الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

في محضر اجتماعه مع عبد الحليم خدام وتنشره «الشرق الأوسط» ضمن رسائل الرئيسين السوري والعراقي

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
TT

الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)

على خلفية التقدم في الرسائل السرية بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد في عام 1996، قرر الرئيس السوري إيفاد نائبه عبد الحليم خدام إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإطلاعه على قرار فتح الحدود السورية - العراقية المغلقة منذ عام 1982.
هدف الأسد من التنسيق مع شيراك كان تخفيف أي رد فعل أميركي عنيف على محاولة فك «عزلة» صدام. يضاف إلى ذلك، تعزيز «الثقة» مع الرئيس الفرنسي، بعدما نجح الرئيس السوري في الضغط على أميركا، لإدخال فرنسا إلى ترتيبات مراقبة «تفاهم نيسان» الذي أبرم في أبريل (نيسان) 1996 بعد حرب «عناقيد الغضب» الإسرائيلية في لبنان، والتي شنها شيمعون بيريس وأفقدته رئاسة الوزراء لصالح بنيامين نتنياهو، في منتصف 1996.
وبالفعل، التقى شيراك مع خدام في 31 يوليو (تموز) 1996، لشرح مبررات الخطوة السورية. وحسب محضر الاجتماع، الذي تنشره «الشرق الأوسط» اليوم في الحلقة الثالثة، من الرسائل السرية بين صدام والأسد، فإن الرئيس السوري أبلغ، عبر نائبه، نظيره الفرنسي بأن «الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة على وشك الانفجار»، وأن فتح الحدود «من شأنه أن يضع كوابح لأي مغامرات جديدة للنظام العراقي».
شيراك رد، من جهته، بأن معاناة العراقيين يتحمل صدام «مسؤولياتها الجسيمة، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها»، مستدركاً: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على أبي عدي (صدام) لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع (نائب رئيس الوزراء) طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو وليس هناك من يجرؤ على التحدث إليه».
شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ خدام بفتح ملف آخر قريب إلى أولويات الأسد، ويخص الوجود العسكري السوري في لبنان، واحتمال بدء مفاوضات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتنياهو. لكن المفاجأة الأكبر أنه قدم عرضاً لافتاً: «إذا تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، لكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها، وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية»، حسب محضر اجتماع خدام وشيراك الذي كان نائب الرئيس السوري حمله مع أوراقه ووثائقه، إلى باريس في 2005.
في السابع من يوليو (تموز) 1996، اقترح خدام على الأسد أن يوفد ممثلاً لفرنسا، حاملاً رسالة للرئيس شيراك لشرح مواقف دمشق. وافق الأسد واستقبل شيراك خدام في 31 يوليو. وهنا نص المحضر: «أود أن أبلغ الرئيس شيراك أطيب تحيات الرئيس الأسد، مع تقديره العالي للأجواء الجيدة التي تسود علاقاتنا، وهو يؤكد أن سوريا مستمرة في العمل لتعزيز العلاقات وعلى تحقيق الشراكة والتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وهو مرتاح جداً للرسالة التي حملها (هيرفيه) دوشاريت (وزير الخارجية)، ولا شك أن العلاقات في عهد شيراك تشكل مرحلة جديدة، ولا سيما سياسة فرنسا الدولية والشرق أوسطية.
الموضوع الذي كلفني السيد الرئيس بنقله يتعلق بالعراق. يعرف الرئيس شيراك أن بيننا وبين العراق خصومات قديمة، منذ الستينات، وتحمّلنا أذى كثيراً من العراق، وكنا في الحقيقة نعترض على السياسة غير الحكيمة، سواء في الحرب ضد إيران (1980 - 1988) ثم في اجتياح الكويت (1990). في الواقع، الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة تهدد بالانفجار في المنطقة بسبب الحصار والحظر المفروض على العراق. لذلك اتخذت سوريا توجهاً بفتح الحدود مع العراق. طبعاً الحدود بيننا مقطوعة منذ عام 1982. وبالطبع مسألة فتح الحدود ستكون في إطار قرارات مجلس الأمن. تعلمون أن الحدود الدولية بين العراق والأردن مفتوحة، والحدود مع تركيا مفتوحة، ومع إيران مفتوحة.
أسباب هذا التوجّه الجديد، هي:
أولاً المعاناة الكبيرة التي يعيشها الشعب العراقي.
الأمر الثاني، هناك عمل مستمر من قبل جهات خارجة لإحداث قتال، حرب أهلية في العراق، وبين بعض شرائح الشعب العراقي. ومثل هذه الحرب، إذا حدثت، فسوف تفجّر المنطقة كلها.
ثالثاً، نعتقد أن مناخاً جديداً واقعاً للعلاقات بين البلدين يشكل كابحاً للحكومة العراقية للقيام بأي عمل يخل بالأمن والاستقرار في المنطقة. لا شك أنه في عام 1991. لو كان هناك علاقات طبيعية بين سوريا والعراق، لكان من الصعب وقوع هذه الحرب الثانية في الخليج. خطوتنا تكبح مغامرات صدام.
طبعاً، انطلاقاً من مصالح فرنسا في المنطقة، ودور فرنسا في المنطقة، نود أن نطلع الرئيس شيراك على هذا التوجه الجديد قبل إعلانه.
رد الرئيس شيراك: «لست بحاجة لأن أقول إن هذا بالنسبة لي نبأ سار. إنني أجري التحليل نفسه حول مخاطر هذا الحظر. إن فرنسا عملت كثيراً في الأمم المتحدة لتخطو خطوة إلى الأمام بالقرار 986. وقد عملنا بعد ذلك بالتنسيق مع طارق عزيز. لقد استقبلناه مرتين أو ثلاث مرات. وزير الخارجية بالطبع هو الذي استقبله. إن تحليلنا للوضع هو واحد تماماً. طبعاً، يمكن أن يحكم المرء كما يشاء على المسؤوليات الجسيمة التي هي مسؤوليات صدام فيما حصل، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها. إن عودة العلاقات إلى وضع طبيعي بين سوريا والعراق هو نبأ سار للغاية. لدي عدة أفكار تردني بهذه المناسبة. نقطتي الأولى إذن هي أني أرحب بهذا القرار ترحيباً كبيراً، لأن ذلك بالنسبة للاستقرار في المنطقة أمر هام جداً. يمكن بالطبع ألا تقدر أميركا ولا إسرائيل هذا الأمر كثيراً، ولكن فرنسا توافق عليه تماماً. ثم إنني أطلب نقل الرسالة التالية إلى الرئيس الأسد، وهي أن هذا الجزء من محادثاتنا سيظل سرياً بيننا حتى الوقت الذي تقوم فيه سوريا بإعلان اتجاهها هذا، وأظن أن الوزير دوشاريت لديه ما يقوله بهذا الشأن».
وهنا قال دوشاريت: «هناك مسألتان. النقطة المهمة الأولى هي التي افتتح بها خدام حديثه حول عودة العلاقات وفتح الحدود في إطار احترام قرارات مجلس الأمن الدولي، والنقطة الثانية أن سوريا تلعب دوراً خاصاً وهاماً لتقنع العراق بأن يكون ملتزماً بالقرارات الدولية. لقد استمعنا تماماً للعراق، آملين بأنه سيتم التوصل إلى اتفاق بشأن تلك القرارات، غير أنه خاب أملنا للتصرف الأخرق الذي صدر عن العراق».
عقب شيراك: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على (أبي عدي)، لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو، وليس هنالك من يجرؤ على التحدث إليه».
أجبت: «طبعاً نحن سنتحدث بصراحة مع العراقيين، وذلك لمصلحة العراق أولاً... وصدام حسين سيفهم هذه الرسالة السورية، لأنه إن لم يفهم هذه الرسالة فلا يستطيع أحد أن يساعد العراق».
عقب شيراك: «نريد أن نشارك في عملية السلام، وليس من عملية سلام ممكنه دون سوريا. أرجو أن تكونوا على ثقة بأن فرنسا لن تتخذ أي موقف، ولا سيما فيما يتعلق بعملية السلام، يمكن أن يزعج سوريا. وقبل أن تفعل، قبل أن تقرر أي شيء، سنقوم بالاتصالات اللازمة معكم. والرئيس الأسد ينبغي أن يكون على اقتناع بأن سياساتنا متوافقة وستكون كذلك، وإن وقع أي اختلاف فسوف نتصل بكم قبل أن نقرر أي شيء. إنني أقول ذلك لأنه قد جرى اتصال طويل بيني وبين نتنياهو، بناءً على طلب منه، وقال إنه سيتصل أيضاً هذا الأسبوع. لقد وجدته نسبياً أكثر مرونة مما كان عليه منذ 10 أو 15 يوماً حينما كان في أميركا. و(الرئيس المصري الراحل حسني) مبارك الذي التقاه، اتصل بي أيضاً ليقول إنه وجده أكثر مرونة، ولكنه لم يغير موقفه حول مبدأ الأرض مقابل السلام، لكنه لم يقل شيئاً حول الجولان. ونحن نرى أنه لا بد في هذا المجال من التفاوض حول الجولان. لقد أكد رغبته في العودة إلى عملية السلام مع سوريا ولبنان، ولكن دون أن يقول شيئاً عن أي استعدادات يمكن أن يجيء بها. على أنه أتى بشيء جديد، بعكس بيريز، وهو أنه قال: «نحن نرغب أن تتدخل فرنسا في هذه العملية. وقال إن لديكم علاقات طيبة مع سوريا، ونريد أن نستغل ونفيد من هذا الموقف، في حين كان بيريز يقول إن أميركا تكفي وحدها في هذه العملية، ونحن خارج هذه المنطقة ولا بد من أن نعمل للسلام مع داخل المنطقة».
وتابع شيراك: «لقد كان ثمة أمر فوجئت به وهو أنه تكلم عن مصلحة إسرائيل»، متسائلاً: «أي مصلحة لإسرائيل في وجود عسكري لها في جنوب لبنان؟ بالطبع، يمكن أن أكون أنا إلى جانب اتجاه كهذا، ولكن هذا الأمر قد يطرح مشكلة كبيرة على سوريا، وأنا لا أريد أن أتسبب بأي مشكلة لها، كما لا أود أن أقع في فخ. لا أريد أن تتخذ فرنسا أي موقف لا توافق عليه سوريا، وهذا بالطبع فخ. لذلك قلت له بوضوح، في هذه العملية: لا يمكن فصل الجولان عن جنوب لبنان، لأن الجولان وجنوب لبنان هما عنصر مترابط في هذه المفاوضات، ولا بد لذلك من فتح المفاوضات مع سوريا ولبنان. قال: سأفكر في هذا الأمر، ثم نعيد الحديث فيه. إن كنت أقول ذلك، فلأنني بشكل غريزي كنت أقول: لو كنت محل نتنياهو لسحبت قواتي دون شرط من جنوب لبنان، وأزعجت الجميع، وخلقت مشكلة للجميع. ولست بحاجة لأن أقول لكم إنني لا يمكن أن أنصحه بالإقدام على مثل هذا العمل، إنما أرى أن سوريا لا يمكن أن تستبعد مثل هذه الفرضية، ويجب بالنتيجة أن تعد نفسها لذلك. فإن تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، ولكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها. وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً، الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية؟ وإذا كنت أقول ذلك فلسببين:
1 - إن فرنسا لن تتحرك في هذا النطاق ضد سوريا، ولا تتحرك إلا بعد التشاور معها. نحن حريصون على لبنان واستقلاله، وكذلك على الروابط المميزة بين لبنان وسوريا، ولن نعمل شيئاً ضد سوريا وضد مصالح سوريا.
2 - ذاك كان السبب الأول، والثاني أن تلك فرضية لا يمكن استبعادها. إن الإسرائيليين يحاولون الاتصال دوماً بمن يمكن أن يساعدهم، ولكنهم في النهاية يتخذون قراراتهم وحدهم ولا يهمهم ما يفكر به الآخرون وما يرونه، بمن في ذلك الأميركيون، وكذلك الفرنسيون. هم يقولون إن الفرنسيين علاقاتهم جيدة مع البلدان العربية، ولذلك يمكنهم أن يؤدوا خدمة. طبعاً، نحن لن نملي عليهم طريقة تصرفهم، ولكن ما يجب أن نقوله إن الانسحاب غير مستبعد.
شكرت الرئيس شيراك على هذه المعلومات التي تحدث عنها، وعلى موقف فرنسا من سوريا، وقلت: «نتنياهو يريد تغيير قواعد اللعبة مع الاحتفاظ بالهدف الذي أعلنه أثناء حملته الانتخابية. لقد التقى مبارك، الذي أوفد وزير خارجيته إلى سوريا، فسأله الرئيس الأسد: ما الذي أخذتموه من نتنياهو؟ فأجاب: تغيير في اللهجة. وسأله الرئيس: هل أخذتم مواقف جديدة يصح البناء عليها؟ فقال لا.

جاء (المبعوث الأميركي الأسبق دينس) روس وطرح معاودة المفاوضات، فقال له الرئيس الأسد: على أي أساس نعاود هذه المفاوضات؟ فقال روس: دون شروط مسبقة، فقال الرئيس: ولكن هنالك مبادئ ومرجعيات للعملية السلمية. نحن مستعدون للمعاودة، ولكن انطلاقاً من النقطة التي وصلنا إليها. لدينا التزام اتخذه الجانب الإسرائيلي، وقد بلغ إلينا عن طريق (وزير الخارجية الأميركي الأسبق وارن) كريستوفر، وهو الانسحاب حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967. وهنالك أيضاً ترتيبات أمنية حصل اتفاق حولها. من هنا، من هذه النقطة ننطلق. فأجاب روس: لا، مستحيل. قال الرئيس الأسد: إذن، على أي أسس نعمل؟ إن أي أسس ثانية إنما تعني القبول ببرنامج نتنياهو. ثم، كيف نعود إلى المفاوضات وهم لا يعترفون بالقرارات الدولية؟ فقال روس: بل هم يقبلون، ولكنْ لديهم تفسير خاص لهذه القرارات. هم لا يرفضون الانسحاب، وفي الوقت نفسه لا يقبلون بالانسحاب. استنتاجنا أنه إذا لم يعطِ نتنياهو شيئاً لكلينتون فكيف يعطي لمبارك؟ وجاء (الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر) عرفات بدوره وهو حزين جداً يصرخ ويولول لأنهم لا يعطونه شيئاً. في رأينا أن نتنياهو يناور. ففي لبنان لا يريد الانسحاب وفقاً للقرار 425. الانسحاب حسب القرار 425 ليس مشكلة بالنسبة لنا. فالدولة هناك ستنهض بمهامها وتتحمل مسؤولياتها. ولكن هو يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد. إنه يريد تخريب العلاقات داخل لبنان وبين الفئات اللبنانية، كما يريد خلق شقاق بين سوريا ولبنان. ولكن الجميع في لبنان يدركون هذه اللعبة. ثم إذا كان نتنياهو يؤمن بمبدأ الانسحاب، فلماذا يرفض ذلك بالنسبة لسوريا والأراضي الفلسطينية؟ هو قد نُصِح من جانب الأميركيين بتغيير لهجته. بدأ يغيّر الألفاظ والكلمات ليمتص القلق الذي تحدثه مواقفه، ولكنه يبقى في تلك المواقف. لقد بدأوا الآن بشق طرق جديدة في الضفة الغربية، كما عاودوا النشاط الاستيطاني. فكيف يريد السلام وهو يتابع مثل هذه السياسة؟».
وهنا قال الرئيس شيراك: «هنالك عنصر لا بد من أخذه في الحسبان. لقد قابلت نتنياهو قبل أن يجيء إلى الحكم. لقد جاء من قبل مرتين إلى دار العمدة في باريس، والفكرة التي أخذتها عنه آنذاك أنه ذكي وشاب وطموح، ولكنه ليس رجل قناعات. المشكلة أنه محاط بشكل سيء. فهناك عسكريون يريدون الانتقام ويسعون إليه، ومتدينون من الجانب الآخر، ولكنه شاب وطموح ويود البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة. إنه يريد البقاء فترة طويلة. وبما أنه ذكي، فهو يعلم أنه لا يمكن أن يظل في المستقبل إلا إذا سعى إلى السلام، لأن رجل الحرب هو رجل الماضي، أما رجل السلام فهو رجل المستقبل. كانت هناك حملة انتخابية، وهي تؤكد التزامات، كما أن ثمة قوى تُلزمه ببعض الأمور، ولكن من الممكن أن يتطور. ما هو مؤكد أنه بحاجة للتحرك. وبالنسبة لمواقفه، يمكن أن يتحرك في الجولان، ولكن ليس في الحال، بل بعد وقت. هذا هو انطباعي الخاص. المكان الوحيد الذي يمكنه أن يتحرك فيه هو لبنان. فلبنان يكلفه الكثير دون أن يعطيه شيئاً. وأنا أخشى أن يتخذ ذات يوم مبادرة تزعج سوريا وتزعج لبنان وتزعج الجميع. ولذلك أقول إنه لا بد أن يظل هذا الاحتمال وارداً لكي لا نُفاجأ به».
علقتُ على حديث الرئيس: «ما يلفت النظر أنه لم يطرح هذا الأمر مع الأميركيين، و(دينس) روس لم يتحدث عن ذلك مطلقاً. إن وصف الرئيس شيراك لنتنياهو وصف دقيق، لكن هذا الأخير لا يستطيع اتخاذ قرار. فالقرار تتخذه المؤسسة العسكرية. وحتى إذا أراد اتخاذ قرار فأمامه عقبتان: الليكود والمتديّنون. لقد روى عرفات عن حادثتين تعرّض فيهما بيريز للضرب تقريباً من جانب أحد الجنرالات. إسرائيل مؤسسة عسكرية ودينية. هو يريد أن يناور وأن يقول إنه يسعى إلى السلم، ويبحث، ولكنه يعلم أنه إن أراد السلم فلا سلم من دون سوريا، وباب هذا السلم هو الجولان. هو يعرف ذلك، ولكنه يريد تغيير قواعد اللعبة. يريد أن يقول للعالم: «انظروا كم أنا مظلوم، مع أنني أسعى للسلم».
أجاب الرئيس شيراك: «لكن كثيرين من جنرالات إسرائيل يقولون إنهم يخسرون الكثير في لبنان، وإنه لا حاجة لبقائهم فيه. لدينا هنا جنرال صديق لجنرال إسرائيلي لأنهما درسا سويّاً، وقد قال له: لماذا نبقى؟ إننا نخسر براً ونخسر الكثير، وكل ذلك من أجل لا شيء. إن أول شيء قلته لنتنياهو: الجولان، هذا هو المهم في كل هذه العملية، ولا شيء من دونه. ولكني أقول مع ذلك إن الافتراض ممكن دائماً ولا بد من اليقظة».
عقّبتُ: «لنفترض أننا أفقنا ذات صباح ورأينا أن إسرائيل انسحبت من الجنوب. صدّقني لن يبكي أحد من جراء ذلك. ولكن يجب ألا يتم ذلك في إطار مفاوضات أو في سلام منفصل».
رد الرئيس شيراك: «هذا يعرفونه تماماً، لكن المشكلة أن تستفيقوا صباحاً وتروا أن الإسرائيليين قد ذهبوا».
قلت: «حينذاك نشرب نخبهم».
فتساءل الرئيس شيراك: «ولكن ما الذي يجري بعد هذا النخب؟».
أجبته: «لا شيء. فهنالك دولة قائمة، ولكن السؤال الآن: هل تتوقف المقاومة في لبنان؟ لا أحد يضمن ذلك».
فتساءل الرئيس شيراك ثانية: «لكن، هل يُنزع سلاح (حزب الله)؟ الجيش يمكنه أن يفعل ذلك من الناحية التكتيكية، أما سياسياً فهو لا يستطيع. من يستطيع ذلك هي سوريا. وماذا تطلب سوريا مقابل نزع السلاح هذا؟».
أجبته: «إسرائيل تنسحب ذاتياً، إذن سوف تترك فراغاً. وهناك في الجنوب، إلى جانب «حزب الله» والفصائل الفلسطينية، فئات أخرى. إن وسائل الإعلام تضخّم كثيراً أمر «حزب الله». وعلى كلٍّ فهذا الأمر يناقش داخلياً وضمن إطار مصالح لبنان وليس مصلحة إسرائيل. إسرائيل تريد خلق مشكلة في لبنان، ولكن جميع اللبنانيين مدركون لهذه اللعبة. إن مناقشة مسألة السلاح ونزع السلاح بشكل مسبق هو شرط مسبق إسرائيلي، ونتنياهو لا يريد شروطاً مسبقة».
قال شيراك: «أكرر، ربما كانت هذه فرضية لا أساس لها، أن تنسحب إسرائيل دون شروط. وكما تقول، يأخذ الجيش اللبناني مراكزه على طول الحدود، وهذا يطرح مشكلة هي وجود القوات السورية في لبنان. الأمير عبد الله والملك فهد يقولان: ماذا يحصل للجيش السوري لدى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب؟ فأجيب: كل شيء يتم بالمناقشة بين المعنيين. ولكن، إن لم يُنزع سلاح (حزب الله) فستستمر المناوشات، وإسرائيل تستهدف حينذاك كل لبنان، وهذا ما يبحث عنه الجنرالات. لا أعتقد أن هناك جنرالات إسرائيليين كثيرين يريدون البقاء. ولكن ثمة من يريد دخول كل لبنان ومواجهة الجيش السوري، وهذا سيء للجميع. إذن، إذا حصل الانسحاب ولم يُنزع سلاح (حزب الله)، فهذا سيؤدي إلى استفزازات وأمور أخرى. أما إذا نُزع سلاحه فإن سوريا تفقد (شيئاً) حينئذٍ، ولا بد من شيء مقابل ذلك، وهو ضمان وجود سوري في لبنان. ربما كانت هذه أحلاماً. ما أريده هو أن يكون لدينا اتصال قوي وحميم».
قلت: «كما قال الرئيس شيراك، وكما قلت، وكما كلفني الرئيس الأسد أن أقول، نريد رفع سوية الاتصالات بيننا. نريد وجوداً لفرنسا في المنطقة، لأن هذه نافذة تعطينا بعض الأمل في الظرف الدولي الراهن. هذا التوجُّه يتطلب الاتصال والتنسيق والمناقشة. طبعاً، إذا حصل ما تقوله، فإننا بالتأكيد سنناقش الأمور فيما بيننا. إننا نريد السلام العادل والشامل، ونريد أن تكون فرنسا في قلب هذا السلم. إذا وقع أي أمر كذلك فمن الطبيعي أن نتصل فيما بيننا ونتناقش موضوعياً في الأمر. والمهم أن نبقى حذرين من مناورات نتنياهو. إنه ذكي وطموح، ولكنه عقائدي أيضاً. قد يحاول تطوير نفسه ولكن دون أن يترك معتقداته. إذا اتخذ طريقاً جديداً فسيجد إيجابية من جانبنا. فمن قال إن هناك غراماً بيننا وبين بيريس؟ لكنه أمكن التناقش معه ومع رابين من قبل، وقد وصلنا إلى نقاط اتفاق، ولو لم يقتل رابين لكنا قطعنا الكثير، لأنه كان أقدر من بيريس على اتخاذ القرار. الضغط على نتنياهو هو العنصر الذي يدفعه إلى التغيير».
قال شيراك: «نقطة أخيرة، تدخّلت مرة أو مرتين مع الرئيس الأسد من أجل تحرير الطيّار (الإسرائيلي) رون آراد. لقد بذل بيريس كل المساعي ولم ينجح. أنا شخصياً أؤيد هذه المسألة. ولكن، على أن لا يتم ذلك فوراً. لذلك يجب أن تكون هذه التفاتة تكرس المسيرة السلمية. تحريره قبل نهاية سبتمبر (أيلول) ستخدم السلام كثيراً».
أجبته: «لا أعلم إن كان لا يزال حياً. (الرئيس الأميركي الأسبق بيل) كلينتون طرح هذا الموضوع مع الأسد، وتابعت شخصياً الموضوع مع (حزب الله) ومع أجهزتنا الأمنية. كان في البداية سجيناً لدى حركة أمل، وحصل انشقاق في الحركة، والذي جرى أن قائد الانشقاق أخذه إلى منطقة، ثم وقعت غارة إسرائيلية على تلك المنطقة واختفى آراد. يمكن متابعة الأمر، وإن توصلنا إلى أمر فسنعمل على أن يتم الإطلاق عبر فرنسا».
رد شيراك قائلاً: «إنني أشير إلى مصلحة سوريا ومصلحة السلام لا أن نتدخل نحن في الموضوع. لقد قلت لبيريس أنني سأهتم بالموضوع، ولم أقل لنتنياهو. إن وجدتموه فإن هذه الورقة هامة لنتنياهو، ويمكن أن تكون جزءاً من عملية كاملة. إذا وُجد فإطلاقه قبل نهاية سبتمبر يولّد أثراً عكسياً على العملية. إنني أتحدث هنا بملء الحرية، لكن إن قيل لي هل قلت أنت ذلك؟ فسوف أنكر».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.