أبوّة إيلون ماسك... 13 ولداً واتّهاماتٌ بالإهمال والاستغلال

الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
TT

أبوّة إيلون ماسك... 13 ولداً واتّهاماتٌ بالإهمال والاستغلال

الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك أبٌ لـ13 ولداً يثير علامات استفهام حول أسلوب تربيتهم (إكس)

مَن يراقب أسلوب إيلون ماسك في تربية أولاده الـ12 وتعامله معهم، ستراوده حتماً تساؤلاتٌ كثيرة. فكيف لوالدٍ يصطحب ابنه إلى مكتب دونالد ترمب في البيت الأبيض، أن يمضي شهوراً بعيداً عن ابنه الآخر الحديث الولادة؟ وكيف لأبٍ يضمّ أطفاله إلى اجتماعاتٍ مع كبار الشخصيات، أن يُهمل صحة أحد أولاده الآخرين؟

نظريّات الأبوّة الخاصة بالملياردير الأميركي خارجة عن المألوف. هو أوّلاً من دعاة الإكثار في الإنجاب خوفاً من الانقراض البشريّ. أما في التربية فهو من مناصري التعليم غير التقليديّ، و«الأقرب إلى ألعاب الفيديو»، وفق تعبيره. كما أنه اشتُهر باصطحاب أولاده إلى مقر عمله واجتماعاته الرسمية، وتَعريضهم لعدسات الكاميرا وعيون الصحافة.

سلبَ إكس الأنظار من والده إيلون ماسك والرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

شجرة عائلية شائكة

أنجب إيلون ماسك 13 ولداً من 4 نساءٍ حتى الآن. توفّي ابنُه البكر نيفادا أليكساندر عام 2002 قبل أن يبلغ شهره الرابع، بسبب مرضٍ قاتل يصيب الرضّع. مستعيناً بتقنيّة التلقيح الصناعي، عاد ورُزق عام 2004 من زوجته السابقة الكاتبة جوستين ويلسن بالتوأم فيفيان وغريفين، ثم بـ3 توائم هم: كاي، وساكسون، وداميان المولودين عام 2006.

بين فيفيان وماسك العلاقة مقطوعة على خلفيّة تحوّلها جنسياً من ذكر إلى أنثى. في مقابلةٍ متلفزة عام 2024، أعلن ماسك أنه خسر ابنه، ذاهباً إلى حدّ القول إنه ميت بالنسبة إليه. جاء الردّ من فيفيان عبر منصة «ثريدز»، حيث كتبت: «هو لا يعرف حتى كيف كنت خلال طفولتي؛ لأنه لم يكن هنا ببساطة. وفي الوقت القليل الذي كان يوجد فيه، لطالما عيّرني بأنوثتي».

ابنة إيلون ماسك فيفيان وهي متحوّلة جنسياً (إنستغرام)

أما غريفين فبعيدٌ نسبياً عن الأنظار، إلا أنه ظهر برفقة والده وأشقّائه خلال لقاءٍ مع البابا فرنسيس في الفاتيكان عام 2022. فيما يُعرف عن داميان أنه عبقريّ في العزف على البيانو.

ماسك في لقاء مع البابا فرنسيس عام 2022 برفقة أبنائه غريفين وكاي وساكسون وداميان (إكس)

بفارق 20 عاماً تقريباً عن الدفعة الأولى من أولاده، أنجب ماسك عام 2020 ابنه السابع إكس من المغنية الكنديّة غرايمز. وكرّت السبحة خلال الأعوام الأربعة المنصرمة، حيث تضخّمت عائلة ماسك وباتت تضمّ 7 أطفالٍ تتراوح أعمارهم ما بين 5 أشهر و5 سنوات. ووفق المعلومات المتداولة، فإنّ بعضَهم أُنجب بواسطة التلقيح الصناعي أو الأرحام البديلة.

إيلون ماسك وابنه إكس عام 2020 (إكس)

أبٌ متقاعس؟

ما عاد خافياً على أحد أنّ إكس هو ابن ماسك المفضّل، والذي يكاد لا ينزل عن كتفَي والده. مع العلم بأنّ له شقيقَين هما إكسا دارك سيديرال وتكنو ميكانيكوس. وقد علا صوت الوالدة غرايمز مؤخراً متهمةً شريكها السابق بإهمال صحة أحدهما.

غرايمز التي كشفت عن أنها أمضت 5 أشهر من دون رؤية أحد أطفالها، من المرجّح أنه إكس، كانت قد رفعت دعوى حضانة ضد ماسك. وفي الرسائل التي وجّهتها إليه عبر منصة «إكس»، رجته أن يتجاوب مع أزمة ولدهما الصحية، محذّرةً من أنه وإن لم يردّ فربما يصاب الطفل باعتلالٍ مدى الحياة، من دون إعطاء تفاصيل عن الحالة المرضيّة.

منشور للمغنية غرايمز يُظهرها وطفلتها إكسا عام 2023 (إكس)

الحبّة الـ13 في عنقود نسل ماسك طفلٌ من الكاتبة والمؤثّرة الأميركية المحافظة آشلي سان كلير. يُعرّف الولد بحرف اسمه «ر» وحرفَي عائلة والدته «س ك» (RSC).

بين سان كلير (26 سنة) وماسك (53 سنة) دعوى حضانة كذلك، رفعتها الأم التي أنجبت طفلها في سبتمبر (أيلول) 2024. ووفق ما كشفت، فإنّ ماسك كان غائباً عن الولادة، وهو لم يلتقِ بطفله سوى 3 مرات منذ ولادته؛ دام اللقاء الأول ساعتَين، والثاني ساعة فيما اقتصر الثالث على 30 دقيقة.

حوار بين إيلون ماسك ووالدة طفله الـ13 (إكس)

نشرت سان كلير حواراً بينها وبين ماسك يُثبت عدم انخراطه في متابعة شؤون المولود الجديد وبُعده عنه. وقد أثارت تلك القضية، إلى جانب نداءات الاستغاثة التي وجّهتها غرايمز بشأن ولدهما المريض، حفيظة مجموعة من مستخدمي منصة «إكس» الذين اتهموا ماسك بأنه «أب متقاعس».

لم يسلم ماسك من تلك التهمة حتى من والده، الذي قال إنّ ابنَه ليس أباً جيّداً. وفي برنامج بودكاست عُرض مؤخراً، انتقدَ إيرول ماسك أسلوب ابنه في التربية، معتبراً أنّ كثرة المال والمُربّيات انعكست سلباً على أحفاده.

داميان ماسك عازف بيانو بارع وفق شهادتَي أستاذه وجدّته (إنستغرام)

مدرسة ماسك الخاصة

لم يكن إيلون ماسك راضياً عمّا يتلقّى أولاده من تعليمٍ في المدرسة، فسحبَهم منها عام 2014. سارع للغاية إلى تأسيس مدرسة في تكساس أطلق عليها «اد أسترا» (نحو النجوم باللغة اللاتينية)، تحوّلت لاحقاً إلى «أسترا نوفا سكول».

المدرسة التي تعتمد التدريس عن بُعد، اقتصر تلاميذها بدايةً على أولاد ماسك وأبناء الموظفين في شركته «سبيس إكس». لكنها الآن باتت تستوعب طلّاباً من كافة أنحاء العالم وفي كل المراحل. ووفق مجلّة «فورتشن»، فإنّ ماسك يخطّط مع شركائه لتحويل «أسترا نوفا» إلى جامعة.

في مدرسة ماسك يمكن للطلّاب أن يستريحوا من هاجس الدرجات، كما أنهم لا يتلقّون دروساً في اللغات الأجنبية ولا الموسيقى. يعتمد البرنامج التربوي بشكلٍ أساسي على تحفيز التلاميذ على التفكير، واتخاذ القرارات، والتعاون، والاستكشاف، وإيجاد حلول لمشكلاتٍ واقعيّة.

إيلون ماسك مفتتحاً حفل التخرّج في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 2012 (أ.ب)

أبناء ماسك والعمالة المبكرة

عندما أطلّ إكس ماسك من المكتب البيضاويّ قبل أسابيع سالباً الأضواء من والده ومن دونالد ترمب، لم يَرُق الأمر لوالدته غرايمز التي انزعجت من عرضه أمام الرأي العام بهذا الشكل.

وقد انقسمت الآراء بشأن تلك الإطلالة؛ إذ رأى فيها البعض مشهداً لطيفاً وأباً عصرياً وقريباً من أولاده. فيما اعتبر خبراء إعلام وتواصل أنّ ما فعله ماسك بإحضار طفله إلى مؤتمره في البيت الأبيض، ليس سوى استراتيجية استغلالية هدفُها إظهار جانبه الإنساني، وإلهاء الأميركيين عن المخاطر التي تتهدّد الديمقراطية في بلادهم.

رأى بعض المحللين في اصطحاب ماسك ابنه إلى البيت الأبيض استراتيجية إلهاء واستغلال (رويترز)

لم تكن تلك المرة الأولى التي يحوّل فيها ماسك لقاءً سياسياً من الطراز الرفيع إلى مناسبة عائلية. بفارق أيامٍ عن ظهور إكس في البيت الأبيض، كان قد حضر إلى جانب والده في اجتماعٍ مع رئيس حكومة الهند ناريندرا مودي في واشنطن. ولم يقتصر الحضور العائلي على الأب وابنه؛ إذ شارك في اللقاء التوأم أزور وسترايدر، وهما ولدا ماسك من شيفون زيليس التي كانت حاضرة كذلك.

وتُعدّ زيليس الأقرب إلى ماسك من بين شريكاته، وهي تشغل منصب مديرة شركته «نيورالينك». إلى جانب التوأم المولود عام 2021، أصبحت زيليس أماً لولدٍ ثالث من ماسك عام 2024.

قدّم رئيس الحكومة الهندية كتباً إلى أبناء ماسك خلال لقائهم في واشنطن (إكس)

غالباً ما يُنتقَد ماسك على اصطحاب أولاده إلى مقرّ عمله ومؤتمراته والمناسبات الرسمية التي يشارك فيها. وهذا سلوكٌ معروفٌ عنه منذ بداياته في مجال الأعمال، ما قبل انتقاله إلى عالم السياسة. ذهب البعض إلى حدّ القول إنه يعاملهم وكأنهم جزء من عدّة العمل ووسيلة للتسويق والبروباغندا.

إيلون وإكس ماسك في نيويورك عام 2023 مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (وكالة الأناضول)

بيتٌ للعائلة بـ35 مليون دولار

يؤكد والتر إيزاكسون، كاتب سيرة إيلون ماسك، أن الأخير «مهووسٌ بأولاده»؛ ومن هذا المنطلق فهو يحب أن يكون محاطاً بهم. لعلّه لتلك الغاية ابتاع مجمّعاً سكنياً يمتدّ على مساحة 1400 متر مربع على إحدى تلال تكساس، وهو بمثابة منزلٍ للعائلة. بلغت كلفة العقار الذي يضمّ منازل كثيرة 35 مليون دولار، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

ربما أراد ماسك من خلال مشروعه هذا أن يجهّز الأرضيّة لمزيدٍ من النسل. هو الذي يعتبر «الإنجاب حاجة وطنية طارئة»، يبقى عليه أن يجد مساحةً ضمن جدول مواعيده لكل ما أنجبَ، ويريد أن ينجب من أولاد.


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

شؤون إقليمية لقاء سابق بين الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي ناريندرا ‌مودي (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

ذكرت ​صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ‌إيلون ‌ماسك ​شارك ‌في ⁠مكالمة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي، الثلاثاء؛ ​لمناقشة ‌حرب ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز) p-circle

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، بادرت «إكس» بتسليم المفوضية الأوروبية تصورها لتعديلات جوهرية على المنصة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز)

رغم ثروته الضخمة… والدة إيلون ماسك تتحدث عن نمط معيشته المتواضع

كشفت والدة إيلون ماسك عن بعض تفاصيل حياة ابنها اليومية، مشيرة إلى أن نمط معيشته يتسم بقدر كبير من البساطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الملياردير إيلون ماسك (رويترز-أرشيفية)

قائمة «فوربس»: إيلون ماسك أثرى أثرياء العالم بلا منازع

تصدّر رجل الأعمال إيلون ماسك، قائمة «فوربس» لأغنى أثرياء العالم متقدماً بأشواط على غيره من أصحاب المليارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.