئلة نوعية وهو ما يعرف بمصطلح (AEO)».

وأضاف الغوري في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الناشرين يعمدون إلى تعويض الانهيار في الزيارات المجانية بعدما انخفضت الزيارات الناتجة من عمليات البحث لبعض كبرى المؤسسات الإعلامية مثل الـ(سي إن إن) و(فوربس) بنسب تتراوح بين 24 في المائة و29 في المائة، ما أجبر المؤسسات على إعادة شراء جمهورها لتغطية هذا النقص». ثم أشار إلى «ظاهرة البحث بدون نقر مع انتشار إجابات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تراجع نسب النقر بشكل حاد، بحيث تظهر الإجابة مباشرة للمستخدم في صفحة البحث، إضافة إلى اعتماد المؤسسات الإعلامية على حجم زيارات معين للوفاء بعقود الإعلانات والتسويق بالعمولة، مما يجعل انخفاض الزيارات تهديداً مباشراً للسيولة المالية».

وبحسب رائف الغوري، فإن «شراء الترافيك ليس حلاً سحرياً مستداماً، بل هو أداة تكتيكية قصيرة المدى»، موضحاً أنه الاستفادة منها تكمن في «تحويل الزائر إلى مشترك في النشرة البريدية أو اشتراك مدفوع بالخدمات، وبذلك تكون تكلفة الاستحواذ مبررة ومربحة على المدى الطويل»، وشدد على أهمية «سد الفجوة في الإعلانات المباشرة من خلال تحقيق حد أدنى من المشاهدات لإرضاء المعلنين المباشرين».

وبالتوازي لفت الباحث والمدرب في الذكاء الاصطناعي إلى «وجود حلقة مفرغة إذ تقتطع المؤسسات جزءاً من إيراداتها لتدفعه مجدداً للشركات التقنية نفسها التي تسببت في تراجع زياراتها الأصيلة مثل (غوغل) و(ميتا)... وثمة تفاوت القدرات التنافسية، بين المنصات الكبرى التي تمتلك سيولة مالية تمكنها من الاستمرار في المزايدات لشراء الزيارات، والمنصات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة غير القادرة على ذلك».

ومن ثم توقع الغوري «عدم الاستمرار في شراء الترافيك كنموذج عمل أساسي مع التطور المتسارع واستمرار ارتفاع تكلفة الإعلانات المدفوعة... ذلك أن وسائل الإعلام ستتجه إلى حلول وبدائل أكثر استقلالية، ومنها؛ السعي إلى التملك المباشر للجمهور، مع التركيز على النشرات البريدية، والتطبيقات الخاصة، والتنبيهات المباشرة من دون الاعتماد على الوسطاء».

ثم أشار إلى «إمكانية توفير نماذج للاشتراكات والعضويات والاعتماد على القارئ الداعم بدلاً من النموذج الإعلاني القائم على كثافة الزيارات، إضافة إلى إبرام اتفاقيات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي للحصول على مقابل مالي مباشر منها مقابل استخدام محتوى الناشر في تدريب النماذج والردود»، وأخيراً، قال إن «الفترة المقبلة ستشهد توسعاً في البث الصوتي (البودكاست) والتلفزيون الرقمي، واللقاءات التفاعلية المباشرة التي تبني مجتمعات مخلصة».

يذكر أن شراء الزيارات ليس ظاهرة جديدة تماماً؛ فالناشرون يستخدمون الإعلانات المدفوعة وعمليات «شراء الترافيك» منذ سنوات، لكن الجديد هو القدر الهائل الذي وصل إليه حجم الإنفاق على شراء الترافيك في ظل تراجع الزيارات. فوفق بيانات «سيميلرويب» أنفقت «فوربس» نحو 72.2 مليون دولار على البحث المدفوع في يوليو الماضي وحده، بزيادة 34 في المائة عن العام السابق، وأكثر من ثمانية أمثال ما كانت تنفقه قبل ثلاث سنوات. كذلك ضاعفت الـ«نيويورك تايمز» إنفاقها على البحث المدفوع بأكثر من الضعف خلال عام ليصل إلى 11.3 مليون دولار».

وفي رأي الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي معتز نادي فإن «اتجاه بعض المؤسسات الإعلامية إلى شراء الترافيك يرتبط أساساً بتغير قواعد التوزيع الرقمي»، موضحاً في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارات المجانية من محركات البحث ومنصات التواصل باتت غير مضمونة كما كانت، والخوارزميات أصبحت أكثر تقلباً، بينما يستهلك الجمهور الأخبار داخل المنصات نفسها أو عبر الفيديو ومحركات الإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي».

وأشار نادي إلى أنه «حتى لو أعلنت (غوغل) عن تحديثات تساعد الناشرين في ظهور نتائجهم دون ملخصات تؤثر على الزيارات يظل الأمر مرتبطاً بسلوك القارئ الذي قد يفضل الخبر في وجبة سريعة ملخصة بسطور معدودة دون النقر على رابط يخص موقعاً بعينه لزيارته».

ثم شرح إن «الناشر يحاول تعويض جزء من التراجع عبر الوصول المدفوع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من زيارات... لكن في الوقت نفسه، فإن شراء الترافيك لا يعني بالضرورة شراء جمهور حقيقي، ذلك أن الفارق كبير بين أن تدفع مقابل زيارة لرفع الأرقام، وأن تستثمر في مستخدم يمكن أن يعود مجدداً، ويسجل في النشرة البريدية، أو يحمل التطبيق، أو يشترك في خدمة مدفوعة باشتراك مناسب القيمة».

وأضاف معتز نادي أنه «لو كان الإنفاق لصالح هذا المستخدم الذي سيعود باستمرار بالزيارة، فيمكن أن يتحول الإنفاق إلى استثمار، لأن المؤسسة تقيس تكلفة اكتساب هذا المستخدم مقابل ما يحققه من قيمة وإيرادات على المدى الأطول ببقائه المستمر مع الوسيلة المفضلة له».

ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 % على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو

ومن الناحية الاقتصادية قال نادي: «الترافيك المدفوع يمكن أن يرفع الدخل إذا ارتبط الأمر بعائد إعلانات في مقابل تلك الأرقام من زيارات ومشاهدات، بينما شراء زيارات رخيصة فقط لرفع أرقام المشاهدة، قد يصنع رقماً جيداً في التقارير، لكنه لا يبني مؤسسة قوية، وقد يتحول إلى خسارة مستمرة... وذلك الأثر يمكن قياسه بزيادة عدد المتابعين بالآلاف، بينما مشاهدة الفيديوهات لا تتجاوز المئات».

ثم أوضح أن «تأثير الظاهرة على الإعلام مزدوج، فربما تساعد المؤسسات على الوصول إلى جمهور جديد، غير أنها قد تزيد أيضاً الفجوة بين الناشرين القادرين على الإنفاق وغيرهم من محدودي الموارد، وتدفع بعض غرف الأخبار إلى تفضيل المحتوى الأسرع والأكثر جذباً للنقر على حساب الصحافة الأعمق، والاكتفاء بمطاردة الترندات».

واختتم نادي كلامه متوقعاً أن «يستمر شراء الترافيك بصيغة أكثر ذكاءً ما يعني شراء المستخدم الصحيح لا الوهمي، مع إدخال المستخدم/ المتابع الحقيقي في علاقة مباشرة مع المؤسسة عبر التطبيقات والنشرات والاشتراكات والمجتمعات الرقمية كما هو الحال في (واتساب) حالياً... ثم أن الناشر الأقوى لن يكون من يشتري أكبر عدد من الزيارات، فهو يتمتع بهذه القوة من خلال تحويل الزيارة المدفوعة إلى جمهور يعود من تلقاء نفسه، مما يتطلب العودة، وبيانات دقيقة عن سلوك المستخدم، واستراتيجية توزيع لا تترك مستقبل المؤسسة رهينة لمنصة واحدة أو حملة إعلانية مؤقتة».


«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
TT

«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)

ربما لم يتبقَّ من «اتفاق أوسلو» الذي وُقع قبل 33 عاماً بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوى سلطة بلا سلطة في الضفة الغربية، والكثير من الفوضى والدمار والدم في قطاع غزة، وقدس شرقية تماثل الغربية، وكلتاهما ترزحان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كان يُفترض أن تشكل المواقع الثلاثة جميعاً (الضفة وغزة والقدس الشرقية) «الدولة الفلسطينية» بعد 5 سنوات فقط من توقيع الاتفاق عام 1993، أو هكذا ظن وأمل الفلسطينيون حينها.

ومع ذلك لا يمكن اعتبار مشكلة «اتفاق أوسلو» الرئيسية أنه لم يأتِ بالدولة المرجوة فقط، بل إنه منذ توقيعه تراجعت في ظله قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم، وتقلصت، يوماً بعد يوم، المساحات التي تسيطر عليها.

لقد تغيرت وظيفة السلطة إلى حد كبير؛ إذ جعلتها الحكومات الإسرائيلية محاصرة وعاجزة وشبه مفلسة، مع كثير من المشكلات المالية والأمنية، ومشاكل داخلية لا تحصى تطولها وكل الفلسطينيين، في السياسة والأمن والأمان والرواتب والصحة والاقتصاد والكهرباء والماء والوقود والنظام المصرفي...

واليوم بعد 33 عاماً على الاتفاق، يجد الفلسطينيون أنفسهم في معركة رئيسية تقوم على منع تصفية القضية الفلسطينية وتهجيرهم من أرضهم، بعدما كانت معركتهم بعد الاتفاق هي معركة إقامة الدولة.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

يمكن إلقاء اللوم - كل اللوم - على «اتفاق أوسلو» ومساره وخياره، وهذا ما يفعله كثير من الفلسطينيين، لكن لا يمكن إغفال طرفه الآخر؛ أي إسرائيل التي لم توقع ذلك الاتفاق لكي ينجح، وهذا بالضبط ما وعد به رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير آنذاك الجميع بمفاوضات تبدأ ولا تنتهي حتى لا يتبقى شيء للتفاوض حوله.

كما لا يمكن إغفال أن جزءاً كبيراً من الفلسطينيين أنفسهم لم يرد الاتفاق كذلك، وقد عملت فصائل مسلحة على إجهاضه حتى النهاية، بلا كلل ولا ملل، بكل ما أوتوا من قوة وأسلحة.

كان الكثيرون هنا وهناك يرونه خنجراً في الخاصرة، ويجاهرون بأنهم لا يريدونه، وهو في حقيقة الأمر لم يعطهم السلام أو الأمن، لكنه رغم ذلك ظل - حتى الآن - حياً لا يموت، حتى بعد «طوفان الأقصى» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أطلقته «حماس»، وجرف أشياء كثيرة، إلا ما تبقى من «اتفاق أوسلو».

ما «اتفاق أوسلو»؟

إنه «اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 13 سبتمبر (أيلول) 1993. ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء «سلطة حكم ذاتي لسلطة فلسطينية مؤقتة» ضمن مرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على قرارَي مجلس الأمن «242» و«338».

تحدث الاتفاق عن «وضع حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب بـ«الحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.

وتعامل الاتفاق مع الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم بوضوح تام آنذاك، وتضمن أن تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا. وتبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

كما جاء فيه أنه من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك.

وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، وكذلك المُنازعات.

ويقسم «اتفاق أوسلو» الضفة الغربية إلى 3 مناطق: «أ» و«ب» و«ج». وتتضمن المنطقة «أ» المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية، وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية، في حين تقع المنطقة «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية، أما المنطقة «ج» فتقع تحت السيطرة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 61 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وبعد أكتوبر لم تعد إسرائيل تؤمن بهذه التقسيمات.

ماذا حدث بعد الاتفاق؟

كانت نصوص «أوسلو» سياسية وأمنية واقتصادية تنظم العلاقة بين الطرفين، فما الذي طُبّق منه على الأرض؟ وماذا بقي منه اليوم؟

بعد سنوات قليلة من التوقيع توقفت إسرائيل عن استكمال عملية انسحاب قواتها المقررة، وبدلاً من ذلك استباحت المناطق المصنفة «أ»، وهي الأراضي الواقعة تحت الولاية الأمنية الفلسطينية الكاملة، واتخذت إجراءات أدّت إلى تعطيل المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال.

كانت إسرائيل تغتال وتقتل وتقتحم المناطق «أ»، وتبني المزيد من المستوطنات، وتضيق على السلطة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كأن «أوسلو» لم يكن، ثم تطالب السلطة بمزيد من التنسيق الأمني وفق الاتفاق.

كذلك فإن الإسرائيليين الذين لم يريدوا «أوسلو» لم يسقطوه رسمياً، وأرادوه في غرفة العناية المركّزة لا حياً ولا ميتاً، ولم يكن الفلسطينيون يحبون «أوسلو»، لكنهم جاهدوا لإبقائه حياً رغم أنهم أعلنوا مراراً أنه منتهٍ.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

لم يستطع الفلسطينيون التخلص منه؛ لأنهم ببساطة لا يمكن لهم أن يحتفظوا بالسلطة من دون «أوسلو»، وهو ما يعني عودة الاحتلال؛ أي ألف خطوة للوراء، أما الإسرائيليون فإن إعلانهم أنهم في حِل منه يعني حل السلطة الفلسطينية وعودتهم إلى احتلال الضفة الغربية، وهو آخر ما يريدون أن يصلوا إليه. باختصار كان يمقته الجميع، لكنهم يريدونه، حتى إنه ظل يحاصرهم، وينتج اتفاقات أخرى.

مَلاحق «أوسلو»

يمكن القول إنه حتى سنوات طويلة جداً وجد الطرفان الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم معلقين بـ«أوسلو»، وفي محاولة إبقائه على قيد الحياة عقد الفلسطينيون اتفاقات أخرى مع إسرائيل يمكن وصفها بمَلاحق «أوسلو»، مثل اتفاق «غزة – أريحا» (1994)، واتفاق «باريس الاقتصادي» (يوليو/ تموز، 1994)، واتفاقية «طابا» أو «أوسلو الثانية» (1995)، واتفاق «واي ريفر الأول» (1998)، و«واي ريفر الثاني» (1999)، ثم «خريطة الطريق»، ثم اتفاق «أنابوليس» (2007).

بعد ذلك عقد الطرفان سلسلة من الاجتماعات، ودفعوا إلى الأمام تفاهمات من بينها مفاوضات أطلقها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 2013، وأخرى تم عقدها ثنائياً، وصولاً إلى اجتماعات خماسية أمنية في العقبة بالمملكة الأردنية وشرم الشيخ في مصر عام 2023، لكنها جميعها لم تنجح.

لم يلتزم الإسرائيليون بأي اتفاق عقدوه، بل أوصلوا السلطة إلى مرحلة ضعف غير مسبوقة بعدما غيروا إلى حد كبير وظيفتها، وبدأت تعيش واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق، تقلصت فيها المساحات التي تسيطر عليها من دون أفق سياسي واقتصادي، مع أزمة مالية خانقة، وأخرى أمنية، ويكفي ما أشارت إليه منظمة «السلام الآن» اليسارية الإسرائيلية حول أن اتفاقية «أوسلو» ساهمت بشكل كبير في زيادة عدد المستوطنات والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية.

كان كل ذلك سواء «مكانك سِر» أو «للخلف دُر»، واقعاً أرادته إسرائيل، واستمر ذلك حتى «حرب الطوفان» التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023.

بعد الحرب تغير كل شيء، وبدأت إسرائيل ما يشبه حرباً ضد السلطة والفلسطينيين وحلم الدولة. بدا أن إسرائيل تريد التراجع عن «أوسلو» فعلاً وشطبه، ولا تريد الفلسطينيين، ولا تريد اتفاقاً يربطها بهم.

«أوسلو» ونتنياهو... و7 أكتوبر

لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لا يريد «أوسلو»، وبعد أشهر من الحرب على قطاع غزة قال نتنياهو إن «اتفاق أوسلو» كان خطأ إسرائيل الكبير، زاعماً أن «السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و(حماس) في غزة يريدان تدمير إسرائيل... طرف يقول ذلك صراحة، والآخر يفعل ذلك من خلال التعليم والمحكمة الجنائية الدولية».

هجوم نتنياهو على السلطة لم يكن جديداً، لكنه الأوضح الذي يكشف جزءاً من خطته القائمة على تقويض السلطة. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 بدأت إسرائيل تتعامل مع السلطة كأنها غير موجودة. صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، في حين تم إطلاق يد المستوطنين ليقتلوا ويهاجموا ويحتلوا مناطق شاسعة بالقوة.

وأثناء ذلك دفعت إسرائيل خطة لتوسيع المستوطنات القائمة وإقامة جديدة، وربطها معاً في أحزمة استيطانية متصلة، لخدمة فكرة توسيع الاستيطان من جهة، وتطويق وتقطيع الضفة وتشكيل جدار بين الضفة وإسرائيل من جهة ثانية.

كان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، واضحاً عندما قال إنه لا يفعل شيئاً سرياً، وهو يعمل ضد السلطة في الضفة، ويسعى لمنع إقامة دولة فلسطينية عبر ما سماه «درع إسرائيل»، وهم المستوطنون.

دفع سموتريتش المستوطنين إلى مهاجمة الفلسطينيين، واحتلال التلال، وإقامة بؤر زراعية ورعوية إلى جانب المستوطنات الكبيرة. وبعدما كان المستوطنون يخشون السير في شوارع يسير فيها الفلسطينيون، تبدلت المعادلة. لقد أصبحوا مثل سرطان شرس ينتشر ويتمدد ويقتل.

خريطة الضفة المحاصرة

تُظهر الخريطة الحالية للضفة الغربية المدن الرئيسية جميعاً في المنطقة «أ»، المفترض أنها تحت حكم السلطة الفلسطينية، وهي محاطة بمستوطنات وبؤر وطرق التفافية في المنطقتين «ب» و«ج»، وبهذا تحولت المنطقة «أ» إلى جزر معزولة تماماً.

ويعيش في الضفة الغربية اليوم 940 ألف مستوطن في أكثر من 200 مستوطنة بعدما كانوا أثناء توقيع «اتفاق أوسلو» 248 ألفاً. وإضافة إلى ذلك يوجد في الضفة الغربية اليوم 243 بؤرة استيطانية جديدة لم تكن موجودة قبل «أوسلو»، وقد تم إنشاء 129 بؤرة رعوية في الضفة بعد 7 أكتوبر.

لم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل أنشأت في الضفة نحو 1000 حاجز عسكري وبوابة في محاولة للمراكمة على فكرة سجن الفلسطينيين داخل المنطقة «أ».

نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

لم يفكر سموتريتش في «أوسلو» كثيراً وهو يعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية، في ضربة أخرى للسلطة الفلسطينية. قال سموتريتش آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود (أوسلو) عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

وأضاف سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وقالت «القناة 12» إن الخطوة تعني نهاية حقبة «أوسلو» في البلدة القديمة في قلب الخليل. وفعلاً أنهى سموتريتش «أوسلو» في البلدة القديمة في الخليل، وتسلم المهام هناك، وراح ينفذ أعمالاً مدنية مثل ترميم وسقف الحرم الإبراهيمي، الذي وصفه بأنه «أول ملكية سيادية لإسرائيل في الضفة».

سموتريتش يتوجه لحضور مؤتمر صحافي بشأن توسيع المستوطنات بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية المحتلة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

لم يمنعه شيء، وربما كانت «بروفة» لما يجب أن يكون عليه الوضع في باقي المناطق، خصوصاً أنه قال إن أهم مهمة للحكومة الإسرائيلية القادمة هي إلغاء «اتفاق أوسلو»، وضم الضفة، وتهجير الفلسطينيين، باعتبار ذلك الحل الوحيد طويل الأمد.

تنافس يميني على إضعاف وإسقاط السلطة

والمطالبة بإسقاط السلطة الفلسطينية ليست حكراً على سموتريتش، بل إنها باتت محل تنافس بين تيار اليمين المتطرف الإسرائيلي، فسموتريتش يؤيده وزراء آخرون كثر، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي هدد السلطة الفلسطينية بحرب شاملة.

وقبل ذلك أطلقت إسرائيل نظام «سجل الأراضي وتسوية الحقوق» الإلكتروني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة دراماتيكية من شأنها أن تعمّق عملية ضم الضفة، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة ووظيفة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.

وأظهرت هذه الخطوة، إلى جانب الخطوات الأخرى الكثيرة، تحولاً خطيراً في السياسة الإسرائيلية فيما يخص مستقبل السلطة الفلسطينية والضفة الغربية.

ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرة أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات. والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى المنطقة «أ»، وهي المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، والتي كانت ممنوعة على الإسرائيليين.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

واختراق «المناطق المحرمة» (أ وكذلك ب) هو الأكثر خطورة في المسألة؛ لأنه يلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق؛ إذ لا تعود الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء... كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين (اللتين تخضعان إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب «اتفاق أوسلو»).

ابتلاع الضفة وهندسة السيطرة

وقال معهد الحقوق في «جامعة بيرزيت» إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة، عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، ما يعتبر ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.

وأضاف أن إسرائيل تعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة، وتحدّ من دور السلطة الفلسطينية نحو إلغاء تدريجي لها، ما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوة على الأرض، كما أن ذلك يؤثر مباشرة على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، وتغير التوزيع الديمغرافي وحقائق الوجود على الأرض، ويضفي «شرعية» على التوسع الاستيطاني، ويعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، وتغيير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.

وإضافة إلى الحصار السياسي والهجمات والسيطرة على الأرض ودفع الاستيطان، حاصرت إسرائيل السلطة مالياً، وأوقفت تحويل أموال المقاصة لها، ووضعتها في أزمة مالية معقدة وصعبة، في حين رفضت استقبال فائض الشيقل من البنوك الفلسطينية، ما خلق أزمة مالية أخرى.

واعتبرت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية أن السياسة التي تطبقها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى إسقاطها وإلغاء اتفاقات أوسلو الموقعة بين الجانبين.

واتهمت «السلام الآن» حكومة بنيامين نتنياهو باتباع سياسة ممنهجة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً بخرق الاتفاقات الموقعة في أوسلو، عبر توسيع الاستيطان ونقل صلاحيات في مناطق مصنفة «أ» و«ب» في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، محذرة من أن هذه الممارسات تمضي بإسرائيل نحو عملية ضم غير معلن للأراضي.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووصف التقرير «تصرفات الحكومة الإسرائيلية في المنطقتين (أ) و(ب)» بأنها «ليست حوادث معزولة»، بل «هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وخلق فوضى تُمكّنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة الغربية».

السلطة متمسكة بنهج «أوسلو» السلمي

إذن، بعد 33 عاماً بقي من «أوسلو» إسرائيل التي تتوسع مع صلاحيات أكبر، وسلطة ورئيس وأجهزة أمنية ووزارات، لكن بلا دولة مع صلاحيات أقل، ومستوطنين أكثر، وغزة مدمرة، وقدس تحت السيطرة الإسرائيلية... ومع ذلك تتمسك السلطة التي تعيش، اليوم، واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق بـ«اتفاق أوسلو» كاملاً.

وفي مايو (أيار) الماضي، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه متمسك بـ«اتفاق أوسلو» وبالاتفاقات اللاحقة، وبـ«منظمة التحرير» وبرنامجها القائم على وحدة النظام السياسي الفلسطيني والسلاح الواحد، وبالإصلاحات، وبإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في تأكيد على تمسكه بنهجه السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.

وبخلاف ما يعتقده الكثيرون، أو يطالبون به، أكد عباس في كلمة ألقاها في أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» في رام الله، في مايو الماضي، أن ارتكاب نكبة جديدة في قطاع غزة، وقتل وجرح أكثر من 270 ألف فلسطيني هناك، وجعل القطاع غير قابل للحياة، والعمل على ضم الضفة الغربية من خلال قوانين سرقة الأراضي، وإطلاق إرهاب المستوطنين في الضفة، إضافة إلى استمرار احتجاز أموال الشعب الفلسطيني، ومحاصرة الاقتصاد، وارتكاب الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومحاولة تقسيم المسجد الأقصى... تتطلب العودة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة: «اتفاق أوسلو»، و«اتفاق باريس الاقتصادي»، وتفاهمات العقبة وشرم الشيخ عام 2023، والتوقف عن اتخاذ الإجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي.

وأضاف: «(اتفاق أوسلو) الخياني بدّنا إياه، بدّنا نحافظ عليه»، متهكماً على الانتقادات التي تطول الاتفاق.

وفوراً هاجم عباس هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، قائلاً: «أياً كان تقييم ما حصل في 7 أكتوبر، بين قوسين، المجيد (ساخراً)، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها»، مضيفاً: «ذُبحنا وهُجّرنا ودُمّرت بلادنا بسبب هذا العمل»، كأنما كان عباس يريد أن يقول ما يقوله الكثير من أنصاره وأبناء حركة «فتح» من أن «(أوسلو) أعاد الفلسطينيين إلى الوطن، ووضع لبنات الدولة، وجاء بمطار في غزة وميناء، و7 أكتوبر دمّر كل شيء، وهجّر الفلسطينيين إلى الخارج». لكن المنطق السابق يرد عليه مناهضو عباس و«فتح» بالسؤال: «لماذا تفتك إسرائيل بالضفة الغربية التي لم تأتِ بـ7 أكتوبر؟ ولماذا لا يحميكم (أوسلو)؟».

ولا يبدو أن حسم المواجهة بين المنطقين قريب، في حين يبقى التاريخ حكماً بين التجربتين، وتظل إسرائيل تواصل استباحة حلم الدولة الفلسطينية.


إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
TT

إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)

طرحت الحكومة الأسترالية خطة لجعل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي خياراً اختيارياً، وهو ما قد يمنح المستخدمين تحكماً أكبر في المحتوى الذي يظهر أمامهم في صفحاتهم الرئيسية، وسط تساؤلات بشأن هذا الإجراء. ومن جهة أخرى، رهن خبراء نجاح هذا الاتجاه في تقليص حجم المحتوى المثير للقلق، الذي يواجهه مستخدمو مواقع التواصل، بمدى إقبال المستخدمين فعلياً على تفعيل هذا الخيار الجديد.

الحكومة الأسترالية قدمت في 8 سبتمبر (أيلول) الحالي مشروع قانون «تُلزم بموجبه منصات التواصل الاجتماعي بإخطار المستخدمين ومنحهم خياراً بشأن التغذية الافتراضية لصفحاتهم». ومعه يُمكن للمستخدم اختيار الانضمام إلى تغذية مخصّصة تحددها الخوارزمية، أو الانسحاب منها والاكتفاء برؤية منشورات الأصدقاء والمبدعين الذين يتابعهم فقط.

شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، و«غوغل» التابعة لشركة «ألفابت»، لم تعلق بعد على مشروع القانون.

غير أن مراقبين يرون أن الاتجاه إلى الترتيب الزمني، وليس الخوارزمي، قد يكون سيئاً بالنسبة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تجني أرباحها من زيادة التفاعل داخل تطبيقاتها. ولكن من منظور المصلحة المجتمعية قد يكون الأمر إيجابياً في مجمله، إذ يدفع إلى قضاء وقت أقل في التصفح المستمر لمواقع التواصل.

الخبير التقني السعودي خالد أبو إبراهيم توقع أن غالبية المستخدمين لن يُفعّلوا الترتيب الزمني للمنشورات، وسيفضلون البقاء تحت سيطرة الخوارزميات. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية أصبحت جزءاً من الإدمان نفسه». ودلل على ذلك بقوله إن «التجربة موجودة، وليست نظرية، فـ(فيسبوك) و(إنستغرام) أضافا خيار (الأحدث/ المتابعون) في أوروبا بعد تطبيق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، ونسبة من فعّلوا هذا الخيار أقل من 5 - 10 في المائة»، حسب تقديرات باحثين من جامعة التكنولوجيا في سيدني (UTS) بأستراليا.

وأرجع أبو إبراهيم السبب إلى «الاحتكاك والفراغ». وشرح أن «الخلاصة الزمنية مملة. فإذا كنت تتابع 700 شخص، فسترى منشورات كثيرة غير مهمة، وستفوتك المنشورات المهمة، لأنها نُشرت قبل 8 ساعات... بينما الخوارزمية تمنحك دوباميناً فورياً، فكل سحب للشاشة يعطي شيئاً يعجب المستخدم».

غير أن الخبير التقني السعودي يرى أن أهمية القانون الأسترالي لا تكمن في نسب تفعيل الخدمة، بل «هذا هو أول مقياس لتجربة إنترنت من دون خوارزميات على مستوى دولة كاملة، حتى النسب المحدودة التي يُتوقع أن تتبع الترتيب الزمني، هم عينة ثمينة لمعرفة الأثر النفسي الحقيقي». ثم أشار إلى دور هذا الاتجاه في الحدّ من المنشورات المثيرة والجدلية، فقال: «أتوقع أن يقل هذا النوع من المنشورات بشكل كبير، ليس لأنه سيختفي، بل لأنه لن يجد من يضخمه، فالخوارزمية لا تصنع المحتوى المُحرض، بل هي مُكبر صوت له»، بحسب رأيه.

هذا، وجرى تطبيق الترتيب الخوارزمي في البداية لمعالجة مشكلة إغراق المحتوى داخل التغذية الإخبارية. ووفق بيان سابق لشركة «فيسبوك» عام 2014، فإنها احتاجت إلى تطبيق الاختيار الخوارزمي لأن المستخدمين كانوا يتابعون عدداً كبيراً جداً من الأشخاص والصفحات داخل التطبيق.

وذكرت «فيسبوك» حينها أنه «في كل مرة يزور فيها أحدهم صفحة الأخبار الرئيسية، يكون أمامه في المتوسط 1500 منشور محتمل من الأصدقاء والأشخاص الذين يتابعهم والصفحات، ومعظم الناس لا يملكون الوقت الكافي لرؤيتها جميعاً».

وتابعت أن هذه الخطوة نجحت بالفعل، ففي السابق كان المستخدمون يقرأون 57 في المائة فقط من القصص بصفحاتهم الإخبارية في المتوسط، ولم يكونوا يمررون الصفحة بما يكفي لرؤية النسبة المتبقية، البالغة 43 في المائة. وعندما أُعيد إظهار القصص غير المقروءة ارتفعت نسبة القصص المقروءة إلى 70 في المائة.

الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية ليست السبب الوحيد في انتشار المحتوى المثير والاستقطابي... لأن المحتوى المستقطب موجود بالفعل، لاعتبارات السياسة وسلوكيات المستخدمين ورغبة بعض صُناع المحتوى في جذب الانتباه، لكن أنظمة التوصية تقوم باختيار المحتوى وتصفيته وتخصيصه لكل مستخدم ومنح أولوية الظهور على حسب التفاعل وحجمه».

وعن تفضيل منصات التواصل الاجتماعي للترتيب الخوارزمي، أرجع موسى ذلك «لكون السيطرة على الخوارزمية تمسّ جوهر نموذج عمل المنصات وربحها». وأضاف: «الخلاصة الخوارزمية ليست مجرد ترتيب للمحتوى، هي أداة لإطالة وقت بقاء المستخدم وزيادة التفاعل وتحسين استهداف الإعلانات، في حين يتم منح المستخدم خياراً واضحاً وسهلاً لتقليل التوصيات أو العودة لترتيب زمني قد يقلل حجم التفاعل الذي تعتمد عليه المنصة تجارياً».

ثم لفت إلى أن الجهات التنظيمية، مثل «مفوض السلامة الإلكترونية الأسترالي»، تطالب بأن تكون سلامة المستخدم ومصالحه وحقوقه أولوية في تصميم أنظمة التوصية، وأن يحصل المستخدم على تحكم أكبر وشفافية أوضح، بينما تميل المنصات إلى الحفاظ على النموذج الذي يحقق أعلى وقت استخدام وأعلى عائد إعلاني.