رئيس بعثة صندوق النقد الدولي في الرياض: الاقتصاد السعودي لا يزال قويًا ومستقرًا بقدر كاف

د. كولن تيم لـ«الشرق الأوسط»: سياسة الملك سلمان عززت الثقة.. والاقتصاد العالمي سينمو بنسبة 3.7 %

د. كولن تيم (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
د. كولن تيم (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
TT

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي في الرياض: الاقتصاد السعودي لا يزال قويًا ومستقرًا بقدر كاف

د. كولن تيم (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
د. كولن تيم (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)

كشف لـ«الشرق الأوسط»، الدكتور كولن تيم رئيس بعثة صنــــــدوق النقد الدولي للسعودية، عن توقعات بنمو الاقتصاد العالمي بنسبة تصل إلى 3.7 في المائة، مشيرا إلى أن الاقتصاد السعودي لا يزال قويا ومستقرا بقدر كاف.
وقال تيم «أعتقد أن السياسات الحكومية في السعودية قادرة على خلق نوع من التوازن بشكل يبقي اقتصاد بلادها مستمرا في متانته، غير أن التحدي الماثل حاليا، يكمن في كيفية إبطاء التوسع في الإنفاق الحكومي، في ظل الهبوط الحاد في عائدات البترول مع تحجيم الأثر السلبي في تقليل الإنفاق على النمو».وفيما يلي تفاصيل الحوار:
* كيف تنظرون إلى واقع ومستقبل الاقتصاد السعودي في ظل تدني أسعار البترول؟
- أعتقد أن الاقتصاد السعودي لا يزال قويا ومستقرا بقدر كاف، وأتوقع فيما يتعلق بالبترول كمصدر دخل رئيسي بالنسبة له أن ينمو تدريجيا، إذ رأينا أنه ارتفع نموه في الشهر الماضي من هذا العام بنسبة 2.8 في المائة، وسيستمر في الارتفاع، ولو كان ارتفاعا طفيفا بشكل تدريجي خلال الأعوام المقبلة، امتدادا للنمو الذي حققه في العام 2014. وأرى أن تولي الملك سلمان بن عبد العزيز زمام الأمور بشكل سلس زاد الثقة في السوق السعودية، وبالتالي أتوقع استقرارا كافيا من حيث الإنتاج والعمل من أجل الحصول على سعر مناسب مع مرور الأيام خلال العام 2015. في ظل توجه سعودي لمراجعة أسعار الطاقة والوقود.
* هل من نصائح في هذا الصدد للمضي قدمًا في امتصاص التحديات التي يخلقها تذبذب أسعار البترول؟
- أعتقد أن التحدي الماثل - حاليا - يكمن في كيفية إبطاء التوسع في الإنفاق الحكومي، في ظل الهبوط الحاد في عائدات البترول مع أهمية العمل على تحجيم الأثر السلبي لتقليل الإنفاق على النمو، وهذا برأيي يتطلب من الحكومة اتباع سياسة تحجّم من التوسع في الإنفاق غير الفعال، خاصة الذي يكون عديم الكفاءة، والمضي قدما نحو تعزيز مسعاها لتضمين ذلك الإنفاق في المناطق التي تضيف بعدا مهما في اتجاه تنويع الاستثمار والاقتصاد مع إبقاء العمل مستمرا بشأن تعزيز مشروعات البنى التحتية الرئيسية وقطاعات التعليم والصحة وغيرها من القطاعات المهمة، عموما أعتقد أن السياسات الحكومية قادرة على خلق نوع من التوازن بشكل يبقي الاقتصاد السعودي مستمرا في متانته.
* على مستوى الاقتصاد الخليجي.. هل لا يزال قطاع النفط قادرًا على النمو من حيث الإنتاج وارتفاع الأسعار؟
- إن منظمة «أوبك»، قالت في اجتماعها الذي عُقد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إنها لا تستطيع أن توقف إنتاج البترول، وعليه فيما يتعلق بعملية الأسعار والإنتاج البترول، فإن السعودية كعضو رئيسي في منظمة «أوبك»، التي عقدت اجتماعا مهما بشأن ذلك في شهر نوفمبر الماضي، أكدت أنها لن توقف إنتاجها وليس لدي ما أؤكده بشأن أي قرار يمكن أن تتخذه السعودية أو أي عضو من أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي لزيادة إنتاج البترول، إن ذلك يعتمد على طريقة تعاطيها مع محددات اقتصادها الوطني، وما يحيط بالسوق العالمية للبترول، على كل حال، أتوقع تصاعدا طفيفا في أسعار البترول على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، ذلك أن انخفاض أسعار البترول مرهون بمعادلة الفارق بين العرض والطلب.
* ما مدى تأثير إنتاج النفط الصخري على أسعار وإنتاج البترول في الخليج؟
- كنا قد لاحظنا أن الولايات المتحدة الأميركية اتجهت نحو إنتاج النفط الصخري خلال الأعوام الأخيرة، وهذا يعني أن أميركا تتجه لتوسيع أدوات الإنتاج منه لمقابلة احتياجاتها، في ظل الصعوبات التي تواجه الاقتصاد العالمي، لكن أعتقد أن هذا لا يعني مجرد الاكتفاء من البترول المستورد، كما أنه لا يعني أنه يقلل من أهمية وتسعيرة البترول الطبيعي، في بعض الاقتصادات الأخرى التي تتأثر بهبوط أسعار البترول، ولن يكون أثرها كبيرا على الطلب عليه، ولكن بشكل عام فإن الخليجيين لديهم رؤية تدرس التوازن بين إنتاج الطاقة وبين تكاليفها، ونحن في العادة نستخدم أسعار المستقبليات في أسواق المال لنحدد ضمن معادلة تقديرات سعر النفط في المستقبل، حيث نتوقع أن يبلغ سعر البترول في العام الحالي 57 دولارًا للبرميل، ونتوقع أن يبلغ سعره 65 دولارًا في عام 2016. متدرجًا في السعر حتى يبلغ 72 دولارًا في عام 2019.
* إلى أي حدّ ستضطر الدول الخليجية لتطوير القطاع الخاص بوجه مختلف عما كان عليه في الأعوام السابقة جنبا إلى جنب مع القطاع العام في ظل تدني أسعار البترول؟ وما أهمية ذلك؟
- أعتقد أن الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في الدول الخليجية كبير ومهم جدا، وبالتالي فإن العمل على تطويره وتزويده بأدوات النمو مسألة ضرورية لاقتصادات تلك الدول، لأنه من المؤكد سيساعد حكومات تلك الدول على زيادة إنتاج القطاعات غير البترولية التي تساهم بشكل أو بآخر في تقوية سياسة التنويع الاقتصاد، وبالتالي تجنبها البعد عن مخاطر الاعتماد على مصدر الدخل الواحد وما يترتب على هبوط الأسعار فيها، وفي ذلك تعزيز لقوة ونمو اقتصاداتها، فضلا عن أهمية خلق المزيد من فرص العمل المهمة لدى قطاع كبير من الباحثين عن وظائف من شباب المجتمع، فضلا عن أنه يمثل دعامة أساسية في هذا المقام وعلى قدم المساواة مع القطاع العام في هذه الدول، من حيث التوظيف، خاصة أن القطاع العام لا يمكنه استيعاب كل الباحثين عن الوظائف بمختلف أنواعها وتخصصاتها.
* ما رؤية الصندوق لطبيعة الإصلاحات المطلوبة في السياسات الاقتصادية لتحسين الوضع في دول منظمة الأوبك؟
- إن صندوق النقد الدولي لديه رغبة جادة في تعزيز نمو القطاعات غير البترولية وحماية اقتصادات الدول من الانهيار، بسبب انهيار الأسعار في منتج البترول - مثلا - وخلق الوظائف في المجتمعات الخليجية التي تتميز بنمو سكاني كبير، وتشهد نسبة نمو عالية في فئة الشباب، خاصة في السعودية، في ظل تخرج أعداد كبيرة من المتعلمين وخريجي المدارس وانخراطهم في سوق العمل، ما يعني أهمية نمو اقتصادها وأسواقها لخلق أكبر عدد من الوظائف وتنشيط سوق العمل لديها، وبالتالي توظيف الخريجين في مختلف التخصصات، وهذا ما يمثل التحدي الأكبر على مستوى الدول الخليجية، والتحدي الآخر يتمثل في قدرة هذه الاقتصادات على امتصاص صدمة هبوط أسعار النفط والتحوط لذلك إلى أبعد ما تنتهي إليه هذه الأسعار، وحقيقة لا ندري إلى أين سيذهب انخفاض سعر البترول في المدى القريب، ولكن هناك توقعات بأن يزداد السعر تدريجيا زيادة طفيفة على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، في ظل توقعات بأن يصل إلى 72 دولارا للبرميل في عام 2019. والحكومات في هذه الحالة تتجه لمواجهة هذا التحدي لتبقي اقتصاداتها على أصغر حيز من التأثر، وهذا يستدعي العمل على تنشيط القطاعات غير البترولية، وزيادة صادراتها من المنتجات واستقبال الاستثمارات ذات القيمة الإضافية.
* ما رؤية الصندوق لخلق وظائف كثيرة وتنشيط سوق العمل وترقية النمو في البلاد المتأزمة التي فيها صراعات؟
- أعتقد أن سياسة صندوق النقد الدولي تجاه الدول هي حثها للعمل على تطوير تشريعاتها وتنظيماتها الاقتصادية، بحيث تعزز أداءها الاقتصادي على نحو كبير من النمو والازدهار، وذلك للتمكّن من خلق التنمية المستدامة للمواطنين، وتحريك سوق العمل لخلق أكبر قدر ممكن من الوظائف لمختلف شرائح المجتمع، وبالتالي المساهمة في دفع عملية نمو الاقتصاد الإقليمي والعالمي بشكل أفضل، غير أن البلاد التي تندلع فيها صراعات تتعطل فيها الكثير من أدوات نمو الاقتصاد، وقد يفضي ذلك إلى كساد وبطالة، وهذه يقع عليها عبء كبير لا بد من أن تتعاون مع نصائح صندوق النقد الدولي لحماية انهيار اقتصادها.
* إلى أين يذهب واقع الاقتصاد العالمي؟ وهل ما زال يترنح تحت تأثير الأزمة المالية العالمية؟
- إن صندوق النقد الدولي أوضح أن أفق الاقتصاد العالمي في يناير (كانون الثاني) في طور المراجعة، ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن نموه كان ضعيفا في شهر يناير الماضي، أما فيما يتعلق بمستقبله في المرحلة المقبلة فهناك أخبار سارة، وبالمقابل هناك أخبار سيئة، فأما الأخبار السيئة فإن نمو الاقتصاد العالمي ما زال بطيئا حاليا خلال العام الماضي، أما الأخبار السارة، فإننا نتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي هذا العام 2015 بشكل أفضل وأكثر قوة، بنسبة تراوح بين 3.5 و3.7 في المائة.
* هل لصندوق النقد أي برامج أو مشروعات لإصلاح حالة الاقتصادات المتأخرة النمو؟ وهل من أمثلة لذلك؟
- في العادة صندوق النقد الدولي يقرض الدول ذات الاقتصادات البطيئة قروضا مالية، خاصة تلك التي تعاني من انهيار اقتصادي عميق لإنقاذها، وذلك لمساعدتها على اتخاذ أدوات محفزة للنمو والتنمية لتعود باقتصادها نحو الازدهار، حتى تكون قادرة على تنشيط سوق العمل وخلق وظائف جديدة لكبح جماح البطالة التي تتفشى في كثير من البلاد البطيئة النمو، وهذه بعض البرامج التي نفذها الصندوق في بعض البلاد الأفريقية والأوروبية التي تمر بظروف اقتصادية حرجة وتتفشى فيها البطالة بصورة مزعجة، لتوفر فرصة لمواطنيها من فرص العيش المتقبلة، والعمل على زيادة دخلهم.
* القطاع المالي غير متيقن من اتزانه في ظل ارتفاع مستوى الدَّين في دول منطقة اليورو.. ما قراءة الصندوق لهذا الواقع؟
- الأزمة المالية العالمية أثرت بعمق في اقتصادات دول منطقة اليورو، وبالتالي لا تزال هذه الاقتصادات تعاني من حالات التضخم وبطء النمو وارتفاع الديون، وتسبب ذلك في انهيار الأسعار، رغم الجهود التي تبذلها تلك الدول، للوصول إلى وضع يعيد هيكلة اقتصاداتها ويخلق فرص عمل كبيرة لمواطنيها.



«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030». هذه الرحلة لم توجد بيئة تنافسية فحسب، بل حققت قمة تاريخية في الاستكشاف التعديني، حيث قفز الإنفاق لكل كيلومتر مربع من 105 ريالات (28 دولاراً) في 2020 إلى 539 ريالاً (143 دولاراً) حالياً، متجاوزاً المستهدفات المرسومة عند 200 ريال (53 دولاراً) بمراتب عديدة. بينما استطاعت المملكة من خلال رؤيتها رفع الاستثمارات الصناعية إلى 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، بعد أن كانت نحو 963 مليون ريال (256 مليون دولار) في 2020.

وبدأت الحكومة المرحلة الرابعة من إطلاق «رؤية 2030» عام 2016 التي استشرفت مستقبل التعدين واهتمت بتطويره، بوصفه قطاعاً استراتيجياً يولِّد الوظائف وفرص الاستثمار، ويدعم الصناعة، مستندة في ذلك على ما بُني طوال المراحل الثلاث السابقة، ومقتنصة فرصة ما تزخر به أرض المملكة من معادن ثمينة ونادرة وحرجة، لتعطي القطاع ميزة تنافسية تدفعه للتقدم أكثر، وتعزيز مكانته في جذب الاستثمارات التعدينية، والتكامل مع القطاع الصناعي ودعم نموه، عبر تزويده بالمعادن التي تحتاج إليها صناعات واعدة واستراتيجية وعالية التقنية.

وضمن جهود المملكة لتعزيز القطاع وتحفيز الاستثمار فيه، تمكَّنت خلال العام الماضي من إطلاق مبادرة استوديو الابتكار التعديني، وإطلاق المنافسة العالمية للابتكار في المعادن «رواد مستقبل المعادن»، وكذلك تدشين أكاديمية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وإطلاق منصتها الإلكترونية، وأيضاً انتقال إصدار الترخيص الصناعي لمزاولة صناعة المعادن الثمينة والأحجار الكريمة إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

جذب الاستثمارات

أصبحت المملكة اليوم من بين الدول الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني، وهو ما يجعلها مصدراً موثوقاً في تثبيت دعائم أمن واستقرار سلاسل الإمداد التعدينية. إذ زادت القيمة المقدَّرة للثروات المعدنية إلى أكثر من 9.4 تريليون ريال (2.5 تريليون دولار)، بنمو بلغ نحو 90 في المائة، مقارنة بعام 2016، مع قفزة في قيمة المعادن الأرضية النادرة التي قُدِّرت قيمتها بـ375 مليار ريال (100 مليار دولار).

وقد انعكس هذا التطور في التقارير الدولية؛ إذ حلت المملكة في المرتبة العاشرة عالمياً حسب تقرير معهد فريزر الكندي 2025. وجاءت في المرتبة العاشرة خلال العام المنصرم، والأولى عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بنظام الضريبة التعدينية، والمؤشر الفرعي الخاص بالاتساق التنظيمي وعدم التعارض، بالإضافة إلى مؤشر وضوح لوائح النظام التعديني وكفاءة الإدارة التنفيذية.

وحلَّت المملكة ثالثة في المؤشر الفرعي الخاص باستقرار ووضوح التشريعات البيئية، وأيضاً في مؤشر التعامل مع مطالبات الأراضي وتنمية المجتمعات المحيطة، والرابعة عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بالسياسات والتشريعات.

الرخص التعدينية

على صعيد العمل الميداني، نما عدد رخص الاستغلال التعديني إلى 275 رخصة، وزاد عدد رخص الكشف إلى أكثر من ألف رخصة، مقابل 50 رخصة فقط في 2015.

وتسارعت أعمال المسح الجيولوجي إلى 65 في المائة في 2025، مما أدى لاكتشافات أولية في نجران (جنوب المملكة) بنحو 11 مليون طن من المعادن (ذهب، وفضة، وزنك، ونحاس)، مما رفع قيمة الثروات غير المستغلة إلى أكثر من 227 مليار ريال (60.5 مليار دولار).

النهضة الصناعية

في ملف الصناعة، حققت المملكة خلال العام الفائت عدداً من المنجزات، لعل أبرزها وصول بلوغ عدد المصانع المنتشرة في أنحاء المملكة نحو 12.9 ألف مصنع منتشرة في أنحاء المملكة، مقارنة بـ7.2 ألف في 2016. ونمت الاستثمارات لتصل إلى 1.2 مليار ريال في 2025.

كما وافقت الحكومة على وثيقة مشروع تخصيص مصنع الملابس والتجهيزات العسكرية، وأطلقت الأكاديمية الوطنية لصناعة الأسمنت، وكذلك أطلقت تجمع صناعات الطيران بواحة مدن في جدة، والإعلان عن اشتراطات ممارسة الأنشطة الصناعية خارج المواقع المخصصة للأنشطة الصناعية.

أحد المصانع السعودية (واس)

ومن خلال برنامج «صُنع في السعودية»، استطاعت الحكومة تصدير أكثر من 3 آلاف منتج إلى ما يزيد على 74 دولة، في شبكة تربط بين المصدِّرين المحليين والمشترين.

وتمكن صندوق التنمية الصناعية من تقديم 4.5 مليار ريال كقروض تمويلية خلال النصف الأول من عام 2025، وتمويل 300 مشروع خلال الفترة من 2022 إلى 2024.

وقدَّم بنك التصدير والاستيراد السعودي تسهيلات ائتمانية في 2025، بلغت 116 مليار ريال. أما المدن الصناعية فقد أتاحت 2200 مصنع جاهز حتى منتصف العام الفائت.

المنتجات السعودية

توسعت المملكة في دعم المنتج المحلي؛ حيث تجاوزت المنتجات في القائمة الإلزامية 1.6 ألف منتج في 2025، من 100 منتج في 2019، في حين ارتفع عدد المصانع المستفيدة من هذه القائمة بما يتجاوز 6.7 ألف مصنع في العام السابق.

واستثمرت المملكة في تطوير البيئة الصناعية وربطها بالموانئ والطرق، وعملت على تطويرها، ما جعلها جاهزة ومحفزة لاحتضان المصانع، وتمكين صناعات واعدة واستراتيجية، وتوطينها.

وتحتضن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات، الذي يضم مصانع مثل «لوسِد»، و«سير» و«هيونداي»، وغيرها.

مصنع تابع لشركة «لوسِد» في السعودية (واس)

وتم إطلاق أول مصنع متخصص في أنظمة طاقة الرياض في ينبع الصناعية، ومجمعين صناعيين نوعيين في المنطقة الشرقية، وكذلك أكبر مصنع لأغشية التناضح العكسي، بالإضافة إلى اقتراب إنجاز أكبر مصنع لقاحات في الشرق الأوسط، بمدينة سدير للصناعات والأعمال.

وحقق برنامج مصانع المستقبل الذي يهدف إلى تمكين المصانع من تبني التقنيات الحديثة، الوصول إلى 3900 مصنع، في حين أن المستهدف 4000 مصنع.

وضمن مبادرات البرنامج السعودي لأشباه الموصلات، تمت صناعة 25 رقاقة إلكترونية بأيدٍ سعودية، تستخدم في تطبيقات متنوعة؛ كالإلكترونيات، والاتصالات اللاسلكية، والترددات العالية، والإضافة الموفرة للطاقة، وغيرها.


السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
TT

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، من خلال تطوير منظومات متكاملة تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفق ما ورد في «تقرير رؤية 2030» للعام 2025.

على مدار سنوات طويلة، عززت المملكة قدراتها الغذائية، والزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي بوصفه أساساً للاستقرار، والرخاء. واستمرت هذه الجهود حتى جاءت «رؤية 2030» التي أكملت المسار، واضعةً أسساً وممكنات تتواكب مع تحديات المرحلة، ومتغيراتها.

وأُعيدت هيكلة منظومة الغذاء، والزراعة، حيث أُسست الهيئة العامة للأمن الغذائي لإدارة أمن الغذاء، والمخزون الاستراتيجي، كما جرى تخصيص مطاحن الدقيق عبر أربع شركات لتحقيق الكفاءة التشغيلية.

برامج ومبادرات

وامتد التطوير إلى برامج ومبادرات داعمة للمزارعين، من أبرزها برنامج الإعانات الزراعية، وبرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف)، إضافة إلى إصدار نظام صندوق التنمية الزراعية بما يواكب التحول في القطاع. كما أُطلق نظام الإنذار المبكر المطور للأغذية، الذي يهدف إلى متابعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومستويات المخزونات المحلية للسلع الاستراتيجية، بما يعزز اتخاذ القرار، ويضمن استدامة واستقرار أسواق الغذاء. ولتعزيز كفاءة الإنتاج، تم دعم تبني التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للحد من الفقد، والهدر في الغذاء (لتدوم).

رجل وابنه في موسم حصاد الورد الطائفي (وزارة السياحة)

كما تسهم «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) في دعم استدامة الغذاء، من خلال استثماراتها في الداخل، والخارج، إضافة إلى تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب» بالتعاون مع «الشركة الوطنية للنقل البحري» (بحري) لتعزيز سلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي.

وأُنشئت أيضاً «الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب» (سابل) لإدارة الصوامع، والخزن الاستراتيجي للقمح، إضافة إلى تطوير محطة الحبوب في ميناء ينبع التجاري بمساحة 313 ألف متر مربع.

الاكتفاء الذاتي في 2025

سجلت المملكة نسب اكتفاء ذاتي في عدد من السلع الغذائية خلال عام 2025 على النحو التالي:

- لحوم الدواجن: 76 في المائة.

- بيض المائدة: 105 في المائة.

- الأسماك والروبيان: 69 في المائة.

- الألبان: 120 في المائة.

- اللحوم الحمراء: 55 في المائة.

موظف يطعم الأبقار في إحدى مزارع «المراعي» السعودية (الشركة)

مركز عالمي في الأغذية

هذا وتواصل المملكة تطوير سوق المنتجات والخدمات الغذائية بوصفه قطاعاً استراتيجياً، مستفيدة من نمو القاعدة الزراعية، وارتفاع الإنتاج، وتطور الصناعات الغذائية، إلى جانب كون السوق السعودية الكبرى في المنطقة.

متجر نوق (سواني)

وشهد القطاع تأسيس شركات وطنية متخصصة، منها: شركة «تطوير منتجات الحلال» (حلال)، وشركة «سواني» لمنتجات حليب الإبل، وشركة «تراث المدينة» (ميلاف) لمنتجات التمور، و«الشركة السعودية للقهوة» (جازين).

كما تواصل «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) دورها في دعم استدامة الغذاء، من خلال 13 استثماراً في 7 دول، و5 قارات، إضافة إلى مساهمتها في تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب».

وفي إطار تعزيز تنافسية السوق، أُنشئ المركز السعودي للحلال لمنح شهادات اعتماد للمنتجات وفق المعايير الشرعية.

كما تطورت البنية التحتية للقطاع، من خلال التجمع الغذائي في جدة بوصفه الأكبر عالمياً، ومجمع صناعات الألبان في الخرج، إضافة إلى الإعلان عن مدينة للثروة الحيوانية في حفر الباطن.

المياه و«غينيس«

تُعد المملكة رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال منظومة عززت استدامة المياه في بيئة صحراوية، وتحديات مائية معقدة.

إحدى منظومات تحلية المياه في السعودية (هيئة المياه)

وأُعيد تنظيم القطاع عبر تحويل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى الهيئة السعودية للمياه، بما يعزز شمولية إدارة الموارد المائية.

كما أُسست المنظمة العالمية للمياه في الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه عالمياً.

وتجسدت جهود المملكة في تنويع مصادر المياه لتتجاوز 471 مصدراً، إلى جانب تطوير شبكات الإمداد والتحلية والمياه الجوفية، ورفع المحتوى المحلي في القطاع.

وسجلت الهيئة السعودية للمياه 12 رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس»، من أبرزها:

- أكبر محطة تحلية بتقنية التناضح العكسي.

- طاقة إنتاجية تبلغ 670.8 ألف متر مكعب يومياً.

- أقل معدل استهلاك للطاقة في التحلية عند 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب.

هذه المنظومة المتكاملة تعكس أن المملكة تتجه نحو بناء نموذج مستدام في الأمن الغذائي والمائي، وقائم على تطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الكفاءة، وتوسيع الشراكات، بما يدعم استقرار الموارد، ويرسخ مكانتها لتكون قوة إقليمية وعالمية في القطاعين.


«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية. فعلى مدى العقد الماضي، أثبتت المملكة قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بقوة أكبر، مستندة إلى نهج «رؤية 2030» القائم على المرونة، والاستباقية. هذا الاستثمار الممنهج في «مكامن القوة» لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات التنمية المحلية، بل كان بناءً لدرع دفاعي اقتصادي عابر للحدود، حوّل التحديات الراهنة إلى منصة انطلاق للريادة العالمية.

لقد استحال الموقع الجيواستراتيجي للمملكة في ضوء الرؤية من ميزة نسبية ساكنة إلى أداة ديناميكية صاغت واقعاً اقتصادياً جديداً؛ عبر الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. هذا الترابط، المدعوم بمنصات نقل جوي وسككي متطورة، لم يعزز مكانة المملكة باعتبارها حلقة وصل بين القارات الثلاث فحسب، بل جعل منها شرياناً حيوياً يضمن استدامة التجارة الدولية، وبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص ريادية تضمن استقرار الرخاء العالمي.

التناغم المؤسسي: هندسة الوحدة اللوجستية

انطلقت رحلة التطوير الشامل عبر إعادة تنظيم المنظومة اللوجستية، بهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أعلى درجات التكامل بين قطاعاتها المختلفة. وقد تجسد ذلك في تحول وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتقود تناغماً مؤسسياً يجمع تحت مظلته الهيئات العامة للنقل، والموانئ، والطيران المدني.

ولم يتوقف هذا الإصلاح عند الجانب التنظيمي، بل امتد لتعزيز الدور التشغيلي للكيانات الوطنية؛ حيث تم تمكين «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار)، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض»، و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، و«الهيئة العامة للطرق»، و«المركز الوطني لسلامة النقل». كما شهدت المنظومة تحولاً نوعياً في قطاع الخدمات البريدية عبر تطوير مؤسسة «سبل»، وتوسيع نطاق خدماتها لتواكب المتطلبات اللوجستية الحديثة.

خريطة الطريق نحو اليقين الاستراتيجي

ساهمت الاستراتيجيات الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والطيران في خلق حالة من «اليقين الاستراتيجي» بمستقبل القطاع، مدعومة بمشاريع بنية تحتية عملاقة تضمن استدامة النمو من خلال:

- التوسع الجوي: العمل على إنشاء مطارات دولية رائدة، مثل مطار الملك سلمان الدولي، ومطارات أبها، وجازان الجديدة، بالتوازي مع إطلاق «برنامج الربط الجوي» لتعزيز الوصول العالمي.

- المراكز اللوجستية الذكية: إطلاق المخطط العام للمراكز اللوجستية المتضمن إنشاء 59 مركزاً (تم تفعيل 24 منها بنهاية 2025)، وتطوير الموانئ لتصبح «موانئ ذكية» تعتمد الرقمنة لتكون ركيزة أساسية.

- الربط السككي: توسيع شبكة الخطوط الحديدية، وربط خطوط الشمال بالشرق (الجبيل-الدمام)، مما وفر حلولاً لوجستية منخفضة التكلفة، وعالية الموثوقية.

أحد قطارات الخطوط الحديدية السعودية (واس)

كيف رقمنت المملكة مستقبل الاستثمار؟

شهدت البيئة اللوجستية تطوراً جوهرياً مكّنها من تبوّؤ مكانة بارزة لتكون وجهة جاذبة للاستثمار العالمي، بفضل تبنّي استراتيجية الرقمنة الشاملة للخدمات، والربط المتكامل عبر منصات رقمية موحّدة. وقد أفضى هذا التحول إلى تعزيز سهولة ممارسة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية، وأتمتة إصدار التراخيص، مما جعلها أكثر مرونة وسرعة في استجابتها لمتطلبات السوق.

كما ساهم هذا المسار الرقمي في رفع كفاءة التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات التنظيمية، وهو ما أدى بدوره إلى اختصار «رحلة المستثمر»، وترسيخ مستويات الموثوقية في العمليات اللوجستية الوطنية.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، لعبت هذه الممكنات الرقمية دوراً محورياً في تحفيز معدلات النمو، والتنوع؛ حيث ساهمت في تنشيط قطاعات إعادة التصدير، وتقديم دعم لوجستي فعال للصادرات غير النفطية. كما أتاح التكامل التقني تسهيل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق الدولية وفق معايير تنافسية من حيث الكفاءة، والتكلفة، مما جعل من المنظومة اللوجستية محركاً أساسياً لدعم التجارة العابرة للحدود، وتوسيع نطاق نفوذ الاقتصاد السعودي عالمياً.

لغة الأرقام

تُوجت هذه الجهود الاستراتيجية بتقدم ملموس للمملكة في أهم المحافل الدولية، ما يعكس كفاءة الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والارتقاء المستمر بالأداء اللوجستي. وتجسد ذلك في وصول المملكة إلى قائمة أفضل عشر دول عالمياً ضمن «مؤشر الأداء اللوجستي» (LPI)الصادر عن البنك الدولي، بالإضافة إلى حصدها المرتبة الثانية عالمياً في معدلات النمو ضمن دول مجموعة العشرين، وبنمو نسبته 32 في المائة مقارنة بالعام 2024. كما حافظت المملكة على حضورها القوي بين المراكز الأربعة الأولى في مؤشر «أجيليتي» للأسواق الناشئة لعام 2025، مما يؤكد تنافسية البيئة الاستثمارية السعودية، واستقرارها. وفي إطار تسهيل حركة التجارة العالمية، حققت المملكة قفزات نوعية في كفاءة العمليات الحدودية؛ حيث نجحت في خفض معدلات زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. وتزامن هذا الإنجاز مع توسع استراتيجي في المرافق اللوجستية تمثل في زيادة عدد مناطق الإيداع المرخصة لتصل إلى 21 منطقة، مما عزز من قدرة المملكة على استيعاب تدفقات السلع العالمية، ودعم انسيابية سلاسل الإمداد بكفاءة، واقتدار.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (الهيئة العامة للموانئ)

قصة 24 مليون حاوية قياسية

تُعد جغرافية الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر المعابر المائية حيوية، وتأثيراً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح الموانئ السعودية الممتدة على السواحل الشرقية والغربية أهمية استراتيجية فائقة بوصفها ركائز أساسية للملاحة العالمية. فمن خلال كونها نقاط التقاء لوجستية تربط بين ثلاث قارات، نجحت هذه الموانئ في ترسيخ دورها المحوري في ضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية، وتدفق البضائع، محولةً المزايا الجغرافية للمملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة تدعم استقرار حركة التجارة العابرة للحدود.

وفي إطار السعي لتعظيم هذه المكتسبات، أطلقت المملكة سلسلة من مشاريع التطوير النوعية لتحديث البنية التحتية للموانئ، وتوسيع نطاق خدمات الشحن. وقد أثمرت هذه الجهود قفزة كبرى في الطاقة الاستيعابية التي ارتفعت بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 24.3 مليون حاوية قياسية، بالتوازي مع زيادة ملموسة في عدد خدمات الشحن الملاحية المضافة التي بلغت 101 خدمة.

هذا التوسع لم يساهم في زيادة ترابط المملكة مع الأسواق العالمية فحسب، بل مكنها من استحداث مسارات ملاحية جديدة تعزز من مرونة الوصول إلى أهم الموانئ الدولية.

لقد تجاوزت هذه الرؤية التطويرية حدود الموانئ لتشمل إنشاء مناطق ومراكز لوجستية متكاملة صُممت لتكون حواضن جاذبة للاستثمارات الكبرى. وتتيح هذه المناطق للمستثمرين الاستفادة القصوى من تكامل الخدمات اللوجستية لتنمية أعمالهم، بجانب تفعيل نشاط إعادة التصدير الذي يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تؤكد المملكة التزامها بدورها باعتبار أنها قائد عالمي في القطاع البحري، موفرةً بيئة لوجستية متطورة تضمن كفاءة العمليات التشغيلية، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي العالمي.

إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

قطار الرؤية: شريان حديدي يربط المدن بالموانئ

استثمرت المملكة منذ وقت مبكر في بناء قطاع طيران قوي، انطلاقاً من إدراكها لأهمية التواصل مع العالم، وتسهيل وفود ضيوف الرحمن، بالإضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لشحن البضائع. وقد مر القطاع بمحطات تنظيمية مفصلية بدأت بتأسيس «مصلحة الطيران المدني»، و«الخطوط السعودية»، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال الهيكلي بتأسيس «الهيئة العامة للطيران المدني»، مما أرسى دعائم العمل المؤسسي الذي مهد الطريق لتحولات كبرى تتماشى مع المتطلبات الدولية المتنامية. ومع انبثاق «رؤية 2030»، استشرفت المملكة فرصاً استثنائية لتطوير قطاع الطيران، والمساهمة بفاعلية في النمو الاقتصادي، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط قارات العالم الثلاث. وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر إعادة تنظيم «الهيئة العامة للطيران المدني»، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض» و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران، وبرنامج الربط الجوي، اللذين استهدفا توسيع نطاق الوصول الدولي عبر مسارات جوية جديدة تربط المدن السعودية بالعواصم العالمية. وفي سياق تحديث البنية التحتية، تسارعت وتيرة إنشاء مطارات دولية كبرى، مع استمرار أعمال التطوير في كافة مناطق المملكة، مع تسريع إشراك القطاع الخاص في إدارة المطارات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي.

وبفضل هذه الجهود تحولت المطارات السعودية اليوم إلى مراكز ربط محورية تربط الوجهات العالمية، والإقليمية، مما ساهم في تحقيق قفزات نوعية في أعداد المسافرين، ونشاط الشحن الجوي، لتمضي المملكة بخطى ثابتة نحو مستهدفاتها الطموحة بربطها بـ250 وجهة عالمية عبر 29 مطاراً، لخدمة 330 مليون مسافر، ونقل 4.5 مليون طن من الشحن سنوياً بحلول عام 2030.

قطار تابع للخطوط الحديدية السعودية (الشرق الأوسط)

شبكة السكك الحديدية

بدأت قصة السكك الحديدية في المملكة باعتبارها ضرورة استراتيجية لربط العاصمة الرياض بميناء الدمام، مما أدى إلى تأسيس «المؤسسة العامة للسكك الحديدية» لتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البضائع.

ومع اتساع المشاريع التنموية، وخاصة في قطاع التعدين، تأسست «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار) لتمتد الشبكة، وتصل إلى أقصى شمال المملكة، صانعة بذلك بنية تحتية صلبة لنقل الركاب، والمعادن، والسلع التجارية بكفاءة عالية.

ومع إطلاق «رؤية 2030»، دخل قطاع السكك الحديدية مرحلة طموحة تستهدف تحقيق التكامل التام مع كافة القطاعات اللوجستية الأخرى.

وقد شهدت هذه المرحلة توسعاً غير مسبوق في تشغيل القطارات، مما جعل المدن السعودية أكثر ترابطاً؛ حيث اتصل شمال المملكة بوسطها، وشرقها، مما وفّر حلول نقل موثوقة، ومستدامة. كما تسارع العمل في «قطار الحرمين السريع» ليمثل نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، بربطه بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، بأعلى معايير السرعة، والأمان.

واليوم تمضي المملكة نحو مستقبل أكثر ترابطاً عبر مشاريع طموحة تدعم تنشيط الحركة السياحية، وتعزز الربط الإقليمي بين المدن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الشبكة المتطورة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم التنوع الاقتصادي، من خلال تقليل التكاليف اللوجستية، وتحسين موثوقية الخدمات، بما يرسخ مكانة المملكة باعتبار أنها مركز لوجستي عالمي يربط بين المراكز الصناعية، والموانئ، والمجتمعات الحضرية.

في الختام، يتضح أن التحول الجذري الذي شهده القطاع اللوجستي السعودي ليس مجرد سباق نحو الأرقام والمؤشرات، بل إعادة صياغة كاملة لـ«الهوية الاقتصادية للمملكة» لتكون الرابط الحيوي والموثوق للتجارة العالمية.