الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

الرسائل السرية بين الرئيسين السوري والعراقي كشفت تشكيل لجنة عليا لا تبحث الأمور السياسية لـ«انعدام الثقة»

الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
TT

الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)

في النصف الثاني من عام 1998، كانت سوريا مطمئنة بـ«وصايتها» على لبنان في خاصرتها الغربية، وتختبر أقنية سرية مع صاحب القرار الجديد في «الجبهة الجنوبية»، بنيامين نتنياهو.
لكنها، كانت محاصرة باللهيب العراقي في الشرق وبعاصفة من التهديدات التركية والحشود العسكرية على حدودها الشمالية، للضغط على الرئيس حافظ الأسد لإبعاد زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان.
مع بوادر التوتر في العراق بداية عام 1998، كلف الأسد نائبه عبد الحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع بالذهاب إلى القاهرة، لنقل رسالة إلى الرئيس المصري الراحل حسني مبارك. وحسب محضر اجتماع هذا اللقاء، الذي حصلت عليه «الشرق الأوسط» ضمن أوراق خدام، كانت هناك قناعة لدى الأسد ومبارك أن صدام «لا يزيل الذرائع» لمنع التصعيد العسكري، ما استوجب التوافق على توجيه رسالة مشتركة و«أن يقال لصدام حسين صراحة، إن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وتغيير النظام هو المطلوب ولا يتغيّر إلا بضربك».
مع اقتراب نهاية العام، كان موعد «ثعلب الصحراء» الأميركي يقترب من الأرض العراقية. ولدى فحص الوثائق والرسائل بين صدام والأسد وزعماء آخرين، يتضح مرة أخرى ربط ملف العراق بملفات - مكاسب أخرى تخص سوريا. إذ إن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان حاول في يوليو (تموز) 1996 إغراء الأسد لنزع سلاح «حزب الله» في لبنان مقابل العمل مع نتنياهو لـ«انسحاب إسرائيل من الجولان، وضمان وجود سوريا العسكري في لبنان».
بعد سنتين تقريبا، جاء الربط من زاوية أخرى وملف آخر، إذ عرض الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بوضوح «حياد» الأسد إزاء توجيه ضربة للعراق بالعمل على استئناف مفاوضات السلام مع نتنياهو «من حيث توقفت» في عهد سلفه شيمون بيريز في 1996، عندما حصل الرئيس السوري على التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى خط 4 يونيو (حزيران) 19967.
ففي 21 فبراير (شباط) 1998، كتب كلينتون للأسد: «إذا ما أجبَرَنا صدام على اتخاذ إجراء عسكري، سيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة... إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة (في مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية) ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر. غير أنه، وتأسيساً على محادثاتي مع رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتنياهو)، فإنني أؤمن بأنه يبقى ممكناً، حتى في هذه الآونة، أن ننجز اتفاق سلام. وستكون المرونة مطلوبة من كلا الجانبين».
من جهته، رد الأسد في 13 مارس (آذار) 1998، قائلا: «لاحظتم مدى القلق والتوتر الذي ساد الرأي العام، وعلى الأخص في العالمين العربي والإسلامي، بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق يزيد من المعاناة». ثم أضاف «لكن استئناف المفاوضات من غير النقطة التي توقفت عندها ومتابعة البناء على ما تم إنجازه على المسار السوري، لا يعتبر فقط هدراً لخمس سنوات صعبة من الجهود الأميركية والسورية والإسرائيلية، وإنما سيؤدي إلى إخراج المفاوضات عن مسارها».
كانت الأزمة العراقية من أكثر الأزمات التي شهدتها المنطقة خطورة بعد اجتياح القوات العراقية للكويت. فالضغوط الأميركية في تصاعد. كانت رائحة التصعيد في العراق ومصيره ووحدته بارزة لا تحتاج إلى تحليل أو بحث، وكانت المشكلة، أسلحة الدمار الشامل والتفتيش عنها، والوسيلة لجنة الرقابة والتفتيش التي عيّنها الأمين العام للأمم المتحدة.
ويقول نائب الرئيس عبد الحليم خدام إنه «ما كان يزيد قلقنا من القيادة العراقية، رغم تنبيهها من جهات عديدة، عربية وأجنبية، إلى الأهداف الحقيقية للحملة الأميركية، والحاجة إلى مراجعة موقفها، ما يُسقط الذرائع ويقوّي الموقف العراقي داخلياً وعربياً ودولياً، فقد استمرت في استخدام نفس الأساليب والممارسات، مقتنعة أن الجماهير العراقية متماسكة معها».
وفي ضوء الوضع المتأزّم، أجرى الرئيس حافظ الأسد اتصالاً مع الرئيس حسني مبارك، واتفقا خلاله على قيام خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع بزيارة إلى القاهرة، لدراسة الوضع واستخلاص الموقف الملائم الذي يدفع الضرر والأذى عن العراق.
وفي 17 فبراير 1998 التقى خدام والشرع في القاهرة كمال الجنزوري رئيس الحكومة المصرية، وعمرو موسى وزير الخارجية، وأسامة الباز مستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، قبل لقاء مبارك.
وبحسب محضر الاجتماع، بعد تبادل عبارات المجاملة، سأل الرئيس مبارك عن كيفية رؤية الأجواء المحيطة، ومشكلة العراق والأمم المتحدة وأميركا، وحول صحة ما نسمعه من أخبار حول نية الأميركيين لضرب العراق، وعن الوجود الإسرائيلي في المشكلة العراقية.
أجاب خدام: «طبعاً إسرائيل موجودة. سيادة الرئيس، أمام ما يحدث، تُرى هل هذه الحملة الشرسة وهذه الحشود الكبيرة من أجل البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتفتيش عنها في القصور الرئاسية وما إلى ذلك؟ أم أن هناك أمراً آخر يُبيت لنا كعرب وللمنطقة؟ إن التمسك بموضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية ما هو إلا عبارة عن حجج، لا أكثر ولا أقل. ثم إن صدام يقول لا شيء هناك، وإن الأسلحة قد دُمرت، وإن القصور الرئاسية الثمانية لا شيء فيها، وإنها مفتوحة أمام هيئة التفتيش التابعة لأميركا وللأمم المتحدة. ولكن، يظل الأميركيون والبريطانيون وغيرهم ممن انضم إليهم، يقولون إن من الضروري تنفيذ الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة والسماح للمفتشين الأميركيين الدوليين بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الجرثومية أو الكيماوية وما إلى ذلك، ويأتون بآراء ونظريات حولها ومكان وجودها. والسؤال المطروح هو: هل هذه الحملة وهذه التعبئة التي تجري على قدم وساق، من أجل موضوع الأسلحة تلك بالفعل ولهذا الهدف، أم أن الهدف هو هدف آخر يُخطط له قديماً ويُنفذ الآن، وإننا كعرب وهذه المنطقة نواجه ما يحصل بانتظار مشيئتهم؟».
علّق الرئيس مبارك: «هم يقولون فقط التفتيش وأسلحة الدمار الشامل، ولكن الأهداف من هذه العملية ستظهر بعد ذلك».
تابع خدام: «بعدئذٍ تظهر (الأهداف)على حقيقتها، ولكنها تبدو لنا واضحة منذ الآن، ولأن مجرد القول إن هذه الحملة وهذه التعبئة وهذا العرض للعضلات كله ليس من أجل الحرب أو الضربة العسكرية، وإنما لضرورات ومتطلبات الأمن الدولي، فهذا كلام غير منطقي وغير معقول بالتالي. تُرى، هل أن البعد الإسرائيلي ينتهي عند حدود التفتيش أم أن هناك برنامجاً خاصاً يُعد للمنطقة ويقولون هي مناورات ليس إلا؟ ولكن في رأينا يقال إن أمراً يحضّر من أجل نظام معين لهذه المنطقة، وإلا، عملياً، ما نراه كيف يفسر؟».
وهنا سأل الرئيس مبارك عن الواجب فعله لمواجهة هذا الموضوع.
أجاب خدام: «تماماً، هذا هو السؤال المطروح بالفعل، ونحن متفقون بأنه لا بد من عمل شيء لمواجهة الوضع، منعاً من الوصول إلى التفجير».
فعلّق الرئيس مبارك بأنه من الضروري العمل لمواجهة الذي يحصل.
رد خدام: «نعم، وهناك قناعة لدى المواطن العربي وفي الشارع العربي بأن ما يجري مخطط له من قبل الأميركيين والإسرائيليين، من جهة لتوفير الدعم لإسرائيل، ومن جهة ثانية من أجل الهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة، وذلك تنفيذاً للمشروع الإسرائيلي نفسه على مر التاريخ. وأتمنى أن نعمل معاً للمواجهة والدراسة لهذا الوضع واحتمالاته وحلوله، طبعاً مع عمرو موسى وفاروق الشرع، لكي نرى الصورة بوضوح أمامنا بكل أبعادها. وأعتقد أن أول شيء نفعله أن نعمل معاً على تجنيب العراق مثل هذه الضربة العسكرية المدمّرة، وأيضاً من خلال زيارة وفد للعراق وإجراء الاتصالات اللازمة، رحمة بالشعب العراقي، ولكي نجنّب تعرضه لكارثة ثانية تقضي على العراق وتقسمه. وها أنذا أحمل رسالة من الرئيس حافظ الأسد بهذا الموضوع. وقد تحدث السيد فاروق الشرع مع الصحاف، وزير خارجية العراق، والسيد الرئيس أيضاً تكلم معه في هذا الشأن، وأنتم ونحن أبدينا موقفاً واحداً حيال هذه القضية ومعالجتها».
قال الرئيس مبارك: «شكراً للأخ الرئيس حافظ على الرسالة. طبعاً يجب التقيّد بتنفيذ مضمون قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة بالنسبة للتفتيش وتدمير أسلحة الدمار الشامل وما إلى ذلك من الأسلحة، ثم تنفيذ مهمة التفتيش وعدم معارضة المفتشين الأميركيين، وكل هذا لتفادي الضربة العسكرية كما يقولون، وبعد الذي حصل في الضربة السابقة للعراق كما عرفنا».
أجاب خدام: «نعم، وهذا الكلام الذي تتفضل بذكره أنا متأكد مائة بالمائة أنه ليس هناك أي موفد عراقي يجرؤ على أن ينقل مثل هذا الكلام كله إلى مسامع صدام شخصياً».
أجاب مبارك: «هذا ما يحدث بالضبط، وحدث خلال اجتياحه للكويت. نصحناه لكنه رفض النصيحة، وكانت النتيجة ما تراه اليوم».
علّق خدام : «صحيح. أعود فأقول، وكنا نتكلم في مجال التحليل في هذه القضية التي هي حديث الساعة، إذا كان الأمر هدفه خريطة جديدة توضع للمنطقة، فإنني أعتقد أن المستقبل العربي سوف يكون مستقبلاً أسود ومظلماً، ولن يسامحنا أحد بعد ذلك».
فقال مبارك: «بالضبط، وهذه مسألة مهمة وخطيرة».
أجاب خدام: «بعد أن عرضت خطورة ما يخطط للمنطقة عبر البوابة العراقية، لا بد من عمل شيء يوقف المشروع من جهة، ومن جهة ثانية يجب أن نفكر بصورة جدية بمشروع لمواجهته عربياً. والخطوة الأولى والأساسية هي في العمل على إبعاد الضربة عن العراق. فإذا وقعت الضربة، فسوف يصبح الوضع خطيراً وسيئاً للغاية».
علّق أسامة الباز بقوله: «نعم، وسوف يربكنا كحكومات، والمواطن العادي الآن، حيثما كان، تجده متعاطفاً مع العراق. هذا المواطن هذا شعوره الآن، صغيراً كان أم كبيراً. فإذا وقع الضرب كما حدث في حرب الكويت، رأينا نتيجة هذه الحرب في الوضع العربي وسيئاتها. فما بالك الآن؟ ولكن، نرى الآن إسرائيل تضرب وتحتل وتخالف قرارات الأمم المتحدة ولا أحد يتفوّه بكلمة عنها».
قال خدام للرئيس مبارك بأنه يجب أن يقال لصدام حسين صراحة بأن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وتغيير النظام هو المطلوب ولا يتغيّر إلا بضربك. هكذا يجب أن يقال له. فوافقني الرئيس مبارك.
عرضت عليه «إرسال أحد إلى بغداد للقاء صدام حسين ونُصحه وتحذيره لتجنيب العراق الضربة، وأن يذهب إليه واحد من مصر وآخر من سوريا، فما هو رأيك؟».

وجرى الحديث عمن سيذهب، فاقترح (رئيس الوزراء) كمال الجنزوري وزيري خارجية البلدين، فوافق الرئيس مبارك، وأبلغته أنني سأتحدث مع الرئيس حافظ لأخذ رأيه، وأضفت «لا بد من وضع إخواننا في السعودية بالصورة، فوافق الرئيس مبارك».
اتصل خدام بالرئيس الأسد هاتفياً، وعرض عليه فكرة إرسال الوفد إلى بغداد، فرحّب بالفكرة وأكد على أن تكون بمستوى وزيري الخارجية، وأن تكون الرسالة واضحة.
وحسب وثيقة من خدام، «اتفقنا خلال اللقاء مع الرئيس مبارك أن يكون الحديث واضحاً (إلى صدام حسين)، وأن يبلغه الوفد أن سوريا ومصر درستا الوضع الخطير، لأن جميع المعطيات التي لدينا تقول إن هذا الحشد الأميركي جدي، والفرصة متوفرة لتجنّب الضربة، والمخرج هو الاتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة، وبذلك تكون قد كسبت تعاطف المجتمع الدولي. ونعتقد أن على الحكومة العراقية بذل كل الجهود لكي تكون مهمة الأمين العام للأمم المتحدة إيجابية. كما تم الاتفاق على سفر وزيري الخارجية إلى السعودية لإطلاع قادتها على خلفية التحرك»، مضيفا «الخلاصة، إن وجهات نظر قيادتي مصر وسوريا كانت متفقة حول خطورة الوضع، ومتفقة حول تحليل أسباب الأزمة وأهدافها، وبالتالي وجوب العمل على تجاوزها وتجنيب العراق الضربة العسكرية».
وبعد أيام من رحلة القاهرة، وصل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى بغداد، وأجرى محادثات مع القيادة العراقية أدت إلى توقيع اتفاق قبلت به تلك القيادة شروط مجلس الأمن للرقابة والتفتيش. وهكذا هدأت العاصفة، ولكن إلى متى؟ وهل تغيرت الأهداف الأميركية أم هل ستتغير وسائلها؟
وخلال هذه الأزمة الحادة بين العراق والولايات المتحدة، أجرت الإدارة الأميركية اتصالات عديدة معنا بهدف تحييد الموقف السوري والتذكير بتحالف عام 1990 إبان احتلال الكويت.
وفي 21 فبراير 1998 وجّه الرئيس كلينتون إلى الرئيس الأسد الرسالة التالية: «بينما نواصل الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة الحالية بين العراق والأمم المتحدة، أود أن أشاطركم أهداف الولايات المتحدة وآمالي بحل سلمي لهذا النزاع. أعرف أن سوريا، بصفتها عضواً في الائتلاف في حرب الخليج عام 1991 ومنادياً قوياً لامتثال العراق لقرارات الأمم المتحدة، تشاركنا اهتمامنا بضرورة منع صدام حسين من أن يهدد أبداً جيرانه مرة أخرى. إن ذلك التهديد الإقليمي الحقيقي جداً، بالإضافة إلى دلائل مقنعة بأن صدام حسين يحاول بنشاط أن يعيد تشكيل قدرته على تطوير أسلحة الدمار الشامل وإيصالها، يؤكد أهمية ضمان الوصول غير المشروط والكامل لمفتشي اللجنة الخاصة لكل مواقع الأسلحة العراقية المحتملة.
إن تفضيلي هو لحل دبلوماسي لهذه الأزمة، وأريد أن أؤكد لكم أننا بذلنا كل جهد لهذه الغاية منذ بداية هذا النزاع. إننا ننتظر الآن لنسمع كيف سيرد صدام حسين على المقترحات المقدّمة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السيد (كوفي) أنان، فإذا فشلت هذه الجهود الدبلوماسية وأصبح استعمال القوة ضرورياً لتأمين امتثال العراق، فإن الولايات المتحدة مستعدة لتوجيه ضربة جدية من شأنها أن تقلل بصورة ذات دلالة تهديد أسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى صدام حسين، وأن تقلص من قدرته على تهديد جيرانه. ينبغي أن يكون واضحاً أن مصير العراق بات في أيدي صدام. أؤمن بأن العراق سيكون أكثر ميلاً للموافقة على تسوية سلمية لهذا النزاع، إذا ما اقتنع صدام حسين بأننا مستعدون لعمل عسكري. وإذا فشلت الدبلوماسية بالرغم من جهودنا، وإذا ما أجبرنا صدام حسين على اتخاذ إجراء عسكري، فسيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة.
تتفهم الولايات المتحدة وتشاطركم اهتمامكم بمعاناة الشعب العراقي. ولهذا السبب تدعم الولايات المتحدة اتخاذ مجلس الأمن إجراءات لزيادة النفط من أجل الغذاء بصورة جوهرية، شريطة أن تتوفر لنا الضمانات الكافية من أجل هذه المساعدات الإنسانية لتصل للشعب العراقي ولا تتحول لعساكر صدام. ونوافق بأن المحافظة على سيادة العراق أمر حيوي للأمن والاستقرار الإقليميين. أريدكم أن تعرفوا أنني أتفهم قلقكم حول هذه المسألة، وأؤكد لكم بأن الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بالمحافظة على سلامة الأراضي العراقية. هدفنا في هذه الأزمة هو تقليل التهديد الذي تشكّله أسلحة الدمار الشامل العراقية على جيران العراق، وليس تشجيع تفكيك العراق ولا معاقبة الشعب العراقي.
لقد ساعد قراركم بالانضمام إلى ائتلاف حرب الخليج عام 1991 في تقوية علاقاتنا الثنائية وفي تشجيع التقدم نحو هدف آخر نتقاسمه، سلام شامل في الشرق الأوسط. لقد أشرتم إلى شيء مهم في رسالتكم المؤرّخة في 2 (فبراير) أن المحادثات بين سورية وإسرائيل أنتجت اتفاقاً حول مسائل مركزية بالنسبة لعملية السلام، فاقت أهميتها تلك العناصر المتبقية للاتفاق حولها. تلك المحادثات كانت بالطبع، مع الحكومة الإسرائيلية السابقة. إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة، ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر. غير أنه، وتأسيساً على محادثاتي مع رئيس وزراء إسرائيل، فإني أؤمن بأنه يبقى ممكناً حتى في هذه الآونة أن ننجز اتفاق سلام. ستكون المرونة مطلوبة من كلا الجانبين إذا ما كان علينا أن نعيد مفاوضاتكم مع إسرائيل إلى مسارها وأن نحقق الهدف الذي نسعى إليه كلانا.
بمواصلة العمل سوياً، يمكننا معاً أن نضع حداً لتهديد صدام حسين الماثل مجدداً، وأن نجدد سعينا من أجل سلام إقليمي».
وبعث الرئيس الأسد بالرسالة الجوابية التالية في 13 مارس 1998:
«أشكركم على رسالتكم المؤرخة في 21 فبراير 1998، وأنا على ثقة من أنكم اطلعتم على موقفنا من الأزمة العراقية الأخيرة، من وجوب التزام العراق بقرارات مجلس الأمن التزاماً تاماً، وتفادي العمل العسكري والحفاظ على سيادة العراق وسلامة الأراضي العراقية.
وقد لاحظتم مدى القلق والتوتر الذي ساد الرأي العام، وعلى الأخص في العالمين العربي والإسلامي، بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق سيزيد من معاناة شعبه دون أن يؤدي إلى حل للمشكلة، ولا شك أنكم لمستم مدى حساسية الرأي العربي وسخطه عندما يرى إسرائيل تنفرد من بين دول المنطقة بامتلاك السلاح النووي وتواصل احتلالها للأراضي العربية، دون اكتراث بقرارات مجلس الأمن التي استندت إليها عملية السلام، ولا بتنفيذ الالتزامات التي ترتبت عليها.
السيد الرئيس، إننا نقدّر ما أعربتم عنه في رسالتكم من مشاطرتنا الحرص على الوصول إلى السلام العادل والشامل في منطقتنا. تلك هي رغبتنا الأكيدة، منطلقين من مرجعية وأسس مؤتمر مدريد، والتي كان للولايات المتحدة دور أساسي في صياغتها وفي المفاوضات التي أسفرت بمساعيكم ومشاركتكم الفاعلة عن نتائج مهمة كادت أن تتكلل باتفاق سلام، لولا استمرار تنكّر الحكومة الإسرائيلية الحالية للنتائج التي تم التوصل إليها من خلال المفاوضات.
إنني ملتزم بالتعاون معكم من أجل تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وأريدكم، السيد الرئيس، أن تعلموا أن سوريا لو لم تتحلَّ بالمرونة الكافية خلال مسيرة السلام منذ مؤتمر مدريد لما استمرت هذه المسيرة حتى الآن، ولما تحققت تحت رعايتكم إنجازات مهمة. لكن استئناف المفاوضات من غير النقطة التي توقفت عندها ومتابعة البناء على ما تم إنجازه على المسار السوري لا يعتبر فقط هدراً لخمس سنوات صعبة من الجهود الأميركية والسورية والإسرائيلية، وإنما سيؤدي إلى إخراج المفاوضات عن مسارها الصحيح وأسسها المتفق عليها، وتحويلها إلى مفاوضات من أجل المفاوضات لا يهدف الطرف الآخر منها إلى تحقيق السلام العادل والشامل الذي تنشده شعوب المنطقة.
إننا نرحب بقوة بما أعربتم عنه من عزمكم على تكثيف مساعيكم لتحقيق السلام العادل والشامل الذي من دونه لا يمكن عملياً ضمان أمن منطقتنا واستقرارها، ولا الحفاظ فعلياً على المصالح المشتركة للمعنيين حقاً بإقامة هذا السلام».
صدام وافق على مطالب الأمين العام للأمم المتحدة. واتخذ الرئيس الأميركي كلينتون بعد اتهام بغداد بعدم التعاون مع مفتشي ومراقبي الأمم المتحدة، قراراً بقصف العراق في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1998، وتركز القصف في بغداد والمواقع الاستراتيجية في العراق. وفي 19 ديسمبر، أمر الرئيس كلينتون بوقف القصف، الذي كانت بريطانيا شريكة في القرار وفي العمليات الجوية.
كان لتلك العمليات صدى عميق في العالمين العربي والإسلامي، وقامت مظاهرات صاخبة. في دمشق تظاهر سوريون وهاجموا السفارة الأميركية وأنزلوا العلم كما هاجموا دار السفير ومقر السفير البريطاني.
ثنائياً، خلال السنوات التي تلت فتح الحدود نشطت الحركة التجارية والزيارات المتبادلة بين الوزراء المعنيين وغرف التجارة، وتم التوقيع على عدد من الاتفاقات لا سيما خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد بتاريخ 11 اغسطس (آب) 2001، وكان أبرز الاتفاقات تشكيل لجنة عليا مشتركة بين البلدين.
أما الزيارة الثانية على مستوى رئيس اللجنة العليا، كانت زيارة طه ياسين رمضان إلى دمشق بتاريخ 11 أغسطس 2002، ليرأس اجتماع اللجنة العليا المشتركة حيث تم خلال هذه الاجتماعات استعراض الاتفاقيات ومراحل تنفيذها. كان هناك انفتاح تجاري نحو سوريا بسبب عزلة العراق من جهة، و«المضايقات» الأردنية من جهة ثانية، بالإضافة إلى رفض سوريا سياسة الحصار المفروضة على العراق، وساعد الانفتاح الاقتصادي على تنشيط حركة السوق السورية، حسب قناعة دمشق.
اللافت، أن خدام يقول إن «التوجّهات المعطاة للجانب السوري في جميع الزيارات واللقاءات، كانت بعدم الدخول في مناقشة العلاقات السياسية، لأن الأرضية لمثل هذه المناقشات غير متوفرة لانعدام الثقة بين الجانبين. لذلك كان الحديث السياسي خلال اللقاءات مع المسؤولين مركزاً على مسألة الحصار والعمل على إزالته».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

 



محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended


27 ألف يمني تضرروا من الفيضانات خلال أيام

تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
TT

27 ألف يمني تضرروا من الفيضانات خلال أيام

تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)

أظهرت بيانات أممية وأخرى حكومية في اليمن أن 27 ألف شخص على الأقل تضرروا من الفيضانات التي ضربت عدداً من محافظات البلاد خلال الأيام الماضية، وسط تحذيرات من استمرار هطول الأمطار الغزيرة حتى الشهر المقبل.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية نهائية لعدد المتضررين من الفيضانات التي ضربت مناطق واسعة من اليمن خلال الأيام الماضية، ومع توقعات باستمرار الحالة المطرية خلال الشهر الحالي والذي يليه، أعلنت الأمم المتحدة تمكنها من إيصال مساعدات إنسانية إلى نحو 13 ألف متضرر، في حين أكد الجانب الحكومي تضرر أكثر من 14 ألف شخص في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب وحدها.

وفي ظل توقف أنشطة الأمم المتحدة في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب اقتحام مكاتبها واعتقال العشرات من موظفيها المحليين، أوضحت المنظمة أنه ومع اشتداد الفيضانات في أنحاء اليمن، فقدت مجتمعات محلية في عدد من المحافظات ملاجئها ومصادر المياه وممتلكاتها الأساسية.

وذكرت أن الوكالات الأممية وجدت ميدانياً لدعم الاستجابة السريعة للأسر المتضررة في خمس محافظات، وتمكنت من الوصول إلى أكثر من 13 ألف شخص.

تمكنت 722 امرأة يمنية من الوصول إلى المياه اللازمة للزراعة (الأمم المتحدة)

من جهتها، ذكرت الوحدة الحكومية المعنية بإدارة مخيمات النازحين أن أكثر من 14 ألف شخص، يمثلون نحو ألفي أسرة، تضرروا جراء العواصف والأمطار الغزيرة والسيول المصاحبة لها في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب التي تأوي 60 في المائة من إجمالي النازحين داخلياً جراء الحرب التي أشعلها الحوثيون قبل 11 عاماً، والذين يقترب عددهم من 5 ملايين شخص.

وأشارت الوحدة الحكومية إلى أن الرياح الشديدة التي رافقت هطول الأمطار الموسمية أسفرت عن ثلاث إصابات، فيما تضررت 270 أسرة بشكل كلي، و1820 أسرة بشكل جزئي.

وتنوعت الأضرار بين تدمير مساكن النازحين، بما في ذلك الخيام وأكواخ القش والمأوى المؤقت، إلى جانب تلف المواد الغذائية، وتضرر خزانات المياه وشبكات الصرف الصحي، وفقدان المقتنيات الشخصية للأسر.

احتياجات واستجابة محدودة

ووفقاً للتقرير الحكومي، تركزت الأضرار الأكبر في مخيمات النزوح بمدينة مأرب، عاصمة المحافظة، حيث تضررت 1104 أسر، مقابل 986 أسرة في مخيمات مديرية الوادي المجاورة.

وأشار التقرير إلى أن أبرز الاحتياجات الطارئة تتمثل في توفير 42,234 قطعة طربال، إلى جانب توزيع سلال غذائية ومساعدات نقدية وحقائب إيواء.

المنظمات الإغاثية وصلت إلى 13 ألف يمني متضرر من الفيضانات (الأمم المتحدة)

ودعت الوحدة التنفيذية السلطات وشركاء العمل الإنساني إلى تقديم دعم عاجل للأسر المتضررة، وتكثيف التدخلات لتغطية الاحتياجات، بما يتناسب مع الأوضاع المتدهورة للنازحين في المخيمات.

كما طالبت شركاء كتلة إدارة وتنسيق المخيمات التابعة للأمم المتحدة بتعزيز جهود تأهيل وصيانة المأوى، وإيجاد حلول عاجلة، واستبدال المساكن الطارئة بأخرى انتقالية تتلاءم مع الظروف المناخية القاسية والصحراوية في المحافظة.

توقعات بموسم مطري

بالتوازي، تأتي هذه التطورات وسط توقعات بزيادة غزارة الأمطار خلال الفترة الحالية وحتى مايو (أيار) المقبل، حيث يبلغ متوسط الهطول الموسمي ذروته عند نحو 150 ملم، خصوصاً في المرتفعات الوسطى مثل صنعاء وريمة وذمار.

كما تشير التوقعات إلى احتمال هطول أمطار أعلى من المعدل الطبيعي (تصل إلى +50 في المائة) على امتداد ساحل البحر الأحمر وساحل بحر العرب وخليج عدن والمنحدرات الشرقية، في حين قد تشهد أجزاء من المرتفعات الجنوبية الغربية، بما في ذلك إب وتعز، وشمال البلاد، معدلات هطول أقل من المتوسط (تصل إلى -40 في المائة).

وحسب نشرة المناخ الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، يتزامن الموسم المطري المتوقع مع أنشطة زراعية رئيسية، تشمل زراعة الحبوب والخضراوات، وتحسن المراعي للماشية، إلى جانب نشاط الصيد الحرفي في المناطق الساحلية.

وحذرت النشرة من أن الزيادة المتوقعة في هطول الأمطار قد تؤدي إلى فيضانات، خصوصاً الفيضانات المفاجئة، فضلاً عن تآكل التربة، وانتشار الطفيليات بين الماشية، ومخاطر الجراد الصحراوي، إلى جانب قيود السوق، وهو ما قد يؤثر سلباً على سبل العيش ويزيد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي.