من الخطابات الرئاسية إلى قراءة الوثائقيات... «محيطاتنا» بصوت باراك أوباما

وثائقي جديد عن المحيطات من إنتاج باراك أوباما وبصوته (نتفليكس)
وثائقي جديد عن المحيطات من إنتاج باراك أوباما وبصوته (نتفليكس)
TT

من الخطابات الرئاسية إلى قراءة الوثائقيات... «محيطاتنا» بصوت باراك أوباما

وثائقي جديد عن المحيطات من إنتاج باراك أوباما وبصوته (نتفليكس)
وثائقي جديد عن المحيطات من إنتاج باراك أوباما وبصوته (نتفليكس)

ليست الوثائقيات المخصصة لاستكشاف أعماق البحار مادّةً تلفزيونية جديدة، فأول هذه الأعمال يعود إلى عام 1954. ومع مرور السنوات، توالت تلك الأفلام الوثائقية إلى أن باتت تُعَدّ بالآلاف وتملأ شاشات التلفزيون ومنصات البث. صحيح أنّها مادّة عابرة للأزمنة ولا يُملّ منها، غير أنه صار من الصعب إنتاج وثائقي آخر عن عالم ما تحت الماء، وتقديم محتوى جديد ومختلف عمّا سبق.

لعلّ التميّز والاختلاف هما أكثر ما سعى إليه فريق عمل «Our Oceans (محيطاتنا)»، السلسلة الوثائقية الجديدة التي تُعرض على «نتفليكس». وقد اجتمعت عناصر كثيرة لتحقّق هذا الهدف؛ بدءاً باللقطات الحصريّة للمخلوقات البحريّة التي جرى تصويرها بتكنولوجيا تُستَخدم للمرة الأولى ومن مسافاتٍ قريبة جداً، وليس انتهاءً بصوت الراوي... باراك أوباما شخصياً.

وما بين هاتين الميزتَين، عناصر أخرى كثيرة تجعل من مشاهَدة «Our Oceans» تجربة استثنائية، لا تختلف كثيراً عن متابعة مسلسل مشوّق وزاخرٍ بالمؤثّرات البصريّة.

تُخصَصُ كلٌ من الحلقات الـ5 لأحد محيطات هذا العالم، بدءاً بالمحيط الهادئ، وصولاً إلى الجنوبي، مروراً بالهندي والأطلسي والمتجمّد. يقول الراوي إنّ تيّاراً يسافر بين تلك المحيطات ويجعل منها عالماً واحداً. لكن بين الحلقة والحلقة، تختلف السرديّات وتتنوّع المَشاهد، لتبقى نبرة الراوي ثابتةً ومُريحة للسمع.

ليس من المنصف مقارنة موهبة أوباما الصوتيّة بأيقونة وثائقيات الطبيعة، المذيع والعالِم البريطاني ديفيد أتينبورو. فالأخير رائدٌ في مجاله وأحد مؤسسي هذا النوع من الأعمال التوثيقية، بينما أوباما حديث العهد في هذا المجال. قد يغرق الرئيس الأميركي الأسبق في السرد الرتيب أحياناً، إلا أنه يحاول جاهداً أن يجعل من صوته مرآةً للصورة المذهلة، لاجئاً إلى التلوين في النبرة، وإلى خفّة الظلّ المثيرة للابتسام، وإلى التفاعل الصوتيّ البارز مع المَشاهد المُدهشة. فأوباما، إلى جانب كونه موهبة تلفزيونية صاعدة، مدافعٌ شرس عن البيئة البَحريّة، هو الذي ترعرع في جزيرة هاواي الأميركية.

صُوّر الوثائقي بتكنولوجيا متطوّرة أتاحت الاقتراب من الكائنات البحريّة بشكل غير مسبوق (نتفليكس)

يتلاقى صوت أوباما مع نصٍّ كُتبَ بحنكةٍ وإحساسٍ عاليَين، مع لمسةٍ لافتة من الفكاهة. تتميّز السلسلة الوثائقية بسرديّتها التي لا تُشبه النصوص المرافقة عادةً لهذا النوع من المحتوى، وهي ترتكز إلى تقنية الكتابة على الصورة، أي استلهاماً ممّا تقدّمه المحيطات وكائناتها من مَشاهد مذهلة. في «Our Oceans»، تتحوّل الكائنات البَحريّة إلى شخصيات، لكلٍّ منها قصة بما فيها من كفاح وتحديات ومشاعر وعلاقات صداقة وعداوة. وأمام هكذا نص على قدرٍ عالٍ من الإنسانية، لا بدّ للمُتفرّج من أن يتماهى مع المواقف التي تواجه المخلوقات المائية والطيور البَحريّة.

في المحيط الهنديّ، يتعرّف المُشاهد إلى أنثى الحوت التي تسعى جاهدةً لأكل ما تستطيع، من أجل إرضاع صغيرها المولود حديثاً الذي يستهلك الكثير من الحليب. أمّا في المحيط الأطلسي، فيجهّز ذكور سمكة الفرّيدي الأرض لاستقبال إناثها من أجل أن تضع بيضها. تتنافس الأسماك فيما بينها لترتيب المكان وتنظيفه من كل ما قد يزعج الإناث، كالأعشاب والأصداف وحتى نجمات البحر.

يُدرك فريق «Our Oceans» أنّ المعلومات العلميّة وحدَها لا تُقنع الجمهور ولا تكفي لتُعلّقه في شرك العمل. لذلك فقد ارتأى أن يستند إلى المشاعر، من خلال ملاحقة الأسماك وسائر الحيوانات، وتصويرها ضمن مواقف يسهل التماهي البشري معها؛ كما أنثى الدب تلك في حلقة المحيط المتجمّد الشمالي، والتي تبحث بشراسة عن طريدةٍ ما من أجل إطعام صغيرها المتضوّر جوعاً.

ومن بين المَشاهد التي تذهل العين والفكر على حدٍّ سواء، ذاك الأخطبوط الصغير في المحيط الهندي، الذي يصرّ على العثور على طبقتين متجانستَين من إحدى الأصداف، كي يختبئ بينهما من عيون الأسماك المفترسة وأفواهها.

لا يعتمد الوثائقي بث المعلومات العلمية بقدر ما يرتكز إلى نص وتصوير زاخرَين بالمشاعر (نتفليكس)

ما يميّز السلسلة الوثائقية كذلك، مواكبتُها لسلوكيّات المجتمعات البَحريّة. تساعد في التقاط تلك المشاهد عن قُرب، تكنولوجيا متطوّرة جداً تُستخدم للمرة الأولى على هذا العمق. ولم تنتج عن ذلك التصوير الفريد متعة بصريّة فحسب، بل انهماكُ علماء البحار في تحضير 20 دراسة جديدة حول سلوكيّات الكائنات البحريّة، بناءً على ما شاهدوه ضمن السلسلة. مع العلم بأنّ 700 عالِم وباحث شاركوا في تحضير «Our Oceans».

من المواضيع المهمّة التي يلقي الوثائقي الضوء عليها، التلوّث البحري والآثار السلبية للتغيّر المناخي على المحيطات. يأتي ذلك انطلاقاً من الاهتمام الذي يوليه المنتجان المنفّذان، باراك وميشيل أوباما، للتوعية البيئية. وإذا كانت الحلقة الأولى مكرّسة لتصوير السِّحر البحري، فإنّ الحلقة الثانية والخاصة بالمحيط الهندي تُظهر كيف يمكن أن تتحوّل جنّة ما تحت الماء إلى حاوية نفايات ضخمة. وفي هذه الحاوية، كائناتٌ صغيرة وكبيرة تآلفت مع المواد البلاستيكية وسائر أشكال القمامة وباتت تقتات منها.

لا يغفل الوثائقي موضوع التلوّث البحري المتسببة به أيادي البشر (نتفليكس)

ليس الهدف من الوثائقي تجارياً بقَدر ما هو توعويّ إلى خطورة اليد البشريّة على جمال المحيطات. يجتاز فريق العمل 75 ألف ميل انطلاقاً من حب كبير للبحار والمياه التي تغطّي 71 في المائة من مساحة كوكب الأرض. على رأس الفريق، الثنائي الرئاسي الأميركي الأسبَق المنشغل منذ عام 2018 بمشروعٍ ترفيهيّ كبير، هو عبارة عن شركة إنتاج تُدعى Higher Ground.

اجتاز فريق العمل 75 ألف ميل واستعان بـ700 باحث وعالِم بحار (نتفليكس)

أنتجت شركة آل أوباما حتى اللحظة، أكثر من 20 مشروعاً تتنوّع ما بين أفلام روائية، ووثائقيات، ومسلسلات، وبرامج للأطفال، وبودكاست. وتُعتبر معظم تلك الإنتاجات هادفة، بما أنها تتضمّن رسائل توعويّة إنسانياً، وبيئياً، ومجتمعياً.

أمّا الموهبة الصاعدة التي يلوّن صوتُها بعض تلك الأعمال، أي باراك أوباما، فيبدو صاحبَ مستقبلٍ واعد في المجال. تُوّج مجهوده الصوتيّ بجائزة «إيمي» عام 2022 عن فئة أفضل راوٍ. وكان قد حاز سابقاً جائزتَي «غرامي» في الإطار ذاته.


مقالات ذات صلة

كيف تصبح أكثر جاذبية؟ العِلم يجيب

يوميات الشرق إظهار جوانب من إبداعك تعزز من إبداعك (بيكسباي)

كيف تصبح أكثر جاذبية؟ العِلم يجيب

يتشارك الأشخاص الأكثر جاذبية وتأثيراً في بعض العادات البسيطة... مثل الانفتاح على الآخرين واللطف غير المبالغ فيه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

هل الكاريزما سمة شخصية، أم مهارة، أم موهبة؟ وكيف يمكن للفرد امتلاك الكاريزما؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جورج حبيقة اسم لا يُنسى في الذاكرة اللبنانية (جومانا حبيقة)

جومانا حبيقة: والدي من عمالقة الفنّ في لبنان... لكنّه مغيّب عن التكريم

كان سكان الأشرفية يحبّون إلقاء التحية على المايسترو الذي رافق أهم نجوم عصره...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما عجزت السنوات عن محوه تمحوه الأسماء واحداً تلو الآخر (أ.ف.ب)

أبناء براد بيت يتخلّون عن اسمه... زهرة ثالثتهم

باتت زهرة جولي بيت، ابنة براد بيت وأنجلينا جولي، تحمل رسمياً اسم زهرة جولي، بعدما تخلَّت قانونياً عن لقب والدها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

فريق دولي لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي

الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات الصحية (جامعة ولاية لويزيانا)
الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات الصحية (جامعة ولاية لويزيانا)
TT

فريق دولي لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي

الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات الصحية (جامعة ولاية لويزيانا)
الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات الصحية (جامعة ولاية لويزيانا)

أعلنت الكلية الأوروبية لعلم الأدوية النفسية والعصبية (ECNP) عن إطلاق أول فريق عمل أوروبي من الخبراء متخصص في الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية، بهدف وضع إطار علمي وتنظيمي يضمن الاستفادة من إمكانات هذه التكنولوجيا، مع الحد من مخاطرها على المرضى، والممارسات الطبية.

وبحسب موقع «يورك أليرت» العلمي، أعلن عن إطلاق الفريق خلال المؤتمر السنوي التاسع والثلاثين للكلية، والمنعقد في مدينة ميونيخ الألمانية، حيث يعقد الخبراء جلسة نقاش مفتوحة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لبحث فرص استخدام الذكاء الاصطناعي وتحدياته في الطب النفسي وعلوم الأعصاب، وسبل تطويره وتنظيمه مستقبلاً. ويضم الفريق 19 خبيراً من أوروبا، والولايات المتحدة، حيث يمثلون تخصصات متنوعة تشمل التعلم الآلي، واكتشاف الأدوية، وعلوم الأعصاب، إلى جانب تطوير روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي، وتقييم أدائها في تطبيقات الصحة النفسية.

وقال رئيس الفريق، الدكتور باريس ألكساندروس لالوسيس، من كلية كينغز لندن البريطانية، إن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة، ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين خدمات الصحة النفسية، لكن الاستفادة منه تتطلب توجيهاً علمياً، وتواصلاً فعالاً، وأطراً تنظيمية واضحة، وهي جوانب لا تزال تفتقر إلى التنسيق الكافي.

وأوضح أن الفريق سيعمل على إعداد إطار شامل لتقييم فوائد الذكاء الاصطناعي، ومخاطره، وتقديم توصيات عملية لتوجيه تطوره خلال السنوات المقبلة. تشمل أولوياته رسم خريطة للأنشطة البحثية والتنظيمية في أوروبا، وتحديد الجهات العاملة في المجال، والمؤسسات المسؤولة عن تنظيمه، ما يعزز التعاون، ويدعم الأبحاث والتطبيقات الطبية.

من جانبه، قال الرئيس المشارك للفريق، الدكتور تيم هان، من جامعة مونستر الألمانية، إن الخبراء وضعوا خطة عمل أولية تمتد إلى 3 سنوات، ويعتزمون مناقشتها مع المجتمع العلمي المتخصص في الطب النفسي وعلوم الأعصاب، للاستفادة من ملاحظاته، ومقترحاته. وأضاف أن الفريق يسعى إلى إنشاء إطار أوروبي منسق يعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات، بدلاً من عمل الخبراء بصورة منفصلة، داعياً المتخصصين، سواء كانوا متفائلين بإمكانات الذكاء الاصطناعي، أو متخوفين من مخاطره، إلى المشاركة في النقاشات لبناء رؤية علمية متوازنة.

وأشار هان إلى أن تحديد الأنشطة الجارية في هذا المجال -والمجالات التي يمكن للفريق تقديم إرشادات مؤثرة بشأنها- يمثل أحد أبرز التحديات. ومن المقرر أيضاً بحث إمكانية أداء دور مرجعي لوسائل الإعلام، عبر توفير معلومات موثوقة توضح فرص استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية، ومخاطر هذا الاستخدام.

وعقب إطلاق المبادرة، سيشارك لالوسيس ممثلاً للفريق في مؤتمر بالبرلمان الأوروبي، يناقش التحقق من فعالية تطبيقات «الطب النفسي الدقيق» عبر الحدود، وتنظيم استخدامها، وتطوير مهارات العاملين في القطاع الصحي، وضمان الوصول العادل إلى هذه التقنيات. ويهدف «الطب النفسي الدقيق» إلى تصميم وسائل التشخيص والعلاج وفق الخصائص الفردية لكل مريض، وبالاستناد إلى البيانات السريرية، والبيولوجية، وغيرها من المعلومات، لتحسين دقة القرارات العلاجية، وفعاليتها.

وفي الختام، قال رئيس الكلية الأوروبية لعلم الأدوية النفسية والعصبية، البروفسور أندرياس رايف، إن تأثير الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية سيمتد من البحث العلمي وتقييم عوامل الخطر إلى تطوير العلاجات، متوقعاً أن يغير أيضاً طبيعة التفاعل بين الأطباء

والمرضى.


رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)
متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)
TT

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)
متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة؛ إذ يشكّلون ما بين 25 و30 في المائة من أطقم السفن التجارية في العالم، من ناقلات النفط وسفن نقل البضائع السائبة إلى السفن السياحية، حسب صحيفة «سي إن إن» الأميركية.

لكن هذه المكانة لم تنشأ من فراغ، بل تمتد جذورها إلى قرون مضت، عندما تحولت العاصمة الفلبينية مانيلا إلى مركز رئيسي للتجارة البحرية في عهد الاستعمار الإسباني، وأسهمت طرقها التجارية في تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي المبكر.

واليوم، يستطيع زوار المدينة استكشاف جانب من هذا التاريخ في متحف «موسيو ديل غاليون» (Museo del Galeon)، الذي افتُتح حديثاً داخل مجمع «مول أوف آسيا» التجاري والترفيهي، المطل على بحر الصين الجنوبي.

من صخب التسوق إلى هدوء التاريخ

قد لا يتوقع الزائر العثور على مساحة هادئة تستحضر قروناً من التاريخ البحري وسط هذا المجمع التجاري الضخم، الذي يضم أكثر من 660 متجراً ومطعماً في قسمه الرئيسي وحده.

لكن المتحف يقدم تجربة مختلفة تماماً، فبعد الابتعاد خطوات قليلة عن أجواء التسوق والعروض الموسيقية الحية، يجد الزائر نفسه أمام عالم آخر، تتراجع فيه ضوضاء الحاضر، لتحل محلها حكايات الرحلات البحرية الطويلة والتجارة العابرة للمحيطات.

وتبدأ التجربة من الطابق الأرضي، قبل أن يصعد الزائر بالسلم المتحرك إلى المستوى التالي، حيث تظهر أمامه مقدمة سفينة «غاليون إسبيريتو سانتو»، في مشهد يمنح المكان طابعاً استثنائياً.

سفينة عملاقة تستحضر أمجاد التجارة البحرية

تتمثل أبرز معالم المتحف في مجسّم بالحجم الكامل لسفينة «إسبيريتو سانتو»، التي أبحرت عبر المحيط الهادئ في القرن السابع عشر.

ويبلغ ارتفاع المجسّم نحو 30 متراً، فيما يصل طوله إلى قرابة 40 متراً، ويستقر تحت سقف شاهق تتلألأ فيه النجوم، في محاولة لاستعادة المشهد الذي كان يراه البحارة في أثناء عبور المحيط في رحلاتهم الطويلة.

وتعيد هذه التجربة إحياء أجواء الرحلات التي ربطت مانيلا بمدينة أكابولكو المكسيكية، التي كانت تمثل مركزاً مهماً للتجارة الإسبانية على ساحل المحيط الهادئ.

وعلى متن هذه السفن، كانت تنتقل بضائع آسيوية ثمينة، من الخزف والحرير إلى التوابل، لتُبادل بالفضة القادمة من العالم الجديد.

ولم تكن الرحلة تنتهي عند الساحل المكسيكي؛ إذ كانت البضائع الآسيوية تُنقل براً على ظهور البغال عبر الأراضي المكسيكية إلى ساحل المحيط الأطلسي، حيث تُحمّل على سفن أخرى تتجه بها إلى الأسواق الأوروبية وقصورها.

شبكة تجارية سبقت عصر العولمة

يصف المتحف هذا المسار بأنه واحد من أقدم شبكات التجارة العالمية في التاريخ، في إشارة إلى الدور الذي أدته الرحلات البحرية بين آسيا والأميركتين في ربط اقتصادات ومجتمعات تفصل بينها آلاف الكيلومترات.

وعلى الرغم من أن عدد السفن التي شاركت في هذه الحركة التجارية لم يكن كبيراً نسبياً، فإن حجم نشاطها كان لافتاً؛ إذ يشير المتحف إلى أن 181 سفينة نفذت 798 رحلة على مدى 250 عاماً.

وتكشف الخرائط المعروضة في المتحف عن أوجه تشابه بين طرق الملاحة التاريخية والمسارات التي يسلكها البحارة الفلبينيون في العصر الحديث، وإن كانت قناة بنما قد أحدثت تحولاً كبيراً في حركة النقل البحري، بعدما ألغت الحاجة إلى عبور الأراضي المكسيكية براً للانتقال بين المحيطَيْن الهادئ والأطلسي.

وهكذا، لا يقتصر المتحف على عرض سفينة تاريخية، بل يروي قصة مرحلة مبكرة من الترابط الاقتصادي بين القارات، ويسلط الضوء على البحارة الذين أسهموا في بناء هذه الشبكة التجارية، التي تركت آثارها على حركة التجارة العالمية.


أغذية للحوامل تحد من المغص لدى الرضع

العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما (جامعة ولاية آيوا)
العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما (جامعة ولاية آيوا)
TT

أغذية للحوامل تحد من المغص لدى الرضع

العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما (جامعة ولاية آيوا)
العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما (جامعة ولاية آيوا)

كشفت دراسة أميركية أن اتباع نظام غذائي صحي خلال الحمل، خصوصاً النظام المتوسطي الغني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والدهون الصحية، يرتبط بانخفاض احتمالات إصابة الرضع بالمغص والإكزيما.

ووفق الدراسة التي أجراها باحثون من كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة، ومستشفى بوسطن للأطفال، ومعهد هارفارد بيلغريم للرعاية الصحية، ونُشرت نتائجها الاثنين، بدورية (JAMA Network Open) يُعد مغص الرضع من المشكلات الشائعة خلال الأشهر الأولى بعد الولادة، ويظهر في صورة نوبات متكررة من البكاء الشديد والمطول دون سبب واضح، يصعب خلالها تهدئة الطفل. أما الإكزيما، فهي حالة جلدية التهابية مزمنة تسبب الجفاف والحكة والاحمرار، وقد تظهر خلال مرحلة الرضاعة.

وتشير دراسات سابقة إلى أن الأطفال الذين يعانون المغص خلال الرضاعة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض الحساسية لاحقاً، مثل الربو وحساسية الأنف الموسمية والحساسية الغذائية، خصوصاً إذا تزامن المغص مع الإكزيما. وركزت الدراسة الجديدة على معرفة ما إذا كانت العادات الغذائية للأمهات خلال الحمل ترتبط باحتمالات إصابة أطفالهن بالمغص والإكزيما، بدلاً من التركيز على النظام الغذائي بعد الولادة، كما فعلت معظم الدراسات السابقة. وشملت الدراسة أكثر من 1300 امرأة حامل شاركن في مشروع بحثي، وأكملن استبيانات دورية عن عاداتهن الغذائية. واستخدم الباحثون الإجابات لتقييم جودة النظام الغذائي وفق مقياسين: مؤشر النظام الغذائي المتوسطي، ومؤشر الالتهابات الغذائية.

ويقيس المؤشر الأول مدى الالتزام بنظام غذائي غني بالفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات والدهون الصحية، مع تناول كميات معتدلة من منتجات الألبان والبروتينات قليلة الدهون. أما المؤشر الثاني، فيقيّم مدى اعتماد النظام الغذائي على أطعمة قد تعزز الالتهابات في الجسم، مثل اللحوم الحمراء والمصنعة، والمشروبات المحلاة بالسكر، والأطعمة الغنية بالصوديوم والحبوب المكررة. وجمع الباحثون أيضاً معلومات عن استهلاك الأمهات أطعمة قد تسبب الحساسية لدى بعض الأشخاص، مثل الأسماك والمأكولات البحرية والبيض ومنتجات الألبان والفول السوداني والمكسرات.

وأظهرت النتائج أن 26 في المائة من الأطفال أصيبوا بالمغص خلال الرضاعة، فيما عانى 5 في المائة منهم المغص والإكزيما معاً. وارتبطت كل زيادة بمقدار نقطة واحدة في مؤشر النظام الغذائي المتوسطي بانخفاض احتمالات إصابة الرضع بالحالتين معاً بنسبة 15 في المائة. في المقابل، ارتبطت زيادة نقطة واحدة في مؤشر الالتهابات الغذائية بارتفاع تلك الاحتمالات بنسبة 34 في المائة.

كما ارتبطت زيادة حصة واحدة أسبوعياً من المأكولات البحرية خلال الحمل بانخفاض احتمالات إصابة الرضع بالمغص والإكزيما معاً بنسبة 25 في المائة. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد في تطوير برامج للتغذية والصحة العامة تستهدف الحوامل، بما يدعم صحة الأطفال في مراحلهم المبكرة، وربما يسهم في تقليل احتمالات إصابتهم بأمراض الحساسية لاحقاً.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الدراسة رصدية، أي أنها تكشف عن ارتباط بين النظام الغذائي للأم وصحة الرضيع، لكنها لا تثبت أن اتباع نظام غذائي صحي يمنع المغص والإكزيما بصورة مباشرة. كما ينبغي للحوامل اختيار المأكولات البحرية منخفضة الزئبق وتناولها مطهوة جيداً، وفق الإرشادات الصحية المخصصة لهذه المرحلة. وأضافوا أن الدراسة تسلط الضوء على أهمية التغذية خلال الحمل في صحة الرضع، وتدعم مواصلة البحث في دور النظام الغذائي للأم في الحد من بعض المشكلات الصحية المبكرة.