أبوّة إيلون ماسك... 13 ولداً واتّهاماتٌ بالإهمال والاستغلال

الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
TT

أبوّة إيلون ماسك... 13 ولداً واتّهاماتٌ بالإهمال والاستغلال

الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)

مَن يراقب أسلوب إيلون ماسك في تربية أولاده الـ12 وتعامله معهم، ستراوده حتماً تساؤلاتٌ كثيرة. فكيف لوالدٍ يصطحب ابنه إلى مكتب دونالد ترمب في البيت الأبيض، أن يمضي شهوراً بعيداً عن ابنه الآخر الحديث الولادة؟ وكيف لأبٍ يضمّ أطفاله إلى اجتماعاتٍ مع كبار الشخصيات، أن يُهمل صحة أحد أولاده الآخرين؟

نظريّات الأبوّة الخاصة بالملياردير الأميركي خارجة عن المألوف. هو أوّلاً من دعاة الإكثار في الإنجاب خوفاً من الانقراض البشريّ. أما في التربية فهو من مناصري التعليم غير التقليديّ، و«الأقرب إلى ألعاب الفيديو»، وفق تعبيره. كما أنه اشتُهر باصطحاب أولاده إلى مقر عمله واجتماعاته الرسمية، وتَعريضهم لعدسات الكاميرا وعيون الصحافة.

سلبَ إكس الأنظار من والده إيلون ماسك والرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

شجرة عائلية شائكة

أنجب إيلون ماسك 13 ولداً من 4 نساءٍ حتى الآن. توفّي ابنُه البكر نيفادا أليكساندر عام 2002 قبل أن يبلغ شهره الرابع، بسبب مرضٍ قاتل يصيب الرضّع. مستعيناً بتقنيّة التلقيح الصناعي، عاد ورُزق عام 2004 من زوجته السابقة الكاتبة جوستين ويلسن بالتوأم فيفيان وغريفين، ثم بـ3 توائم هم: كاي، وساكسون، وداميان المولودين عام 2006.

بين فيفيان وماسك العلاقة مقطوعة على خلفيّة تحوّلها جنسياً من ذكر إلى أنثى. في مقابلةٍ متلفزة عام 2024، أعلن ماسك أنه خسر ابنه، ذاهباً إلى حدّ القول إنه ميت بالنسبة إليه. جاء الردّ من فيفيان عبر منصة «ثريدز»، حيث كتبت: «هو لا يعرف حتى كيف كنت خلال طفولتي؛ لأنه لم يكن هنا ببساطة. وفي الوقت القليل الذي كان يوجد فيه، لطالما عيّرني بأنوثتي».

ابنة إيلون ماسك فيفيان وهي متحوّلة جنسياً (إنستغرام)

أما غريفين فبعيدٌ نسبياً عن الأنظار، إلا أنه ظهر برفقة والده وأشقّائه خلال لقاءٍ مع البابا فرنسيس في الفاتيكان عام 2022. فيما يُعرف عن داميان أنه عبقريّ في العزف على البيانو.

ماسك في لقاء مع البابا فرنسيس عام 2022 برفقة أبنائه غريفين وكاي وساكسون وداميان (إكس)

بفارق 20 عاماً تقريباً عن الدفعة الأولى من أولاده، أنجب ماسك عام 2020 ابنه السابع إكس من المغنية الكنديّة غرايمز. وكرّت السبحة خلال الأعوام الأربعة المنصرمة، حيث تضخّمت عائلة ماسك وباتت تضمّ 7 أطفالٍ تتراوح أعمارهم ما بين 5 أشهر و5 سنوات. ووفق المعلومات المتداولة، فإنّ بعضَهم أُنجب بواسطة التلقيح الصناعي أو الأرحام البديلة.

إيلون ماسك وابنه إكس عام 2020 (إكس)

أبٌ متقاعس؟

ما عاد خافياً على أحد أنّ إكس هو ابن ماسك المفضّل، والذي يكاد لا ينزل عن كتفَي والده. مع العلم بأنّ له شقيقَين هما إكسا دارك سيديرال وتكنو ميكانيكوس. وقد علا صوت الوالدة غرايمز مؤخراً متهمةً شريكها السابق بإهمال صحة أحدهما.

غرايمز التي كشفت عن أنها أمضت 5 أشهر من دون رؤية أحد أطفالها، من المرجّح أنه إكس، كانت قد رفعت دعوى حضانة ضد ماسك. وفي الرسائل التي وجّهتها إليه عبر منصة «إكس»، رجته أن يتجاوب مع أزمة ولدهما الصحية، محذّرةً من أنه وإن لم يردّ فربما يصاب الطفل باعتلالٍ مدى الحياة، من دون إعطاء تفاصيل عن الحالة المرضيّة.

منشور للمغنية غرايمز يُظهرها وطفلتها إكسا عام 2023 (إكس)

الحبّة الـ13 في عنقود نسل ماسك طفلٌ من الكاتبة والمؤثّرة الأميركية المحافظة آشلي سان كلير. يُعرّف الولد بحرف اسمه «ر» وحرفَي عائلة والدته «س ك» (RSC).

بين سان كلير (26 سنة) وماسك (53 سنة) دعوى حضانة كذلك، رفعتها الأم التي أنجبت طفلها في سبتمبر (أيلول) 2024. ووفق ما كشفت، فإنّ ماسك كان غائباً عن الولادة، وهو لم يلتقِ بطفله سوى 3 مرات منذ ولادته؛ دام اللقاء الأول ساعتَين، والثاني ساعة فيما اقتصر الثالث على 30 دقيقة.

حوار بين إيلون ماسك ووالدة طفله الـ13 (إكس)

نشرت سان كلير حواراً بينها وبين ماسك يُثبت عدم انخراطه في متابعة شؤون المولود الجديد وبُعده عنه. وقد أثارت تلك القضية، إلى جانب نداءات الاستغاثة التي وجّهتها غرايمز بشأن ولدهما المريض، حفيظة مجموعة من مستخدمي منصة «إكس» الذين اتهموا ماسك بأنه «أب متقاعس».

لم يسلم ماسك من تلك التهمة حتى من والده، الذي قال إنّ ابنَه ليس أباً جيّداً. وفي برنامج بودكاست عُرض مؤخراً، انتقدَ إيرول ماسك أسلوب ابنه في التربية، معتبراً أنّ كثرة المال والمُربّيات انعكست سلباً على أحفاده.

داميان ماسك عازف بيانو بارع وفق شهادتَي أستاذه وجدّته (إنستغرام)

مدرسة ماسك الخاصة

لم يكن إيلون ماسك راضياً عمّا يتلقّى أولاده من تعليمٍ في المدرسة، فسحبَهم منها عام 2014. سارع للغاية إلى تأسيس مدرسة في تكساس أطلق عليها «اد أسترا» (نحو النجوم باللغة اللاتينية)، تحوّلت لاحقاً إلى «أسترا نوفا سكول».

المدرسة التي تعتمد التدريس عن بُعد، اقتصر تلاميذها بدايةً على أولاد ماسك وأبناء الموظفين في شركته «سبيس إكس». لكنها الآن باتت تستوعب طلّاباً من كافة أنحاء العالم وفي كل المراحل. ووفق مجلّة «فورتشن»، فإنّ ماسك يخطّط مع شركائه لتحويل «أسترا نوفا» إلى جامعة.

في مدرسة ماسك يمكن للطلّاب أن يستريحوا من هاجس الدرجات، كما أنهم لا يتلقّون دروساً في اللغات الأجنبية ولا الموسيقى. يعتمد البرنامج التربوي بشكلٍ أساسي على تحفيز التلاميذ على التفكير، واتخاذ القرارات، والتعاون، والاستكشاف، وإيجاد حلول لمشكلاتٍ واقعيّة.

إيلون ماسك مفتتحاً حفل التخرّج في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 2012 (أ.ب)

أبناء ماسك والعمالة المبكرة

عندما أطلّ إكس ماسك من المكتب البيضاويّ قبل أسابيع سالباً الأضواء من والده ومن دونالد ترمب، لم يَرُق الأمر لوالدته غرايمز التي انزعجت من عرضه أمام الرأي العام بهذا الشكل.

وقد انقسمت الآراء بشأن تلك الإطلالة؛ إذ رأى فيها البعض مشهداً لطيفاً وأباً عصرياً وقريباً من أولاده. فيما اعتبر خبراء إعلام وتواصل أنّ ما فعله ماسك بإحضار طفله إلى مؤتمره في البيت الأبيض، ليس سوى استراتيجية استغلالية هدفُها إظهار جانبه الإنساني، وإلهاء الأميركيين عن المخاطر التي تتهدّد الديمقراطية في بلادهم.

رأى بعض المحللين في اصطحاب ماسك ابنه إلى البيت الأبيض استراتيجية إلهاء واستغلال (رويترز)

لم تكن تلك المرة الأولى التي يحوّل فيها ماسك لقاءً سياسياً من الطراز الرفيع إلى مناسبة عائلية. بفارق أيامٍ عن ظهور إكس في البيت الأبيض، كان قد حضر إلى جانب والده في اجتماعٍ مع رئيس حكومة الهند ناريندرا مودي في واشنطن. ولم يقتصر الحضور العائلي على الأب وابنه؛ إذ شارك في اللقاء التوأم أزور وسترايدر، وهما ولدا ماسك من شيفون زيليس التي كانت حاضرة كذلك.

وتُعدّ زيليس الأقرب إلى ماسك من بين شريكاته، وهي تشغل منصب مديرة شركته «نيورالينك». إلى جانب التوأم المولود عام 2021، أصبحت زيليس أماً لولدٍ ثالث من ماسك عام 2024.

قدّم رئيس الحكومة الهندية كتباً إلى أبناء ماسك خلال لقائهم في واشنطن (إكس)

غالباً ما يُنتقَد ماسك على اصطحاب أولاده إلى مقرّ عمله ومؤتمراته والمناسبات الرسمية التي يشارك فيها. وهذا سلوكٌ معروفٌ عنه منذ بداياته في مجال الأعمال، ما قبل انتقاله إلى عالم السياسة. ذهب البعض إلى حدّ القول إنه يعاملهم وكأنهم جزء من عدّة العمل ووسيلة للتسويق والبروباغندا.

إيلون وإكس ماسك في نيويورك عام 2023 مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (وكالة الأناضول)

بيتٌ للعائلة بـ35 مليون دولار

يؤكد والتر إيزاكسون، كاتب سيرة إيلون ماسك، أن الأخير «مهووسٌ بأولاده»؛ ومن هذا المنطلق فهو يحب أن يكون محاطاً بهم. لعلّه لتلك الغاية ابتاع مجمّعاً سكنياً يمتدّ على مساحة 1400 متر مربع على إحدى تلال تكساس، وهو بمثابة منزلٍ للعائلة. بلغت كلفة العقار الذي يضمّ منازل كثيرة 35 مليون دولار، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

ربما أراد ماسك من خلال مشروعه هذا أن يجهّز الأرضيّة لمزيدٍ من النسل. هو الذي يعتبر «الإنجاب حاجة وطنية طارئة»، يبقى عليه أن يجد مساحةً ضمن جدول مواعيده لكل ما أنجبَ، ويريد أن ينجب من أولاد.


مقالات ذات صلة

تقرير: مسؤول أميركي يحقق أرباحاً من بيع أسهم في شركة «إكس إيه آي» بعد توقيع البنتاغون اتفاقاً معها

الولايات المتحدة​ صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

تقرير: مسؤول أميركي يحقق أرباحاً من بيع أسهم في شركة «إكس إيه آي» بعد توقيع البنتاغون اتفاقاً معها

حقق مسؤول في وزارة الحرب الأميركية، يُشرف على جهود الوزارة في مجال الذكاء الاصطناعي، ربحاً يصل إلى 24 مليون دولار من أسهم كان يملكها في شركة «إكس إيه آي».

تكنولوجيا تدمج الشركة «غروك» داخل وظائف يومية في المنصة وليس فقط بوصفه روبوت محادثة منفصلاً (أ.ف.ب)

«إكس» توسّع استخدام «غروك» بترجمة المنشورات وتعديل الصور

«إكس» تدمج «غروك» في ترجمة المنشورات وتحرير الصور في خطوة توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنصة وتثير أسئلة حول الدقة.

نسيم رمضان (لندن)
شؤون إقليمية لقاء سابق بين الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي ناريندرا ‌مودي (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

ذكرت ​صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ‌إيلون ‌ماسك ​شارك ‌في ⁠مكالمة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي، الثلاثاء؛ ​لمناقشة ‌حرب ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز) p-circle

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، بادرت «إكس» بتسليم المفوضية الأوروبية تصورها لتعديلات جوهرية على المنصة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».


صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
TT

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)
الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

تعود الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالاً إلى إحدى أكثر اللحظات اللبنانية احتداماً، عبر كتابها «دور الصحافة اللبنانية عشية حرب لبنان» الصادر عن «دار سائر المشرق»، فتستعيد مرحلة كان الكلام فيها يسبق الرصاص أحياناً، ويواكبه أحياناً أخرى، بينما كانت البلاد تمضي بخُطى متسارعة نحو الانفجار الكبير. وتكتسب هذه العودة معناها الإضافي في شهر ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية تاريخ 13 أبريل (نيسان) 1975، بما يُحرّك تساؤلات الذاكرة، والعِبرة، والخوف من تكرار المآسي.

صفحات لم تكتفِ برصد اللحظة فلامست ما كان يتشكّل في الخفاء (بسكال عازار شلالا)

يستوقف الكتاب قارئه منذ فكرته الأولى. فهو لا يحدّ وظيفة الصحافة بالتدوين اليومي للأحداث، وإنما يضعها في متن التاريخ اللبناني الحديث، ويراها مساحة التقطت تصدّعات المجتمع، وعاينت انقساماته، وواكبت تبدُّل أفكاره، وعكست صراعاته السياسية، والطائفية، والثقافية. فمنذ نشأتها، احتلَّت الصحافة اللبنانية مكانة خاصة في المحيط العربي، فشكَّلت منبراً للأفكار، والآراء، والرسائل العابرة للحدود، ومقصداً للكتّاب، والمفكرين، والسياسيين، ومسرحاً واسعاً لنقاشات كانت تتجاوز لبنان إلى المنطقة.

ولا يبدو اختيار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية، لأنّ المادة التي يتناولها الكتاب تقع عند تقاطُع التاريخ، والإعلام، والسياسة، والمجتمع، وتتداخل فيها الوقائع مع الانفعالات، والطرح مع مساراته. وهذا ما يظهر في سعيها إلى مُساءلة دور الصحافة عشية الحرب، بعيداً عن الأحكام السريعة، والاتّهام المُعلَّب الذي يضع الإعلام وحده في قفص المسؤولية، كأنّ الخراب وُلد من عنوان عريض، أو افتتاحية نارية فقط.

بين السطور... بلدٌ كتب قلقه قبل أن يشهد عليه (أ.ف.ب)

يستحضر الكتاب الخلفية التي راكمت الشروخ اللبنانية على امتداد عقود. فقيام «لبنان الكبير» لم يأتِ على أرض مُتجانسة الرؤية إلى الكيان، والهوية، إذ نشأ خلاف عميق بين تصوّرين للوطن، أحدهما رأى في الكيان تتويجاً لتجربة تاريخية، والآخر نظر إليه على أنه خسارة سياسية، وانفصال عن امتداد عربي أوسع. ثم جاء «الميثاق الوطني» ليُجمِّد هذا التناقض من دون أن يقضي عليه، قبل أن تعود التصدّعات إلى الظهور مع التحوّلات الإقليمية، وصعود الناصرية، وأزمة 1958، ثم مع تعاظُم مسألة المشاركة في الحكم، وتبدُّل موازين القوى، ودخول العامل الفلسطيني المُسلَّح إلى المشهد اللبناني.

على هوامش الجرائد... كان القلق يُصاغُ عناوينَ قبل أن يصير واقعاً (أ.ف.ب)

يسرد الكتاب هذه الخلفيات، ويربطها بكيفية تصرُّف الصحافة اللبنانية وسط المناخ المشحون. وعبر شهادات سياسيين، وإعلاميين، وقارئين لتاريخ لبنان، يُجيب على أسئلة من بينها اثنان محوريان: هل حفظت الصحافة مسافةً من النار؟ أم اقتربت منها أكثر ممّا ينبغي؟ وهل كانت صفحات الجرائد مرآة لأزمة تتكوَّن في الشارع؟ أم تحوّلت في بعض اللحظات إلى شريك في رفع الحرارة العامة؟ ذلك يتيح تقدُّم أهمية العمل، لأنه لا يقرأ الصحافة من موقع التمجيد، ولا من موقع الإدانة المُسبقة. يقرأها من موقع الفحص المُتروّي لِما كتبته، وكيف؟ وفي أيّ سياق؟

وتزداد هذه المقاربة أهمية حين نستعيد صورة تلك المرحلة كما يرسمها الكتاب، عبر مشهديات التعبئة السياسية الشعبية الواسعة، والتعبئة الإعلامية، والآيديولوجية في موازاتها، وسط خطاب تصادمي مُتشنّج، ومنشورات حزبية موجَّهة، وتصاعُد في نفوذ الأحزاب الراديكالية، والمنظّمات الفلسطينية على المستويات الإعلامية، والسياسية، والعسكرية. أمام هذا المناخ، راحت اللغة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً، وصار التخاطُب العام أكثر قسوة، وحدّةً، فيما كانت الدولة تتراجع، والجيش يُحاصَر بالشكوك، والانقسامات، ويعجز عن الإمساك بالشارع قبل أن ينفلت نهائياً.

صفحات تُمسك بلحظة كان فيها الكلام أقرب إلى ما سيأتي (أ.ب)

لهذا يبدو الكتاب أكثر من دراسة عن الصحافة. إنه قراءة في اللحظة التي يمكن أن يتحوّل فيها الكلام إلى أداة اصطفاف حادّ، وتفقد المفردات دورها في الشرح، والتقريب، لتصبح جزءاً من التعبئة النفسية، والمعنوية. وهذه مسألة تمسّ اللبنانيين اليوم أيضاً، بعدما عرف بلدهم حروباً متتالية، وخرج من جراح ليدخل في أخرى، وعاد في السنوات الأخيرة إلى اختبار القلق نفسه، وإنْ تبدّلت الوجوه، والعناوين، والساحات. من هنا يلامس الكتاب حساسيةً راهنة، لأنه يؤكّد أنّ المجتمعات المُتعَبة لا تنفجر من فراغ، وإنما تصل إلى حافة الهاوية عبر تراكُم طويل من الانقسامات، والخطابات المشحونة، والعجز عن إنتاج مساحة مشتركة.

اختارت شلالا أن تبني بحثها على رصد يومي يمتد سنةً كاملة، من 13 أبريل 1974 إلى 13 أبريل 1975، مُتتبعةً افتتاحيات، ومانشيتات 5 صحف هي: «النهار»، و«العمل»، و«النداء»، و«المحرّر»، و«السفير». وهذه المنهجية تمنح الكتاب ثقله الفعلي، لأنها تنقل النقاش من العموميات إلى المتابعة الدقيقة، وتتيح مقاربة الخطاب الصحافي كما تشكَّل يوماً بعد يوم على إيقاع الأحداث المُتلاحقة، لا كما يُدوَّن لاحقاً تحت ضغط الذاكرة، أو الانطباع الشخصي.