من هو جوردان بارديلا المرشح الأبرز لليمين المتطرف للرئاسة الفرنسية؟

بعد الحكم القضائي على مارين لوبان ومنعها من الترشح للإليزيه في سباق 2027

رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا... 27 مارس 2025 (أ.ف.ب)
رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا... 27 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

من هو جوردان بارديلا المرشح الأبرز لليمين المتطرف للرئاسة الفرنسية؟

رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا... 27 مارس 2025 (أ.ف.ب)
رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا... 27 مارس 2025 (أ.ف.ب)

مع صدور حكم قضائي، اليوم الاثنين، يمنع زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان من الترشح خمس سنوات للانتخابات الرئاسية الفرنسية وما يعنيه ذلك من أنها لن تتمكن من المنافسة في انتخابات 2027 الرئاسية، والحكم عليها بالسجن أربع سنوات، بات جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمّع الوطني» الذي تتزعمه لوبان، المرشّح الأوفر حظاً للحزب للترشح عام 2027 للمنصب الأعلى في الجمهورية الفرنسية.

فمن هو جوردان بارديلا؟

ولد جوردان بارديلا يوم 13 من شهر سبتمبر (أيلول) عام 1995 في ضاحية درانسي بشمال شرقي العاصمة الفرنسية باريس. وهناك عاش مع والدته ذات الأصول الإيطالية، التي كانت عاملة بسيطة في مدرسة ابتدائية. أما والده فصاحب شركة لتوزيع آلات بيع المشروبات وهو يتحدّر من أصول إيطالية وجزائرية؛ إذ إن أمه - أي جدّة جوردان - راجان مادا ابنة مهاجر جزائري من منطقة القبائل بالجزائر.

النشأة والمسيرة

عاش جوردان بارديلا معظم الوقت مع والدته وجدته بعد طلاق والديه. وتلقى تعليمه في المدارس الخاصّة وحاول الالتحاق بالمعهد العالي للعلوم السياسية «سيانس بو» المرموق بعد حصوله على البكالوريا، غير أنه فشل في مسابقة الدخول مرتين. ومن ثم، أوقف دراسته الجامعية في تخصّص الجغرافيا بعد سنة فقط، ليتفرّغ بصفة نهائية للسياسة من دون أن يحصل على أي شهادة جامعية. والواقع أن رئيس حزب «التجمع الوطني» - الذي هو عملياً الوريث السياسي لحزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف - قد بدأ نشاطه السياسي وهو لا يزال في سن السادسة عشرة. وفي أعقاب التحاقه بصفوف الحزب، تسلّق سلم المسؤوليات بسرعة فائقة؛ إذ اختير بارديلا مساعد نائب في البرلمان عام 2015، ثم عُيّن ناطقاً باسم الحزب بين عامي 2017 و2019.

الصعود السريع

المحطة التالية لجوردان بارديلا تمثلت في دخوله معترك الانتخابات الأوروبية لأول مرة في عام 2019، وفي حينه ما كان يتعدى عمره الثالثة والعشرين. ويومذاك، فاز بمقعد نيابي في البرلمان الأوروبي، ليصبح أصغر نائب في تاريخ البرلمان الأوروبي. وبعد ذلك اختير ليكون نائب رئيسة «التجمع الوطني» مارين لوبان عام 2022، بعدما اضطرت إلى الانسحاب بسبب مشاركتها في الانتخابات الرئاسية. وفي السنة ذاتها، واصل السياسي الشاب الطموح صعوده الصاروخي مع اختياره رئيساً للحزب خلفاً لمارين لوبان ابنة السياسي المخضرم جان ماري لوبان مؤسس حزب «الجبهة الوطنية» وعميده.

رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب «التجمع الوطني» مارين لوبان تتحدث إلى رئيس الحزب وعضو البرلمان الأوروبي جوردان بارديلا خلال الندوة البرلمانية للحزب في الجمعية الوطنية الفرنسية... باريس 14 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

الورقة الرابحة لليمين المتطرف

أكدت تقارير صحافية عدة أن قرار اختيار جوردان بارديلا رئيساً لـ«التجمع الوطني» كان نابعاً من مارين لوبان نفسها. ذلك أن الرئيسة السابقة للحزب اليميني المتطرف معجبة جداً بطموح هذا الشاب وذكائه، حتى إنها لم تتردّد في وصفه بـ«الحيوان السياسي» حين سألها أحد الصحافيين عن رأيها فيه.

وأيضاً، في مناسبات عدة ظهرت لوبان وهي تعامل «تلميذها» كالأم الحنون؛ إذ شوهدت، مثلاً، في تحقيق تلفزيوني وهي تنصحه بتناول السكّريات قبل انطلاق المؤتمر لشحن الطاقة، أو وهي تمازحه بينما يتمرّن على الخطاب الذي سيلقيه.

بل إنها، حسب شهادة الصحافي بيار ستيفان فور في كتابه «البديل الكبير... أو الوجه الخفي لبارديلا»، كانت قد سجلّته في هاتفها الجوال تحت اسم «الليث الصغير» ثم «الأسد» بعد فوزه في انتخابات عام 2019. وأضاف المصدر نفسه القول إن العلاقة التي تجمع بين الاثنين هي بمثابة «علبة سوداء» فيها، بالتأكيد، شيء من العاطفة، لكنها تظل مسألة «مصلحة سياسية مشتركة» قبل كل شيء. وتابع المصدر بأن كلاً من لوبان وبارديلا يحتاج إلى الآخر... وكلاهما يكمل الآخر. فهو نجح في الوصول إلى شرائح ناخبين كانت هي قد فشلت في الوصول إليها كالناخبين الشباب وأبناء الطبقة المتوسطة وسكان الضواحي... وفي الوقت عينه، تظل هي زعيمة الحزب ولا يمر قرار إلا بموافقتها. ولكن النقطة الأهم، على الإطلاق، هي أن مارين لوبان أيقنت أن «تلميذها الشاطر» صار الورقة الرابحة التي قد توصلها إلى حلم حياتها... ألا وهو قصر «الإليزيه» مقر الرئاسة الفرنسية.

مرحلة الرعاية والتأهيل!

بناءً على ما سبق؛ وجدت مارين لوبان أنه كان من الضروري الاهتمام ببارديلا؛ كونه ورقتها الحزبية الرابحة. وبالفعل، خُصصت دورات تدريبية للقيادي الشاب منذ عام 2018 ولمدة أربع سنوات، ولا سيما في مجالات التواصل السياسي والتعامل مع وسائل الإعلام. وهنا نقرأ في مقال نشرته صحيفة «الليبراسيون» ما يلي: «لقد تلقى جوردان بارديلا تدريباً منتظماً في كيفية الحصول على الابتسامة المثالية، وكيفية التكلم أو مراوغة الصحافيين لدى الرد على أسئلتهم. ثم أنه كان يحضّر أسبوعيّاً بمساعدة فريق خاص كلّ الأسئلة التي يمكن أن تُطرح عليه وأفضل الأجوبة الممكنة ويحفظها عن ظهر قلب. ويمكن أن نقول إنه ببساطة (منتج تسويق سياسي) جرى تحضيره وتدريبه والدعاية له كي يحقق الفوز». ولم ينس كاتب المقال أن ينقل أيضاً عبارة باسكال أومو، خبير العلاقات السياسية الذي أوكلت إليه مهمة تدريب بارديلا؛ إذ قال: «كانت مهمتي أن أجعل منه فاشياً لطيفاً».

زعيم «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا يتحدث خلال مؤتمر حول معاداة السامية في القدس... 27 مارس 2025 (أ.ف.ب)

نجم «تيك توك»

من جهة ثانية، فإن الوجه الجديد لبارديلا، الذي يجسّد اليمين المتطرف يختلف تماماً عما تعود عليه الفرنسيون. ذلك أن الرجل؛ أولاً ليس من عائلة لوبان. وهو أيضاً بحكم شبابه بعيد كل البعد عن حقبة «الشيطنة» التي عرفها الحزب مع مؤسّسه جان ماري لوبان، المعروف بمواقفه العنصرية المتطرفة. فقد انضم بارديلا إلى الحزب وهو لا يزال في السادسة عشرة من العمر، أي في ذروة المنعطف الذي تبنّاه حزب «الجبهة الوطنية» ابتداءً من عام 2015... أولاً بتغيير الاسم إلى «التجمع الوطني» والتخلّص من جان ماري لوبان، الذي صار عبئاً ثقيلاً على الحزب، ثم انتهاج طريق أكثر سلاسة ومرونة.

وعلى الرغم من أن وصول مارين، ابنة لوبان المؤسس، لرئاسة الحزب فتح للحزب وتياره السياسي آفاقاً جديدة، فإن ماضيها العائلي ظل يعرقل مسيرة الفوز بالانتخابات الرئاسية، إلى أن أخذت الأمور تتغير أخيراً مع الشعبية المتصاعدة للسياسي الشاب.

مما لا شك فيه أن بارديلا يتمتع بـ«كاريزما» لافتة، وهو شاب وسيم ومهذّب، يجيب عن أسئلة الصحافيين بهدوء ومن دون أي عصبية إلى درجة تذكّر بنجوم «سينما الخمسينات» في أناقته الكلاسيكية. وللعلم، دخل بارديلا في قائمة «الشخصيات الخمسين الأكثر شعبية في فرنسا»، حسب الدراسة السنوية التي تنشرها مجلة «جي دي دي»، مع أنه الشخصية السياسية الوحيدة في هذه القائمة. وبالتوازي مع هذا الواقع، يحظى القيادي الشاب بشعبية واسعة في منصات التواصل الاجتماعي، وبالأخص «تيك توك»، حيث يتابعه أكثر من مليون و300 ألف شخص معظمهم من الشباب، ولعل في ذلك ما يفسر ارتفاع نسبة الناخبين من الشباب خلال الاستحقاق الانتخابي الأخير... وهي سابقة في تاريخ اليمين المتطرف.

بارديلا... ليس «كوزيت»

استطراداً، في عدد خاص بمجلة «لوبوان» بعنوان «جوردان بارديلا الحقيقي»، كتب أحد صحافييها ما يلي: «منذ البداية قدّم التجمع الوطني نجمه الساطع جوردان بارديلا على أنه شاب عصامي من أصول بسيطة، كوّن نفسه بنفسه، إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً. فوالده الذي كان يقيم عنده في نهاية كل أسبوع صاحب شركة مزدهرة، ويسكن أحياء الضواحي الراقية ويصطحب ابنه في عطلة الصيف إلى مدينة ميامي الأميركية».

وواصل الصحافي: «بارديلا لم يكن (كوزيت) (الشخصية الروائية في مسلسل الصور المتحركة المقتبس يابانياً عن رواية /البؤساء/ الشهيرة)، كما يريد أن يقدم نفسه للناخبين. وهو وإن كان يعيش في الضواحي فإنه كان بعيداً عن الأحياء الفقيرة التي يقطنها المهاجرون، الذين لم يختلط بهم، ولم يجرّب العمل في الإدارة ولا في قطاع الصناعة، كما لم يعرف البطالة؛ لأنه فضّل احتراف السياسة ورواتب كوادرها المرتفعة».

طموح وانتهازية

وحقاً، حين وصل بارديلا إلى حزب «التجمع الوطني» تبّنى استراتيجية انتهازية تتمثل في الاقتراب من دوائر النفوذ للحصول على امتيازات، وبالأخص من عائلة لوبان.

في البداية، كان قريباً من فريديرك شاتيون، زعيم مجموعة اتحاد الدفاع (الغود)، وهي منظمة راديكالية تُعرف بميولها النازية والعنصرية ودعواتها للعنف، حيث واعد لمدة سنتين ابنته كيريدوان شاتيون، المنخرطة في صفوف المنظمة نفسها. ومن ثم يقول أورليان لوغران، أحد أصدقائه السابقين لصحيفة «نوفل أوبزرفاتور» في لقاء معه: «كل شيء بدأ بالنسبة لجوردان حين شاهدته مارين لوبان وهو يتأبطّ ذراع كيريدوان ابنة صديق الطفولة فريديك... وقتها أحسّت بأنه شخص جدير بالثقة وسمحت له بالدخول في دائرة الحاشية المقرّبة».

بعدها، طموح السياسي الشاب دفعه إلى محاولة الاقتراب أكثر من لوبان، وهو ما نجح فيه فعلاً حين أصبح عضواً في عائلة لوبان، مع دخوله حياة ومن ثم مصادقته نولوين أولفييه (حفيدة جان ماري لوبان وابنة ماري كارولين أخت مارين وفيليب أولفييه العضو البارز في الحزب ومستشار مارين). في المقابل، قصّة صعود بارديلا هي أيضاً قصّة خيانات، أهمها قضية تخلّيه عن صديقه فلوريان فيليبو، العضو السابق في المكتب السياسي الذي كان يمثل «الجناح اليساري» في الحزب. إذ حمل بارديلا معه مشاريع إصلاحية للضواحي تستهدف مجال التربية والسكن والشغل، لكن عندما أقدمت مارين لوبان على عزل فيليبو بسبب خلافات داخلية، كان بارديلا أول من يتخلّى عن صديقه. وجدت مارين لوبان أنه كان من الضروري الاهتمام ببارديلا كونه ورقتها الحزبية الرابحة. وبالفعل خصّصت له دورات تدريبية منذ عام 2018 لمدة 4 سنوات.


مقالات ذات صلة

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

آسيا جنود كوريون جنوبيون يقومون بدورية قرب المنطقة منزوعة السلاح في باجو بكوريا الجنوبية يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

زرعت كوريا الشمالية نحو 960 ألف لغم أرضي على طول حدودها مع كوريا الجنوبية منذ عام 2024، وفقاً لتقديرات الجيش الكوري الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا متظاهر يلتف بالعلم الإسباني خلال احتجاج أمام البرلمان في مدريد على أزمة الهجرة في سبتة يوم 2 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أزمة الهجرة في سبتة تزيد الضغوط على سانشيز قبل الانتخابات الإسبانية

تُعزّز أزمة الهجرة في سبتة التأييد لليمين قبل الانتخابات الإسبانية، وتضغط على رئيس الحكومة، فيما يسعى اليسار لتركيز النقاش على الإسكان والحقوق الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق نسرين سكيك (إنستغرام)

من غزة إلى العالم... طفلة فلسطينية تصل إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي

تأهلت الطفلة الفلسطينية نسرين سكيك إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي (Digital Creator Awards) لعام 2026، ضمن قائمة تضم ثمانية متنافسين، فماذا تعرف عنها؟

يسرا سلامة (القاهرة)
أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز) p-circle

بريطانيا تعتقل شخصين مجدداً للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية بواقعة فيرفورد

أعادت الشرطة البريطانية توقيف رجلين للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية، ضمن تحقيق في واقعة بقاعدة فيرفورد الجوية الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

يهاجم حزب «التجمع الوطني» الحكومة واليسار بعد عنف الاحتجاجات، مقدّماً نفسه ضامناً للنظام قبيل انتخابات الرئاسة الفرنسية، وسط تحذيرات من استفادته انتخابياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.