الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

الرسائل السرية بين الرئيسين السوري والعراقي كشفت تشكيل لجنة عليا لا تبحث الأمور السياسية لـ«انعدام الثقة»

الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
TT

الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)
الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الاسد بدمشق في اكتوبر 1994 (غيتي)

في النصف الثاني من عام 1998، كانت سوريا مطمئنة بـ«وصايتها» على لبنان في خاصرتها الغربية، وتختبر أقنية سرية مع صاحب القرار الجديد في «الجبهة الجنوبية»، بنيامين نتنياهو.
لكنها، كانت محاصرة باللهيب العراقي في الشرق وبعاصفة من التهديدات التركية والحشود العسكرية على حدودها الشمالية، للضغط على الرئيس حافظ الأسد لإبعاد زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان.
مع بوادر التوتر في العراق بداية عام 1998، كلف الأسد نائبه عبد الحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع بالذهاب إلى القاهرة، لنقل رسالة إلى الرئيس المصري الراحل حسني مبارك. وحسب محضر اجتماع هذا اللقاء، الذي حصلت عليه «الشرق الأوسط» ضمن أوراق خدام، كانت هناك قناعة لدى الأسد ومبارك أن صدام «لا يزيل الذرائع» لمنع التصعيد العسكري، ما استوجب التوافق على توجيه رسالة مشتركة و«أن يقال لصدام حسين صراحة، إن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وتغيير النظام هو المطلوب ولا يتغيّر إلا بضربك».
مع اقتراب نهاية العام، كان موعد «ثعلب الصحراء» الأميركي يقترب من الأرض العراقية. ولدى فحص الوثائق والرسائل بين صدام والأسد وزعماء آخرين، يتضح مرة أخرى ربط ملف العراق بملفات - مكاسب أخرى تخص سوريا. إذ إن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان حاول في يوليو (تموز) 1996 إغراء الأسد لنزع سلاح «حزب الله» في لبنان مقابل العمل مع نتنياهو لـ«انسحاب إسرائيل من الجولان، وضمان وجود سوريا العسكري في لبنان».
بعد سنتين تقريبا، جاء الربط من زاوية أخرى وملف آخر، إذ عرض الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بوضوح «حياد» الأسد إزاء توجيه ضربة للعراق بالعمل على استئناف مفاوضات السلام مع نتنياهو «من حيث توقفت» في عهد سلفه شيمون بيريز في 1996، عندما حصل الرئيس السوري على التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى خط 4 يونيو (حزيران) 19967.
ففي 21 فبراير (شباط) 1998، كتب كلينتون للأسد: «إذا ما أجبَرَنا صدام على اتخاذ إجراء عسكري، سيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة... إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة (في مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية) ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر. غير أنه، وتأسيساً على محادثاتي مع رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتنياهو)، فإنني أؤمن بأنه يبقى ممكناً، حتى في هذه الآونة، أن ننجز اتفاق سلام. وستكون المرونة مطلوبة من كلا الجانبين».
من جهته، رد الأسد في 13 مارس (آذار) 1998، قائلا: «لاحظتم مدى القلق والتوتر الذي ساد الرأي العام، وعلى الأخص في العالمين العربي والإسلامي، بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق يزيد من المعاناة». ثم أضاف «لكن استئناف المفاوضات من غير النقطة التي توقفت عندها ومتابعة البناء على ما تم إنجازه على المسار السوري، لا يعتبر فقط هدراً لخمس سنوات صعبة من الجهود الأميركية والسورية والإسرائيلية، وإنما سيؤدي إلى إخراج المفاوضات عن مسارها».
كانت الأزمة العراقية من أكثر الأزمات التي شهدتها المنطقة خطورة بعد اجتياح القوات العراقية للكويت. فالضغوط الأميركية في تصاعد. كانت رائحة التصعيد في العراق ومصيره ووحدته بارزة لا تحتاج إلى تحليل أو بحث، وكانت المشكلة، أسلحة الدمار الشامل والتفتيش عنها، والوسيلة لجنة الرقابة والتفتيش التي عيّنها الأمين العام للأمم المتحدة.
ويقول نائب الرئيس عبد الحليم خدام إنه «ما كان يزيد قلقنا من القيادة العراقية، رغم تنبيهها من جهات عديدة، عربية وأجنبية، إلى الأهداف الحقيقية للحملة الأميركية، والحاجة إلى مراجعة موقفها، ما يُسقط الذرائع ويقوّي الموقف العراقي داخلياً وعربياً ودولياً، فقد استمرت في استخدام نفس الأساليب والممارسات، مقتنعة أن الجماهير العراقية متماسكة معها».
وفي ضوء الوضع المتأزّم، أجرى الرئيس حافظ الأسد اتصالاً مع الرئيس حسني مبارك، واتفقا خلاله على قيام خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع بزيارة إلى القاهرة، لدراسة الوضع واستخلاص الموقف الملائم الذي يدفع الضرر والأذى عن العراق.
وفي 17 فبراير 1998 التقى خدام والشرع في القاهرة كمال الجنزوري رئيس الحكومة المصرية، وعمرو موسى وزير الخارجية، وأسامة الباز مستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، قبل لقاء مبارك.
وبحسب محضر الاجتماع، بعد تبادل عبارات المجاملة، سأل الرئيس مبارك عن كيفية رؤية الأجواء المحيطة، ومشكلة العراق والأمم المتحدة وأميركا، وحول صحة ما نسمعه من أخبار حول نية الأميركيين لضرب العراق، وعن الوجود الإسرائيلي في المشكلة العراقية.
أجاب خدام: «طبعاً إسرائيل موجودة. سيادة الرئيس، أمام ما يحدث، تُرى هل هذه الحملة الشرسة وهذه الحشود الكبيرة من أجل البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتفتيش عنها في القصور الرئاسية وما إلى ذلك؟ أم أن هناك أمراً آخر يُبيت لنا كعرب وللمنطقة؟ إن التمسك بموضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية ما هو إلا عبارة عن حجج، لا أكثر ولا أقل. ثم إن صدام يقول لا شيء هناك، وإن الأسلحة قد دُمرت، وإن القصور الرئاسية الثمانية لا شيء فيها، وإنها مفتوحة أمام هيئة التفتيش التابعة لأميركا وللأمم المتحدة. ولكن، يظل الأميركيون والبريطانيون وغيرهم ممن انضم إليهم، يقولون إن من الضروري تنفيذ الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة والسماح للمفتشين الأميركيين الدوليين بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الجرثومية أو الكيماوية وما إلى ذلك، ويأتون بآراء ونظريات حولها ومكان وجودها. والسؤال المطروح هو: هل هذه الحملة وهذه التعبئة التي تجري على قدم وساق، من أجل موضوع الأسلحة تلك بالفعل ولهذا الهدف، أم أن الهدف هو هدف آخر يُخطط له قديماً ويُنفذ الآن، وإننا كعرب وهذه المنطقة نواجه ما يحصل بانتظار مشيئتهم؟».
علّق الرئيس مبارك: «هم يقولون فقط التفتيش وأسلحة الدمار الشامل، ولكن الأهداف من هذه العملية ستظهر بعد ذلك».
تابع خدام: «بعدئذٍ تظهر (الأهداف)على حقيقتها، ولكنها تبدو لنا واضحة منذ الآن، ولأن مجرد القول إن هذه الحملة وهذه التعبئة وهذا العرض للعضلات كله ليس من أجل الحرب أو الضربة العسكرية، وإنما لضرورات ومتطلبات الأمن الدولي، فهذا كلام غير منطقي وغير معقول بالتالي. تُرى، هل أن البعد الإسرائيلي ينتهي عند حدود التفتيش أم أن هناك برنامجاً خاصاً يُعد للمنطقة ويقولون هي مناورات ليس إلا؟ ولكن في رأينا يقال إن أمراً يحضّر من أجل نظام معين لهذه المنطقة، وإلا، عملياً، ما نراه كيف يفسر؟».
وهنا سأل الرئيس مبارك عن الواجب فعله لمواجهة هذا الموضوع.
أجاب خدام: «تماماً، هذا هو السؤال المطروح بالفعل، ونحن متفقون بأنه لا بد من عمل شيء لمواجهة الوضع، منعاً من الوصول إلى التفجير».
فعلّق الرئيس مبارك بأنه من الضروري العمل لمواجهة الذي يحصل.
رد خدام: «نعم، وهناك قناعة لدى المواطن العربي وفي الشارع العربي بأن ما يجري مخطط له من قبل الأميركيين والإسرائيليين، من جهة لتوفير الدعم لإسرائيل، ومن جهة ثانية من أجل الهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة، وذلك تنفيذاً للمشروع الإسرائيلي نفسه على مر التاريخ. وأتمنى أن نعمل معاً للمواجهة والدراسة لهذا الوضع واحتمالاته وحلوله، طبعاً مع عمرو موسى وفاروق الشرع، لكي نرى الصورة بوضوح أمامنا بكل أبعادها. وأعتقد أن أول شيء نفعله أن نعمل معاً على تجنيب العراق مثل هذه الضربة العسكرية المدمّرة، وأيضاً من خلال زيارة وفد للعراق وإجراء الاتصالات اللازمة، رحمة بالشعب العراقي، ولكي نجنّب تعرضه لكارثة ثانية تقضي على العراق وتقسمه. وها أنذا أحمل رسالة من الرئيس حافظ الأسد بهذا الموضوع. وقد تحدث السيد فاروق الشرع مع الصحاف، وزير خارجية العراق، والسيد الرئيس أيضاً تكلم معه في هذا الشأن، وأنتم ونحن أبدينا موقفاً واحداً حيال هذه القضية ومعالجتها».
قال الرئيس مبارك: «شكراً للأخ الرئيس حافظ على الرسالة. طبعاً يجب التقيّد بتنفيذ مضمون قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة بالنسبة للتفتيش وتدمير أسلحة الدمار الشامل وما إلى ذلك من الأسلحة، ثم تنفيذ مهمة التفتيش وعدم معارضة المفتشين الأميركيين، وكل هذا لتفادي الضربة العسكرية كما يقولون، وبعد الذي حصل في الضربة السابقة للعراق كما عرفنا».
أجاب خدام: «نعم، وهذا الكلام الذي تتفضل بذكره أنا متأكد مائة بالمائة أنه ليس هناك أي موفد عراقي يجرؤ على أن ينقل مثل هذا الكلام كله إلى مسامع صدام شخصياً».
أجاب مبارك: «هذا ما يحدث بالضبط، وحدث خلال اجتياحه للكويت. نصحناه لكنه رفض النصيحة، وكانت النتيجة ما تراه اليوم».
علّق خدام : «صحيح. أعود فأقول، وكنا نتكلم في مجال التحليل في هذه القضية التي هي حديث الساعة، إذا كان الأمر هدفه خريطة جديدة توضع للمنطقة، فإنني أعتقد أن المستقبل العربي سوف يكون مستقبلاً أسود ومظلماً، ولن يسامحنا أحد بعد ذلك».
فقال مبارك: «بالضبط، وهذه مسألة مهمة وخطيرة».
أجاب خدام: «بعد أن عرضت خطورة ما يخطط للمنطقة عبر البوابة العراقية، لا بد من عمل شيء يوقف المشروع من جهة، ومن جهة ثانية يجب أن نفكر بصورة جدية بمشروع لمواجهته عربياً. والخطوة الأولى والأساسية هي في العمل على إبعاد الضربة عن العراق. فإذا وقعت الضربة، فسوف يصبح الوضع خطيراً وسيئاً للغاية».
علّق أسامة الباز بقوله: «نعم، وسوف يربكنا كحكومات، والمواطن العادي الآن، حيثما كان، تجده متعاطفاً مع العراق. هذا المواطن هذا شعوره الآن، صغيراً كان أم كبيراً. فإذا وقع الضرب كما حدث في حرب الكويت، رأينا نتيجة هذه الحرب في الوضع العربي وسيئاتها. فما بالك الآن؟ ولكن، نرى الآن إسرائيل تضرب وتحتل وتخالف قرارات الأمم المتحدة ولا أحد يتفوّه بكلمة عنها».
قال خدام للرئيس مبارك بأنه يجب أن يقال لصدام حسين صراحة بأن الضربة ستأتيك وتستهدفك بالذات، كنظام وكبلد، وتغيير النظام هو المطلوب ولا يتغيّر إلا بضربك. هكذا يجب أن يقال له. فوافقني الرئيس مبارك.
عرضت عليه «إرسال أحد إلى بغداد للقاء صدام حسين ونُصحه وتحذيره لتجنيب العراق الضربة، وأن يذهب إليه واحد من مصر وآخر من سوريا، فما هو رأيك؟».

وجرى الحديث عمن سيذهب، فاقترح (رئيس الوزراء) كمال الجنزوري وزيري خارجية البلدين، فوافق الرئيس مبارك، وأبلغته أنني سأتحدث مع الرئيس حافظ لأخذ رأيه، وأضفت «لا بد من وضع إخواننا في السعودية بالصورة، فوافق الرئيس مبارك».
اتصل خدام بالرئيس الأسد هاتفياً، وعرض عليه فكرة إرسال الوفد إلى بغداد، فرحّب بالفكرة وأكد على أن تكون بمستوى وزيري الخارجية، وأن تكون الرسالة واضحة.
وحسب وثيقة من خدام، «اتفقنا خلال اللقاء مع الرئيس مبارك أن يكون الحديث واضحاً (إلى صدام حسين)، وأن يبلغه الوفد أن سوريا ومصر درستا الوضع الخطير، لأن جميع المعطيات التي لدينا تقول إن هذا الحشد الأميركي جدي، والفرصة متوفرة لتجنّب الضربة، والمخرج هو الاتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة، وبذلك تكون قد كسبت تعاطف المجتمع الدولي. ونعتقد أن على الحكومة العراقية بذل كل الجهود لكي تكون مهمة الأمين العام للأمم المتحدة إيجابية. كما تم الاتفاق على سفر وزيري الخارجية إلى السعودية لإطلاع قادتها على خلفية التحرك»، مضيفا «الخلاصة، إن وجهات نظر قيادتي مصر وسوريا كانت متفقة حول خطورة الوضع، ومتفقة حول تحليل أسباب الأزمة وأهدافها، وبالتالي وجوب العمل على تجاوزها وتجنيب العراق الضربة العسكرية».
وبعد أيام من رحلة القاهرة، وصل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى بغداد، وأجرى محادثات مع القيادة العراقية أدت إلى توقيع اتفاق قبلت به تلك القيادة شروط مجلس الأمن للرقابة والتفتيش. وهكذا هدأت العاصفة، ولكن إلى متى؟ وهل تغيرت الأهداف الأميركية أم هل ستتغير وسائلها؟
وخلال هذه الأزمة الحادة بين العراق والولايات المتحدة، أجرت الإدارة الأميركية اتصالات عديدة معنا بهدف تحييد الموقف السوري والتذكير بتحالف عام 1990 إبان احتلال الكويت.
وفي 21 فبراير 1998 وجّه الرئيس كلينتون إلى الرئيس الأسد الرسالة التالية: «بينما نواصل الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة الحالية بين العراق والأمم المتحدة، أود أن أشاطركم أهداف الولايات المتحدة وآمالي بحل سلمي لهذا النزاع. أعرف أن سوريا، بصفتها عضواً في الائتلاف في حرب الخليج عام 1991 ومنادياً قوياً لامتثال العراق لقرارات الأمم المتحدة، تشاركنا اهتمامنا بضرورة منع صدام حسين من أن يهدد أبداً جيرانه مرة أخرى. إن ذلك التهديد الإقليمي الحقيقي جداً، بالإضافة إلى دلائل مقنعة بأن صدام حسين يحاول بنشاط أن يعيد تشكيل قدرته على تطوير أسلحة الدمار الشامل وإيصالها، يؤكد أهمية ضمان الوصول غير المشروط والكامل لمفتشي اللجنة الخاصة لكل مواقع الأسلحة العراقية المحتملة.
إن تفضيلي هو لحل دبلوماسي لهذه الأزمة، وأريد أن أؤكد لكم أننا بذلنا كل جهد لهذه الغاية منذ بداية هذا النزاع. إننا ننتظر الآن لنسمع كيف سيرد صدام حسين على المقترحات المقدّمة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السيد (كوفي) أنان، فإذا فشلت هذه الجهود الدبلوماسية وأصبح استعمال القوة ضرورياً لتأمين امتثال العراق، فإن الولايات المتحدة مستعدة لتوجيه ضربة جدية من شأنها أن تقلل بصورة ذات دلالة تهديد أسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى صدام حسين، وأن تقلص من قدرته على تهديد جيرانه. ينبغي أن يكون واضحاً أن مصير العراق بات في أيدي صدام. أؤمن بأن العراق سيكون أكثر ميلاً للموافقة على تسوية سلمية لهذا النزاع، إذا ما اقتنع صدام حسين بأننا مستعدون لعمل عسكري. وإذا فشلت الدبلوماسية بالرغم من جهودنا، وإذا ما أجبرنا صدام حسين على اتخاذ إجراء عسكري، فسيكون من المهم لسوريا أن تبقى ملتزمة بأن يمتثل العراق كلياً لقرارات الأمم المتحدة.
تتفهم الولايات المتحدة وتشاطركم اهتمامكم بمعاناة الشعب العراقي. ولهذا السبب تدعم الولايات المتحدة اتخاذ مجلس الأمن إجراءات لزيادة النفط من أجل الغذاء بصورة جوهرية، شريطة أن تتوفر لنا الضمانات الكافية من أجل هذه المساعدات الإنسانية لتصل للشعب العراقي ولا تتحول لعساكر صدام. ونوافق بأن المحافظة على سيادة العراق أمر حيوي للأمن والاستقرار الإقليميين. أريدكم أن تعرفوا أنني أتفهم قلقكم حول هذه المسألة، وأؤكد لكم بأن الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بالمحافظة على سلامة الأراضي العراقية. هدفنا في هذه الأزمة هو تقليل التهديد الذي تشكّله أسلحة الدمار الشامل العراقية على جيران العراق، وليس تشجيع تفكيك العراق ولا معاقبة الشعب العراقي.
لقد ساعد قراركم بالانضمام إلى ائتلاف حرب الخليج عام 1991 في تقوية علاقاتنا الثنائية وفي تشجيع التقدم نحو هدف آخر نتقاسمه، سلام شامل في الشرق الأوسط. لقد أشرتم إلى شيء مهم في رسالتكم المؤرّخة في 2 (فبراير) أن المحادثات بين سورية وإسرائيل أنتجت اتفاقاً حول مسائل مركزية بالنسبة لعملية السلام، فاقت أهميتها تلك العناصر المتبقية للاتفاق حولها. تلك المحادثات كانت بالطبع، مع الحكومة الإسرائيلية السابقة. إنني واعٍ تماماً لجهودنا السابقة، ولست مستعداً للعودة إلى نقطة الصفر. غير أنه، وتأسيساً على محادثاتي مع رئيس وزراء إسرائيل، فإني أؤمن بأنه يبقى ممكناً حتى في هذه الآونة أن ننجز اتفاق سلام. ستكون المرونة مطلوبة من كلا الجانبين إذا ما كان علينا أن نعيد مفاوضاتكم مع إسرائيل إلى مسارها وأن نحقق الهدف الذي نسعى إليه كلانا.
بمواصلة العمل سوياً، يمكننا معاً أن نضع حداً لتهديد صدام حسين الماثل مجدداً، وأن نجدد سعينا من أجل سلام إقليمي».
وبعث الرئيس الأسد بالرسالة الجوابية التالية في 13 مارس 1998:
«أشكركم على رسالتكم المؤرخة في 21 فبراير 1998، وأنا على ثقة من أنكم اطلعتم على موقفنا من الأزمة العراقية الأخيرة، من وجوب التزام العراق بقرارات مجلس الأمن التزاماً تاماً، وتفادي العمل العسكري والحفاظ على سيادة العراق وسلامة الأراضي العراقية.
وقد لاحظتم مدى القلق والتوتر الذي ساد الرأي العام، وعلى الأخص في العالمين العربي والإسلامي، بسبب احتمال قيام عمل عسكري ضد العراق سيزيد من معاناة شعبه دون أن يؤدي إلى حل للمشكلة، ولا شك أنكم لمستم مدى حساسية الرأي العربي وسخطه عندما يرى إسرائيل تنفرد من بين دول المنطقة بامتلاك السلاح النووي وتواصل احتلالها للأراضي العربية، دون اكتراث بقرارات مجلس الأمن التي استندت إليها عملية السلام، ولا بتنفيذ الالتزامات التي ترتبت عليها.
السيد الرئيس، إننا نقدّر ما أعربتم عنه في رسالتكم من مشاطرتنا الحرص على الوصول إلى السلام العادل والشامل في منطقتنا. تلك هي رغبتنا الأكيدة، منطلقين من مرجعية وأسس مؤتمر مدريد، والتي كان للولايات المتحدة دور أساسي في صياغتها وفي المفاوضات التي أسفرت بمساعيكم ومشاركتكم الفاعلة عن نتائج مهمة كادت أن تتكلل باتفاق سلام، لولا استمرار تنكّر الحكومة الإسرائيلية الحالية للنتائج التي تم التوصل إليها من خلال المفاوضات.
إنني ملتزم بالتعاون معكم من أجل تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وأريدكم، السيد الرئيس، أن تعلموا أن سوريا لو لم تتحلَّ بالمرونة الكافية خلال مسيرة السلام منذ مؤتمر مدريد لما استمرت هذه المسيرة حتى الآن، ولما تحققت تحت رعايتكم إنجازات مهمة. لكن استئناف المفاوضات من غير النقطة التي توقفت عندها ومتابعة البناء على ما تم إنجازه على المسار السوري لا يعتبر فقط هدراً لخمس سنوات صعبة من الجهود الأميركية والسورية والإسرائيلية، وإنما سيؤدي إلى إخراج المفاوضات عن مسارها الصحيح وأسسها المتفق عليها، وتحويلها إلى مفاوضات من أجل المفاوضات لا يهدف الطرف الآخر منها إلى تحقيق السلام العادل والشامل الذي تنشده شعوب المنطقة.
إننا نرحب بقوة بما أعربتم عنه من عزمكم على تكثيف مساعيكم لتحقيق السلام العادل والشامل الذي من دونه لا يمكن عملياً ضمان أمن منطقتنا واستقرارها، ولا الحفاظ فعلياً على المصالح المشتركة للمعنيين حقاً بإقامة هذا السلام».
صدام وافق على مطالب الأمين العام للأمم المتحدة. واتخذ الرئيس الأميركي كلينتون بعد اتهام بغداد بعدم التعاون مع مفتشي ومراقبي الأمم المتحدة، قراراً بقصف العراق في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1998، وتركز القصف في بغداد والمواقع الاستراتيجية في العراق. وفي 19 ديسمبر، أمر الرئيس كلينتون بوقف القصف، الذي كانت بريطانيا شريكة في القرار وفي العمليات الجوية.
كان لتلك العمليات صدى عميق في العالمين العربي والإسلامي، وقامت مظاهرات صاخبة. في دمشق تظاهر سوريون وهاجموا السفارة الأميركية وأنزلوا العلم كما هاجموا دار السفير ومقر السفير البريطاني.
ثنائياً، خلال السنوات التي تلت فتح الحدود نشطت الحركة التجارية والزيارات المتبادلة بين الوزراء المعنيين وغرف التجارة، وتم التوقيع على عدد من الاتفاقات لا سيما خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد بتاريخ 11 اغسطس (آب) 2001، وكان أبرز الاتفاقات تشكيل لجنة عليا مشتركة بين البلدين.
أما الزيارة الثانية على مستوى رئيس اللجنة العليا، كانت زيارة طه ياسين رمضان إلى دمشق بتاريخ 11 أغسطس 2002، ليرأس اجتماع اللجنة العليا المشتركة حيث تم خلال هذه الاجتماعات استعراض الاتفاقيات ومراحل تنفيذها. كان هناك انفتاح تجاري نحو سوريا بسبب عزلة العراق من جهة، و«المضايقات» الأردنية من جهة ثانية، بالإضافة إلى رفض سوريا سياسة الحصار المفروضة على العراق، وساعد الانفتاح الاقتصادي على تنشيط حركة السوق السورية، حسب قناعة دمشق.
اللافت، أن خدام يقول إن «التوجّهات المعطاة للجانب السوري في جميع الزيارات واللقاءات، كانت بعدم الدخول في مناقشة العلاقات السياسية، لأن الأرضية لمثل هذه المناقشات غير متوفرة لانعدام الثقة بين الجانبين. لذلك كان الحديث السياسي خلال اللقاءات مع المسؤولين مركزاً على مسألة الحصار والعمل على إزالته».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية

 



تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
TT

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في السعودية والكويت ومصر والأردن وفلسطين.

​وأدانت وزارة الخارجية السعودية، السبت، بأشد العبارات واستنكرت كلياً ما تضمنته تصريحات هاكابي، التي عبّر فيها باستهتار عن أن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله ستكون أمراً مقبولاً.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، رفضها القاطع لهذه التصريحات غير المسؤولة، التي تعد خرقاً للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدبلوماسية، وسابقةً خطيرةً في صدورها من مسؤول أميركي، وتعد كذلك استهتاراً بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت إلى أن هذا الطرح المتطرف ينبئ بعواقب وخيمة، ويهدد الأمن والسلم العالمي، باستعدائه لدول المنطقة وشعوبها، وتهميش أسس النظام الدولي، الذي توافقت عليه دول العالم لوضع حد للحروب الدامية التي أودت بحياة الملايين من البشر في الماضي، وما أرساه النظام الدولي من احترام لحدود الدول الجغرافية وسيادة الدول على أراضيها، وأنه «يتعين على وزارة الخارجية الأميركية إيضاح موقفها من هذا الطرح المرفوض من جميع دول العالم المحبة للسلام».

وجددت السعودية في هذا الصدد موقفها الراسخ برفض كل ما من شأنه المساس بسيادة الدول وحدودها وسلامتها الإقليمية، مشددةً على أن السبيل الأوحد للوصول للسلام العادل والشامل هو إنهاء الاحتلال على أساس «حل الدولتين»، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، مساء الجمعة، إنه «لا بأس» إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، متحججاً بنصوص دينية من «العهد القديم»، مشيراً إلى أن لإسرائيل «حقاً دينياً في الاستيلاء على الشرق الأوسط، أو على الأقل على الجزء الأكبر منه».

وعدّ هاكابي «إسرائيل أرضاً منحها الله، من خلال إبراهيم، إلى شعب مختار»، ما يعني أن «بإمكان إسرائيل المطالبة بأرض تشمل في الأساس كامل الشرق الأوسط».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في إفادة رسمية، السبت، التصريحات التي وصفها بـ«بالغة الخطورة»، في حين قالت «منظمة التعاون الإسلامي» إنها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل».

وعدّ أبو الغيط التصريحات «مخالفة لأبجديات الدبلوماسية وأعرافها الراسخة كافّة، فضلاً عن مجافاتها للمنطق والعقل، وتناقضها مع سياسات الولايات المتحدة ومواقفها على طول الخط»، مشيراً إلى أن التصريحات «تستهدف مغازلة الجمهور اليميني في إسرائيل»، حسب المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية جمال رشدي.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام أن «مثل هذه التصريحات المتطرفة التي لا تقف على أي أساس، تؤدي إلى تأجيج المشاعر وإثارة العواطف الدينية والوطنية، في وقت تجتمع فيه الدول تحت مظلة (مجلس السلام) من أجل بحث سبل تطبيق اتفاق غزة، واغتنام هذه الفرصة لإطلاق مسار سلمي جدي».

وأعرب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، السبت، عن رفضه واستنكاره للتصريحات غير المسؤولة وغير المقبولة الصادرة عن سفير أميركا لدى حكومة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تضمنت قبول سيطرة الاحتلال على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة.

وأكد جاسم البديوي الأمين العام للمجلس، أن هذه التصريحات تمثل انتهاكاً واضحاً وصريحاً للمواثيق والمعاهدات الدولية والأممية، التي تنص على سيادة الدول ووحدة أراضيها وسيادتها الكاملة.

وأشار إلى أن هذه التصريحات غير المسؤولة وغير المسبوقة تخالف توجهات الولايات المتحدة الأميركية، والرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بالسعي إلى تحقيق السلام والتوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

وشدد البديوي على الموقف الثابت لمجلس التعاون والتزامه بدعم الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي التصريحات «الخطيرة وغير المسؤولة» لهاكابي، وعدّتها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل»، استناداً إلى «سردية تاريخية وآيديولوجية زائفة ومرفوضة»، محذرة من أن «هذا الخطاب الآيديولوجي المتطرف من شأنه أن يغذّي التطرف ويشجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة إجراءاته غير القانونية القائمة على التهجير والاستيطان».

وأعربت وزارة الخارجية الكويتية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتصريحات «غير المسؤولة» الصادرة عن السفير الأميركي لدى إسرائيل.

وأكدت الوزارة، في بيان صحافي، رفض الكويت القاطع لمثل هذه التصريحات، لما تمثله من مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار رقم 2803، ولما تنطوي عليه من مساس بسيادة الدول ووحدة أراضيها، الأمر الذي من شأنه زيادة حدة التوتر وتقويض جهود تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما شددت الكويت على أن هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك مع النقاط العشرين ذات الصلة بالسعي إلى تحقيق السلام، مؤكدة أن أي طرح يضفي شرعية على السيطرة على أراضي الغير يقوض تلك المساعي ويؤجج الأوضاع.

وجددت الكويت تأكيدها على «أن القوة القائمة بالاحتلال لا تملك أي سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو على أي أراض عربية أخرى، وترفض أي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، كما تعارض استمرار الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وأكدت التزامها الثابت بدعم الحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وبما يحقق السلام العادل والشامل في المنطقة.

وأدان العراق تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل. واعتبرت بغداد هذه التصريحات بأنها «تمثل تجاوزاً خطيراً وتتعارض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتشكل مساساً بسيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها فضلاً عما تحمله من تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة».

وشددت وزارة الخارجية العراقية على «موقف العراق الثابت والداعم لسيادة الدول ورفض أي سياسات أو ممارسات تقوم على الهيمنة أو فرض الأمر الواقع».

وأدانت مصر «التصريحات المنسوبة إلى هاكابي». وأعربت، في بيان لوزارة الخارجية، السبت، عن «استغرابها صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر (مجلس السلام) الذي عُقد في واشنطن، الخميس».

وجدّدت مصر التأكيد على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية»، مشددة على «رفضها القاطع لأي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وكان الرئيس الأميركي ترمب قد عارض، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الشهر الحالي، ضم إسرائيل الضفة، وقال: «لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن... لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية»، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال ترمب إنه «لن يسمح بضم الضفة الغربية».

كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية، السبت، تصريحات هاكابي. ورفض الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي، في إفادة نشرتها «وكالة الأنباء الأردنية»، ما وصفه بـ«التصريحات العبثية والاستفزازية»، وعدّها «تمثّل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، ومساساً بسيادة دول المنطقة، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتناقض مع موقف الرئيس الأميركي المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد المجالي أن «الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرض فلسطينية محتلة، حسب القانون الدولي»، وأن «إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة على أساس حل الدولتين وفق القانون الدولي هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل».

وشدد على «أهمية تضافر كل الجهود لتثبيت الاستقرار في غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن (2803) بدلاً من إصدار تصريحات عبثية تصعيدية غير مسؤولة ولا قيمة قانونية لها ولا أثر».

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية تصريحات هاكابي. وأكدت أنها «تناقض الحقائق الدينية والتاريخية، والقانون الدولي، فضلاً عن تناقضها مع ما أعلنه الرئيس الأميركي برفض ضم الضفة الغربية».

وعدّت «الخارجية الفلسطينية»، التصريحات «دعوة صريحة إلى الاعتداء على سيادة الدول، ودعماً للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير وتنفيذ مخططات الضم والتوسع العنصري بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما رفضه المجتمع الدولي بأكمله».

وأثارت تصريحات هاكابي استياء وردود فعل عربية غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بإدانتها ومواجهة المخططات الإسرائيلية.

ووصف الإعلامي المصري أحمد موسى تصريحات هاكابي بـ«الخطيرة والمستفزة». وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «تلك التصريحات هي المخطط الحقيقي لإسرائيل على المدى البعيد، ما يتطلّب اليقظة والحذر من طموحاتهم التوسعية وغطرستهم». وحذر من «انتهاك سيادة الدول القوية؛ لأن الرد سيكون مزلزلاً».

بدوره، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي إلى أن تصريحات هاكابي «ليست مفاجئة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هاكابي من أكبر أنصار الاستيطان، وسبق أن عبّر عن موقفه ودعمه لإسرائيل مراراً، ما يجعل تعيينه سفيراً لبلاده في الولاية الثانية لترمب مقصوداً وتأكيداً على دعم واشنطن لإسرائيل». وأكد «ضرورة وجود موقف عربي قوي وشجاع وواضح لمواجهة مخططات إسرائيل الاستيطانية».

وكان هاكابي قد أعلن تأييده لضم إسرائيل كامل الضفة الغربية. كما اقترح خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يونيو (حزيران) الماضي أن تتخلى «دول إسلامية» عن بعض أراضيها لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.

وتعرض هاكابي لانتقادات داخل بلاده، العام الماضي، عقب استقباله جوناثان بولارد، اليهودي الأميركي الذي سُجن 30 عاماً بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وخيانة الولايات المتحدة.


«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».