الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

في رسائل سرية بين الرئيسين تنشرها «الشرق الأوسط»... دمشق لم تكن مرتاحة لتكليف رمضان وعزيز تحسين العلاقات

صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
TT

الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية غير مؤرخة للرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق (أ.ف.ب)

في النصف الثاني من عام 1996، أصبح هدف الرئيس السوري حافظ الأسد هو «وقف إسقاط النظام العراقي»، وركز اتصالاته لهذا الغرض، إضافة إلى اتخاذ قرار بفتح الحدود السورية - العراقية المغلقة منذ 1982.
وخلال المراسلات بين الأسد وصدام، التي حصلت «الشرق الأوسط» من أوراق مبعوثي الرئيسين، نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام والسفير العراقي لدى قطر أنور صبري عبد الرزاق، بدا واضحاً اختلاف الأولويات والإيقاع: الأسد، كان متريثاً وشكوكاً، فيما كان صدام يستعجل التعاون، إلى حد أنه اقترح العودة إلى «ميثاق العمل الوطني» و«الاتحاد» بين الدولتين، الذي يعتقد الأسد أن «غريمه» العراقي على الضفة الأخرى من نهر الفرات والجناح المنافس في حزب «البعث»، كان قد مزقه في عام 1979.
مبعوث صدام قال في دمشق إن «السيد الرئيس»، حمله رسالة إلى «الشام»، بأنه «إذا كان الإخوان يريدون بحث ميثاق العمل القومي فنحن موافقون. الآن العلاقات جيدة وتجاوزنا الأمور الماضية» في السبعينات والثمانينات. المشكلة، أن هذا الكلام قيل إلى خدام، الذي كان قد طار إلى بغداد في 1979، لمعرفة أسباب «انقلاب» صدام ونزعه رأس النظام، الرئيس أحمد حسن البكر «المتحمس» لـ«الوحدة» السورية - العراقية.
أيضاً، تكشف محاضر الاجتماعات والوثائق، أن تسمية صدام نائبه طه ياسين رمضان ونائب رئيس الوزراء طارق عزيز ملف التباحث مع السوريين في تطوير العلاقات، لم تترك «ارتياحاً لدينا (الأسد وخدام)، نظراً للتجارب المرة السابقة، حيث عقدت في الماضي لقاءات عديدة» سرية مع طارق عزيز من قبل خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع... «دون جدوى». لكن، مع مرور الأيام وزيادة الضغوطات على بغداد و«قلق الأسد من سقوط نظام صدام وانهيار العراق وانعكاسات ذلك على استقرار سوريا ونظامها»، وافقت دمشق على استقبال عزيز في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، ثم وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف في فبراير (شباط) 1998. وحسب محضر الاجتماع الرسمي بين الأسد والصحاف، قال الرئيس السوري: «أجريتُ اتصالات مع بعض الأشقاء لنحذّر من مغبة العدوان على العراق، وكان موقفنا واضحاً بالاتصالات مع الأميركيين والأوروبيين. نعتقد أن على العراق أن يُسقط الذرائع ويفوّت الفرصة التي يحاولون استغلالها، لأن المهم الآن تجنب الضربة العسكرية. وإذا حدث ذلك، فإن قسماً كبيراً من المخطط يتعطل، ولو مرحلياً».
بعد عودة خدام من باريس ولقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، عرض على الرئيس الأسد، الموقف الفرنسي، فطلب عقد اجتماع بمشاركة رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي ووزير الخارجية فاروق الشرع، لمناقشة موضوع العراق، وتم التوصل إلى المقترحات التالية، حسب وثيقة رسمية سورية: «أهداف العمل... رأينا تحديد أهداف العمل حتى لا نقع في أوهام حول النظام في العراق. والأهداف هي:
1- العمل على وقف إسقاط النظام العراقي عن طريق الأميركيين والإسرائيليين والأردن.
2- خلق مناخ للاتصال بالجهاز الحزبي يمكّننا من دفع قاعدة مستمرة للعمل بين القطرين.
3- إعطاء رسالة للأميركيين وإسرائيل حول قدرتنا على خلق ظروف جديدة في المنطقة.
4- الإسهام في رفع الحالة المعنوية الشعبية العربية.
5- تأمين مصالح سوريا في العراق وغيره.
وكان برنامج العمل يقضي بأن يُستدعى السفير العراقي لدى قطر، أنور صبري، ويُبلّغ أن القيادة السورية ستصدر تصريحاً تعلن فيه فتح الحدود الدولية مع العراق، التي كانت أُغلقت عام 1982، وبما لا يتعارض مع قرارات مجلس الأمن. ويتضمن البيان الأسباب الموجبة لهذا القرار، ومنها معاناة الشعب العراقي الشقيق، وما توجبه الأخوّة والعلاقات القومية من العمل على إزالة معاناته، كما يتضمّن البيان فقرة تقول إن لقاءً سيعقد بين المسؤولين في البلدين لبحث ترتيبات فتح الحدود، وأن يُبلَّغ السفير اقتراحاً بعقد لقاء سياسي لبحث كيفية تنظيم العلاقات بين البلدين في جوانبها المختلفة، مع برمجة هذا التنظيم بما لا يلحق الضرر بأي منهما ولا يزيد في تعقيد الوضع العربي، ويعقب اللقاء السياسي اجتماعات للجان أمنية واقتصادية لوضع ما يتفق عليه موضع التنفيذ، كما يحدد اللقاء السياسي صيغة الاتصال بين البلدين، ونقترح أن تكون اللقاءات سرية لتفويت فرص الإضرار بالبلدين من جهة، وعدم إتاحة فرصة لإفشالها.
وبتاريخ 21 أغسطس (آب) 1996، استقبل خدام أنور صبري. وحسب محضر الاجتماع، «فإنني أبلغته أنه خلال هذه الفترة تعرّضنا لضغوط كبيرة من جهات مختلفة، مع تلميحات باتخاذ إجراءات، وأن هذه الضغوط لم تغيّر موقفنا، كما تحدثنا مع عدد من الدول العربية، واستطعنا إقناعها بصحة توجّهنا. نقترح عليكم أن تصدر الحكومة السورية تصريحاً تعلن فيه فتح الحدود الدولية بما ينسجم مع قرارات مجلس الأمن، وأن مسؤولين من البلدين سيتجمعون لتنظيم ذلك، وأن تجتمع لجنة لتبحث، وبشكل متدرّج، الأمور التي من مصلحة البلدين أن تتحقق ولا تسبب إثارة للآخرين، وهذا ليس خوفاً وإنما لحماية ما نحن مقبلون عليه، ونمشي بشكل تدريجي، ما يساعد في النجاح، وصولاً إلى تحقيق ما نريد تحقيقه، نحن وأنتم، لمصلحة البلدين والأمة العربية.
سألني السفير عن مستوى اللجنة، فأجبته: على مستوى القرار، وقريبين من مركز القرار. ويجب أن تتمتع اللجنة بالرؤيا المناسبة لتستطيع أن تقترح كل ما يمكن من الخطوات التي في صالح البلدين».
وبتاريخ 28 أغسطس (آب)، استقبل خدام المبعوث العراقي، حسب وثيقة سورية من خدام؛ «أبلغني أنه أطلع الرئيس صدام على الأفكار التي حملها من دمشق، فدعا إلى اجتماع مجلس قيادة الثورة وأعضاء القيادة القطرية وعرض عليهم الاتصالات التي جرت مع دمشق، وأنه طلب من المجتمعين مناقشة الموضوع واتخاذ القرار المناسب. وبعد الاجتماع استدعى السفير وحمّله الرسالة التالية: تؤكد قيادة العراق رغبته في إقامة نمط جديد من العلاقات مع الشقيقة سوريا، ووفق ما بيّنه الرئيس صدام من خلال مبعوثه أنور صبري، وكذلك من خلال اللقاء الذي تم مع 3 يونيو (حزيران) في بغداد».
ترى قيادة العراق أن الخطوة الفضلى هي عقد لقاء على مستوى سياسي بين الطرفين لبحث ما يمكن اتخاذه من خطوات، ومن ذلك موضوع فتح الحدود. فهناك كثير من الأمور والتحديات التي تواجه البلدين الشقيقين والأمة العربية، تستوجب استعراضها وتقييمها. وتلبية لرغبة الأشقاء في القيادة السورية لتشكيل لجنة قريبة من القيادة في القطرين لبحث الأمور المشتركة، فإن قيادة العراق مستعدة لتكليف عضوي القيادة: طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية، وطارق عزيز نائب رئيس مجلس الوزراء، أو أحدهما، وفق ما يرغب به الأشقاء في سوريا، لإجراء اللقاء السياسي مع من تختاره القيادة في دمشق. نترك للرفاق في سوريا تحديد: موعد الاجتماع، ومكان اللقاء، وسريته أو علانيته».

لم تترك تسمية طه ياسين رمضان وطارق عزيز للتباحث مع وفد سوري ارتياحاً في دمشق، نظراً للتجارب المرة السابقة، حيث عقدت في الماضي لقاءات عديدة بيني وبين طارق عزيز، وبين فاروق الشرع وعزيز دون جدوى.
وفي 31 أغسطس (آب) 1996، استدعى نائب الرئيس السوري السفير العراقي وأبلغه ما يلي: «نظراً لتعدد المواضيع وأهميتها، التي ستكون حوار مناقشة بين وفدي البلدين، لذلك نأمل أن يوافينا الأشقاء في بغداد بالمواضيع التي يرون إدراجها على جدول الأعمال، لنقوم بمناقشتها ودراستها. وفي ضوء ذلك يتم تحديد تشكيل الوفد الذي سيتولى المحادثات. والهدف هو أن يذهب كل وفد مزوداً بالصلاحيات حتى لا تبقى الأمور بحدود ضيقة».
يضيف: «لم يترك اقتراح تسمية طه ياسين رمضان وطارق عزيز ارتياحاً لدينا كما أشرت فيما تقدّم، واعتبرنا هذه التسمية دليل عدم جدية من الجانب العراقي».
وحاول أنور صبري تحديد موعد لزيارة دمشق مراراً، لأن لديه «أموراً مهمة» لطرحها، بما في ذلك العودة إلى ميثاق العمل القومي الموقّع بين البلدين عام 1978، لكن حصل تأخير. وفي 21 فبراير (شباط) 1997، استقبل خدام أنور صبري، و«دار حديث عام حول الوضع العربي والجولات التي قمت بها والهدف منها، لشرح حساسية الوضع العربي ودقة المرحلة والضغوط»، حسب محضر من أوراق خدام. يضيف: «ثم أبلغني رسالة تتضمن تحيات الرئيس صدام لأخيه الرئيس حافظ وأخيه خدام، ويؤكد موقف العراق، قيادة وشعباً، من الوقوف مع سوريا بكل إمكاناته لمواجهة استحقاقات المرحلة التي تمر بها الأمة العربية، والتحديات الخطيرة التي تهدد الأمن القومي العربي، وأن الأمة العربية مطالبة بالوقوف صفاً واحداً بعد القفز فوق الخلافات الشكلية، لفتح صفحة جديدة، لقطع الطريق على كل المحاولات التي تستهدف التفرد بها. وهذا لن يتحقق إلا بعودة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى سابق قوتها وفعلها (...). لذلك، إن مقترحاتنا (صدام) بجدول الأعمال للقاء المقترح هي:
1- بحث العلاقات الدبلوماسية كخطوة مهمة لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين الشقيقين.
2- بحث موضوع التبادل التجاري وفتح أنابيب النفط في ضوء استعداد القيادة السورية لفتح الحدود.
3- تشكيل لجنة مساعِدة للجنة القيادية العليا، لمتابعة تنفيذ ما يُتفق عليه في اللجنة القيادية من خطوات لتطوير العلاقات.
4- أي موضوعات أخرى يرغب بها الإخوة السوريون لبحثها.
وأخيراً، يشكر العراق سوريا على الدور الذي قامت به لإطلاق سراح الدبلوماسيين العراقيين في لبنان».
وبعد أن أنهى إملاء الرسالة قال أنور صبري، إن «الرئيس صدام؛ أبلغني أنه إذا كان الإخوان يريدون بحث ميثاق العمل القومي فنحن موافقون. الآن العلاقات جيدة، وتجاوزنا الأمور الماضية».
أجابه خدام: «إننا في كل اتصالاتنا العربية والدولية فإن العراق حاضر، وشجعنا فرنسا على أن تخطو خطوات إيجابية. بالإضافة إلى ذلك فقد فعلنا الكثير رغم عدم وجود علاقات، ومنها إفشال عدد من المخططات ضد العراق (...)».
وتابع: «ليت ذلك كان منذ عام 1978، لما وصل الوضع العربي إلى ما هو عليه. هناك من استطاع (...) الدخول إلى بغداد عبر دسائسه لتخريب ميثاق العمل القومي، ثم لتوريط العراق في حرب ضد إيران».
وأشار السفير أنور صبري إلى أن رئيسه «سيجري تغييرات أساسية في الحزب والدولة، ولكنه ينتظر العلاقات مع سوريا، وهذه التغييرات ستطال مراكز أساسية». وسلم خدام مقترحين لإعادة العلاقات، جاء في أحدهما: «انطلاقاً مما يربط بين جمهورية العراق والجمهورية العربية السورية وشعبيهما الشقيقين من روابط ووشائج مصيرية ومصالح مشتركة، ونظراً لما تستوجبه ظروف العمل القومي والعلاقات بين جمهورية العراق والجمهورية العربية السورية، وبضوء ما حصل من اتصالات بينهما، فقد قررت حكومة جمهورية العراق إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الجمهورية العربية السورية الشقيقة، على مستوى السفراء، وذلك بدءاً من 1996».
وفي 26 فبراير (شباط) 1997، استقبل نائب الرئيس السوري مبعوث صدام وأبلغته: «نحن بصدد إعداد مبادرة عربية لتصحيح الوضع العربي واستبدال صيغ جديدة بالأساليب والصيغ القائمة في العمل العربي، تحدد الالتزامات وضماناتها وتوفّر الطمأنينة للجميع وتفتح الطريق أمام تعاون جدي مبني على قواعد سليمة».
ثم قرأ عليه الرسالة التالية: «تحيات الرئيس وتحياتي للرئيس صدام حسين. منذ بدأنا تبادل الأفكار عبر السفير أنور حول الوضع العربي والمخاطر المحدقة بالأمة العربية، لا سيما المخاطر الإسرائيلية وما تعمل الصهيونية لتحقيقه في المنطقة، إلى جانب الهيمنة الأجنبية والمطامع بموارد العرب وثرواتهم، والشعور بمسؤولية القطرين، لا سيما أنهما هدفان يجري التركيز عليهما، فقد تحقق تقدم موضوعي في العلاقات، وانتقلنا من مرحلة التأزّم والعداء إلى مرحلة فهم مشترك لعدد من القضايا الرئيسية التي تهم الأمة العربية جميعها، وتصدي سوريا للمؤامرات التي استهدفت وحدة العراق وأمنه الوطني مثال واضح (...). وإذا خطونا في القطرين خطوات في الشكل تشكّل ذريعة، وأخذ الآخرون من ذلك ذريعة للاستجابة للضغوط الأميركية في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فيجب أن نقع في احتمال صعوبة تصحيح مثل هذه الخطوات والحد من أضرارها (...) وقسم من العرب في خندق إلى جانب تركيا والقوى الأجنبية من خارج المنطقة، ونحن في جانب آخر (...). والرسالة واضحة من رغبة سوريا في التعاون مع العراق في مواجهة المخاطر، وضمن رؤية موضوعية للواقع الراهن، بعيداً عن شكليات العلاقات الدبلوماسية التي يمكن أن تثير ردود فعل بالنتيجة، لن تكون في صالح سوريا أو العراق أو جهدنا لتحسين مناخ العلاقات العربية».
وعلى ما يبدو، فإن القيادة العراقية فهمت رسالة دمشق فهماً خاطئاً. ذلك أنه خلال دورة الجامعة العربية في 29 مارس (آذار)، سلّم وزير خارجية العراق محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الرسالة التالية: «يهدي الرئيس صدام تحياته إلى الرئيس حافظ... اطلعنا باهتمام على رسالتكم التي تسلمها أنور صبري من خدام في فبراير (شباط)، ونود أن نؤكد أن الدافع الذي دعانا إلى الاتصال بكم في خريف عام 1995 هو تقديرنا للمخاطر التي تهدد الأمة العربية في كيانها ومصيرها، ومنها ما يهدد العراق وسوريا. وقد قلنا لكم في حينه إننا نرى أن ما يجري حولنا يهددنا معاً، كما يهدد الأمة ككل. فإذا كان هذا هو تقديركم أيضاً فإننا مستعدون للبحث المشترك فيما ينبغي وما يمكن أن نفعله. وقد كان ردكم إيجابياً، بمعنى أنكم تشاركوننا هذا التحليل والاستنتاج، وعلى هذا الأساس استمرت الاتصالات بيننا، كما جرى لقاءان في القاهرة ونيويورك بين وزيري خارجيتنا، الصحاف والشرع (...) ومهما كانت الاجتهادات حول المرحلة السابقة، فإن القيادة في العراق ترى أن المهم الآن هو التوصّل إلى صورة واضحة عن ظروف الحاضر وآفاق المستقبل: ما الأخطار المحدقة بالأمة الآن؟ وما الأخطار المتوقعة خلال المرحلة المقبلة؟ وما مصادرها وكيفية مواجهتها؟
نؤكد لكم أننا فيما عبّرنا عنه من آراء ومقترحات لم نكن نقصد إطلاقاً، ومنذ البداية، عملاً ثنائياً منفرداً ومعزولاً عن الجهد العام لتحقيق علاقات أفضل من السابق مع كل الأقطار العربية دون استثناء لأحد (...) إننا مع بيان رأينا وتحليلنا لا نقصد إطلاقاً إحراجكم لاتخاذ خطوة لا ترون اتخاذها في هذه المرحلة وفقاً لتقديركم للأمور».
وبعد سنتين من التوجّه لفتح الحدود بين القطرين، اتخذت الحكومة السورية قراراً، بتوجيه من الرئيس الأسد، بفتح الحدود بدءاً من 2 يونيو (حزيران) 1997، وقد ساعد هذا القرار في خلق مناخ إيجابي، وبدأت الوفود التجارية السورية والعراقية تزور عاصمتي البلدين.
ومع تفاقم الأزمة العراقية في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) عام 1997، صدر بيان سوري يرفض التهديدات الأميركية، ويدعو العرب إلى رفض هذه التهديدات. وفي منتصف نوفمبر، طلب طارق عزيز زيارة دمشق لإطلاع المسؤولين فيها على تطورات الوضع. وافق الرئيس حافظ وطلب من خدام استقباله والاستماع إليه. وفي 22 نوفمبر، استقبل خدام طارق عزيز بحضور الشرع.
وبعد تبادل عبارات المجاملة، سأله خدام عن جولته التي قام بها، فأجاب: «بالمحصلة، فقد عملنا شيئاً لا بأس به. قضيتنا كانت نائمة وشبه مهملة، وأصدقاؤنا الروس والفرنسيون يتكلمون معنا، ولكن من دون وضع حد حاسم للتصرف السيئ من الأميركيين. ثم إن الروس تكلموا بأنهم يريدون معاونتنا في تصحيح الوضع المستمر منذ فترة طويلة جداً علينا دون أفق، وبدت خلال الأيام الأخيرة محاولة وكلام سوف يساعدنا، ونحن انتهينا من عمل اللجنة الخاصة، وهذه اللجنة مهنية وغير خاضعة للأميركيين، وقد وضع موضوع رفع الحصار الاقتصادي (...) في الاتصال الذي أجريناه معكم، كانت رسالتنا لكم أن الخطر ليس على العراق وإنما على الجميع، وكان جوابكم إيجابياً. محاولة (الملك) حسين هي بلقنة المنطقة، وتشكيل فيدرالية، وإقامة دولة شيعية وسنية وكردية. كل المنطقة فيها سنة وشيعة. فالقصد إذن هو بلقنة المنطقة (...)».
تساءل طارق عزيز عما يمكن أن يعمل العراق لسوريا، فأجابه خدام: «نحن أبلغناكم أن هدفنا تحسين المناخ العربي، ولا نريد أن نخطو خطوة ذات طابع رسمي من شأنها أن تزيد الوضع العربي تعقيداً وتكون مؤذية لنا ولكم ولكل الأطراف العربية التي أخذت تتحسس من الضغوط الأجنبية، وفي مقدمتها الضغوط الأميركية. وأنتم تلمسون بأن كل ما يتعلق بالعراق نتصرف فيه بمسؤولية قومية، وهناك قنوات اتصال بيننا، وأنت الآن هنا.
برأيي، نحن حققنا تقدماً كبيراً، وطرحنا قضايا جوهرية وحققنا بها تقدماً كبيراً. لم نكن نتكلم من قبل بصوت عالٍ عن العراق، والآن أصبحنا نتكلم».
وأجاب عزيز: «خطونا خطوات جيدة، والعلاقات بيننا مريحة وبها فهم مشترك، وبدأنا بالعلاقات التجارية والناس فرحون. نريد الجانب العملي. الجانب الاقتصادي يتطلب تنظيم العلاقة بين التجار والأفراد بشكل منتظم، وهذا يتطلب وجود بعثات دبلوماسية بين البلدين، من أجل الفيزا وحتى نخدم مواطنينا. نحن لا نضغط عليكم، ولكن نطرح ذلك للتفكير. نحتاج إلى خطوة إضافية لما أنجزناه، وأن يكون هناك تبادل دبلوماسي. إذا كنتم لا تريدون العلاقات على مستوى سفراء، فليكن الوضع مثل مصر. مصر لديها رئيس رعاية للمصالح، وعملياً هي سفارة، وبعثتنا في الجامعة العربية وبعثتنا في القاهرة هي عملياً سفارة، وممثلنا هناك يذهب ويقابل الوزراء والشخصيات الرسمية... تمثيل كامل ولكن دون تسمية سفارة. دعونا نفكر، والوقت الذي ترونه مناسباً. الآن، حتى أستطيع المجيء إلى هنا أجرينا عدة اتصالات وعبر وسائل غير مباشرة».
يكتب خدام: «ازدادت حدة الضغوط الأميركية على العراق، كما ازدادت كثافة العمليات الجوية فوق الشمال والجنوب، فطلب الصحاف زيارة دمشق، واستقبله الشرع في 9 فبراير (شباط) 1998».
وحسب محضر الاجتماع، فإن الوزير العراقي أعرب عن «السرور بقبول الزيارة إلى دمشق كمبعوث من القيادة العراقية والرئيس صدام، لإحاطتكم وإحاطة الأشقاء في سوريا بآخر التطورات وبالتفاصيل الحقيقية للموضوع المتعلق بالأزمة القائمة بيننا وبين الولايات المتحدة الأميركية، ولتبادل وجهات النظر، ونسمع منكم ونعرض عليكم الحال كما هو، وما هي الاحتمالات. وجدنا أيضاً في الأيام الماضية أن هناك تحركاً تركياً، حيث زارنا في بغداد وزير الخارجية التركي إسماعيل جيم، ووجدنا من المهم أن نحيطكم علماً بما ذكره جيم أيضاً. وبالتالي، نستطيع أن نتحقق من أن ما كان يقوله لكم هو نفس ما يقوله لنا».
وقال الشرع: «خرج الوزير التركي بتصريحات مستغربة، وكانت السفارة التركية أبلغتنا أنه يود زيارة سوريا، لكنه لم يزرنا ولم يرسل لنا أفكاره. من دون شك، يتعرض العراق إلى ضغوط كبيرة جداً، والقيادة في سوريا مدركة وواعية لحجم وأهداف هذه الضغوط. وحتى قبل موضوع (صهر صدام) حسين كامل، وخلال هروبه واحتضان حسين كامل من قبل جهات معينة وتشجيعه كأنه منقذ للشعب العراقي، نحن في سوريا كنا قلقين جداً، لكن غير صامتين. قلنا شيئاً في العلن، لكن ما فعلناه في الاتصالات، خصوصاً مع مصر، نبهنا إلى خطورة ما يجري للعراق، خصوصاً حسين كامل واستخدامه كأداة. والرئيس حافظ، بشكل خاص، بذل جهداً كبيراً جداً في إفشال هذه المخططات. (الأمر) كان لا يستهدف العراق فقط، ولا يستهدف الحكم في العراق. طابعه كان يستهدف الحكم وتغيير النظام، لكن نحن لم نعتبر الموضوع تغييراً في النظام، وإنما هو تغيير في أساس البنية العراقية والمساس بها، وبالتالي تأثيرها سيكون على الأمة العربية بأكملها (...)».
وأضاف الشرع: «نلمس أيضاً دور تركيا الخطير في الموضوع. تركيا عملياً موجودة في شمال العراق، وتتحكم بأمور تمس فعلاً كيان العراق، وبتشجيع واضح من الأميركيين، وواضح الآن من الإسرائيليين. ويوجد إسرائيليون في شمال العراق كخبراء أو تحت عنوان مكافحة الإرهاب، أو لاستخدام أدوات تقنية عالية على طريقة الحزام الأمني الموجود في جنوب لبنان. أيضاً، علاقاتنا مع تركيا ساءت. وبصراحة أقول، من أجل هذا الموضوع هم امتنعوا عن الاجتماع مع سوريا في لقاءات ثنائية أو ثلاثية عندما كنا مع إيران، حيث كان هناك نوع من القلق لما يجري في شمال العراق واحتمالات استغلاله من قبل الآخرين. نحن نعرف تركيا، وهدفها مثل هدفنا... تركيا تخشى قيام دولة كردية، و(كذلك) إيران، وهذه نقطة مشتركة جيدة بين الدول الثلاث لعدم تقسيم العراق، لأن هناك خطورة مشتركة. هم أوقفوا عمل هذه اللجنة الثلاثية عندما هاجمناهم في دخولهم العراق. وإذا عدت للتصريحات تجد أنه السبب. قلنا لهم نحن نجتمع لننبه وليس للمساس بوحدة العراق... كيف يدخل طرف منا العراق؟ هذا كان آخر اجتماع في طهران منذ سنتين. ادّعوا أن هناك فراغاً أمنياً، وأن الأكراد يتقاتلون».
تساءل الوزير العراقي عن الجهة التي أحدثت الفراغ الأمني، فتابع الوزير السوري: «بصرف النظر، كان موقفنا واضحاً. وأقول لك إنه خلال السنوات الأخيرة، من أجل العراق ومن أجلنا جميعاً ومن أجل الأمة، يمكن أن أقول إننا دفعنا ثمناً غالياً. الآن علاقاتنا مع تركيا سيئة جداً، وبسبب سوء هذه العلاقة ادَّعوا أنهم لوحدهم، وأقاموا تحالفاً عسكرياً مع إسرائيل برروه بذلك. وأيضاً علاقاتنا مع الأردن. كان هناك اتصال، لكن بعد موضوع حسين كامل، هذا الاتصال بُتر. كانوا هم المبادرين بالاتصال بنا.
النقطة الثانية: نحن نعتقد أن تطبيق قرارات مجلس الأمن أو اللجنة الخاصة بالتفتيش يجب أن يكون له جدول زمني، وليس مفتوحاً للأبد، وبالتالي يمكن أن يستمر عشر سنوات ومائة سنة».
وفي اليوم التالي، استقبل الرئيس الأسد الوزير العراقي، وبعد أن عرض الصحاف الرسالة التي حملها من رئيسه، وفيها عرض للوضع وتطوراته وتحليلهم لأسباب الأزمة، والإشادة بموقف سوريا، أكد له الأسد ما يلي:
«1- إن سوريا تدرك أهداف الأزمة، وهي تتناول الوضع العربي برمته. ونحن لا يمكن أن نقف عند ظروف عابرة بين القطرين، لأن الهدف الأجنبي كبير، وهو بالأساس هدف إسرائيلي، لذلك كان موقفنا واضحاً.
2- إن ما يجري لا علاقة له بالكويت، وإنما بالمصالح الإسرائيلية والأميركية، وهو يستهدف المنطقة كلها. لذلك، أجريتُ اتصالات مع بعض الأشقاء نحذّر من مغبة العدوان على العراق، وكان موقفنا واضحاً في الاتصالات مع الأميركيين والأوروبيين.
3- نعتقد أن على العراق أن يُسقط الذرائع ويفوّت الفرصة التي يحاولون استغلالها، لأن المهم الآن تجنب الضربة العسكرية. وإذا حدث ذلك فإن قسماً كبيراً من المخطط يتعطل، ولو مرحلياً».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
TT

تعز تصدّ هجمات حوثية متزامنة هي الأعنف منذ سنوات

عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)
عنصر حوثي يغلق أذنيه خلال إطلاقه قذيفة هاون حيث تكثف الجماعة هجماتها على جبهات تعز (أ.ب)

شهدت جبهات محافظة تعز اليمنية خلال الساعات الماضية موجة ضارية من القتال هي الأعنف منذ سنوات مع شن الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران هجمات متزامنة على محاور عدة، وفتحها جبهة جديدة من جهة مديرية سامع، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ضرباتها البرية والجوية واستهدفت تعزيزات وآليات ومواقع حوثية في تعز ولحج وشبوة ومحافظات أخرى.

وتزامن اتساع رقعة المواجهات مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ 468 عملية استهداف ضد عناصر وعتاد الحوثيين في الجبهات الشرقية والبيضاء ومنطقة المنصورة في الوازعية غربي تعز، قالت إنها أسفرت عن مقتل وجرح المئات وتدمير معدات وآليات عسكرية.

وتشير التطورات الميدانية إلى انتقال القتال في تعز إلى نمط أكثر اتساعاً، بعدما حاول الحوثيون الضغط على مواقع القوات الحكومية في أكثر من اتجاه، من الجبهة الشمالية للمدينة وشرقها، إلى محاور جبل حبشي ومقبنة والأقروض وسامع، بالتزامن مع استمرار المواجهات في الجبهات الغربية والجنوبية الغربية.

وقال المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري إن القوات الحكومية خاضت معارك عنيفة في بني بكاري بمديرية جبل حبشي، وحمير بمديرية مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، مؤكداً تكبيد الحوثيين خسائر في الأرواح والعتاد.

قوات الحكومة اليمنية تخوض مواجهات ضارية لمنع الحوثيين من التوغل في تعز (إعلام عسكري)

وفي الجبهة الشمالية، أفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية تصدت لهجوم واسع للحوثيين في منطقة الأربعين، بالتزامن مع إحباط محاولات تسلل في الكريفات وعقبة منيف والتشريفات شرقي مدينة تعز.

وامتدت المواجهات إلى جبهة الشقب في مديرية صبر الموادم، بينما استمر القصف المدفعي المتبادل بكثافة على الجبهة الشرقية للمدينة.

وفي تطور لافت، دخلت جبهة سامع على خط المواجهات المكثفة، وسط إفادات محلية عن تراجع العناصر الحوثية بعد تعرضها لضربات برية، ومقتل وإصابة عشرات من عناصرها، إضافة إلى اغتنام القوات الحكومية بعض العتاد العسكري.

كما تعرضت مناطق مأهولة للقصف الحوثي، إذ قالت مصادر محلية إن الجماعة أطلقت 23 قذيفة هاون على قرى في منطقة الضباب غربي تعز، وسط حالة من الخوف بين السكان.

وفي المقابل، قال المركز الإعلامي لمحور تعز إن الطيران المسيّر استهدف مواقع حوثية في جبهة الكدحة، ودمر مدفعاً عيار 120 ملم وأحرق مخزناً للذخيرة، بينما قصفت القوات مواقع وتجمعات للجماعة في جبل غراب وتبة ياسين والأشروح وعصيفرة والصلو.

ضربات جوية واسعة

تزامنت المعارك مع تكثيف الغارات الجوية على مواقع الحوثيين في تعز ومناطق أخرى. وأفادت المصادر بأن الطيران الحربي نفذ غارات على مواقع وآليات حوثية في جبهات الأكبوش والأحكوم وحيفان جنوب شرقي تعز، بالتزامن مع ضربات استهدفت مواقع للجماعة في الوازعية غربي المحافظة.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات الحكومية نفذت عمليات استهداف دقيقة طالت تعزيزات وأسلحة ومعدات حوثية، بينها ثلاث بطاريات مدفعية في جبهة الوازعية، ومنظومة دفاع جوي متنقلة قال إن خبراء إيرانيين طوروها في المخا، إضافة إلى استهداف قيادات وعناصر حوثية في المنصورة ومنطقة باب المندب.

قدرات الحوثيين تتعرض لضربات جوية مكثفة في جبهات القتال كافة (رويترز)

كما أعلن النزيلي في وقت سابق تنفيذ 468 عملية استهداف في ثلاث جبهات، بينها الوازعية، وقال إن العمليات أسفرت عن مقتل وجرح المئات من عناصر الحوثيين وتدمير معدات وآليات تابعة لهم.

وتأتي هذه الضربات ضمن تصعيد عسكري أوسع امتد إلى محافظات صعدة وعمران ومأرب والحديدة وتعز، مع تقارير عن استهداف مواقع ثابتة ومتحركة ومخازن أسلحة وبطاريات وشبكات اتصالات وتعزيزات حوثية.

جبهات ممتدة

لم تقتصر المواجهات على تعز، إذ شهدت الحدود الغربية لمحافظة لحج مع تعز اشتباكات في منطقة الأغبرة الواقعة على أطراف مديرية المضاربة والعارة، بالتزامن مع إعلان القوات العسكرية والقبائل استعادة أجزاء من منطقة المنصورة.

وفي شبوة، أعلنت «قوات دفاع شبوة» إحباط محاولات هجومية وعمليات تسلل حوثية في أربع جبهات هي حريب وعين وبيحان ومرخة العليا، وقالت إن الحوثيين تكبدوا خسائر وأجبروا على التراجع، بالتزامن مع ضربات نفذتها طائرات مسيّرة ضد مواقع وتحركات للجماعة.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية حيث تدور المعارك ضد الحوثيين في تعز (رويترز)

ويعكس تزامن هذه العمليات اتساع نطاق المواجهة خارج محاور تعز المباشرة، في وقت تستمر فيه القوات الحكومية في محاولة تثبيت خطوطها الدفاعية ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات جديدة على الجبهات المتصلة بالساحل الغربي ومداخل تعز ولحج.

وبالتوازي مع التطورات العسكرية، بدأت الحكومة اليمنية ترجمة توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن التعبئة العامة والنفير العام إلى ترتيبات عملية.

ففي عدن، عقد وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي اجتماعاً عسكرياً لمناقشة الإجراءات المطلوبة ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق بين الجهات المعنية، مؤكداً أن مواجهة الحوثيين، وفق موقف الحكومة، تتطلب تكامل المؤسسة العسكرية مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

كما عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر اجتماعاً مع اللجان التي شكلها وزير الدفاع، لمناقشة آليات تنفيذ توجيهات التعبئة العامة وتحديد المهام والمسؤوليات، بما يشمل حشد الموارد البشرية والمادية وتعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة.


ارتفاع أعداد المشردين جراء الهجمات الحوثية إلى 198 ألفاً

أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
TT

ارتفاع أعداد المشردين جراء الهجمات الحوثية إلى 198 ألفاً

أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)
أطفال في مخيم للنازحين بتعز بعد فرار عائلاتهم من الهجمات الحوثية (أ.ب)

اتسعت دائرة النزوح القسري في اليمن مع استمرار التصعيد العسكري الحوثي في مختلف الجبهات، وتدهور الأوضاع الأمنية، ما دفع آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، وسط احتياجات إنسانية متنامية وقدرة محدودة على الاستجابة.

وحسب التقرير الإنساني الموحد المحدث الصادر عن الوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد النازحين المسجلين رسمياً حتى 29 سبتمبر (أيلول) إلى 29,519 أسرة، تضم 197,906 أفراد، يتحدرون من عشر محافظات شملها الرصد الميداني.

وتشير البيانات إلى أن الأسر النازحة لا تواجه فقدان مساكنها فحسب، بل تفقد أيضاً مصادر دخلها وممتلكاتها وسبل عيشها، فيما تصل بعض الأسر إلى مناطق النزوح وهي تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية.

أظهرت نتائج التتبع الميداني أن محافظة تعز تستضيف العدد الأكبر من النازحين، إذ بلغ عدد الأسر المسجلة فيها 13,925 أسرة، تضم 97,529 فرداً، موزعين على 15 مديرية. ولا تزال الفرق الميدانية تتابع حركة الأسر التي اضطرت إلى النزوح حديثاً، وترصد مسارات انتقالها واحتياجاتها المتغيرة.

وتأتي لحج في المرتبة الثانية، حيث تستضيف 7,179 أسرة تضم 50,253 فرداً موزعين على تسع مديريات، غالبيتهم قدموا من مناطق النزاع في تعز والحديدة.

موجة النزوح القسري مستمرة مع تصاعد الهجمات الحوثية في اليمن (إعلام محلي)

وفي العاصمة المؤقتة عدن، بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3,741 أسرة، تضم 17,782 فرداً، موزعين على مديريات المحافظة الثماني.

أما أبين، فسجلت 2,097 أسرة تضم 14,679 فرداً، معظمهم في مخيمات وتجمعات بمديريتي خنفر وزنجبار.

وفي الحديدة، تشير البيانات المتاحة إلى وجود 1,471 أسرة تضم 10,297 فرداً في مديريتي حيس والخوخة. وتتابع الفرق الميدانية مؤشرات على حركة نزوح ثانوية حديثة لبعض هذه الأسر باتجاه عدن، وسط حاجة إلى تقييم أوضاعها والاحتياجات التي فرضها انتقالها الجديد.

وتتوزع بقية الأسر المسجلة على محافظات أخرى، من بينها مأرب بـ412 أسرة، والضالع بـ240 أسرة، وحضرموت بـ214 أسرة، والمهرة بـ124 أسرة، وشبوة بـ116 أسرة.

وأكدت الوحدة المعنية بإدارة مخيمات النازحين أن بيانات محافظة الحديدة ظلت عند آخر تحديث متاح في 8 سبتمبر (أيلول)، فيما تعكس بقية الأرقام التحديثات الميدانية الممتدة حتى 28 من الشهر ذاته.

احتياجات كثيرة

حسب الوحدة الحكومية اليمنية، فإن موجات النزوح الأخيرة جاءت في كثير من الحالات بصورة مفاجئة وتحت ظروف قاسية، ما أجبر أسراً على ترك منازلها وممتلكاتها ومصادر دخلها خلال وقت قصير.

وأضافت أن الخطر لا ينتهي بالنسبة لهذه الأسر بمجرد الوصول إلى منطقة أكثر أمناً، إذ تبدأ رحلة أخرى من الاحتياجات المتعلقة بتوفير المأوى والغذاء والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والحماية.

فصول دراسية مؤقتة للأطفال النازحين في جنوب تعز (إعلام محلي)

ويزيد تدفق النازحين من الضغوط الواقعة أصلاً على المجتمعات المضيفة، التي تواجه بدورها تحديات اقتصادية وخدمية كثيرة، الأمر الذي يوسع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة للاستجابة لها.

وتبرز الحاجة بصورة خاصة إلى حماية الفئات الأكثر عُرضة للمخاطر، وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة، إلى جانب توفير خدمات الرعاية الصحية الأولية والمياه والإصحاح البيئي وإدارة النفايات.

استجابة عاجلة

في مواجهة اتساع حركة النزوح، تواصل فرق وحدة إدارة المخيمات وغرف عملياتها تسجيل الأسر النازحة والتحقق من بياناتها وتحديث قواعد المعلومات، إلى جانب إحالة الحالات الأكثر احتياجاً إلى الشركاء الإنسانيين.

وجددت الوحدة الحكومية دعوتها السلطات المحلية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية والجهات المانحة إلى حشد الموارد بصورة عاجلة وتفعيل آليات الاستجابة السريعة، دون انتظار اكتمال جميع التقييمات التفصيلية.

فارون من جحيم الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

ورأت أن المساعدات المنقذة للحياة ينبغي أن تسير بالتوازي مع عمليات المسح والتقييم الميداني، مع إعطاء الأولوية للأسر التي نزحت حديثاً ولم تحصل بعد على أي مساعدات.

ومع استمرار حركة النزوح، تبدو الحاجة إلى تنسيق أكثر فاعلية بين الجهات الإنسانية ملحة، ليس فقط لتسريع وصول المساعدات، وإنما أيضاً لضمان عدم ترك أسر خارج نطاق الاستجابة أو تكرار المساعدات في مناطق على حساب أخرى.

وتكشف أرقام النزوح اتساع الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالمواجهات، في وقت تجد فيه الأسر التي فقدت مساكنها ومصادر رزقها نفسها أمام رحلة جديدة من البحث عن المأوى والغذاء والخدمات الأساسية.


تحذيرات يمنية من أخطار حوثية عابرة للحدود

حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات يمنية من أخطار حوثية عابرة للحدود

حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)
حشد حوثي تعبوي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

تزامنت تحذيرات حكومية يمنية من تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية مع اتهامات للجماعة بتوسيع أنشطتها العسكرية والأمنية إلى ما وراء الحدود اليمنية، وصولاً إلى القرن الأفريقي وتهديد الملاحة والطيران المدني في جنوب البحر الأحمر، في صورة تقول الحكومة إنها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالجماعة وداعميها.

وفي أحدث هذه التحذيرات، دعت وزارة حقوق الإنسان اليمنية الأسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى حماية أطفالها من الاستدراج والتجنيد والزج بهم في جبهات القتال، وقالت إنها وثَّقت مقتل ما لا يقل عن 100 طفل جندتهم الجماعة خلال المواجهات التي شهدها سبتمبر (أيلول) الماضي.

وقالت الوزارة، في بيان، إن الرقم استند إلى أسماء ومعلومات وصور جرى التحقق منها، وإنه يمثل الحالات التي تمكنت من توثيقها، بينما تشير المعطيات المتوفرة، وفق روايتها، إلى احتمال أن تكون الأعداد الفعلية أكبر.

طلبة مدارس في صنعاء قام الحوثيون بتجنيدهم في صفوف الجماعة (إ.ب.أ)

وأوضحت أن عمليات الاستقطاب شملت، بحسب ما وثَّقته، حالات اختطاف واستدراج لأطفال في محافظات عدة، قبل نقلهم إلى معسكرات التعبئة والزج بهم في جبهات القتال. وحذرت من استخدام ما تسميه الجماعة «الدورات الثقافية» و«المراكز الصيفية» و«برامج التعبئة العامة» في عمليات الاستقطاب، إلى جانب استغلال الظروف الاقتصادية والمعيشية للأسر.

ودعت الوزارة الآباء والأمهات إلى عدم تسليم أبنائهم لأي جهات أو أفراد يعملون على استقطابهم أو إبعادهم عن أسرهم ومقاعد الدراسة، كما طالبت المشايخ والوجهاء والتربويين والشخصيات الاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين برفض تجنيد الأطفال والعمل على إعادة من جرى استقطابهم إلى أسرهم ومؤسساتهم التعليمية.

وحمّلت الوزارة قيادات الحوثيين والقائمين على عمليات الاستقطاب والتعبئة والتدريب والزج بالأطفال في الأعمال القتالية المسؤولية القانونية عن سلامتهم، معتبرة أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة من الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة.

كما دعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحماية الطفولة إلى تكثيف الرصد والتوثيق، والضغط لوقف عمليات التجنيد، والعمل على الإفراج عن الأطفال المجندين ودعم برامج إعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.

شبكة تتجاوز اليمن

في سياق التحذيرات الحكومية اليمنية دعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، المجتمع الدولي إلى التعامل مع ما وصفته بنشوء محور تقوده جماعة الحوثيين المدعومة من إيران ويمتد على ضفتي البحر الأحمر وصولاً إلى القرن الأفريقي، باعتباره شبكة مترابطة.

وقالت أفراح الزوبة، في تصريحات رسمية، إن تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن وثَّقت تعاوناً بين الحوثيين وحركة «الشباب» في الصومال يتجاوز تهريب الأسلحة، ليشمل، وفق ما نقلته، نقل الخبرات والتنسيق العملياتي وإرسال مهندسين تابعين للجماعة إلى الصومال للتدريب على تعديل الطائرات المسيَّرة، إلى جانب تدريب مقاتلين من الحركة في معسكرات الحوثيين.

وأضافت أن هذا التعاون، بحسب تقديرها، يعكس سعياً إلى توسيع النفوذ الإقليمي، مشيرة إلى أن تهديد باب المندب يفرض كلفة إضافية على التجارة العالمية، من خلال تغيير مسارات الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

مسلحون من حركة الشباب الصومالية (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت الوزيرة كذلك إلى اعتراض الاستخبارات الصومالية اتصالات بين الحوثيين وحركة «الشباب» وتنظيم «داعش»، وإلى تعاون عناصر من تنظيم «القاعدة» مع استخبارات الجماعة، وقالت إن الاختلافات المذهبية والآيديولوجية لم تمنع هذه الأطراف من التعاون لتحقيق أهداف مشتركة.

وحددت أربع أولويات للتحرك الدولي، تشمل التعامل مع هذه الشبكات في الأطر القانونية وقوائم العقوبات، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن أنشطتها في اليمن والقرن الأفريقي، ودعم القوات الحكومية التي تواجه الحوثيين، إضافة إلى إنهاء التعامل مع الحكومة اليمنية والجماعة المسلحة على قدم المساواة.

خطر جديد في الأجواء

بالتوازي مع التحذير من المخاطر البحرية والإقليمية، صعّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من تهديد تقول إنه يستهدف سلامة الطيران المدني الدولي فوق جنوب البحر الأحمر.

وفي رسالة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، قالت المندوبية الدائمة لليمن لدى المنظمة الدولية إنها وثقت استخدام الحوثيين أسلحة دفاع جوي إيرانية المنشأ أُطلقت من مناطق سيطرة الجماعة في محافظة الحديدة باتجاه مسارات جوية دولية.

ووفق الرسالة، جرى تعديل هذه الأسلحة داخل اليمن بمشاركة خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني، وتحويلها إلى صواريخ يمكنها البقاء في الجو لمدة تصل إلى 25 دقيقة، بينما تستخدم أنظمة تتبع حراري.

وقالت الحكومة إن إطلاق هذه الأسلحة بالقرب من المسارات الجوية الدولية يمثل، وفق تقييمها، تهديداً مباشراً للطائرات المدنية وركابها، بما في ذلك رحلات الأمم المتحدة والرحلات الإنسانية العاملة في اليمن والمنطقة.

وربطت الرسالة بين هذا التطور والهجمات السابقة على السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، معتبرة أن الجماعة تطور قدراتها لتوسيع نطاق التهديد من المجال البحري إلى المجال الجوي.

وطالبت الحكومة اليمنية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتنفيذ الكامل لحظر السلاح المفروض على الحوثيين بموجب قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216 لعام 2015، وتعزيز التعاون مع الحكومة اليمنية لمنع نقل الأسلحة والمكونات والتكنولوجيا والخبرات العسكرية إلى الجماعة.

صواريخ حوثية ضمن شحنة اعترضتها البحرية اليمنية في وقت سابق (إعلام عسكري)

كما طلبت الحكومة اليمنية تحركاً عاجلاً بالتنسيق مع منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» والهيئات الدولية المعنية بالطيران لتقييم المخاطر التي تواجه الطائرات والمسارات الجوية فوق جنوب البحر الأحمر واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الطيران المدني.

وأبدت استعدادها لتزويد فريق الخبراء المعني باليمن والجهات الدولية المختصة بالأدلة الفنية والمعلومات المتاحة، بما فيها بيانات مواقع الإطلاق ومسارات المقذوفات، مطالبة بفحصها لتحديد طبيعة الأسلحة ومنشأها وآلية عملها والشبكات المتورطة في نقلها وتطويرها.