تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام

نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)
نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين (يسار) والرئيس السوري حافظ الأسد ووزيرا خارجية سوريا عبد الحليم خدام والجزائر عبد العزيز بوتفليقة في قمة بغداد في نوفمبر 1978 (غيتي)

العلاقة معقدة ومتداخلة بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، كما هي الحال بين سوريا والعراق وبين دمشق وبغداد. ففيها كثير من العوامل الحزبية والطائفية والآيديولوجية والجغرافية، وكذلك التنافسية على الزعامة في الإقليم.
جذر التنافس يعود في أحد جوانبه إلى الترابط بين مصيري العاصمتين. فـ«البعث» وصل إلى السلطة في دمشق في مارس (آذار) 1963، لكنه فقدها في بغداد نهاية ذلك العام. وبعد تغيير اتجاه الحكم في سوريا في عام 1966. عاد «البعث» إلى سدة العراق بعد سنتين. وفي سوريا، حسم الأسد الصراع في 1970.
جرت محاولات عدة للمصالحة بين نظامي «البعث». وبالفعل، ساهم العراق في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن سرعان ما عادت العلاقة إلى مسار التدهور. وقتذاك، كان صدام «يحلق» بجناح الرئيس أحمد حسن البكر، وكان حافظ الأسد يعزز موقعه في دمشق ولبنان في عام 1976. اختراقات المفاوضات المصرية - الإسرائيلية وإرهاصات «الثورة» في إيران، حتمت على البلدين النوم في «سرير الأشواك»، فوقّع أحمد حسن البكر وحافظ الأسد «ميثاق العمل الوطني» في أكتوبر (تشرين الأول) 1978، وتُوِّج هذا بـ«دولة الاتحاد» بداية العام اللاحق، قبل أسبوعين من إعلان «الثورة» في طهران.
أكثر المعارضين لهذا الجهد، شخصان كانا يطمحان للسلطة: صدام حسين في بغداد ورفعت الأسد في دمشق. ضبط الأسد شقيقه، لكن صدام انقلب على البكر، واتهم منافسه المجاور بـ«التآمر»، وأمر بإعدام «المتحمسين» للوحدة، ووصل إلى قمة الهرم في يوليو (تموز) 1979.
سعي الأسد إلى تعزيز «الجبهة الجنوبية» مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، واكبه جهد عراقي لتحصين «البوابة الشرقية» مع إيران. وما إن بدأت الحرب العراقية - الإيرانية بعد «الثورة» في طهران، حتى وقف الأسد مع عدو صدام، فدخل مسار دمشق - بغداد في وادٍ سحيق آخر، وردّت بغداد بقطع العلاقات مع دمشق في أكتوبر (تشرين الأول) 1980 ودعم «الإخوان المسلمين» في سوريا. في المقابل، أغلقت سوريا، المنغمسة في لبنان، حدودها مع العراق في 1982، مما أدى إلى قطع أنبوب النفط العراقي إلى البحر المتوسط، الذي عوضته إيران بنفطها.
- لقاء سري
وفي منتصف الثمانينات ومشارف نهايات حرب إيران، توسط العاهل الأردني الملك حسين، وجمع الأسد وصدام في اجتماع «ماراثوني عاصف»، وعقدت لقاءات سرية «اختبارية» بين فاروق الشرع وعبد الحليم خدام وطارق عزيز.
وبعد غزو صدام للكويت عام 1990. دخل الأسد في التحالف الدولي لتحريرها، وعزز وضعه الاقتصادي الداخلي ونفوذه في لبنان، بينما كان خصمه العراقي يغرق في مستنقع العزلة والعقوبات. وفي منتصف التسعينات، مرة أخرى، عاد «الرفيقان» لجس نبض العلاقات. كان الأسد مدفوعاً بالبحث عن تحالفات تحميه من تأرجح مفاوضات السلام مع إسرائيل وتحل الأزمة الاقتصادية، فيما كان صدام مدفوعاً بمحاولات لفك الحصار. وكان الاثنان قلقين من الضغوط التركية، وهروب حسين كامل، صهر صدام، إلى عمان، و«تغيير نظام» عمه، وحديث الأردن عن «الفيدرالية».
اختار كل منهما أقرب «رفيق» كي يتولى القناة السرية: صدام كلف مدير مكتبه السابق بين 1972 و1976 عندما كان نائباً للرئيس، سفيره في الدوحة أنور صبري عبد الرزاق القيسي، والأسد كلف خدام، نائبه و«شريكه» أثناء صراعه مع الرفاق «البعثيين» في الستينات. عاين صدام - القائد، واستفسر عن الخلفيات والإعدامات و«المؤامرة السورية»، كما جدد المحاولة بلقاءات سرية مع عزيز. ولم يكن هناك داعٍ كي يؤكد «المرسِلان»، الأسد وصدام، لـ«ساعيي البريد»، خدام والقيسي، على السرية. فهما «رفيقان مخلصان» للنظام، ويعرفان ثمن الكلمة.
وحسب محاضر حصلت «الشرق الأوسط» عليها من أوراق خدام، التي أخذها معه إلى باريس 2005، وحديث السفير القيسي مع الصحيفة، هناك اختلاف حول من بدأ المبادرة. خدام يقول إن صدام كسر الجليد في أغسطس (آب) 1995، وإن الأسد قابل ذلك بـ«شكوك» في ضوء تجارب الماضي ودور صدام في إحباط «ميثاق العمل» في 1979. وإنه رغم ذلك، قرر الأسد المضي في فتح الحوار، وأخضع رفيقه «البعثي»، لاختبارات قبل طي صفحة القطيعة. أما القيسي، فيرى أن المبادرة جاءت من الأسد لدى قوله علناً إن مشروع الأردن للفيدرالية يهدد سوريا والعراق، وتلقيه إشارة من خدام بفتح قناة بين «السيدين الرئيسين».
- استعجال... وتمهل
وبدا صدام في رسائله إلى الأسد مستعجلاً إعادة فتح السفارتين اللتين أُغلقتا في 1982، وعقد لقاءات سياسية وفتح الحدود. ورد عليه الأسد بداية 1996 بالتريث والحرص عدم دق إسفين بين دمشق ودول عربية. وأبلغه أنه ينوي «إجراء اتصالات مع عدد من الدول العربية لعدم زيادة تعقيد الوضع العربي».
ويقول القيسي لـ«الشرق الأوسط» إنه زار دمشق بشكل سري ست مرات، بينها أربع مرات عبر السودان، مشيراً إلى أن صدام «كان جدياً بفتح صفحة جديدة مع الأسد لاستعادة العلاقات». وقال: «كلفني الرئيس بأن أُبلغ السوريين أنه إذا تقدم الأسد خطوة سأتقدم 10 خطوات». والسبب المباشر لفتح القناة، بحسب القيسي، كان «إقناع الأخوة السوريين بعدم استقبال حسين كامل. وبالفعل، لم يتم استقباله بسبب القلق المشترك من مشروع أردني لطرح فيدرالية»، لافتاً إلى أن صدام اقترح عقد قمة سرية مع الأسد على الحدود، وتشكيل «قيادة سياسية مشتركة»، وبحث ثنائي بإحياء «ميثاق العمل»، إضافة إلى تداول اقتراح قمة عربية في دمشق لمصالحة عراقية - عربية. وكتب صدام للأسد في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين قبل زيارته لواشنطن، تؤكد أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة لإبرام اتفاق عسكري وتشكيل حلف إقليمي تكون إسرائيل وتركيا عموده الفقري، وهذا بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». هنا يكشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سوريا - عراقية سرية، للتنسيق ومنع «الأردن وتركيا من وضع بلدينا بين فكي كماشة». ويضيف القيسى أن صدام «تلقى برحابة صدر» انتقادات الأسد لمشروع الفيدرالية.
- «أبو عدي»
ويظهر من خلال مسار محاضر الاجتماعات والرسائل السرية، تطور الحوار بين الأسد وصدام إلى حد أن خدام بدأ بنقل «تحيات» الأسد إلى «أبي عدي» (صدام) الذي خاطب غريمه بـ«الأخ الرئيس»، مع استمرار التأرجح بين المطالب والإمكانات.
وواكب الأسد اتصالاته العربية بإطلاع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، إذ بعث له رسالة للتحذير من أن «الوضع في العراق مقلق، بات قنبلة قابلة للانفجار». شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ الأسد بفتح ملف آخر يخص الوجود السوري في لبنان، وتقديم عرض للأسد بالمساهمة في نزع سلاح «حزب الله» (مقابل) انسحاب (إسرائيل) من الجولان، وأن تضمن سوريا وجودها العسكري في لبنان.
وفي النصف الثاني من عام 1996، بات هدف الأسد «وقف إسقاط النظام العراقي» عبر فتح الحدود المغلقة، بعدما كان يسعى لـ«إسقاطه». صحيح أنه لم يكن مرتاحاً لتسمية صدام طارق عزيز مسؤولاً عن تطوير العلاقات، لأن جولات سابقة معه كانت «دون جدوى»، لكن عزيز جاء إلى دمشق في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997. كما استقبل الأسد وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف في فبراير (شباط) 1998.
قناعة الأسد كانت، وقتذاك، أن صدام «لا يزيل الذرائع» لتجنب الضربة العسكرية في خضم الأزمة مع المفتشين الدوليين، فاتفق مع الرئيس المصري حسني مبارك على ضرورة أن «يُقال لصدام حسين صراحة إن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وإن تغيير النظام هو المطلوب، ولا يتغيّر إلا بضربك».
مرة ثانية، كان هناك تداخل في الملفات الإقليمية. فبعد «مقايضة» شيراك بين العراق ولبنان، ربط الرئيس الأميركي بيل كلنتون بين العراق واستئناف مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية. ففي 21 فبراير(شباط) 1998. كتب للأسد: «إذا ما أجبرَنا صدام على اتخاذ إجراء عسكري، سيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة الحياد، بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة... إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة (في المفاوضات) ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر». الأسد رد في 13 مارس (آذار) 1998 متحدثاً عن «مدى القلق والتوتر بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق»، مؤكداً الرغبة بـ«استئناف المفاوضات (مع إسرائيل) من النقطة التي توقفت عندها» لدى خسارة شيمعون بيريس وفوز بنيامين نتنياهو 1996.
فتحت الحدود ومكتب لرعاية المصالحة في العاصمتين، وحصل «الانتقال» في دمشق و«أسقط النظام» في بغداد. ومع اقتراب الهجوم الأميركي على العراق في 2003. طار الرئيس بشار الأسد إلى إيران، والتقى «المرشد» علي خامنئي، واتفقا على «مقاومة» الأميركيين في البلد العازل بينهما. وأصبح العراق الجديد، الذي كان «البوابة الشرقية» مع إيران، على ما هو عليه بعد 18 سنة من التغيير، ووصلت سوريا وأهلها، وهي «الجبهة الجنوبية»، إلى هنا بعد 10 سنوات من «الربيع» والحرب.
لم يكن مضمون الرسائل بين صدام والأسد، معروفاً. والكشف عنها، وتأكيد السفير القيسي صحتها، وإضافة تفاصيل إليها، ترمي إلى تسليط الضوء على جانب في تاريخ سوريا والعراق وامتداداته الإقليمية، لا تزال جوانب كثير منه غير مكتملة.

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.