مسؤولة برنامج ترجمة الأدب الكوري: نهتم بالكلاسيكيات... ولأدب النساء منزلة كبيرة

يدعم ترجمة 22 رواية و6 دواوين إلى العربية ويعاني من قلة عدد المترجمين

جونغ جو لي
جونغ جو لي
TT

مسؤولة برنامج ترجمة الأدب الكوري: نهتم بالكلاسيكيات... ولأدب النساء منزلة كبيرة

جونغ جو لي
جونغ جو لي

يقوم «معهد ترجمة الأدب الكوري» بدور بارز في نقل أعمال المبدعين الكوريين من رواية وشعر وقصة قصيرة إلى العديد من لغات العالم، بما فيها اللغة العربية، كما يسعى لدعم واكتشاف المترجمين المتميزين الذين يمكن أن ينجزوا هذه المهمة، ورغم موقعه بمدينة سيول بكوريا الجنوبية إلا أنه له علاقات جيدة مع عدد من المؤسسات ودور النشر العربية في كل من مصر والأردن والإمارات.
هنا حوار مع المسؤولة عن برنامج منح الترجمة والنشر للناشرين الأجانب في المعهد جونغ جو لي حول خطط هذا البرنامج والأسس الأدبية والفنية التي يستند إليها في الترجمة من وإلى اللغتين العربية والكورية:

> ضمن التراث الأدبي الكوري أكثر من ثلاثمائة رواية كورية مكتوبة بالأحرف الصينية، هل تضعون في المعهد بعض هذه الأعمال على برنامج الترجمة للغات الأخرى؟
- يقوم المعهد بتقديم الدعم لترجمة أعمال الأدب الكوري الكلاسيكية المكتوبة بالأحرف الصينية المكتوبة بغض النظر عن لغة الترجمة، ولدينا ثلاثة برامج رئيسية خاصة بدعم الترجمة والنشر لأعمال الأدب الكوري، في مقدمتها برنامج الترجمة الخاصة الذي يقوم المعهد عبره باختيار أعمال الأدب الكوري الكلاسيكية والحديثة التي نرى أن من الضروري تقديمها للقراء الأجانب للتعريف باتجاهات وقيم وتاريخ الأدب الكوري الرئيسية. ومن أجل ترجمة الأدب الكوري والتعريف به في العالم، يبحث المعهد عن دور نشر أجنبية مناسبة لنشر تلك الأعمال، ويقدم لها دعما ماديا ضروريا أثناء ترجمتها وطباعتها.
وللأسف لا تنال الأعمال الكلاسيكية التي صدرت قبل الاحتلال الياباني شعبيةً واسعة بين القراء الأجانب بشكل عام، لكن المعهد يرغب في أن يكون الأدب الكوري مفهومًا كمجموعة من السرود المتواصلة، وليس كعمل واحد فردي أو تيار مؤقت. ومن هنا نسعى للتعريف بمثل هذه الأعمال الكلاسيكية، وهناك بعض الناشرين الأجانب يحاولون نشر أعمال الأدب الكوري الكلاسيكية بأنفسهم، لكن المعهد ينظر فيما بعد ما إذا كان سيقدم دعما لهم في لجنة التقييم والاختيار الخاصة بعد مراجعة العقود مع المترجم وأصحاب الحقوق.
> ما هي المقاييس التي تقررون في ضوئها ترجمة بعض الروايات وإغفال البعض الأخر؟
- يقرر المعهد ما إذا كان سيدعم ترجمة ونشر كتاب ما، حسب جودته ومدى إعجاب القراء الأجانب المتوقع به، وهناك العديد من العناصر الأخرى التي نضعها في الحسبان، منها أننا مثلا ننظر في شهرة الناشرين المتقدمين، وجودة النص المترجم، أما الأعمال ذات الجودة المتدنية مثل المقالات التأملية أو روايات الويب، أو الكتب السياسية أو الدينية المتشددة، فنرفض تقديم الدعم لها، رغم أننا لا نراقب أيًا من موضوعات الكتب أو أفكارها أو قيمها.
> ما هي المعايير التي يقوم المعهد على أساسها باختيار الأعمال الأدبية للترجمة؟
- يعتبر المعهد جودة العمل الأصلي ومدى قبوله في السوق الخارجية من المعايير الرئيسية لكل قرار دعم. وفي برنامج منح الترجمة للمترجمين، نقيم جودة الترجمة لأخذ قرار دعمها، وبالنسبة إلى برنامج الترجمة الخاصة، نضع في اعتبارنا مدى شهرة الكاتب في الخارج وحجم المعرفة بالأدب الكوري عند القراء الذين تتم الترجمة إلى لغاتهم، هذا بالإضافة إلى قيمة تلك الأعمال المختارة في سياق تاريخ الأدب الكور. وقد بدأنا على سبيل المثال مشروع «سلسلة القصص الكورية الحديثة» بالتعاون مع دار صفصافة للنشر المصرية لنشر القصص الكورية من عام 1917 حتى أربعينيات القرن الماضي، ومنها «ملح» و«الشعير» و«رسائل إلى صديق شاب» و«ثلاث قصص كورية».
> ما هي السمة الغالبة على نوعية الكتب التي قمتم بدعم ترجمتها حتى الآن؟
- معظم أعمال الأدب الكوري التي تم دعم ترجمتها هي روايات حديثة أو معاصرة، والأمر يعود إلى تفضيل القراء الرواية على غيرها من الأنواع الأدبية بشكل عام، وهناك إشارة واضحة إلى «تفضيلات» موجودة لدى سوق النشر. وبالنسبة إلى برنامج منح الترجمة للمترجمين، يختار المترجمون أعمالًا يعتبرونها ممتعةً ومثيرةً للاهتمام من وجهة نظر القراء، أما عن برنامج منح الترجمة والنشر للناشرين الأجانب، فإن الناشرين يطلبون من المعهد دعما ماديا بعد الحصول على حقوق أعمال كورية، من دون اتفاق مسبق من المعهد على دعم نشرها، وهو ما يدل على أن الناشرين الأجانب توقعوا أن تنال تلك الكتب شعبية في السوق، وهكذا تتزايد حصة الرواية الحديثة والمعاصرة من إجمالي الكتب المدعومة، وقد بلغ عدد الكتب الكورية المترجمة إلى اللغة العربية بدعم المعهد 28 كتابا بين عامي 2001 و2021، منها 20 رواية، و6 دواوين شعرية، وروايتين من الروايات المصورة.
> هناك مساهمات بارزة للكاتبات الكوريات في الرواية مثل الكاتبة «ليندا سو بارك» والكاتبة «مين جين لي» والكاتبة «نورا أوكجا كيلر»، والكاتبة كيونج سوك شين، هل هناك خطة لدعم ترجمة أعمالهن؟
- لدينا زيادة كبيرة في إبداعات الكاتبات الكوريات منذ حوالي 10 سنوات، ويتعاظم عدد الكوريات اللواتي تتم ترجمة أعمالهن إلى اللغات الأجنبية باستمرار، وللأسف لا يوجد لدينا عدد كاف من المترجمين القادرين على مراجعة أحدث المعلومات عن الكتب الكورية المكتوبة بلغتنا الأم، من أجل نقلها إلى اللغة العربية مباشرة، وهؤلاء الكاتبات اللائي ذكرتهن كلهن من الأميركيات الكوريات اللواتي يكتبن باللغة الإنجليزية، ما عدا واحدة فقط هي شين كيونغ سوك، ويبدو أن دور النشر العربية تضع أولوياتها على الأعمال الفائزة بالجوائز الدولية، والتي كتبت عنها الصحف الغربية.
> ما هي القواسم والقيم المشتركة بين الكاتبات الكوريات، ويسعى المعهد لإبرازها من خلال للترجمة؟
- من الملاحظ أن الكتب التي يفضلها القراء في بلادنا تنال شعبية وشهرة، ويختارها المترجمون أو الناشرون الأجانب بعد ذلك، ولدى أعمال الكاتبات الكوريات التي تجذب القراء بعض النقاط المشتركة، فهي تتمتع بمستوى عال من الوعي بالنوع الاجتماعي والتعاطفية، وتتناول قصص النساء اللواتي لم يكن باستطاعتهن رفع أصواتهن. ويعتبر تقديم قصص النساء بأصواتهن المختلفة هو أقوى اتجاه حاليا في أوساط الأدب الكوري المعاصر.
> هل هناك لغات يترجم إليها الأدب الكوري أكثر من غيرها؟
- اللغات الإنجليزية واليابانية والصينية، فالناطقون بها يمكنهم قراءة أحدث الإصدارات الكورية، وهذا لا يكون متاحا في العالم العربي، لأن عدد المترجمين الأدبيين من وإلى اللغتين الكورية والعربية قليل جدا، ومستوى الاهتمام بالأدب الكوري ضعيف أيضاً بالمقارنة مع الأدب الإنجليزي أو الأميركي أو الأوروبي، ومع ذلك نأمل في أن نتغلب على هذه التحديات.
> هل معايير اختيار الأعمال الكورية المترجمة لهذه اللغات... هل تختلف من لغة إلى أخرى؟
- نحن نهتم بجودة النص الأصلي وقدرة الناشرين أو المترجمين، لكننا نطبق في الوقت نفسه معايير مختلفة حسب اللغة المترجم إليها، وقد يقرر المعهد ألا يقدم دعما لترجمة كتب تبدو غير قابلة للإصدار في السوق المستهدف، وهناك بعض الكتب دعمنا ترجمتها ولم يكن باستطاعتنا نشرها بسبب الرقابة في بعض الدول، أما الدول التي نعتبر أن الأدب الكوري معروف فيها إلى حد ما، فنسعى إلى دعم نشر الكتب الكورية الكلاسيكية، والكتب ذات الثيمات أو الموضوعات الجديدة من نوعها.
> هناك أعمال قصصية تمت بترجمة كورية عربية مشتركة مثل المجموعة القصصية «أمي والحب الراحل» وترجمتها «جو هي سون» و«عماد الدين جوهر»... كيف ترون هذا التعاون؟
- لا يلزم المعهد المترجمين بالترجمة المشتركة، لكن مثل هذا التعاون له جوانب إيجابية عدة من حيث جودة النص المترجم والتكافؤ بينه والنص الأصلي.
> يخصص المعهد جوائز سنوية للترجمة... كيف ترون مردودها الآن بعد مرور أكثر من دورة على إنشائها؟ وهل هناك جوائز لترجمة الأدب الكوري للغات الأخرى؟
- واجه المعهد صعوبات كبيرة في ترجمة أعمال الأدب الكوري إلى اللغة العربية بسبب قلة عدد المترجمين بين اللغتين، كما ذكرت، رغم أن العربية من أهم اللغات في المجتمع الدولي، وقد تعاونا مع الجامعة الأردنية لإقامة مسابقة ترجمة القصة الكورية في عامي 2019 و2020 ولم نستطع نشر ترجمات الفائزين. ونظمنا ورشة عمل خاصة بترجمة الأدب الكوري إلى العربية في هذين العامين تخرج منها مترجمون محترفون. وهذا العام، نظمنا بالتعاون مع دار صفصافة مسابقة جديدة باسم «مسابقة ترجمة الأدب الكوري»، وهناك مسابقات أخرى بالإنجليزية والإسبانية واليابانية.



لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.