تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)

العلاقة معقدة ومتداخلة بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، كما هي الحال بين سوريا والعراق وبين دمشق وبغداد. ففيها كثير من العوامل الحزبية والطائفية والآيديولوجية والجغرافية، وكذلك التنافسية على الزعامة في الإقليم.
جذر التنافس يعود في أحد جوانبه إلى الترابط بين مصيري العاصمتين. فـ«البعث» وصل إلى السلطة في دمشق في مارس (آذار) 1963، لكنه فقدها في بغداد نهاية ذلك العام. وبعد تغيير اتجاه الحكم في سوريا في عام 1966. عاد «البعث» إلى سدة العراق بعد سنتين. وفي سوريا، حسم الأسد الصراع في 1970.
جرت محاولات عدة للمصالحة بين نظامي «البعث». وبالفعل، ساهم العراق في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن سرعان ما عادت العلاقة إلى مسار التدهور. وقتذاك، كان صدام «يحلق» بجناح الرئيس أحمد حسن البكر، وكان حافظ الأسد يعزز موقعه في دمشق ولبنان في عام 1976. اختراقات المفاوضات المصرية - الإسرائيلية وإرهاصات «الثورة» في إيران، حتمت على البلدين النوم في «سرير الأشواك»، فوقّع أحمد حسن البكر وحافظ الأسد «ميثاق العمل الوطني» في أكتوبر (تشرين الأول) 1978، وتُوِّج هذا بـ«دولة الاتحاد» بداية العام اللاحق، قبل أسبوعين من إعلان «الثورة» في طهران.
أكثر المعارضين لهذا الجهد، شخصان كانا يطمحان للسلطة: صدام حسين في بغداد ورفعت الأسد في دمشق. ضبط الأسد شقيقه، لكن صدام انقلب على البكر، واتهم منافسه المجاور بـ«التآمر»، وأمر بإعدام «المتحمسين» للوحدة، ووصل إلى قمة الهرم في يوليو (تموز) 1979.
سعي الأسد إلى تعزيز «الجبهة الجنوبية» مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، واكبه جهد عراقي لتحصين «البوابة الشرقية» مع إيران. وما إن بدأت الحرب العراقية - الإيرانية بعد «الثورة» في طهران، حتى وقف الأسد مع عدو صدام، فدخل مسار دمشق - بغداد في وادٍ سحيق آخر، وردّت بغداد بقطع العلاقات مع دمشق في أكتوبر (تشرين الأول) 1980 ودعم «الإخوان المسلمين» في سوريا. في المقابل، أغلقت سوريا، المنغمسة في لبنان، حدودها مع العراق في 1982، مما أدى إلى قطع أنبوب النفط العراقي إلى البحر المتوسط، الذي عوضته إيران بنفطها.
- لقاء سري
وفي منتصف الثمانينات ومشارف نهايات حرب إيران، توسط العاهل الأردني الملك حسين، وجمع الأسد وصدام في اجتماع «ماراثوني عاصف»، وعقدت لقاءات سرية «اختبارية» بين فاروق الشرع وعبد الحليم خدام وطارق عزيز.
وبعد غزو صدام للكويت عام 1990. دخل الأسد في التحالف الدولي لتحريرها، وعزز وضعه الاقتصادي الداخلي ونفوذه في لبنان، بينما كان خصمه العراقي يغرق في مستنقع العزلة والعقوبات. وفي منتصف التسعينات، مرة أخرى، عاد «الرفيقان» لجس نبض العلاقات. كان الأسد مدفوعاً بالبحث عن تحالفات تحميه من تأرجح مفاوضات السلام مع إسرائيل وتحل الأزمة الاقتصادية، فيما كان صدام مدفوعاً بمحاولات لفك الحصار. وكان الاثنان قلقين من الضغوط التركية، وهروب حسين كامل، صهر صدام، إلى عمان، و«تغيير نظام» عمه، وحديث الأردن عن «الفيدرالية».
اختار كل منهما أقرب «رفيق» كي يتولى القناة السرية: صدام كلف مدير مكتبه السابق بين 1972 و1976 عندما كان نائباً للرئيس، سفيره في الدوحة أنور صبري عبد الرزاق القيسي، والأسد كلف خدام، نائبه و«شريكه» أثناء صراعه مع الرفاق «البعثيين» في الستينات. عاين صدام - القائد، واستفسر عن الخلفيات والإعدامات و«المؤامرة السورية»، كما جدد المحاولة بلقاءات سرية مع عزيز. ولم يكن هناك داعٍ كي يؤكد «المرسِلان»، الأسد وصدام، لـ«ساعيي البريد»، خدام والقيسي، على السرية. فهما «رفيقان مخلصان» للنظام، ويعرفان ثمن الكلمة.
وحسب محاضر حصلت «الشرق الأوسط» عليها من أوراق خدام، التي أخذها معه إلى باريس 2005، وحديث السفير القيسي مع الصحيفة، هناك اختلاف حول من بدأ المبادرة. خدام يقول إن صدام كسر الجليد في أغسطس (آب) 1995، وإن الأسد قابل ذلك بـ«شكوك» في ضوء تجارب الماضي ودور صدام في إحباط «ميثاق العمل» في 1979. وإنه رغم ذلك، قرر الأسد المضي في فتح الحوار، وأخضع رفيقه «البعثي»، لاختبارات قبل طي صفحة القطيعة. أما القيسي، فيرى أن المبادرة جاءت من الأسد لدى قوله علناً إن مشروع الأردن للفيدرالية يهدد سوريا والعراق، وتلقيه إشارة من خدام بفتح قناة بين «السيدين الرئيسين».
- استعجال... وتمهل
وبدا صدام في رسائله إلى الأسد مستعجلاً إعادة فتح السفارتين اللتين أُغلقتا في 1982، وعقد لقاءات سياسية وفتح الحدود. ورد عليه الأسد بداية 1996 بالتريث والحرص عدم دق إسفين بين دمشق ودول عربية. وأبلغه أنه ينوي «إجراء اتصالات مع عدد من الدول العربية لعدم زيادة تعقيد الوضع العربي».
ويقول القيسي لـ«الشرق الأوسط» إنه زار دمشق بشكل سري ست مرات، بينها أربع مرات عبر السودان، مشيراً إلى أن صدام «كان جدياً بفتح صفحة جديدة مع الأسد لاستعادة العلاقات». وقال: «كلفني الرئيس بأن أُبلغ السوريين أنه إذا تقدم الأسد خطوة سأتقدم 10 خطوات». والسبب المباشر لفتح القناة، بحسب القيسي، كان «إقناع الأخوة السوريين بعدم استقبال حسين كامل. وبالفعل، لم يتم استقباله بسبب القلق المشترك من مشروع أردني لطرح فيدرالية»، لافتاً إلى أن صدام اقترح عقد قمة سرية مع الأسد على الحدود، وتشكيل «قيادة سياسية مشتركة»، وبحث ثنائي بإحياء «ميثاق العمل»، إضافة إلى تداول اقتراح قمة عربية في دمشق لمصالحة عراقية - عربية. وكتب صدام للأسد في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين قبل زيارته لواشنطن، تؤكد أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة لإبرام اتفاق عسكري وتشكيل حلف إقليمي تكون إسرائيل وتركيا عموده الفقري، وهذا بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». هنا يكشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سوريا - عراقية سرية، للتنسيق ومنع «الأردن وتركيا من وضع بلدينا بين فكي كماشة». ويضيف القيسى أن صدام «تلقى برحابة صدر» انتقادات الأسد لمشروع الفيدرالية.
- «أبو عدي»
ويظهر من خلال مسار محاضر الاجتماعات والرسائل السرية، تطور الحوار بين الأسد وصدام إلى حد أن خدام بدأ بنقل «تحيات» الأسد إلى «أبي عدي» (صدام) الذي خاطب غريمه بـ«الأخ الرئيس»، مع استمرار التأرجح بين المطالب والإمكانات.
وواكب الأسد اتصالاته العربية بإطلاع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، إذ بعث له رسالة للتحذير من أن «الوضع في العراق مقلق، بات قنبلة قابلة للانفجار». شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ الأسد بفتح ملف آخر يخص الوجود السوري في لبنان، وتقديم عرض للأسد بالمساهمة في نزع سلاح «حزب الله» (مقابل) انسحاب (إسرائيل) من الجولان، وأن تضمن سوريا وجودها العسكري في لبنان.
وفي النصف الثاني من عام 1996، بات هدف الأسد «وقف إسقاط النظام العراقي» عبر فتح الحدود المغلقة، بعدما كان يسعى لـ«إسقاطه». صحيح أنه لم يكن مرتاحاً لتسمية صدام طارق عزيز مسؤولاً عن تطوير العلاقات، لأن جولات سابقة معه كانت «دون جدوى»، لكن عزيز جاء إلى دمشق في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997. كما استقبل الأسد وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف في فبراير (شباط) 1998.
قناعة الأسد كانت، وقتذاك، أن صدام «لا يزيل الذرائع» لتجنب الضربة العسكرية في خضم الأزمة مع المفتشين الدوليين، فاتفق مع الرئيس المصري حسني مبارك على ضرورة أن «يُقال لصدام حسين صراحة إن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وإن تغيير النظام هو المطلوب، ولا يتغيّر إلا بضربك».
مرة ثانية، كان هناك تداخل في الملفات الإقليمية. فبعد «مقايضة» شيراك بين العراق ولبنان، ربط الرئيس الأميركي بيل كلنتون بين العراق واستئناف مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية. ففي 21 فبراير(شباط) 1998. كتب للأسد: «إذا ما أجبرَنا صدام على اتخاذ إجراء عسكري، سيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة الحياد، بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة... إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة (في المفاوضات) ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر». الأسد رد في 13 مارس (آذار) 1998 متحدثاً عن «مدى القلق والتوتر بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق»، مؤكداً الرغبة بـ«استئناف المفاوضات (مع إسرائيل) من النقطة التي توقفت عندها» لدى خسارة شيمعون بيريس وفوز بنيامين نتنياهو 1996.
فتحت الحدود ومكتب لرعاية المصالحة في العاصمتين، وحصل «الانتقال» في دمشق و«أسقط النظام» في بغداد. ومع اقتراب الهجوم الأميركي على العراق في 2003. طار الرئيس بشار الأسد إلى إيران، والتقى «المرشد» علي خامنئي، واتفقا على «مقاومة» الأميركيين في البلد العازل بينهما. وأصبح العراق الجديد، الذي كان «البوابة الشرقية» مع إيران، على ما هو عليه بعد 18 سنة من التغيير، ووصلت سوريا وأهلها، وهي «الجبهة الجنوبية»، إلى هنا بعد 10 سنوات من «الربيع» والحرب.
لم يكن مضمون الرسائل بين صدام والأسد، معروفاً. والكشف عنها، وتأكيد السفير القيسي صحتها، وإضافة تفاصيل إليها، ترمي إلى تسليط الضوء على جانب في تاريخ سوريا والعراق وامتداداته الإقليمية، لا تزال جوانب كثير منه غير مكتملة.

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل



الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
TT

الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يُنذر بتعميق عسكرة البحر الأحمر

احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)
احتجاجات صومالية على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» (وكالة أنباء الصومال)

يُنذر الاعتراف الإسرائيلي الأخير، بـ«إقليم أرض الصومال»، دولة مستقلة، بتعميق «عسكرة» منطقة البحر الأحمر، التي تشهد وجوداً عسكرياً لدول متنوعة، بعضها يتعارض في المصالح والأهداف.

وحذّر مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، من أن يكون الاعتراف الإسرائيلي مقدمة لمزيد من الوجود العسكري بمنطقة البحر الأحمر، وأشاروا إلى أن «إسرائيل تستهدف الحصول على قاعدة عسكرية بالمنطقة ما يفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي في القرن الأفريقي».

وقد يتيح الاعتراف الإسرائيلي وجوداً عسكرياً لإسرائيل على ساحل البحر الأحمر، وفق تقديرات الحكومة الصومالية، وقال رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، في تصريحات متلفزة الأحد، إن «وجود إسرائيل في شمال الصومال، يتيح لها إقامة قواعد عسكرية في المنطقة».

التقدير نفسه أشار إليه رئيس بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، السفير ماجد عبد الفتاح، حينما أكد في حديث لقناة «القاهرة الإخبارية» الأربعاء، أن «إسرائيل لا تكتفي بالدعم السياسي لـ(أرض الصومال)، بل تسعى فعلياً إلى بناء قواعد عسكرية فيها».

صورة نشرها وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر للقاء مع رئيس «أرض الصومال»

وتواصلت الاعتراضات الدولية، على المساعي الإسرائيلية بـ«أرض الصومال»، ورفضت بكين (التي تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي)، خطوة الاعتراف الإسرائيلي، وقالت الخارجية الصينية، إن هذه الخطوة «تضرب ميثاق الأمم المتحدة في مقتل، وأدانتها دول ومنظمات دولية كثيرة».

وناقش رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، مع سفير بكين في مقديشو، وانغ يو، «سبل التصدي للتدخل الإسرائيلي في سيادة الصومال، والتعاون في مجالي الأمن والسياسة»، وحسب «وكالة أنباء الصومال»، أكد يو «دعم بلاده لوحدة الأراضي الصومالية».

ويقول وزير الإعلام الصومالي الأسبق، زكريا محمود، إن «تحركات إسرائيل ستفاقم من مخاطر النفوذ العسكري الأجنبي بمنطقة القرن الأفريقي». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الوجود العسكري المتنامي في البحر الأحمر يعكس صراع المصالح بين القوى الكبرى بتلك المنطقة»، مشيراً إلى أن «مخاطر هذه التحركات لا تقتصر على الصومال فقط، ولكنها تمتد إلى مصالح الدول العربية والأفريقية بالمنطقة»، وحذر في الوقت نفسه، من «توسع نشاط التنظيمات الإرهابية على وقع المساعي الإسرائيلية هناك».

ويزداد الحشد العسكري الدولي بالمنطقة بصورة تتعدى هدف تأمين الممر الملاحي والمواني البحرية، ففي دولة مثل جيبوتي، رغم صغر مساحتها (23200 كيلومتر، وتمتلك خطاً ساحلياً بطول 370 كيلومتراً)، هناك 6 قواعد عسكرية لدول مختلفة، وهي: الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والصين، واليابان، وإسبانيا، وإيطاليا.

وتعتمد جيبوتي على الرسوم السنوية لتأجير أراضي القواعد العسكرية الأجنبية، في جزء مهم في دخلها القومي السنوي، حيث بلغت إيرادات تلك الرسوم في 2020 نحو 129 مليون دولار أميركي، بواقع 18 في المائة من دخل البلاد، حسب معهد أبحاث «جايكا» التابع لـ«الوكالة اليابانية للتعاون الدولي».

وتسهم تركيا في بناء قدرات الجيش الصومالي، بقاعدة عسكرية للتدريب والتأهيل في مقديشو، جرى افتتاحها عام 2017، كما تقدم القاهرة دعماً عسكرياً بموجب بروتوكول تعاون عسكري، جرى توقيعه بين البلدين في 14 أغسطس (آب) 2024.

اجتماع الحكومة الصومالية بعد الخطوة الإسرائيلية (وكالة أنباء الصومال)

وإلى جانب الوجود العسكري الأجنبي بالمنطقة، تسعى روسيا إلى الحصول على موطئ قدم لها على ساحل البحر الأحمر، عبر إقامة قاعدة بحرية في السودان، وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير خارجية السودان السابق علي يوسف الشريف، حينما كان بمنصبه، إن «موسكو والخرطوم توصلتا إلى تفاهم بشأن قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر».

ويرى الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج أن «أي وجود إسرائيلي بأرض الصومال سينعكس على الأوضاع الأمنية والاستراتيجية بتلك المنطقة»، وقال إن «مخطط إسرائيل يستهدف إيجاد موطئ قدم عسكري لها في مدخل مضيق باب المندب، مما يُشكّل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية في هذه المنطقة».

وشدّد فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة «التحرك لمجابهة المساعي الإسرائيلية في تلك المنطقة»، وقال إن «التحركات المصرية والعربية يجب أن تشمل تقوية ودعم قدرات الجيش الصومالي، بما يمكنه من فرض سيادته على كامل الأراضي الصومالية»، ونوه بأن «القاهرة تساعد مقديشو لمواجهة التحديات المختلفة، ومنها خطر الإرهاب».


إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
TT

إقليم أرض الصومال ينفي عزمه استضافة فلسطينيين أو قاعدة إسرائيلية

صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)
صوماليون يتظاهرون في مقديشو يوم 30 ديسمبر 2025 رفضاً لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال (أ.ب)

نفى إقليم أرض الصومال الانفصالي، الخميس، ادعاءات الرئيس الصومالي بأن الإقليم سيستضيف فلسطينيين مهجّرين من أرضهم وقاعدةً عسكرية إسرائيلية مقابل الاعتراف الإسرائيلي الأخير باستقلاله.

وكانت إسرائيل أصبحت الأسبوع الماضي أول دولة تعترف بأرض الصومال «دولةً مستقلة وذات سيادة»؛ مما أثار احتجاجات في مختلف أنحاء الصومال.

والأربعاء، صرّح الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، نقلاً عن تقارير استخباراتية، بأن أرض الصومال قد قبل 3 شروط من إسرائيل؛ هي: إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم، وإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على خليج عدن، وتطبيع العلاقات بتل أبيب.

ونفت وزارة خارجية أرض الصومال الشرطين الأولين.

وكتبت الوزارة في منشور على منصة «إكس»: «تنفي حكومة جمهورية أرض الصومال نفياً قاطعاً المزاعم الكاذبة التي أدلى بها رئيس الصومال عن إعادة توطين الفلسطينيين أو إنشاء قواعد عسكرية في أرض الصومال». وأكدت أن الاتفاق «دبلوماسي بحت».

وأضاف المنشور: «تهدف هذه الادعاءات، التي لا أساس لها من الصحة، إلى تضليل المجتمع الدولي وتقويض التقدم الدبلوماسي لأرض الصومال».

لكنّ محللين يرون أن التحالف مع أرض الصومال مفيد للغاية لإسرائيل؛ نظراً إلى موقع هذا الإقليم الاستراتيجي على مضيق باب المندب؛ بالقرب من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن الذين شنّوا هجمات متكررة على إسرائيل منذ بدء حرب غزة.

يُذكر أن إقليم أرض الصومال أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، ونعم بفترة سلام أطول بكثير من بقية الصومال الذي مزقته الصراعات؛ إذ أجرى انتخاباته، وسكّ عملته، وكوّن جيشه الخاص.

وقد جعله موقعه على أحد أشد الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم شريكاً رئيسياً لدول أجنبية.


«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
TT

«السكن البديل» لا يغري مستأجري الإيجار القديم في مصر

الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية حاولت امتصاص استياء البعض من تعديل قانون الإيجار القديم بتوفير وحدات بديلة (الشرق الأوسط)

عزفت أسماء قطب (53 عاماً)، التي تقطن في شقة وفق نظام «الإيجار القديم» بحي العجوزة في محافظة الجيزة، عن تقديم طلب لـ«السكن البديل»، الذي ستوفره الحكومة للمستحقين وفق شروط محددة تنطبق عليها، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: إنها «متمسكة بالبقاء في وحدتها ولا تنوي التقديم».

ويُلزم قانون رقم 164 لسنة 2025، الحكومة بتوفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، والفئات الأكثر احتياجاً، قبل انتهاء المدة الانتقالية المحددة بـ7 سنوات تتحرر بعدها العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر. ويقطن في هذه الوحدات نحو 1.6 مليون أسرة، وفق تقديرات رسمية.

وحتى الآن لا يُغري السكن البديل الكثير من المستأجرين، من المتمسكين برفضهم المادة التي تجبرهم على إخلاء منازلهم؛ فخلال شهرين ونصف، لم تتلقَّ الحكومة سوى 58 ألف طلب للحصول على وحدة بديلة، وفق تصريحات تلفزيونية للرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري»، مي عبد الحميد، الأحد الماضي، مشيرةً إلى أن الحكومة قد تقرر تمديد فترة التسجيل إذا ظهرت حاجة إلى ذلك. وينتهي التسجيل رسمياً في 13 يناير (كانون الثاني) المقبل.

إحدى جلسات الاستماع في مجلس النواب المصري حول مشروع تعديل قانون الإيجار القديم (مجلس النواب)

ويرى مراقبون أن انخفاض الأعداد المتقدمة حتى الآن، التي لا تُمثل سوى أقل من 5 في المائة من مجمل قاطني الإيجار القديم، يضع الحكومة في أزمة، ويجدد الجدل والمخاوف من إثارة أزمات مجتمعية، إذ كان السكن البديل وسيلة الحكومة لامتصاص غضب المستأجرين، وتأكيد أنها «لن تترك مواطناً في الشارع»، ووعدت بتسليم هذه الوحدات قبل انتهاء المدة الانتقالية.

وبالنسبة إلى قطب التي تحصل على معاش نحو 2000 جنيه فقط (الدولار 47.5 جنيه)، لا تتعدى هذه التصريحات سوى محاولة لتهدئة الرأي العام، متسائلةً: «كيف ستبني الحكومة وحدات لكل هؤلاء وحتى الآن ما زال الكثيرون من المستفيدين بالإسكان الاجتماعي، لم يحصلوا على شققهم؟ وكيف ستعطيني الوحدة وأنا لا أملك أي مبلغ كمقدمة؟ وإذا كانت لديَّ أموال فلن أقبل أن يتم نقلي إلى الصحراء في المشاريع الجديدة».

التساؤلات نفسها تتكرر على الغروبات الخاصة بالمستأجرين، وسط تحذيرات من البعض من أن التسجيل يعني إقراراً بالتخلي عن الوحدة المُستأجرة، والاعتراف بالقانون. فيما يمضي «ائتلاف المستأجرين» في مسار قانوني وآخر سياسي، لإلغاء المادة التي تجبر المستأجرين على ترك وحداتهم.

بنايات في منطقة الدراسة في القاهرة تضم العديد من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

ويشكك رئيس «ائتلاف المستأجرين»، شريف الجعار، بالتصريحات الرسمية حول أعداد المتقدمين، قائلاً: «أتحدى الحكومة أن تُظهر لنا 10 آلاف استمارة وليس 50 ألفاً»، مؤكداً أن «غالبية المستأجرين يرفضون المبدأ... الناس لن يتركون مساكنهم حتى يقدموا على وحدات بديلة»، لافتاً إلى أنهم «نجحوا في الوصول بالقانون إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية المادة التي تُجبرهم على إخلاء منازلهم».

وإلى جانب هذا المسار، يسعى «الائتلاف» إلى تعديل القانون في البرلمان المقبل، حسب الجعار، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن نائبين تبنيا مشروع قانون لتعديل عدد من مواده»، داعياً الحكومة إلى «استيعاب حقيقة أن المستأجرين لن يقبلوا ترك منازلهم».

في المقابل، دعت الرئيسة التنفيذية لـ«صندوق الإسكان الاجتماعي»، المستأجرين المُستحقين، إلى التسجيل، «حتى نتمكن من الحصر وتجهيز الوحدات»، مؤكدةً أن «التقديم ليس معناه أن المستأجر سيترك شقته حالياً، فالتسجيل لإخبارنا بحاجتك إلى وحدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، حتى نُجهزها». وأضافت أن «وزارة التنمية المحلية حصرت الأراضي المتاحة داخل المحافظات، بالإضافة إلى المدن الجديدة بوصفها خياراً آخر للراغبين».

ويتهم رئيس «ائتلاف المُلاك»، مصطفى عبد الرحمن، بعض النشطاء في الملف، بـ«تضليل المستأجرين حتى لا يقدموا على الوحدات، مما سيضر بهم»، لكنه لا يتخوف من أزمات مستقبلية بين الملاك والمستأجرين بسبب القانون، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «بعض المستأجرين لديهم وحدات بديلة بالفعل، وآخرون تفاهموا مع الملاك بشكل ودّي، إما بشراء الوحدات وإما برفع قيمة الإيجار مقابل بقائهم»، وهكذا يرى أن قلة أعداد المتقدمين لا تعني بالضرورة أننا أمام أزمة مؤجلة.

كانت مي عبد الحميد قد لفتت إلى أن التقديرات حول عدد قاطني الوحدات المستأجرة بـ1.6 مليون أسرة، تعود لـ10 سنوات، ومن ثم «من المؤكد أن العدد تقلص، فهناك علاقات إيجارية تنتهي... متوقعين أن يكون هذا العدد انخفض إلى النصف».

الحكومة المصرية تطمئن قاطني الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

وتفكر الأربعينية هناء محمد، التي تعمل بوسط القاهرة، في تقديم طلب للحصول على وحدة بديلة مقابل الشقة التي تقطن فيها هي وأسرتها وأسرة عمها في شبرا (شمال القاهرة)، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»، إن «عقد الشقة باسم جدي، لذا نتشارك فيها مع ورثة عمي، وليس لدى أيٍّ منَّا مكان آخر للبقاء فيه».

يبلغ والد هناء 73 عاماً، وتتخوف من أنه حال وفاته قبل مرور فترة سبع سنوات، لن تجد لها ملجأ، متسائلةً: «هل سيعطونني وحدة بديلة، وهل سيعطون عائلة عمي أيضاً؟ أم أن الشقة مقابلها شقة أخرى فقط؟».

تتكرر حيرة هناء مع آخرين، ممن لا يعلمون قيمة الشقق البديلة أو أماكنها، فقرروا التمسك بما عندهم على أمل تغيير القانون، أو حكم محكمة يقلب الموازين.

ويُرجع أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، العزوف عن التقديم، إلى غياب التفاصيل اللازمة عن البدائل المتاحة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان يُفترض أن تصمم الحكومة الوحدات وتختار أماكنها ثم تخبر المستأجرين بمكانها حتى يتمكنوا من الاختيار بناءً على معلومات محددة».

وانتقد صادق، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، غياب البعد الاجتماعي والثقافي عن القرارات والخطط الحكومية، موضحاً: «الحكومة تقرر نقل سكان من منطقة إلى أخرى نائية أو جديدة، ولا تضع في حسبانها الكثير من التفاصيل والشبكات الاجتماعية التي تربط الساكن بمنطقته»، محذراً من أن «بقاء الوضع على ما هو عليه، يُنذر بأزمات وكوارث قد تحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية».

Your Premium trial has ended