تحذير فرنسي من تبعات عدم التوقيع على الاتفاق النووي

قال إن المتشددين في إيران يتخوفون من دينامية انفتاح يمكن أن تهدد سيطرتهم على الوضع

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزيرة الخارجية البريطانية على هامش قمة السبع في ألمانيا (أ.ف.ب)
مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزيرة الخارجية البريطانية على هامش قمة السبع في ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

تحذير فرنسي من تبعات عدم التوقيع على الاتفاق النووي

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزيرة الخارجية البريطانية على هامش قمة السبع في ألمانيا (أ.ف.ب)
مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزيرة الخارجية البريطانية على هامش قمة السبع في ألمانيا (أ.ف.ب)

بعد مرور 3 أيام على عودة المفاوض الأوروبي أنريكي مورا من طهران، عقب يومين من المحادثات مع مسؤولي الملف النووي الإيراني، لم تصدر عن أي جانب من الجانبين الأوروبي والإيراني أي معلومات أو تسريبات توفر سبباً للتفاؤل الذي عبّر عنه مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يوم الجمعة الماضي؛ حيث اعتبر أن المفاوضات «أعيد فتحها» وأنها حصلت «بشكل إيجابي جداً». كذلك ليس في الأفق ما يشير إلى موعد ما لمعاودة المفاوضات في فيينا التي توقفت منذ أكثر من شهرين. ومرة أخرى، رأى بوريل أن ملف «الحرس الثوري» يمثل العقدة الرئيسية، وسبق له أن اقترح «حلاً وسطاً» لم يفهم ما إذا كان المفاوض الإيراني قد قبله أو قبل مناقشته بديلاً عن مطلب طهران المتكرر بإخراج «الحرس الثوري» من اللائحة الأميركية للمنظمات الإرهابية.
بيد أن تفاؤل بوريل، المفترض به أن يكون الناطق باسم الإجماع الأوروبي، لا يبدو حقيقة أنه التصور الغالب لدى العواصم الأوروبية المعنية بالملف النووي. ففي لقاء مع مجموعة ضيقة من الصحافيين، قدّم مصدر رسمي فرنسي رفيع المستوى قراءة أقل تفاؤلاً لمسار العملية السياسية، عارضاً جملة من الدوافع التي تجعل السلطات في إيران حذرة من السير في المفاوضات حتى النهاية والتوصل إلى اتفاق معدل لاتفاق 2015، ومحاولة إيجاد الأعذار للمماطلة وكسب الوقت.
بداية، تؤكد باريس، وهي إحدى العواصم الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاق 2015، والمشاركة في مفاوضات فيينا أوروبياً «إلى جانب لندن وبرلين»، أن «نص الاتفاق جاهز» للتوقيع وأن السير به أو إعاقته مسألة يحسمها الجانب الإيراني الذي يمتلك مفتاح الحل والربط، مضيفاً أنه حان الوقت أن تقول أعلى السلطات في طهران كلمتها النهائية، وأن تتخذ قراراً يضع حداً للمراوحة. وتأخذ باريس، ومعها العواصم الغربية، على إيران أنها «تبتز المفاوضات» عبر إدخال عنصر غريب عنها، وهو ملف «الحرس الثوري» والعقوبات المفروضة عليه. وبحسب المصدر الدبلوماسي المشار إليه، فإن طهران تعي سلفاً أن الإدارة الأميركية الحالية لا تستطيع التجاوب مع الرغبة الإيرانية، وأنها ستواجه صعوبة مؤكدة في الكونغرس لتمريره، وبالتالي فإن الإصرار عليه رغم أنه ليس جزءاً من اتفاق العام 2015 من شأنه عرقلة التوصل إلى اتفاق نهائي.
بيد أن باريس ترى أن هناك عاملاً آخر يلجم الاندفاع نحو الاتفاق. والمقصود بذلك أن العودة إلى الاتفاق مع التعديلات التي أدخلت عليه ستطلق دينامية انفتاح جديدة وتطبيع تدريجي بين إيران والعالم الخارجي. الأمر الذي من شأنه أن يغيّر التوازنات السياسية والاجتماعية الداخلية في إيران. ولذا، تعتبر باريس أن تحولات انفتاحية من هذا النوع تربك وتثير مخاوف الفئات الأكثر تشدداً في المجتمع الإيراني، التي تمسك حالياً بالسلطة. ولذا يمكن اعتبار أنه «لا مصلحة لها» اليوم في ركوب مثل هذه المخاطر مخافة تفلت الوضع من يديها. وبكلام آخر، فإن العودة إلى الاتفاق، التي تعني رفع العقوبات وتمكين إيران من بيع نفطها بحرية كاملة والتصرف بعائداته والتجاوب مع المطالب المتعددة التي يرفعها المتظاهرون، قد يكون لها مفعول عكسي. وتجدر الإشارة إلى أن الفلسفة الأميركية التي كان الرئيس الأسبق باراك أوباما يروّج لها كانت قائمة على اعتبار أن ربط إيران بالعربة الاقتصادية والتجارية العالمية، وإعادة دمجها في المجتمع الدولي، بعد أن كانت «دولة مارقة»، سيُحدث تغيرات جذرية تحديثية في المجتمع الإيراني. الأمر الذي لم يحصل حقيقة. والجدير بالذكر أن المتشددين الذين هم في السلطة، أو المقربين منها، يستفيدون من الوضع الحالي، ولا يرون داعياً لتغييره.
ثمة عناصر إضافية تشير إليها مصادر رسمية أوروبية لتفسير التردد الإيراني. أولها أن إيران تكسب الوقت لدفع برنامجها النووي إلى الأمام، وهي ترى في ذلك وسيلة ضغط إضافية ستلزم الطرف الأميركي والغربيين بشكل عام بالتجاوب في لحظة ما، مع مطالبها لتلافي تمكن طهران من التحول إلى قوة نووية، أو أن تتوصل، على الأقل، إلى ما يسمى العتبة النووية. كذلك تعتبر هذه المصادر أن تقديرات الطرف الإيراني أن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي لن تنتهي بين ليلة وضحاها، بل هي مرشحة للاستمرار شهوراً، إن لم يكن أكثر من ذلك، تمنح طهران فرصة زمنية إضافية، وتشيح الأنظار عن التطور المتسارع لبرنامجها النووي، وتبعد عنها شبح الحرب، انطلاقاً من مبدأ أن واشنطن لا يمكن أن تتعامل في وقت واحد مع جبهتين «أوكرانيا وإيران». إلا أن المصدر الدبلوماسي الفرنسي عاد ليحذر السلطات الإيرانية من أن الإخفاق في السير بالمفاوضات إلى خواتيمها، ستنشأ بسببه أوضاع جديدة، عنوانها السير نحن تصعيد كبير. وإذا كان المصدر الفرنسي امتنع عن الخوض في تفاصيل ما يعنيه، فإن كلامه واضح بما فيه الكفاية، ليفهم منه أن واشنطن والغربيين بشكل عام وقوى إقليمية شرق أوسطية لن تترك لإيران الحبل على الغارب، وأن إمكانات عرقلة برنامجها النووي لا تعني بالضرورة توجيه ضربات عسكرية مباشرة له، بل ثمة وسائل أخرى لا تقل فاعلية، مثل فرض عقوبات مالية واقتصادية جديدة وإخراج النظام المالي الإيراني من الدورة العالمية، وصولاً إلى العمليات الإلكترونية والميدانية، حتى الحرب المباشرة.
ولتجنيب المنطقة والعالم هذا النوع من التطورات المأساوية، تدعو باريس المسؤولين الإيرانيين إلى اغتنام الفرصة المتاحة، التي لن تكون كذلك إلى الأبد، والسير بالاتفاق وتوقيعه. ويعد الجانب الفرنسي أن فوائد جمة لطهران، تستطيع جَنيها منه، أولها تمكينها من الاستجابة لمطالب شعبها المستمر في التظاهر، وأحياناً القيام بـ«أعمال شغب» احتجاجاً على الأوضاع المعيشية وتدهور القدرة الشرائية. فهل تقتنص إيران الفرصة؟ الجواب في قابل الأيام.


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

استهداف جديد لقيادة إيران... مقتل وزير الاستخبارات

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
TT

استهداف جديد لقيادة إيران... مقتل وزير الاستخبارات

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)

أكّدت طهران مقتل وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، في استمرار للضربات التي استهدفت عدداً من أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني خلال 24 ساعة من الحرب الجارية، في واحدة من أبرز الضربات التي طالت هرم القيادة الأمنية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الأربعاء، اغتيال خطيب، مؤكداً أن الجيش يملك صلاحية قتل أي مسؤول إيراني رفيع من دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من المستوى السياسي. وقال كاتس، في بيان: «ليلة أمس، تمّ أيضاً القضاء على وزير استخبارات إيران إسماعيل خطيب».

وجاء أول تأكيد إيراني على لسان الرئيس مسعود بزشكيان، الذي أفاد بمقتل وزير الاستخبارات، في منشور على منصة «إكس»، قائلاً إن خطيب قتل إلى جانب أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني وعدد من أفراد عائلتهما ومرافقيهما، نتيجة ما وصفه بـ«عمل إرهابي جبان».

وأضاف بزشكيان أن مقتل «عضوين في الحكومة وقائد شجاع في قوات الباسيج» يمثل خسارة كبيرة، مقدماً التعازي للشعب الإيراني، ومؤكداً أن مسار المواجهة «سيستمر بقوة أكبر».


إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
TT

إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي

في هيكل المؤسسة الحاكمة في طهران، لا يعد منصب وزير الاستخبارات مجرد حقيبة حكومية عادية. فالوزارة التي تأسست بعد ثورة عام 1979، أحد أهم أعمدة النظام الأمني، وتتولى إدارة شبكة واسعة من العمليات الاستخباراتية داخل إيران وخارجها.

ورغم أن الرئيس الإيراني يرشح الوزير رسمياً، فإن هذا المنصب الحساس يحسم عملياً بموافقة وإشراف المرشد، ما يجعله جزءاً من البنية الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب القيادة.

من هذا الموقع صعد رجل الدين المحافظ إسماعيل خطيب إلى رأس جهاز الاستخبارات الإيراني عام 2021، بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود داخل المؤسسات الأمنية والقضائية في الجمهورية الإسلامية.

غير أن نهاية تلك المسيرة جاءت بشكل دراماتيكي خلال الحرب بين إيران وإسرائيل. ففي اليوم التاسع عشر من الحرب أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ ضربة في طهران أدت إلى مقتل خطيب.

وقال الجيش الإسرائيلي إن خطيب كان مسؤولاً عن إدارة جهاز يشرف على عمليات التجسس والعمليات السرية للنظام، فضلاً عن دوره في قمع الاحتجاجات داخل إيران.

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان آخر سلط الضوء على اسمه خارج إيران؛ إذ عرض برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عن عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين المرتبطين بـ«الحرس الثوري» ومكتب المرشد، بينهم إسماعيل خطيب.

وكان خطيب، على مدى سنوات، أحد رجال الأمن الذين عملوا بعيداً عن الأضواء داخل مؤسسات الاستخبارات، قبل أن يصبح في قلب الصراع الإيراني – الإسرائيلي مع تصاعد حرب الظل بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

وجاء الإعلان عن مقتله ليضيف اسمه إلى قائمة القتلى من أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني، بعد مقتل أمين عام المجلس علي لاريجاني ومحمد باكبور قائد «الحرس الثوري».

من الحوزة إلى مؤسسات الثورة

ولد إسماعيل خطيب عام 1961 في مدينة قائنات بمحافظة خراسان الجنوبية شرق إيران. وفي منتصف السبعينات توجه إلى الحوزة العلمية في قم، حيث درس الفقه والأصول على يد عدد من كبار المراجع الدينيين.

كان من بين أساتذته رجال دين بارزون مثل محمد فاضل لنكراني وناصر مكارم شيرازي ومجتبى تهراني، كما حضر دروس الفقه التي كان يلقيها علي خامنئي قبل أن يصبح مرشداً للبلاد. وكانت هذه الخلفية الدينية المسار التقليدي لكثير من رجال الدين الذين دخلوا مؤسسات الدولة بعد ثورة 1979 التي أطاحت بنظام الشاه.

خامنئي يستقبل وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب زاده ومسؤولي الأجهزة الأمنية الأسبوع الماضي (موقع المرشد)

بعد تأسيس «الجمهورية الإسلامية»، انخرط خطيب سريعاً في مؤسسات النظام الجديد. ففي سن التاسعة عشرة التحق بـ«الحرس الثوري»، وعمل في وحدات الاستخبارات والعمليات خلال الحرب الإيرانية – العراقية في الثمانينات. وتشير معلومات إلى أنه أصيب خلال الحرب، ما جعله لاحقاً ضمن فئة «المحاربين القدامى»، وهي صفة تحمل وزناً سياسياً في الساحة الإيرانية.

الدخول إلى وزارة الاستخبارات

في منتصف الثمانينات، وبعد تأسيس وزارة الاستخبارات والأمن عام 1983، انتقل خطيب إلى العمل داخل الوزارة الجديدة التي أصبحت الجهاز الاستخباراتي المدني الرئيسي في البلاد. وعمل في البداية في أقسام مختلفة، بينها قسم الشؤون الخارجية والتحليل الاستخباراتي بالوزارة، قبل أن يبرز اسمه في التسعينات عندما عين مديراً لدائرة الاستخبارات بمحافظة قم.

وكانت قم معقل رجال الدين، إحدى أكثر المحافظات حساسية في إيران نظراً لوجود الحوزة العلمية وشبكة المؤسسات الدينية فيها. وكانت إدارة الملف الأمني في هذه المدينة تعني التعامل مع توازنات معقدة بين رجال الدين والتيارات السياسية المختلفة داخل النظام.

واستمر خطيب في هذا المنصب الحساس لأكثر من عقد، في فترة شهدت توترات سياسية داخل المدينة، أبرزها الأحداث المرتبطة بنائب المرشد الأول حسين علي منتظري، الذي كان في وقت ما خليفة محتملاً للمرشد الأول (الخميني) قبل أن يتم إقصاؤه.

العمل قرب مركز السلطة

مع مرور الوقت انتقل خطيب إلى مواقع أكثر قرباً من مركز القرار. ففي عام 2010 انضم إلى مكتب المرشد علي خامنئي في وحدة مسؤولة عن أمن وحماية القيادة، وهو موقع حساس لا يبلغه إلا مسؤولون من أعلى المستويات في الجهاز الاستخباراتي.

وبعد ذلك بعامين جرى تعيينه مديراً لمركز حماية واستخبارات السلطة القضائية، وهو جهاز يتولى مراقبة المؤسسات القضائية وموظفيها وضمان ولائهم السياسي.

وبقي في هذا المنصب حتى عام 2019، في فترة كان فيها صادق لاريجاني رئيساً للسلطة القضائية. ومع انتقال إبراهيم رئيسي لاحقاً إلى رئاسة القضاء، تعززت العلاقة بين الرجلين.

محطة «آستان قدس»

في عام 2019 انتقل خطيب إلى مؤسسة «آستان قدس رضوي» في مدينة مشهد، وهي واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية والدينية في إيران وتشرف على إدارة ضريح الإمام الرضا.

وتولى خطيب هناك مسؤولية الأمن والحماية في المؤسسة، التي تعد جزءاً مهماً من شبكة المؤسسات المرتبطة مباشرة بمكتب المرشد. وبقي في هذا الموقع حتى عام 2021، عندما عاد إلى المؤسسة التي أمضى فيها معظم حياته المهنية، لكن هذه المرة على رأسها.

وزير الاستخبارات

في أغسطس (آب) 2021، وبعد انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، رشحه لمنصب وزير الاستخبارات في حكومته. وكما هو معتاد في هذا المنصب، جاء التعيين بعد موافقة المرشد علي خامنئي، الذي يمتلك الكلمة الحاسمة في اختيار الشخصيات التي تتولى المواقع الأمنية الحساسة.

كان خطيب بذلك الوزير الثامن للاستخبارات منذ تأسيس الوزارة. وتولى منصبه في وقت كانت فيه إيران تواجه سلسلة من التحديات الأمنية، بينها عمليات تخريب في منشآت نووية واغتيالات استهدفت علماء ومسؤولين، فضلاً عن الصراع الاستخباراتي المتصاعد مع إسرائيل.

لكن المشهد السياسي في إيران تغير بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في مايو (أيار) 2024 إثر تحطم المروحية التي كانت تقله في شمال غربي البلاد. وبعد الانتخابات التي أعقبت الحادث، شكل الرئيس مسعود بزشكيان حكومته الجديدة.

وكان خطيب من الوزراء القلائل في حكومة رئيسي الذين حافظوا على مناصبهم في الحكومة الجديدة. فقد أعاد بزشكيان ترشيحه لوزارة الاستخبارات عند تشكيل حكومته، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تعكس حساسية هذا المنصب داخل بنية النظام، حيث يتم اختيار وزير الاستخبارات تقليدياً بالتشاور مع المرشد علي خامنئي.

غير أن الإبقاء عليه في منصبه أثار انتقادات من بعض الأوساط السياسية والإصلاحية التي كانت تأمل في تغيير وجوه الأجهزة الأمنية مع وصول بزشكيان إلى الرئاسة.

صراع الأجهزة الأمنية

تولى خطيب في بداية مهامه الوزارية العمل على ترتيب العلاقة في إحدى القضايا الأساسية داخل المؤسسة الأمنية، وهي العلاقة المعقدة بين وزارة الاستخبارات والجهاز الموازي لها، منظمة استخبارات «الحرس الثوري». وهو من بين الأسباب لبقاء خطيب في الوزارة في حكومة بزشكيان.

خطيب يغادر مقر الحكومة الإيرانية (أرشيفية_إيسنا)

ويمتلك الجهازان صلاحيات متداخلة وغالباً ما يتنافسان على الملفات الأمنية الكبرى. وحاول خطيب خلال سنواته في الوزارة الدفع نحو تنسيق أكبر بين المؤسستين، خصوصاً في مواجهة ما وصفه النظام بـ«الاختراقات الأجنبية». لكن التوازن بين الجهازين ظل معقداً، نظراً لارتباط كل منهما بشبكة مختلفة من مراكز القوة داخل النظام.

الاحتجاجات والعقوبات

شهدت فترة تولي خطيب الوزارة واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في إيران خلال العقد الأخير. ففي عام 2022 اندلعت احتجاجات واسعة بعد وفاة مهسا أميني في أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.

ولعبت الأجهزة الأمنية، بما فيها وزارة الاستخبارات، دوراً رئيسياً في مواجهة الاحتجاجات من خلال الاعتقالات والتحقيقات وملاحقة الناشطين.

وفي تلك الفترة تبنى خطيب الخطاب الرسمي للنظام الذي عدّ الاحتجاجات نتيجة تدخلات خارجية، متهماً الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بالوقوف وراءها.

وأدرجت الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2022 خطيب ووزارة الاستخبارات على قائمة العقوبات، متهمة الجهاز بإدارة شبكات هجمات سيبرانية استهدفت حكومات وشركات في دول مختلفة، بينها ألبانيا.

إخفاقات أمنية

رغم إعلان الوزارة مراراً عن تفكيك شبكات تجسس، واجهت الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال تلك السنوات انتقادات بسبب عدة إخفاقات.

من أبرزها الهجوم الدموي في كرمان عام 2024 خلال مراسم إحياء ذكرى مقتل قاسم سليماني، الذي أدى إلى عشرات القتلى. كما شكلت عمليات اغتيال داخل إيران، بينها اغتيال شخصيات مرتبطة بمحور «المقاومة»، إحراجاً للأجهزة الأمنية.

وزير الخارجية عباس عراقجي يهمس في أذن وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب على هامش اجتماع الحكومة يوم 9 يوليو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وأثارت هذه الأحداث نقاشاً داخل النخبة الإيرانية حول قدرة المنظومة الأمنية على مواجهة الاختراقات الخارجية.

وتصاعدت الانتقادات بعد مقتل عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، من قيادات عسكرية وعلماء نوويين، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، خصوصاً في ظل ما شاع عن اختراقات استخباراتية واسعة.

نهاية مسيرة أمنية

ظل إسماعيل خطيب طوال مسيرته الشخصية بعيداً عن الأضواء مقارنة بكثير من المسؤولين الإيرانيين. لم يكن سياسياً جماهيرياً، بل رجل جهاز أمني صعد تدريجياً داخل مؤسسات الدولة.

لكن الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2026 وضعت اسمه في قلب المواجهة. فقد أنهى الإعلان الإسرائيلي عن مقتله في اليوم التاسع عشر من الحرب مسيرة امتدت لأكثر من أربعين عاماً داخل أجهزة الأمن.

وسواء عدّ اغتياله ضربة استخباراتية كبيرة أو مجرد فصل جديد في الصراع الإقليمي، فإن سيرة خطيب تعكس مساراً شائعاً داخل المؤسسة الأمنية ذات التركيب المعقد: رجل دين بدأ في الحوزة، التحق بـ«الحرس الثوري» في سنوات الثورة الأولى، ثم صعد عبر أجهزة الأمن ليصل إلى قمة أحد أكثر المناصب حساسية في الدولة الإيرانية.


روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
TT

روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)

ندَّدت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، بالضربة التي استهدفت محطة بوشهر النووية الإيرانية أمس، والتي قالت إنها وقعت على بُعد أمتار قليلة من وحدة لتوليد الطاقة، ودعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف مهاجمة المنشآت النووية لطهران.

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وأدلت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الوزارة، بهذه التصريحات، في مؤتمر صحافي.

وقامت روسيا ببناء محطة بوشهر، وتساعد إيران في تشغيلها.

وأبلغت إيران، أمس الثلاثاء، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الهجوم لم يتسبب في أضرار مادية أو بشرية.