الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

في رسائل سرية بين الرئيسين تنشرها «الشرق الأوسط»... دمشق لم تكن مرتاحة لتكليف رمضان وعزيز تحسين العلاقات

صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
TT

الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)

في النصف الثاني من عام 1996، أصبح هدف الرئيس السوري حافظ الأسد هو «وقف إسقاط النظام العراقي»، وركز اتصالاته لهذا الغرض، إضافة إلى اتخاذ قرار بفتح الحدود السورية - العراقية المغلقة منذ 1982.
وخلال المراسلات بين الأسد وصدام، التي حصلت «الشرق الأوسط» من أوراق مبعوثي الرئيسين، نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام والسفير العراقي لدى قطر أنور صبري عبد الرزاق، بدا واضحاً اختلاف الأولويات والإيقاع: الأسد، كان متريثاً وشكوكاً، فيما كان صدام يستعجل التعاون، إلى حد أنه اقترح العودة إلى «ميثاق العمل الوطني» و«الاتحاد» بين الدولتين، الذي يعتقد الأسد أن «غريمه» العراقي على الضفة الأخرى من نهر الفرات والجناح المنافس في حزب «البعث»، كان قد مزقه في عام 1979.
مبعوث صدام قال في دمشق إن «السيد الرئيس»، حمله رسالة إلى «الشام»، بأنه «إذا كان الإخوان يريدون بحث ميثاق العمل القومي فنحن موافقون. الآن العلاقات جيدة وتجاوزنا الأمور الماضية» في السبعينات والثمانينات. المشكلة، أن هذا الكلام قيل إلى خدام، الذي كان قد طار إلى بغداد في 1979، لمعرفة أسباب «انقلاب» صدام ونزعه رأس النظام، الرئيس أحمد حسن البكر «المتحمس» لـ«الوحدة» السورية - العراقية.
أيضاً، تكشف محاضر الاجتماعات والوثائق، أن تسمية صدام نائبه طه ياسين رمضان ونائب رئيس الوزراء طارق عزيز ملف التباحث مع السوريين في تطوير العلاقات، لم تترك «ارتياحاً لدينا (الأسد وخدام)، نظراً للتجارب المرة السابقة، حيث عقدت في الماضي لقاءات عديدة» سرية مع طارق عزيز من قبل خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع... «دون جدوى». لكن، مع مرور الأيام وزيادة الضغوطات على بغداد و«قلق الأسد من سقوط نظام صدام وانهيار العراق وانعكاسات ذلك على استقرار سوريا ونظامها»، وافقت دمشق على استقبال عزيز في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، ثم وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف في فبراير (شباط) 1998. وحسب محضر الاجتماع الرسمي بين الأسد والصحاف، قال الرئيس السوري: «أجريتُ اتصالات مع بعض الأشقاء لنحذّر من مغبة العدوان على العراق، وكان موقفنا واضحاً بالاتصالات مع الأميركيين والأوروبيين. نعتقد أن على العراق أن يُسقط الذرائع ويفوّت الفرصة التي يحاولون استغلالها، لأن المهم الآن تجنب الضربة العسكرية. وإذا حدث ذلك، فإن قسماً كبيراً من المخطط يتعطل، ولو مرحلياً».
بعد عودة خدام من باريس ولقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، عرض على الرئيس الأسد، الموقف الفرنسي، فطلب عقد اجتماع بمشاركة رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي ووزير الخارجية فاروق الشرع، لمناقشة موضوع العراق، وتم التوصل إلى المقترحات التالية، حسب وثيقة رسمية سورية: «أهداف العمل... رأينا تحديد أهداف العمل حتى لا نقع في أوهام حول النظام في العراق. والأهداف هي:
1- العمل على وقف إسقاط النظام العراقي عن طريق الأميركيين والإسرائيليين والأردن.
2- خلق مناخ للاتصال بالجهاز الحزبي يمكّننا من دفع قاعدة مستمرة للعمل بين القطرين.
3- إعطاء رسالة للأميركيين وإسرائيل حول قدرتنا على خلق ظروف جديدة في المنطقة.
4- الإسهام في رفع الحالة المعنوية الشعبية العربية.
5- تأمين مصالح سوريا في العراق وغيره.
وكان برنامج العمل يقضي بأن يُستدعى السفير العراقي لدى قطر، أنور صبري، ويُبلّغ أن القيادة السورية ستصدر تصريحاً تعلن فيه فتح الحدود الدولية مع العراق، التي كانت أُغلقت عام 1982، وبما لا يتعارض مع قرارات مجلس الأمن. ويتضمن البيان الأسباب الموجبة لهذا القرار، ومنها معاناة الشعب العراقي الشقيق، وما توجبه الأخوّة والعلاقات القومية من العمل على إزالة معاناته، كما يتضمّن البيان فقرة تقول إن لقاءً سيعقد بين المسؤولين في البلدين لبحث ترتيبات فتح الحدود، وأن يُبلَّغ السفير اقتراحاً بعقد لقاء سياسي لبحث كيفية تنظيم العلاقات بين البلدين في جوانبها المختلفة، مع برمجة هذا التنظيم بما لا يلحق الضرر بأي منهما ولا يزيد في تعقيد الوضع العربي، ويعقب اللقاء السياسي اجتماعات للجان أمنية واقتصادية لوضع ما يتفق عليه موضع التنفيذ، كما يحدد اللقاء السياسي صيغة الاتصال بين البلدين، ونقترح أن تكون اللقاءات سرية لتفويت فرص الإضرار بالبلدين من جهة، وعدم إتاحة فرصة لإفشالها.
وبتاريخ 21 أغسطس (آب) 1996، استقبل خدام أنور صبري. وحسب محضر الاجتماع، «فإنني أبلغته أنه خلال هذه الفترة تعرّضنا لضغوط كبيرة من جهات مختلفة، مع تلميحات باتخاذ إجراءات، وأن هذه الضغوط لم تغيّر موقفنا، كما تحدثنا مع عدد من الدول العربية، واستطعنا إقناعها بصحة توجّهنا. نقترح عليكم أن تصدر الحكومة السورية تصريحاً تعلن فيه فتح الحدود الدولية بما ينسجم مع قرارات مجلس الأمن، وأن مسؤولين من البلدين سيتجمعون لتنظيم ذلك، وأن تجتمع لجنة لتبحث، وبشكل متدرّج، الأمور التي من مصلحة البلدين أن تتحقق ولا تسبب إثارة للآخرين، وهذا ليس خوفاً وإنما لحماية ما نحن مقبلون عليه، ونمشي بشكل تدريجي، ما يساعد في النجاح، وصولاً إلى تحقيق ما نريد تحقيقه، نحن وأنتم، لمصلحة البلدين والأمة العربية.
سألني السفير عن مستوى اللجنة، فأجبته: على مستوى القرار، وقريبين من مركز القرار. ويجب أن تتمتع اللجنة بالرؤيا المناسبة لتستطيع أن تقترح كل ما يمكن من الخطوات التي في صالح البلدين».
وبتاريخ 28 أغسطس (آب)، استقبل خدام المبعوث العراقي، حسب وثيقة سورية من خدام؛ «أبلغني أنه أطلع الرئيس صدام على الأفكار التي حملها من دمشق، فدعا إلى اجتماع مجلس قيادة الثورة وأعضاء القيادة القطرية وعرض عليهم الاتصالات التي جرت مع دمشق، وأنه طلب من المجتمعين مناقشة الموضوع واتخاذ القرار المناسب. وبعد الاجتماع استدعى السفير وحمّله الرسالة التالية: تؤكد قيادة العراق رغبته في إقامة نمط جديد من العلاقات مع الشقيقة سوريا، ووفق ما بيّنه الرئيس صدام من خلال مبعوثه أنور صبري، وكذلك من خلال اللقاء الذي تم مع 3 يونيو (حزيران) في بغداد».
ترى قيادة العراق أن الخطوة الفضلى هي عقد لقاء على مستوى سياسي بين الطرفين لبحث ما يمكن اتخاذه من خطوات، ومن ذلك موضوع فتح الحدود. فهناك كثير من الأمور والتحديات التي تواجه البلدين الشقيقين والأمة العربية، تستوجب استعراضها وتقييمها. وتلبية لرغبة الأشقاء في القيادة السورية لتشكيل لجنة قريبة من القيادة في القطرين لبحث الأمور المشتركة، فإن قيادة العراق مستعدة لتكليف عضوي القيادة: طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية، وطارق عزيز نائب رئيس مجلس الوزراء، أو أحدهما، وفق ما يرغب به الأشقاء في سوريا، لإجراء اللقاء السياسي مع من تختاره القيادة في دمشق. نترك للرفاق في سوريا تحديد: موعد الاجتماع، ومكان اللقاء، وسريته أو علانيته».

لم تترك تسمية طه ياسين رمضان وطارق عزيز للتباحث مع وفد سوري ارتياحاً في دمشق، نظراً للتجارب المرة السابقة، حيث عقدت في الماضي لقاءات عديدة بيني وبين طارق عزيز، وبين فاروق الشرع وعزيز دون جدوى.
وفي 31 أغسطس (آب) 1996، استدعى نائب الرئيس السوري السفير العراقي وأبلغه ما يلي: «نظراً لتعدد المواضيع وأهميتها، التي ستكون حوار مناقشة بين وفدي البلدين، لذلك نأمل أن يوافينا الأشقاء في بغداد بالمواضيع التي يرون إدراجها على جدول الأعمال، لنقوم بمناقشتها ودراستها. وفي ضوء ذلك يتم تحديد تشكيل الوفد الذي سيتولى المحادثات. والهدف هو أن يذهب كل وفد مزوداً بالصلاحيات حتى لا تبقى الأمور بحدود ضيقة».
يضيف: «لم يترك اقتراح تسمية طه ياسين رمضان وطارق عزيز ارتياحاً لدينا كما أشرت فيما تقدّم، واعتبرنا هذه التسمية دليل عدم جدية من الجانب العراقي».
وحاول أنور صبري تحديد موعد لزيارة دمشق مراراً، لأن لديه «أموراً مهمة» لطرحها، بما في ذلك العودة إلى ميثاق العمل القومي الموقّع بين البلدين عام 1978، لكن حصل تأخير. وفي 21 فبراير (شباط) 1997، استقبل خدام أنور صبري، و«دار حديث عام حول الوضع العربي والجولات التي قمت بها والهدف منها، لشرح حساسية الوضع العربي ودقة المرحلة والضغوط»، حسب محضر من أوراق خدام. يضيف: «ثم أبلغني رسالة تتضمن تحيات الرئيس صدام لأخيه الرئيس حافظ وأخيه خدام، ويؤكد موقف العراق، قيادة وشعباً، من الوقوف مع سوريا بكل إمكاناته لمواجهة استحقاقات المرحلة التي تمر بها الأمة العربية، والتحديات الخطيرة التي تهدد الأمن القومي العربي، وأن الأمة العربية مطالبة بالوقوف صفاً واحداً بعد القفز فوق الخلافات الشكلية، لفتح صفحة جديدة، لقطع الطريق على كل المحاولات التي تستهدف التفرد بها. وهذا لن يتحقق إلا بعودة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى سابق قوتها وفعلها (...). لذلك، إن مقترحاتنا (صدام) بجدول الأعمال للقاء المقترح هي:
1- بحث العلاقات الدبلوماسية كخطوة مهمة لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين الشقيقين.
2- بحث موضوع التبادل التجاري وفتح أنابيب النفط في ضوء استعداد القيادة السورية لفتح الحدود.
3- تشكيل لجنة مساعِدة للجنة القيادية العليا، لمتابعة تنفيذ ما يُتفق عليه في اللجنة القيادية من خطوات لتطوير العلاقات.
4- أي موضوعات أخرى يرغب بها الإخوة السوريون لبحثها.
وأخيراً، يشكر العراق سوريا على الدور الذي قامت به لإطلاق سراح الدبلوماسيين العراقيين في لبنان».
وبعد أن أنهى إملاء الرسالة قال أنور صبري، إن «الرئيس صدام؛ أبلغني أنه إذا كان الإخوان يريدون بحث ميثاق العمل القومي فنحن موافقون. الآن العلاقات جيدة، وتجاوزنا الأمور الماضية».
أجابه خدام: «إننا في كل اتصالاتنا العربية والدولية فإن العراق حاضر، وشجعنا فرنسا على أن تخطو خطوات إيجابية. بالإضافة إلى ذلك فقد فعلنا الكثير رغم عدم وجود علاقات، ومنها إفشال عدد من المخططات ضد العراق (...)».
وتابع: «ليت ذلك كان منذ عام 1978، لما وصل الوضع العربي إلى ما هو عليه. هناك من استطاع (...) الدخول إلى بغداد عبر دسائسه لتخريب ميثاق العمل القومي، ثم لتوريط العراق في حرب ضد إيران».
وأشار السفير أنور صبري إلى أن رئيسه «سيجري تغييرات أساسية في الحزب والدولة، ولكنه ينتظر العلاقات مع سوريا، وهذه التغييرات ستطال مراكز أساسية». وسلم خدام مقترحين لإعادة العلاقات، جاء في أحدهما: «انطلاقاً مما يربط بين جمهورية العراق والجمهورية العربية السورية وشعبيهما الشقيقين من روابط ووشائج مصيرية ومصالح مشتركة، ونظراً لما تستوجبه ظروف العمل القومي والعلاقات بين جمهورية العراق والجمهورية العربية السورية، وبضوء ما حصل من اتصالات بينهما، فقد قررت حكومة جمهورية العراق إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الجمهورية العربية السورية الشقيقة، على مستوى السفراء، وذلك بدءاً من 1996».
وفي 26 فبراير (شباط) 1997، استقبل نائب الرئيس السوري مبعوث صدام وأبلغته: «نحن بصدد إعداد مبادرة عربية لتصحيح الوضع العربي واستبدال صيغ جديدة بالأساليب والصيغ القائمة في العمل العربي، تحدد الالتزامات وضماناتها وتوفّر الطمأنينة للجميع وتفتح الطريق أمام تعاون جدي مبني على قواعد سليمة».
ثم قرأ عليه الرسالة التالية: «تحيات الرئيس وتحياتي للرئيس صدام حسين. منذ بدأنا تبادل الأفكار عبر السفير أنور حول الوضع العربي والمخاطر المحدقة بالأمة العربية، لا سيما المخاطر الإسرائيلية وما تعمل الصهيونية لتحقيقه في المنطقة، إلى جانب الهيمنة الأجنبية والمطامع بموارد العرب وثرواتهم، والشعور بمسؤولية القطرين، لا سيما أنهما هدفان يجري التركيز عليهما، فقد تحقق تقدم موضوعي في العلاقات، وانتقلنا من مرحلة التأزّم والعداء إلى مرحلة فهم مشترك لعدد من القضايا الرئيسية التي تهم الأمة العربية جميعها، وتصدي سوريا للمؤامرات التي استهدفت وحدة العراق وأمنه الوطني مثال واضح (...). وإذا خطونا في القطرين خطوات في الشكل تشكّل ذريعة، وأخذ الآخرون من ذلك ذريعة للاستجابة للضغوط الأميركية في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فيجب أن نقع في احتمال صعوبة تصحيح مثل هذه الخطوات والحد من أضرارها (...) وقسم من العرب في خندق إلى جانب تركيا والقوى الأجنبية من خارج المنطقة، ونحن في جانب آخر (...). والرسالة واضحة من رغبة سوريا في التعاون مع العراق في مواجهة المخاطر، وضمن رؤية موضوعية للواقع الراهن، بعيداً عن شكليات العلاقات الدبلوماسية التي يمكن أن تثير ردود فعل بالنتيجة، لن تكون في صالح سوريا أو العراق أو جهدنا لتحسين مناخ العلاقات العربية».
وعلى ما يبدو، فإن القيادة العراقية فهمت رسالة دمشق فهماً خاطئاً. ذلك أنه خلال دورة الجامعة العربية في 29 مارس (آذار)، سلّم وزير خارجية العراق محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الرسالة التالية: «يهدي الرئيس صدام تحياته إلى الرئيس حافظ... اطلعنا باهتمام على رسالتكم التي تسلمها أنور صبري من خدام في فبراير (شباط)، ونود أن نؤكد أن الدافع الذي دعانا إلى الاتصال بكم في خريف عام 1995 هو تقديرنا للمخاطر التي تهدد الأمة العربية في كيانها ومصيرها، ومنها ما يهدد العراق وسوريا. وقد قلنا لكم في حينه إننا نرى أن ما يجري حولنا يهددنا معاً، كما يهدد الأمة ككل. فإذا كان هذا هو تقديركم أيضاً فإننا مستعدون للبحث المشترك فيما ينبغي وما يمكن أن نفعله. وقد كان ردكم إيجابياً، بمعنى أنكم تشاركوننا هذا التحليل والاستنتاج، وعلى هذا الأساس استمرت الاتصالات بيننا، كما جرى لقاءان في القاهرة ونيويورك بين وزيري خارجيتنا، الصحاف والشرع (...) ومهما كانت الاجتهادات حول المرحلة السابقة، فإن القيادة في العراق ترى أن المهم الآن هو التوصّل إلى صورة واضحة عن ظروف الحاضر وآفاق المستقبل: ما الأخطار المحدقة بالأمة الآن؟ وما الأخطار المتوقعة خلال المرحلة المقبلة؟ وما مصادرها وكيفية مواجهتها؟
نؤكد لكم أننا فيما عبّرنا عنه من آراء ومقترحات لم نكن نقصد إطلاقاً، ومنذ البداية، عملاً ثنائياً منفرداً ومعزولاً عن الجهد العام لتحقيق علاقات أفضل من السابق مع كل الأقطار العربية دون استثناء لأحد (...) إننا مع بيان رأينا وتحليلنا لا نقصد إطلاقاً إحراجكم لاتخاذ خطوة لا ترون اتخاذها في هذه المرحلة وفقاً لتقديركم للأمور».
وبعد سنتين من التوجّه لفتح الحدود بين القطرين، اتخذت الحكومة السورية قراراً، بتوجيه من الرئيس الأسد، بفتح الحدود بدءاً من 2 يونيو (حزيران) 1997، وقد ساعد هذا القرار في خلق مناخ إيجابي، وبدأت الوفود التجارية السورية والعراقية تزور عاصمتي البلدين.
ومع تفاقم الأزمة العراقية في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) عام 1997، صدر بيان سوري يرفض التهديدات الأميركية، ويدعو العرب إلى رفض هذه التهديدات. وفي منتصف نوفمبر، طلب طارق عزيز زيارة دمشق لإطلاع المسؤولين فيها على تطورات الوضع. وافق الرئيس حافظ وطلب من خدام استقباله والاستماع إليه. وفي 22 نوفمبر، استقبل خدام طارق عزيز بحضور الشرع.
وبعد تبادل عبارات المجاملة، سأله خدام عن جولته التي قام بها، فأجاب: «بالمحصلة، فقد عملنا شيئاً لا بأس به. قضيتنا كانت نائمة وشبه مهملة، وأصدقاؤنا الروس والفرنسيون يتكلمون معنا، ولكن من دون وضع حد حاسم للتصرف السيئ من الأميركيين. ثم إن الروس تكلموا بأنهم يريدون معاونتنا في تصحيح الوضع المستمر منذ فترة طويلة جداً علينا دون أفق، وبدت خلال الأيام الأخيرة محاولة وكلام سوف يساعدنا، ونحن انتهينا من عمل اللجنة الخاصة، وهذه اللجنة مهنية وغير خاضعة للأميركيين، وقد وضع موضوع رفع الحصار الاقتصادي (...) في الاتصال الذي أجريناه معكم، كانت رسالتنا لكم أن الخطر ليس على العراق وإنما على الجميع، وكان جوابكم إيجابياً. محاولة (الملك) حسين هي بلقنة المنطقة، وتشكيل فيدرالية، وإقامة دولة شيعية وسنية وكردية. كل المنطقة فيها سنة وشيعة. فالقصد إذن هو بلقنة المنطقة (...)».
تساءل طارق عزيز عما يمكن أن يعمل العراق لسوريا، فأجابه خدام: «نحن أبلغناكم أن هدفنا تحسين المناخ العربي، ولا نريد أن نخطو خطوة ذات طابع رسمي من شأنها أن تزيد الوضع العربي تعقيداً وتكون مؤذية لنا ولكم ولكل الأطراف العربية التي أخذت تتحسس من الضغوط الأجنبية، وفي مقدمتها الضغوط الأميركية. وأنتم تلمسون بأن كل ما يتعلق بالعراق نتصرف فيه بمسؤولية قومية، وهناك قنوات اتصال بيننا، وأنت الآن هنا.
برأيي، نحن حققنا تقدماً كبيراً، وطرحنا قضايا جوهرية وحققنا بها تقدماً كبيراً. لم نكن نتكلم من قبل بصوت عالٍ عن العراق، والآن أصبحنا نتكلم».
وأجاب عزيز: «خطونا خطوات جيدة، والعلاقات بيننا مريحة وبها فهم مشترك، وبدأنا بالعلاقات التجارية والناس فرحون. نريد الجانب العملي. الجانب الاقتصادي يتطلب تنظيم العلاقة بين التجار والأفراد بشكل منتظم، وهذا يتطلب وجود بعثات دبلوماسية بين البلدين، من أجل الفيزا وحتى نخدم مواطنينا. نحن لا نضغط عليكم، ولكن نطرح ذلك للتفكير. نحتاج إلى خطوة إضافية لما أنجزناه، وأن يكون هناك تبادل دبلوماسي. إذا كنتم لا تريدون العلاقات على مستوى سفراء، فليكن الوضع مثل مصر. مصر لديها رئيس رعاية للمصالح، وعملياً هي سفارة، وبعثتنا في الجامعة العربية وبعثتنا في القاهرة هي عملياً سفارة، وممثلنا هناك يذهب ويقابل الوزراء والشخصيات الرسمية... تمثيل كامل ولكن دون تسمية سفارة. دعونا نفكر، والوقت الذي ترونه مناسباً. الآن، حتى أستطيع المجيء إلى هنا أجرينا عدة اتصالات وعبر وسائل غير مباشرة».
يكتب خدام: «ازدادت حدة الضغوط الأميركية على العراق، كما ازدادت كثافة العمليات الجوية فوق الشمال والجنوب، فطلب الصحاف زيارة دمشق، واستقبله الشرع في 9 فبراير (شباط) 1998».
وحسب محضر الاجتماع، فإن الوزير العراقي أعرب عن «السرور بقبول الزيارة إلى دمشق كمبعوث من القيادة العراقية والرئيس صدام، لإحاطتكم وإحاطة الأشقاء في سوريا بآخر التطورات وبالتفاصيل الحقيقية للموضوع المتعلق بالأزمة القائمة بيننا وبين الولايات المتحدة الأميركية، ولتبادل وجهات النظر، ونسمع منكم ونعرض عليكم الحال كما هو، وما هي الاحتمالات. وجدنا أيضاً في الأيام الماضية أن هناك تحركاً تركياً، حيث زارنا في بغداد وزير الخارجية التركي إسماعيل جيم، ووجدنا من المهم أن نحيطكم علماً بما ذكره جيم أيضاً. وبالتالي، نستطيع أن نتحقق من أن ما كان يقوله لكم هو نفس ما يقوله لنا».
وقال الشرع: «خرج الوزير التركي بتصريحات مستغربة، وكانت السفارة التركية أبلغتنا أنه يود زيارة سوريا، لكنه لم يزرنا ولم يرسل لنا أفكاره. من دون شك، يتعرض العراق إلى ضغوط كبيرة جداً، والقيادة في سوريا مدركة وواعية لحجم وأهداف هذه الضغوط. وحتى قبل موضوع (صهر صدام) حسين كامل، وخلال هروبه واحتضان حسين كامل من قبل جهات معينة وتشجيعه كأنه منقذ للشعب العراقي، نحن في سوريا كنا قلقين جداً، لكن غير صامتين. قلنا شيئاً في العلن، لكن ما فعلناه في الاتصالات، خصوصاً مع مصر، نبهنا إلى خطورة ما يجري للعراق، خصوصاً حسين كامل واستخدامه كأداة. والرئيس حافظ، بشكل خاص، بذل جهداً كبيراً جداً في إفشال هذه المخططات. (الأمر) كان لا يستهدف العراق فقط، ولا يستهدف الحكم في العراق. طابعه كان يستهدف الحكم وتغيير النظام، لكن نحن لم نعتبر الموضوع تغييراً في النظام، وإنما هو تغيير في أساس البنية العراقية والمساس بها، وبالتالي تأثيرها سيكون على الأمة العربية بأكملها (...)».
وأضاف الشرع: «نلمس أيضاً دور تركيا الخطير في الموضوع. تركيا عملياً موجودة في شمال العراق، وتتحكم بأمور تمس فعلاً كيان العراق، وبتشجيع واضح من الأميركيين، وواضح الآن من الإسرائيليين. ويوجد إسرائيليون في شمال العراق كخبراء أو تحت عنوان مكافحة الإرهاب، أو لاستخدام أدوات تقنية عالية على طريقة الحزام الأمني الموجود في جنوب لبنان. أيضاً، علاقاتنا مع تركيا ساءت. وبصراحة أقول، من أجل هذا الموضوع هم امتنعوا عن الاجتماع مع سوريا في لقاءات ثنائية أو ثلاثية عندما كنا مع إيران، حيث كان هناك نوع من القلق لما يجري في شمال العراق واحتمالات استغلاله من قبل الآخرين. نحن نعرف تركيا، وهدفها مثل هدفنا... تركيا تخشى قيام دولة كردية، و(كذلك) إيران، وهذه نقطة مشتركة جيدة بين الدول الثلاث لعدم تقسيم العراق، لأن هناك خطورة مشتركة. هم أوقفوا عمل هذه اللجنة الثلاثية عندما هاجمناهم في دخولهم العراق. وإذا عدت للتصريحات تجد أنه السبب. قلنا لهم نحن نجتمع لننبه وليس للمساس بوحدة العراق... كيف يدخل طرف منا العراق؟ هذا كان آخر اجتماع في طهران منذ سنتين. ادّعوا أن هناك فراغاً أمنياً، وأن الأكراد يتقاتلون».
تساءل الوزير العراقي عن الجهة التي أحدثت الفراغ الأمني، فتابع الوزير السوري: «بصرف النظر، كان موقفنا واضحاً. وأقول لك إنه خلال السنوات الأخيرة، من أجل العراق ومن أجلنا جميعاً ومن أجل الأمة، يمكن أن أقول إننا دفعنا ثمناً غالياً. الآن علاقاتنا مع تركيا سيئة جداً، وبسبب سوء هذه العلاقة ادَّعوا أنهم لوحدهم، وأقاموا تحالفاً عسكرياً مع إسرائيل برروه بذلك. وأيضاً علاقاتنا مع الأردن. كان هناك اتصال، لكن بعد موضوع حسين كامل، هذا الاتصال بُتر. كانوا هم المبادرين بالاتصال بنا.
النقطة الثانية: نحن نعتقد أن تطبيق قرارات مجلس الأمن أو اللجنة الخاصة بالتفتيش يجب أن يكون له جدول زمني، وليس مفتوحاً للأبد، وبالتالي يمكن أن يستمر عشر سنوات ومائة سنة».
وفي اليوم التالي، استقبل الرئيس الأسد الوزير العراقي، وبعد أن عرض الصحاف الرسالة التي حملها من رئيسه، وفيها عرض للوضع وتطوراته وتحليلهم لأسباب الأزمة، والإشادة بموقف سوريا، أكد له الأسد ما يلي:
«1- إن سوريا تدرك أهداف الأزمة، وهي تتناول الوضع العربي برمته. ونحن لا يمكن أن نقف عند ظروف عابرة بين القطرين، لأن الهدف الأجنبي كبير، وهو بالأساس هدف إسرائيلي، لذلك كان موقفنا واضحاً.
2- إن ما يجري لا علاقة له بالكويت، وإنما بالمصالح الإسرائيلية والأميركية، وهو يستهدف المنطقة كلها. لذلك، أجريتُ اتصالات مع بعض الأشقاء نحذّر من مغبة العدوان على العراق، وكان موقفنا واضحاً في الاتصالات مع الأميركيين والأوروبيين.
3- نعتقد أن على العراق أن يُسقط الذرائع ويفوّت الفرصة التي يحاولون استغلالها، لأن المهم الآن تجنب الضربة العسكرية. وإذا حدث ذلك فإن قسماً كبيراً من المخطط يتعطل، ولو مرحلياً».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



الجيش اليمني يطارد الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني يطارد الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، الأحد، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة في جنوب شرقي الحديدة، بعد استكمال تحرير مديرية حيس، بالتزامن مع استمرار المعارك في غربي تعز، ومحاولات استعادة المواقع التي تقدم إليها الحوثيون.

وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات المسلحة اليمنية أسرت عشرات العناصر الحوثية خلال المعارك، غالبيتهم دون السن القانونية، في وقت تواصل فيه القوات تقدمها من شمال حيس باتجاه مديرية الجراحي، بينما تجري إعادة تقييم للموقف العسكري في جبهات غربي تعز؛ خصوصاً منطقة الكدحة التي بات تقدم الحوثيين فيها يهدد الطريق الرئيسي الرابط بين مدينة تعز ومدينة المخا الساحلية.

وكانت القوات الحكومية والقوات المشتركة قد أعلنت، السبت، استكمال تحرير مديرية حيس بمحافظة الحديدة، مركزاً وريفاً، بعد استعادة المناطق الريفية التي ظلت تحت سيطرة الحوثيين منذ سنوات، رغم تحرير مركز المديرية في عام 2018.

جندي من قوات الجيش اليمني في مدينة حيس يحمل قذيفة صاروخية (أ.ف.ب)

وجاء استكمال تحرير حيس عقب هجوم معاكس شنته القوات الحكومية، ممثلة بـ«القوات المشتركة» وألوية «المقاومة الوطنية»، و«العمالقة» و«المقاومة التهامية» و«درع الوطن»، بعد تمكن الحوثيين خلال الأيام الماضية من مهاجمة المواقع المتقدمة والسيطرة على بعضها.

وبعد استعادة تلك المواقع، واصلت القوات هجومها داخل ريف حيس، وتمكنت من تحرير المناطق المتبقية وتأمينها، قبل أن تتقدم باتجاه مواقع الحوثيين في مديرية الجراحي، وسط تراجع وفرار عناصر الجماعة وسقوط قتلى وجرحى في صفوفها، وفق مصادر عسكرية.

الجراحي في مرمى القوات

ويمثل التقدم باتجاه الجراحي تطوراً ميدانياً مهماً؛ إذ إن السيطرة على المديرية ستفتح الطريق أمام القوات الحكومية باتجاه مناطق جديدة، وتقطع الشريان الرابط بين محافظة إب ومناطق تهامة.

وتتحرك القوات الحكومية -وفق المصادر- من مواقعها في حيس باتجاه مواقع الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة، بينما تحاول الجماعة إعادة ترتيب صفوفها وتثبيت دفاعاتها أمام الهجوم المضاد.

منظر عام من مدينة حيس التي قامت القوات الحكومية اليمنية بتأمينها (سبأ)

وكان الحوثيون قد شنوا فجر الخميس هجوماً واسعاً ومتزامناً على عدد من جبهات الساحل وغربي تعز، مستفيدين من محدودية القوات في بعض المواقع، وتمكنوا من السيطرة على مواقع بينها قهبان وجبل الشيخ سعيد وجبل نعمان، ومواقع أخرى.

وسبق التقدم البري قصف مكثف بالمدفعية و«الهاون» والصواريخ، إلى جانب استخدام الطائرات المُسيَّرة والأسلحة المتوسطة والخفيفة، بينما بدا الهجوم محاولة للضغط على أكثر من محور في وقت واحد.

وفي المقابل، بدأت القوات الحكومية إعادة الانتشار، بالتزامن مع وصول تعزيزات من الجيش من اتجاهي الساحل وعدن، واحتشاد مقاتلين من أبناء المناطق في غربي تعز، قبل أن تتمكن من استعادة عدد من المواقع التي خسرتها في بداية الهجوم، مع مواصلة سعيها إلى استعادة بقية المواقع.

تهديد طريق المخا

وفي غرب تعز، لا تزال المواجهات مستمرة في جبهة جبل حبشي؛ خصوصاً في منطقة الكدحة؛ حيث تمكن الحوثيون من تحقيق اختراق ميداني خلال الهجوم، الأمر الذي بات يهدد الطريق الرئيسي بين مدينة تعز ومدينة المخا الساحلية.

وتعمل القوات الحكومية على إعادة تقييم الموقف في هذه الجبهة، تمهيداً لملاحقة الحوثيين واستعادة المواقع التي سيطروا عليها، بالتزامن مع محاولات لتثبيت خطوط الدفاع، ومنع الجماعة من توسيع نطاق تقدمها.

وكان الهجوم الحوثي قد شمل جبهات مقبنة والطوير والأحطوب والكدحة والكويحة والبرح، وصولاً إلى المناطق المتصلة بالوازعية، في محاولة -وفق المعطيات الميدانية- لتهديد طريق تعز– المخا، وفصل محور تعز عن قوات الساحل، وتشتيت الاحتياط الحكومي، وحماية مواقع الجماعة في الحديدة من أي تحرك مضاد.

حطام مُسيَّرات حوثية أسقطتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وفي الجنوب الشرقي من تعز، حققت القوات الحكومية، السبت، تقدماً في جبهة حيفان؛ حيث تمكن «اللواء الرابع حزم» من السيطرة على تبة الوثرة، وتبة سعيد طه، في منطقة المفاليس، إلى جانب تباب ذيبان والخضيرة والنجدين.

وتطل هذه المواقع على سوق الخزجة وخطوط إمداد الحوثيين باتجاه عدد من الجبهات شمال غربي لحج وجنوبي تعز، ما يمنحها أهمية عسكرية في إطار العمليات الرامية إلى الضغط على الجماعة من أكثر من محور.

صواريخ ورد عسكري في الجوف

بالتزامن مع المعارك، استهدفت الجماعة الحوثية مدينة تعز، فجر الأحد، بثلاثة صواريخ باليستية سقطت بالقرب من مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة، من دون وقوع خسائر بشرية، وفق مصادر محلية.

كما واصلت الجماعة استهداف المدنيين بالقنص في المناطق السكنية غربي تعز، ما أدى إلى إصابة 4 مدنيين، بينهم 3 أطفال وامرأة، في منطقتي الكدحة والرحبة.

وفي محافظة الجوف، شمال شرقي صنعاء، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي أن القوات نفَّذت عملية رد عسكري على التصعيد الحوثي استهدفت معسكر اللبنات، مؤكداً «تدمير وتحييد قدرات وعناصر» الجماعة في المعسكر، واستخدام قدرات عسكرية نوعية أُدخلت حديثاً إلى الخدمة.

ويأتي ذلك بينما لا تزال خريطة السيطرة الميدانية غير مستقرة في بعض جبهات تعز، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية تحويل التعزيزات والإسناد الجوي إلى هجوم بري مضاد يعيد تأمين الطريق بين تعز والساحل، ويمنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم التي حققوها في بداية التصعيد.

ووجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي التحية للقوات الحكومية والتشكيلات العسكرية، مشيداً بما حققته خلال الساعات الماضية من مكاسب في تعز والحديدة، وباستكمال تحرير وتأمين مديرية حيس، وبالدور الذي يؤديه سلاح الجو في إسناد القوات البرية.

وأكد العليمي -خلال اتصالاته بالقادة العسكريين والميدانيين- ضرورة تثبيت المناطق المحررة وتطهير المواقع التي تسللت إليها الجماعة، والحفاظ على زمام المبادرة، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية.

منظر عام لمدينة تعز اليمنية التي تشهد جبهاتها معارك مع الحوثيين (سبأ)

وشدد على أن القوات الحكومية قادرة على استعادة الأراضي، محذراً الحوثيين من عواقب التصعيد، ومؤكداً في الوقت ذاته ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك وحماية المدنيين وحسن معاملة المحتجزين.

ودعا أبناء القبائل والمغرر بهم في مناطق سيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، في وقت تكشف فيه عملية أسر عشرات العناصر الحوثية، وبينهم قُصَّر، جانباً من طبيعة الحشد الذي اعتمدت عليه الجماعة في هجومها الأخير على جبهات الساحل وتعز.


هجمات الحوثيين تفاقم مأساة النزوح غرب تعز والحديدة

رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
TT

هجمات الحوثيين تفاقم مأساة النزوح غرب تعز والحديدة

رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)

يعيش آلاف النازحين اليمنيين جراء التصعيد الحوثي الأخير في غرب محافظة تعز وجنوب محافظة الحديدة أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل استمرار اتساع رقعة المواجهات، بينما لا يزال أكثر من 80 في المائة منهم من دون مأوى.

وبحسب بيانات حكومية، نزح أكثر من 12 ألف شخص خلال الأيام الثلاثة الأخيرة وحدها، بينما لا يزال آلاف آخرون عالقين خلف خطوط النار بعد تمركز الحوثيين وسط القرى والمرتفعات المجاورة لها.

وقالت مصادر حكومية في الساحل الغربي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إن مديريات موزع والوازعية وذباب استقبلت آلاف الفارين من المعارك، بفعل التصعيد الحوثي في مديريتي مقبنة وجبل حبشي ونقل المواجهات إلى وسط التجمعات السكانية، بينما لجأت أعداد مماثلة إلى مديريات مجاورة بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

نازحون يحملون ما استطاعوا من أمتعة بعد تحويل الحوثيين قراهم إلى مواقع عسكرية (إعلام محلي)

ولا يزال آلاف المدنيين محاصرين خلف خطوط التماس، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تواجه الأسر الراغبة في الفرار من مناطق القتال. وأفادت المصادر بأن الجماعة الحوثية استهدفت سيارة كانت تقل عائلة هاربة من القتال في منطقة الكدحة، مما أدى إلى إصابة أربعة من أفرادها، بينهم أطفال في عمر السابعة.

ودعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد إلى عقد اجتماع طارئ قبل نهاية الأسبوع الحالي أو بداية الأسبوع المقبل، لمناقشة التدخلات العاجلة تجاه النازحين في غرب تعز وجنوب الحديدة.

1400 أسرة

رصدت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، حتى مساء الجمعة الماضي، نزوح 1395 أسرة في محافظتي تعز والحديدة، جراء التصعيد العسكري الذي شنته الجماعة الحوثية في عدد من المناطق، مما دفع الأسر إلى مغادرة مساكنها ومواقع نزوحها والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً.

وبحسب التقارير الميدانية للوحدة، بلغ عدد الأسر النازحة في تعز 1149 أسرة، توزعت على مديريات جبل حبشي والمعافر ومقبنة وموزع والشمايتين والمظفر، بعد نزوحها من مناطق شهدت تصعيداً وقصفاً، خصوصاً في مقبنة وجبل حبشي والمعافر.

وفي الحديدة، رصدت الوحدة نزوح 246 أسرة إلى مديريتي حيس والخوخة، منها 207 أسر إلى حيس و39 أسرة إلى الخوخة، نتيجة الحرب والاشتباكات والصراع المسلح، وتوزعت الأسر على عدد من القرى والمواقع داخل المديريتين.

آلاف المدنيين عالقون خلف خطوط النار بعد إغلاق الحوثيين الطرق (إعلام محلي)

وقالت الوحدة التنفيذية إن الأسر النازحة في المحافظتين تواجه احتياجات إنسانية متزايدة، في مقدمتها المأوى والغذاء ومياه الشرب والإصحاح والرعاية الصحية والحماية والمستلزمات الأساسية، فيما تحتاج بعض الأسر إلى حلول إيواء عاجلة، خصوصاً تلك التي وصلت من دون سكن أو تقيم في ترتيبات مؤقتة.

وتواصل فرق الوحدة التنفيذية في المحافظتين رصد وتسجيل حركة النزوح، ومتابعة أماكن استقرار الأسر وتحديد احتياجاتها، والتنسيق مع السلطات المحلية والجهات المعنية والشركاء الإنسانيين، بهدف تسهيل استقبال النازحين وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وحذَّرت الوحدة من احتمال استمرار واتساع حركة النزوح في حال تواصل التصعيد، مؤكدة ضرورة رفع مستوى الجاهزية وتسريع الاستجابة الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر النازحة ودعم المناطق المستقبلة لها.

موجات نزوح في غرب تعز

كانت بيانات أممية حديثة وزعها مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أظهرت أن أكثر من 27 ألف مدني نزحوا من غرب محافظة تعز وحدها جراء التصعيد الحوثي في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، ونبهت إلى أن هذه الأسر تتناول أقل من ثلاث وجبات يومياً بعد انتقالها إلى مديريات مجاورة خاضعة لسيطرة الحكومة.

وذكر المكتب الأممي أن نحو 1790 أسرة في محافظة تعز نزحت منذ 3 سبتمبر (أيلول) الحالي وحتى الآن، جراء تجدد الاشتباكات والقصف المدفعي في مناطق عدة بمديريتي مقبنة وجبل حبشي غربي المحافظة.

الحوثيون استهدفوا المسافرين على الطرقات في تعز بالصواريخ والقذائف (إعلام عسكري)

ووفق التقرير، تحركت معظم الأسر النازحة داخل مديريتي مقبنة وجبل حبشي، وانتقلت إلى قرى قريبة أو إلى أقارب يعيشون في مواقع داخل المديريتين، فيما توجهت أسر أخرى إلى مديريات المعافر والشمايتين، أو إلى موزع وذباب في الساحل الغربي، بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

وأشار المكتب الأممي إلى إخلاء مواقع كاملة للنازحين في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، من بينها موقعا الحجب والراجحي، الأمر الذي تسبب في موجات نزوح ثانية، منبهاً إلى أن بعض الأسر لا تزال عالقة بالقرب من مناطق خطوط المواجهة بسبب استمرار القصف وصعوبة الانتقال.

من جهتها، ذكرت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أنها سجَّلت نزوح 274 أسرة، تضم 1644 فرداً، خلال الأسبوع الأخير من أغسطس (آب) الماضي، ليرتفع إجمالي عدد الأسر النازحة حديثاً التي تم تسجيلها منذ بداية العام الحالي إلى 2631 أسرة، تضم 15 ألفاً و786 فرداً.

دخان يتصاعد في إحدى قرى الساحل الغربي اليمني جراء القصف الحوثي (إعلام عسكري)

وقالت المنظمة في تقريرها الأسبوعي إن التصعيد الأخير للصراع في محافظة تعز أدَّى إلى زيادة كبيرة في حالات النزوح الداخلي، مشيرة إلى أن التقديرات تظهر نزوح 215 أسرة حديثاً داخل المحافظة خلال أسبوع، بينما انتقلت الغالبية إلى مناطق أكثر أمناً، ولا سيما مديريات موزع ومقبنة والمخا.

وأفادت بأن 95 في المائة من الأسر نزحت لأسباب مرتبطة بالنزاع، بعدد بلغ 261 أسرة، فيما نزحت 4 في المائة من الأسر، وعددها 12 أسرة، لأسباب اقتصادية. وبرز الدعم المالي باعتباره الاحتياج الأكثر إلحاحاً لنحو 61 في المائة من الأسر النازحة، يليه المأوى بنسبة 27 في المائة، والمساعدات الغذائية بنسبة 8 في المائة، والمواد غير الغذائية بنسبة 3 في المائة.


استنفار حوثي وتجنيد قسري في محافظة إب

الحوثيون يستغلون الفعاليات التعبوية لاستدراج الأطفال إلى التجنيد (غيتي)
الحوثيون يستغلون الفعاليات التعبوية لاستدراج الأطفال إلى التجنيد (غيتي)
TT

استنفار حوثي وتجنيد قسري في محافظة إب

الحوثيون يستغلون الفعاليات التعبوية لاستدراج الأطفال إلى التجنيد (غيتي)
الحوثيون يستغلون الفعاليات التعبوية لاستدراج الأطفال إلى التجنيد (غيتي)

كثَّفت الجماعة الحوثية خلال الساعات الماضية حملات التجنيد القسري في عدد من قرى ومناطق محافظة إب، مستهدفة بصورة خاصة الشبان والأطفال، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في جبهة الساحل الغربي وتعز، وتكبد الجماعة خسائر بشرية، وفق مصادر محلية مطَّلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن مشرفين حوثيين -بناءً على توجيهات من قيادات عليا في الجماعة- بدأوا تنفيذ حملات استقطاب وتجنيد قسري في عدد من مديريات المربع الغربي لمحافظة إب، في محاولة لرفد صفوفها بعناصر جديدة، وتعزيز مواقعها العسكرية.

وأضافت المصادر أن عمليات التجنيد تركزت على فئة الشبان، إلى جانب استهداف أطفال في بعض المناطق التابعة لمديريات العدين وفرع العدين وحزم العدين ومذيخرة، وسط ضغوط وتهديدات مورست بحق الأهالي لدفع أبنائهم إلى الالتحاق بمعسكرات ومواقع تابعة للجماعة.

وقال أحد سكان المناطق المستهدفة -مفضلاً عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه أو أسرته للمضايقة- لـ«الشرق الأوسط»، إن مشرفين حوثيين بدأوا منذ ظهر السبت الماضي التحرك بين القرى والمناطق السكنية، وحث الأهالي على الدفع بأبنائهم إلى الجبهات، وسط ضغوط متزايدة على الأسر.

ضربات الجيش اليمني على مواقع الحوثيين تنعش الآمال بإنهاء الانقلاب (إكس)

وأضاف أن الحملة لم تقتصر على الشبان، وإنما شملت فتياناً في سن مبكرة؛ مشيراً إلى أن بعض الأسر تحاول تجنب الاستجابة لمطالب التجنيد، خشية الزج بأبنائها في مناطق المواجهات.

وفي شهادة أخرى، أفاد أحد أبناء المحافظة بأن حالة الاستنفار الحوثية باتت أكثر وضوحاً في عدد من المناطق، بالتزامن مع تكثيف تحركات المشرفين، وعقد لقاءات مع وجهاء وأعيان وأهالي المديريات المستهدفة، بهدف حشد مقاتلين جدد.

وقال إن السكان يعيشون حالة من القلق، مع ازدياد الحديث عن احتمال اتساع نطاق المواجهات، واقترابها من المناطق الغربية للمحافظة، مضيفاً أن الأسر تخشى من تعرض أبنائها لضغوط، لإجبارهم على الالتحاق بالجبهات.

وأكد ناشط محلي طلب عدم ذكر اسمه، أن حملات التجنيد باتت مصدر قلق متزايد للأهالي؛ خصوصاً مع استهداف الفئات الأصغر سناً، داعياً إلى حماية الأطفال ومنع الزج بهم في الأعمال العسكرية.

تحرك عسكري وتحسين للتحصينات

في مديرية فرع العدين، المحاذية لمناطق جبل رأس والجراحي في محافظة الحديدة، أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة الحوثية المدعومة من إيران دفعت بعشرات من المجندين الجدد إلى مواقع مستحدثة، بالتزامن مع إنشاء نقاط عسكرية وخنادق في عدد من البلدات والقرى والعزل الواقعة في المناطق الغربية من المديرية.

وحسب المصادر، جاءت هذه التحركات في أعقاب حالة من الهلع والاستنفار في صفوف مقاتلي الجماعة، على خلفية ما وصفته المصادر بتقدم القوات المشتركة في جبهة الساحل الغربي؛ حيث تواجه الجماعة ضغوطاً ميدانية متزايدة وخسائر في صفوف عناصرها.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبئة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة (رويترز)

وأوضحت المصادر أن الجماعة كثفت انتشارها في المناطق الغربية من فرع العدين، وعملت على تعزيز مواقعها واستحداث تحصينات ونقاط جديدة، تحسباً لأي تقدم محتمل للقوات المشتركة باتجاه المناطق المحاذية للمديرية.

وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع تطورات عسكرية متسارعة في جبهة الساحل الغربي، وسط مخاوف لدى الجماعة -وفق مصادر محلية وعسكرية- من انتقال العمليات إلى مناطق أقرب إلى محافظة إب.

ووفقاً للمصادر، تنظر الجماعة الحوثية بقلق إلى احتمالات تقدم القوات المشتركة باتجاه مدينة الجراحي في محافظة الحديدة، ثم منطقة جبل رأس، وصولاً إلى مديريات المربع الغربي لمحافظة إب.

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

وترى المصادر أن قرب هذه المناطق من محافظة إب يفسر -إلى حد بعيد- حالة الاستنفار التي تشهدها الجماعة في المحافظة، ومحاولتها تعزيز وجودها العسكري والأمني عبر استقدام مزيد من العناصر، وتكثيف عمليات التجنيد، وإنشاء مواقع ونقاط جديدة، وتحسين تحصيناتها في المناطق الغربية.

وتشير المصادر إلى أن هذه التحركات تعكس -وفق تقديرها- مساعي الجماعة الحوثية للاستعداد لأي تطورات ميدانية محتملة قد تفرضها التحولات المتسارعة في جبهة الساحل الغربي؛ خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس.