توقعات بأثر إيجابي لأسعار النفط على إجمالي العائدات السعودية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الارتفاعات المستمرة تدعم تحسن الناتج المحلي

أسعار النفط تعزز تصاعد عائدات المالية السعودية خلال السنوات المقبلة (الشرق الأوسط)
أسعار النفط تعزز تصاعد عائدات المالية السعودية خلال السنوات المقبلة (الشرق الأوسط)
TT

توقعات بأثر إيجابي لأسعار النفط على إجمالي العائدات السعودية

أسعار النفط تعزز تصاعد عائدات المالية السعودية خلال السنوات المقبلة (الشرق الأوسط)
أسعار النفط تعزز تصاعد عائدات المالية السعودية خلال السنوات المقبلة (الشرق الأوسط)

في وقت تصاعدت فيه أسعار النفط الخام عالمياً بشكل بارز لمستويات تاريخية الأسبوع الماضي، توقع مختصون انعكاسات الأثر الإيجابي على إجمالي إيرادات الميزانية العامة للسعودية للعام الحالي، إذا ما استمرت الأسعار في الأسواق العالمية التي تخطت في تعاملاتها 80 دولاراً للبرميل الواحد.
ويرى المختصون أن تصاعد أسعار النفط، وفقاً لما هو متفق عليه على مستوى كميات الإنتاج في منظومة «أوبك بلس»، ستدعم منظور بقاء الأسعار في مستوياتها العالية، ما يجعلها محفزاً أقوى لاستقراء نمو عائدات الاقتصاد السعودية للفترة المقبلة.

- سمات الموازنات
وكانت ميزانية السعودية التقديرية قد أعلنت الأسبوع الماضي عن توقعات الإيرادات للسنوات الثلاث المقبلة، مفصحة عن استمرار السياسة المالية الإنفاقية، حيث قدرت في موازنة العام المقبل 2022 حجم الإنفاق بقيمة 955 مليار ريال (254.6 مليار دولار)، مقابل إيرادات قوامها 903 مليارات ريال (24 مليار دولار).
وبحسب الإعلان التمهيدي لموازنة العام المقبل، تتضح 3 ملامح رئيسية، هي: التركيز على استمرار العمل بمنهجية تعزيز كفاءة الإنفاق، والمحافظة على الاستدامة المالية، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، عملاً بمستهدفات «رؤية المملكة 2030». وفي جانب العام الحالي 2021، تشير تقديرات وزارة المالية المعلنة أمس إلى أن العام الحالي سينتهي بإجمالي نفقات عند 1.01 تريليون ريال (270.6 مليار دولار)، في وقت سيبلغ فيه إجمالي الإيرادات المالية للدولة 930 مليار ريال (248 مليار دولار) بنهاية العام، وهو ما يمثل إجمالي عجز قدره 85 مليار ريال.
وحسبما أعلنت وزارة المالية، قدرت نمو الإيرادات للعام ما بعد المقبل (2023) بإجمالي 968 مليار ريال، قياساً بصرف 941 مليار ريال، وهو ما يمثل إعلان أول عام تتحرر فيه الميزانية من العجز منذ 9 سنوات (عام 2013)، وتحقق فائضاً سيكون تقديره 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار).
وتنبأت توقعات موازنة مالية السعودية لعام 2024 نمو الإيرادات كذلك إلى 992 مليار ريال، مقابل 951 مليار ريال، بفائض قدره 42 مليار ريال.
ووفق وزارة المالية، سيكون مسار الدَّين العام مستقراً خلال السنوات الثلاث المقبلة عند مستوى 989 مليار ريال (263 مليار دولار)، في حين سيكون الدَّين عند 937 مليار ريال بنهاية العام الحالي.

- الأثر البارز
وقال المحلل المالي تركي فدعق لـ«الشرق الأوسط» إنه في المجمل يكون هناك انعكاسات إيجابية مع أي ارتفاع لأسعار النفط في الأسواق العالمية، موضحاً أن وصول سعر البرميل إلى 80 دولاراً سيكون أثره في المرحلة الأولى على إجمالي الإيرادات جلياً، حيث ستكون أعلى من المتوسط للأرباع الثلاثة الأولى من العام الحالي.
وأضاف أنه إذا استمر الارتفاع للبرميل في التعاملات العالمية لما بين 80 و100 دولار، فسيدعم ذلك خفض العجز في الربع الرابع للميزانية، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن متوسط سعر البرميل الذي بني عليه مالية الدولة هو في محيط 60 دولاراً للبرميل.
ويؤكد المحلل المالي أن استمرار الارتفاع للبرميل لما فوق 80 دولاراً سيكون له أثر في موازنة الربع الرابع من العام الحالي، قياساً بإيرادات الأرباع الثلاثة الماضية، لا سيما انخفاض العجز.
ويرى أن المشروعات الحيوية والرئيسية لن تتأثر بتراجع أو ارتفاع أسعار النفط، نظير استنادها إلى جدولة والتزام بانعقادها والانتهاء من تسليمها في موعدها في إطار المشروع التنموي للبلاد.

- أسباب الصعود
وأرجع فدعق أسباب ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية لعوامل عدة، في مقدمتها أن العالم يستقبل فصل الشتاء. وهذا الفصل يرتفع فيه الطلب على استهلاك النفط الخام، قياساً بباقي فصول العام، وذلك لمواجهة الشتاء والاستخدامات المختلفة، موضحاً أنه من المهم أن ينظر في الجانب الآخر بالتركيز على تفاهمات «أوبك بلس» الذي حدد آلية الضخ، فإن كان هناك زيادة أو تخفيض في الإنتاج، فقد تؤثر على الأسعار من الآن حتى نهاية العام.

- آثار جانبية
ومن جانب آخر، أكد الدكتور سالم باعجاجة، أستاذ الاقتصاد في جامعة جدة، أن الارتفاعات المستمرة في أسعار النفط ستؤثر بالقطع على ارتفاع الإيرادات النفطية للمملكة، وبالتالي سيكون تأثيرها الإيجابي ملموساً على تحسن الناتج المحلي، لكنه في المقابل لا بد من إدراك أن هناك آثاراً أخرى مصاحبة.
وقال باعجاجة إن ارتفاع أسعار النفط بدوره سيؤدي إلى ارتفاع مقابل على مستوى التضخم، حيث سيتضح في أسعار السلع، لا سيما مع تحسن مستويات دخل الفرد والأسر، ما يزيد من الإنفاق الاستهلاكي.

- حال النفط
وفي الوقت الذي ارتفع فيه سعر برميل نفط خام القياس العالمي «برنت» للعقود الآجلة الأسبوع المنصرم، حينما وصل إلى 80.05 دولار أميركي للبرميل، مع زيادة سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط للعقود الآجلة 1.02 في المائة إلى 76.22 دولار للبرميل، يبرز تساؤل حول مستقبل هذا الصعود، حيث يقول مختصون لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أزمة طاقة عالمية سببها شح المعروض للغاز الطبيعي، مما تسبب في ارتفاع أسعار النفط.
وتوقع الخبراء أن يستمر ارتفاع حجم الطلب على النفط إلى العام المقبل، مؤكدين أن الأسعار وصلت إلى مستويات لم تشهدها منذ أكثر من 3 أعوام، وأن أهم عوامل الارتفاع تمكن «أوبك+» من تمديد اتفاقيات تخفيض الإنتاج.
وقال كبير مستشاري وزير النفط السعودي سابقاً الدكتور محمد الصبان لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ بداية العام الحالي، زاد الطلب العالمي على النفط، بما لا يقل عن 53 في المائة، في حين هناك زيادات منتظمة من قبل تحالف «أوبك بلس» في حدود 400 ألف برميل يومياً، على أساس شهري.
وزاد الدكتور الصبان أن ارتفاع أسعار النفط لم يكن مستبعداً تجاوزه الـ80 دولاراً لخام برنت لأن هناك أزمة طاقة عالمية سببها شح المعروض للغاز الطبيعي، قائلاً: «نحن مقبلون على فصل الشتاء في ظل إعطاء روسيا أولوية لتغطية طلبها المحلي، وعدم تزويد أوروبا بكميات كافية، وبالتالي هنالك نقص في المعروض، يقابله زيادة في الطلب على النفط لتوليد الطاقة الكهربائية».
وأضاف الصبان أن المصانع تشهد بعض الانقطاعات في الكهرباء، مما يؤدي إلى مزيد من المشكلات والصعوبات التي يمر بها سوق الطاقة، مشيراً إلى أن اجتماع «أوبك+» في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سيحدد عملية الإنتاج، بعد دراسة متعمقة لطبيعة التغيرات التي حدثت في الآونة الأخيرة، وسيبحث التحالف، بقيادة وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، إذا كانت هناك حاجة لزيادة الكمية المعروضة من النفط لأكثر من 400 ألف برميل أو الإبقاء على المستوى نفسه.

- انخفاض الاستثمارات
ومن ناحيته، أوضح الخبير النفطي محمد المهنا لـ«الشرق الأوسط» أن الارتفاع في أسعار النفط كان متوقعاً بسبب تمكن «أوبك+» من تمديد اتفاقيات تخفيض الإنتاج، ولكن دول التحالف، وعلى رأسهم المملكة، لا ترغب في زيادات حادة قد تؤدي إلى انهيارات مقبلة.
وأبان المهنا أن من أهم العوامل في زيادة الأسعار انخفاض الاستثمارات في الإنتاج، واستكشاف مصادر جديدة في معظم دول العالم بسبب انخفاض الطلب الشديد تحت وطأة وباء «كوفيد - 19»، وإغلاق كثير من حقول الإنتاج، ولأن إعادة مستويات الإنتاج إلى ما قبل كورونا تحتاج مدة طويلة. وتابع الخبير النفطي أن بعض السياسات والتدخلات الحكومية وسياسات وكالة الطاقة الدولية في الحث المبالغ فيه، ومحاولة إجبار الأسواق على اتباع إجراءات الحياد الكربوني التي تحاول الحكومات وفقها إجبار الناس والأسواق، أدت إلى إحجام الشركات عن الاستثمار في النفط.


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.