تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)

العلاقة معقدة ومتداخلة بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، كما هي الحال بين سوريا والعراق وبين دمشق وبغداد. ففيها كثير من العوامل الحزبية والطائفية والآيديولوجية والجغرافية، وكذلك التنافسية على الزعامة في الإقليم.
جذر التنافس يعود في أحد جوانبه إلى الترابط بين مصيري العاصمتين. فـ«البعث» وصل إلى السلطة في دمشق في مارس (آذار) 1963، لكنه فقدها في بغداد نهاية ذلك العام. وبعد تغيير اتجاه الحكم في سوريا في عام 1966. عاد «البعث» إلى سدة العراق بعد سنتين. وفي سوريا، حسم الأسد الصراع في 1970.
جرت محاولات عدة للمصالحة بين نظامي «البعث». وبالفعل، ساهم العراق في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن سرعان ما عادت العلاقة إلى مسار التدهور. وقتذاك، كان صدام «يحلق» بجناح الرئيس أحمد حسن البكر، وكان حافظ الأسد يعزز موقعه في دمشق ولبنان في عام 1976. اختراقات المفاوضات المصرية - الإسرائيلية وإرهاصات «الثورة» في إيران، حتمت على البلدين النوم في «سرير الأشواك»، فوقّع أحمد حسن البكر وحافظ الأسد «ميثاق العمل الوطني» في أكتوبر (تشرين الأول) 1978، وتُوِّج هذا بـ«دولة الاتحاد» بداية العام اللاحق، قبل أسبوعين من إعلان «الثورة» في طهران.
أكثر المعارضين لهذا الجهد، شخصان كانا يطمحان للسلطة: صدام حسين في بغداد ورفعت الأسد في دمشق. ضبط الأسد شقيقه، لكن صدام انقلب على البكر، واتهم منافسه المجاور بـ«التآمر»، وأمر بإعدام «المتحمسين» للوحدة، ووصل إلى قمة الهرم في يوليو (تموز) 1979.
سعي الأسد إلى تعزيز «الجبهة الجنوبية» مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، واكبه جهد عراقي لتحصين «البوابة الشرقية» مع إيران. وما إن بدأت الحرب العراقية - الإيرانية بعد «الثورة» في طهران، حتى وقف الأسد مع عدو صدام، فدخل مسار دمشق - بغداد في وادٍ سحيق آخر، وردّت بغداد بقطع العلاقات مع دمشق في أكتوبر (تشرين الأول) 1980 ودعم «الإخوان المسلمين» في سوريا. في المقابل، أغلقت سوريا، المنغمسة في لبنان، حدودها مع العراق في 1982، مما أدى إلى قطع أنبوب النفط العراقي إلى البحر المتوسط، الذي عوضته إيران بنفطها.
- لقاء سري
وفي منتصف الثمانينات ومشارف نهايات حرب إيران، توسط العاهل الأردني الملك حسين، وجمع الأسد وصدام في اجتماع «ماراثوني عاصف»، وعقدت لقاءات سرية «اختبارية» بين فاروق الشرع وعبد الحليم خدام وطارق عزيز.
وبعد غزو صدام للكويت عام 1990. دخل الأسد في التحالف الدولي لتحريرها، وعزز وضعه الاقتصادي الداخلي ونفوذه في لبنان، بينما كان خصمه العراقي يغرق في مستنقع العزلة والعقوبات. وفي منتصف التسعينات، مرة أخرى، عاد «الرفيقان» لجس نبض العلاقات. كان الأسد مدفوعاً بالبحث عن تحالفات تحميه من تأرجح مفاوضات السلام مع إسرائيل وتحل الأزمة الاقتصادية، فيما كان صدام مدفوعاً بمحاولات لفك الحصار. وكان الاثنان قلقين من الضغوط التركية، وهروب حسين كامل، صهر صدام، إلى عمان، و«تغيير نظام» عمه، وحديث الأردن عن «الفيدرالية».
اختار كل منهما أقرب «رفيق» كي يتولى القناة السرية: صدام كلف مدير مكتبه السابق بين 1972 و1976 عندما كان نائباً للرئيس، سفيره في الدوحة أنور صبري عبد الرزاق القيسي، والأسد كلف خدام، نائبه و«شريكه» أثناء صراعه مع الرفاق «البعثيين» في الستينات. عاين صدام - القائد، واستفسر عن الخلفيات والإعدامات و«المؤامرة السورية»، كما جدد المحاولة بلقاءات سرية مع عزيز. ولم يكن هناك داعٍ كي يؤكد «المرسِلان»، الأسد وصدام، لـ«ساعيي البريد»، خدام والقيسي، على السرية. فهما «رفيقان مخلصان» للنظام، ويعرفان ثمن الكلمة.
وحسب محاضر حصلت «الشرق الأوسط» عليها من أوراق خدام، التي أخذها معه إلى باريس 2005، وحديث السفير القيسي مع الصحيفة، هناك اختلاف حول من بدأ المبادرة. خدام يقول إن صدام كسر الجليد في أغسطس (آب) 1995، وإن الأسد قابل ذلك بـ«شكوك» في ضوء تجارب الماضي ودور صدام في إحباط «ميثاق العمل» في 1979. وإنه رغم ذلك، قرر الأسد المضي في فتح الحوار، وأخضع رفيقه «البعثي»، لاختبارات قبل طي صفحة القطيعة. أما القيسي، فيرى أن المبادرة جاءت من الأسد لدى قوله علناً إن مشروع الأردن للفيدرالية يهدد سوريا والعراق، وتلقيه إشارة من خدام بفتح قناة بين «السيدين الرئيسين».
- استعجال... وتمهل
وبدا صدام في رسائله إلى الأسد مستعجلاً إعادة فتح السفارتين اللتين أُغلقتا في 1982، وعقد لقاءات سياسية وفتح الحدود. ورد عليه الأسد بداية 1996 بالتريث والحرص عدم دق إسفين بين دمشق ودول عربية. وأبلغه أنه ينوي «إجراء اتصالات مع عدد من الدول العربية لعدم زيادة تعقيد الوضع العربي».
ويقول القيسي لـ«الشرق الأوسط» إنه زار دمشق بشكل سري ست مرات، بينها أربع مرات عبر السودان، مشيراً إلى أن صدام «كان جدياً بفتح صفحة جديدة مع الأسد لاستعادة العلاقات». وقال: «كلفني الرئيس بأن أُبلغ السوريين أنه إذا تقدم الأسد خطوة سأتقدم 10 خطوات». والسبب المباشر لفتح القناة، بحسب القيسي، كان «إقناع الأخوة السوريين بعدم استقبال حسين كامل. وبالفعل، لم يتم استقباله بسبب القلق المشترك من مشروع أردني لطرح فيدرالية»، لافتاً إلى أن صدام اقترح عقد قمة سرية مع الأسد على الحدود، وتشكيل «قيادة سياسية مشتركة»، وبحث ثنائي بإحياء «ميثاق العمل»، إضافة إلى تداول اقتراح قمة عربية في دمشق لمصالحة عراقية - عربية. وكتب صدام للأسد في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين قبل زيارته لواشنطن، تؤكد أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة لإبرام اتفاق عسكري وتشكيل حلف إقليمي تكون إسرائيل وتركيا عموده الفقري، وهذا بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». هنا يكشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سوريا - عراقية سرية، للتنسيق ومنع «الأردن وتركيا من وضع بلدينا بين فكي كماشة». ويضيف القيسى أن صدام «تلقى برحابة صدر» انتقادات الأسد لمشروع الفيدرالية.
- «أبو عدي»
ويظهر من خلال مسار محاضر الاجتماعات والرسائل السرية، تطور الحوار بين الأسد وصدام إلى حد أن خدام بدأ بنقل «تحيات» الأسد إلى «أبي عدي» (صدام) الذي خاطب غريمه بـ«الأخ الرئيس»، مع استمرار التأرجح بين المطالب والإمكانات.
وواكب الأسد اتصالاته العربية بإطلاع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، إذ بعث له رسالة للتحذير من أن «الوضع في العراق مقلق، بات قنبلة قابلة للانفجار». شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ الأسد بفتح ملف آخر يخص الوجود السوري في لبنان، وتقديم عرض للأسد بالمساهمة في نزع سلاح «حزب الله» (مقابل) انسحاب (إسرائيل) من الجولان، وأن تضمن سوريا وجودها العسكري في لبنان.
وفي النصف الثاني من عام 1996، بات هدف الأسد «وقف إسقاط النظام العراقي» عبر فتح الحدود المغلقة، بعدما كان يسعى لـ«إسقاطه». صحيح أنه لم يكن مرتاحاً لتسمية صدام طارق عزيز مسؤولاً عن تطوير العلاقات، لأن جولات سابقة معه كانت «دون جدوى»، لكن عزيز جاء إلى دمشق في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997. كما استقبل الأسد وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف في فبراير (شباط) 1998.
قناعة الأسد كانت، وقتذاك، أن صدام «لا يزيل الذرائع» لتجنب الضربة العسكرية في خضم الأزمة مع المفتشين الدوليين، فاتفق مع الرئيس المصري حسني مبارك على ضرورة أن «يُقال لصدام حسين صراحة إن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وإن تغيير النظام هو المطلوب، ولا يتغيّر إلا بضربك».
مرة ثانية، كان هناك تداخل في الملفات الإقليمية. فبعد «مقايضة» شيراك بين العراق ولبنان، ربط الرئيس الأميركي بيل كلنتون بين العراق واستئناف مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية. ففي 21 فبراير(شباط) 1998. كتب للأسد: «إذا ما أجبرَنا صدام على اتخاذ إجراء عسكري، سيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة الحياد، بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة... إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة (في المفاوضات) ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر». الأسد رد في 13 مارس (آذار) 1998 متحدثاً عن «مدى القلق والتوتر بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق»، مؤكداً الرغبة بـ«استئناف المفاوضات (مع إسرائيل) من النقطة التي توقفت عندها» لدى خسارة شيمعون بيريس وفوز بنيامين نتنياهو 1996.
فتحت الحدود ومكتب لرعاية المصالحة في العاصمتين، وحصل «الانتقال» في دمشق و«أسقط النظام» في بغداد. ومع اقتراب الهجوم الأميركي على العراق في 2003. طار الرئيس بشار الأسد إلى إيران، والتقى «المرشد» علي خامنئي، واتفقا على «مقاومة» الأميركيين في البلد العازل بينهما. وأصبح العراق الجديد، الذي كان «البوابة الشرقية» مع إيران، على ما هو عليه بعد 18 سنة من التغيير، ووصلت سوريا وأهلها، وهي «الجبهة الجنوبية»، إلى هنا بعد 10 سنوات من «الربيع» والحرب.
لم يكن مضمون الرسائل بين صدام والأسد، معروفاً. والكشف عنها، وتأكيد السفير القيسي صحتها، وإضافة تفاصيل إليها، ترمي إلى تسليط الضوء على جانب في تاريخ سوريا والعراق وامتداداته الإقليمية، لا تزال جوانب كثير منه غير مكتملة.

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل



عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.