خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» تفاصيل تأسيس «الحرس» الإيراني لـ«حزب الله» في لبنان عام 1982

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)
TT

خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري الراحل، عبد الحليم خدام، اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، تفاصيل العلاقات بين سوريا وإيران فور انتصار «الثورة» في طهران، وكيفية تأسيس «الحرس» الإيراني «حزب الله» في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982.
يقول خدام إن موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، كان له الدور الرئيسي في تأسيس العلاقات بين دمشق وعدد من الشخصيات الإيرانية المعارضة للشاه التي تسلمت الحكم بعد انتصار «الثورة»، وكان بينهم إبراهيم يزدي الذي وجه لخدام دعوة لزيارة طهران في أغسطس (آب) 1979 لإجراء محادثات مع «المرشد» الخميني وكبار المسؤولين بهدف تأسيس العلاقة بين البلدين.
ويروي خدام: «في اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به»، حيث إنه «تحدث حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن (الثورة) حققت انتصارها... وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا». ويضيف: «بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب. وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام في إيران».
وعن تأسيس «حزب الله»، يقول خدام: «كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من (الحرس الثوري) إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء (الحرس) الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل... لتشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها».
كانت البدايات الأولى للعلاقات بين سوريا وقيادة «الثورة» في إيران عبر المعارضة الإيرانية لنظام الشاه التي أقمنا مع بعض فصائلها علاقات جيدة. وكان للسيد موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الدور الرئيسي في تلك العلاقات، عبر «حزب تحرير إيران» الذي كان من أبرز قياداته السادة: مهدي بازركان، والدكتور إبراهيم يزدي، وصادق طبطبائي، وصادق قطب زاده، ومصطفى شمران. وبعد نجاح «الثورة»، أصبح مهدي بازركان رئيساً للوزراء في إيران، وصادق طبطبائي نائباً لرئيس الوزراء، وإبراهيم يزدي وزيراً للخارجية، وخَلَفَه بعد استقالته صادق قطب زاده، وتولى مصطفى شمران وزارة الدفاع.
استقبلنا نجاح «الثورة»، بقيادة الخميني، بسرور كبير وتفاؤل عميق، في وقت كانت ترزح فيه المنطقة تحت ضغط الانقسامات العربية والاعتداءات الإسرائيلية. وبادر الرئيس حافظ الأسد بإرسال رسالة تهنئة حارة إلى الخميني، أكد فيها حرص سوريا على التعاون الشامل مع إيران، كما عبر عن ارتياح الشعب السوري لنجاح الثورة.
وفي مطلع أغسطس (آب) عام 1979، تلقيت دعوة من وزير خارجية إيران، إبراهيم يزدي. وقد وصلت إلى طهران في 15 أغسطس (آب)، وكان في استقبالي يزدي وطبطبائي، وعدد من المسؤولين الإيرانيين.
استقبلتُ في المساء السيد طبطبائي الذي كان يتميز بوعيه السياسي، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة، والجمع بين الالتزام الديني والعقل المتحرر، وهو ابن شقيقة السيد موسى الصدر، وكان من القادة الأكثر حماسة للعلاقات مع سوريا. وما لفت نظري أنني عندما كنت في جناحي في الفندق وفتحت التلفزيون، فاجأتني العبارة التالية التي كانت تتكرر من وقت إلى آخر، ونصها: «علموا أبناءكم العربية...»... وقد أثر ذلك في نفسي تأثيراً كبيراً.
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، نحو الثالثة فجراً، دخل أحد مرافقي إلى غرفة نومي وأيقظني، وأبلغني أن الشيخ محمد منتظري (نجل حسين علي منتظري)، ومعه مجموعة، يريدون اللقاء بي. استغربت أن تكون الزيارة في هذا الوقت، ودون طلب موعد، فطلبت من المرافق إدخالهم إلى غرفة الاستقبال بينما أرتدي ثيابي.
كان منتظري شاباً متحمساً لـ«الثورة»، وبدأ حديثه بالحملة على حزب «البعث»، وعلى «البعثيين»، وأخذ يكيل التهم لبعض «البعثيين» القياديين في العراق، ثم استرسل في شرح أهداف «الثورة» التي ستغير العالم، وكان عليّ أن أسمع لأني أدركت أن الحوار معه غير مُجدٍ. وبعد نحو ساعتين، طلب أن نُصلي صلاة الفجر، وكان له ما أراد، وغادر مع شروق الشمس.
وفي الساعة الحادية عشرة، توجهت للقاء الدكتور مهدي بازركان، رئيس مجلس الوزراء، وكان حاضراً (إبراهيم) يزدي وزير الخارجية، و(صادق) طبطبائي نائب رئيس الوزراء. وتحدث بازركان عن أهداف الثورة، وعن الإجماع الشعبي لتأييدها، وكان يتحدث بثقة وحرارة، ثم تناول الحديث العلاقات السورية - الإيرانية، فأكد أن «الثورة» في إيران ستعمل على بناء علاقات قوية مع سوريا الشقيقة.
أخذتُ الحديث وهنأتهم بنجاح «الثورة» باسم القيادة السورية، كما تحدثت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاحها في نقل إيران من مرحلة إلى مرحلة جديدة، يتكامل فيها التعاون العربي - الإيراني. وحدثني بازركان عن رؤيتهم للقضية الفلسطينية، وتصميمهم على تبني هذه القضية، بصفتها قضية المسلمين الأولى. وتحدثتُ عن الأهداف المشتركة في مقاومة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وفي مواجهة الإمبريالية الأميركية والأطماع الأجنبية، وكانت وجهات نظرنا متفقة تماماً.
ومن الجدير بالذكر أن السادة بازركان رئيس الحكومة، وطبطبائي نائب رئيس مجلس الوزراء، ويزدي وزير الخارجية، وشمران وحسن حبيبي وصادق قطب زاده، كانوا من «حزب تحرير إيران» الذي كان يرأسه السيد مهدي بازركان، وكان السيد موسى الصدر الأب الروحي لذلك الحزب.
شارك يزدي وطبطبائي في الحديث، وكانت أحاديثهم بالاتجاه نفسه، وركز الجميع على أهمية تنمية العلاقات بين «الثورة» في إيران وسوريا، وأن يكون التعاون وثيقاً ضد إسرائيل والإمبريالية الأميركية.
وكنت في الساعة الثامنة صباحاً قد توجهتُ إلى وزارة الخارجية لإجراء محادثات مع يزدي. وعندما دخلنا قاعة الاجتماعات، فوجئت بوجود عدد من موظفي الوزارة، وعبرت عن ارتياح الشعب السوري والقيادة في سوريا لنجاح «الثورة» في إيران التي تعد تحولاً عميقاً في مسار الأحداث في المنطقة، وركزت على أهمية التعاون بين سوريا و«الثورة» في إيران، كما ركزت على الأهداف المشتركة فيما بين الجانبين.
وتحدث يزدي عن «الثورة»، وعن أهدافها الرئيسية، ووضع في المقدمة تحرير فلسطين، ومواجهة الاستكبار العالمي، وأكد أن التعاون بين «الثورة» وسوريا ستكون له نتائج مثمرة بالنسبة للشعبين وللمسلمين.
اتفقنا على تنمية العلاقات، واستمرار التشاور بين الدولتين، والتعاون في جميع المجالات، وتنسيق الجهود والمواقف تِجاه مجمل القضايا التي تهمنا. وفي اليوم الثاني، شاركت بصلاة الجمعة في جامعة طهران بمناسبة يوم القدس، وكانت الصلاة والاحتفال بالمناسبة لافتين للنظر، من حيث حجم المشاركين الذين تجاوزوا بضع مئات من الألوف، والهتافات للقدس والموت لإسرائيل.
كان مشهداً رائعاً أن ترى مئات الألوف يؤدون صلاة الجماعة، ويهتفون من أعماقهم لفلسطين. في تلك المناسبة، ألقيت خطاباً عبرت فيه عن موقفنا من القضية الفلسطينية عامة، ومن القدس بصورة خاصة، ووجهت التحية لـ«الثورة» في إيران، ولقائدها الخميني، وتمنيت النجاح للثورة لتحقيق أهدافها.
وفي اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري يقابله، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به.
وصلنا ظهراً، وتوجهنا إلى منزل قائد «الثورة» في حي شعبي، ودخلنا منزلاً بسيطاً في ذلك الحي. وفي مدخل المنزل، غرفة صغيرة فيها مكتب وطاولة يجلس عليها شيخ. وبعد أن سلمنا عليه، دخلنا إلى غرفة ثانية صغيرة، طولها لا يتجاوز المترين ونصف المتر، وعرضها كذلك، وعلى أرضها بساط عادي. وكان الخميني جالساً، فنهض لاستقبالنا. كان الرجل يجلس على الأرض، وكذلك فعلنا. كان يستمع إلى محدثيه من العرب باللغة العربية، ويجيبهم باللغة الفارسية.
وبعد تبادل التحيات، رحب بي، وقدمت له التهاني باسم سوريا، والرئيس حافظ الأسد، بنجاح «الثورة» بقيادته، وعبرت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاح «الثورة»، لا سيما في مواجهة العدوان الصهيوني، كما نقلت له تحيات الرئيس حافظ الأسد، وأكدت له أن الشعب السوري حريص على أوثق العلاقات مع إيران، ونحن نقدر حجم التطور الهائل الذي ستطلقه الثورة في الوقت الذي نواجه فيه العدوان الصهيوني والضغوط الأميركية.
تحدث الخميني حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن «الثورة» حققت انتصارها على الطاغوت والظلم اعتماداً على الشعب، وأن «الثورة» ستكون مع المظلومين والمحرومين، وأنها ستقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وستواجه قوى الاستكبار العالمي، وأن المسلمين سينتصرون على الظلم والعدوان والقهر. وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا.
كانت المقابلة قصيرة رمزية، لكنها كانت بالغة الأهمية، من حيث معرفتي تصميم الرجل الذي لمسته في كل عبارة كان ينطق بها. كان واثقاً بالنفس، واثقاً بالنصر النهائي لثورته.
لم يكن النظام الجديد نظاماً شمولياً بمعنى الكلمة. ففيه من الشمولية مركزية القرار عند قائد «الثورة». ولم يكن نظاماً ديمقراطياً، وفيه من الديمقراطية حق الاختلاف في الرأي. كان الجميع يتكلم بحُرية، ولكن في إطار أهداف الثورة. يختلفون في التفسير، ولكنهم موحدون في الموقف.

بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب، وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام الإسلامي في إيران، ذلك أن لكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، وما يصلح في مرحلة قد لا يصلح في مرحلة أخرى.
في تلك المرحلة، كانت الخلافات عميقة بين القيادتين السورية والمصرية بسبب توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل، كما كانت العلاقات السورية - العراقية في أسوأ حالاتها، بالإضافة إلى توتر الوضع في لبنان، مع الجبهة اللبنانية من جهة، ومع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، ومع إسرائيل من جهة ثالثة.
في تلك المرحلة، أخذنا خيارين أساسيين كان لهما دور كبير في تحديد مسار السياسة السورية: الأول توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، والخيار الثاني إقامة تحالف مع إيران. لقد وفر خيار التوقيع على معاهدة الصداقة مع السوفيات دعماً سوفياتياً عسكرياً وسياسياً يحد من إمكانية تعرض سوريا لعدوان إسرائيلي بسبب الالتزامات السوفياتية بموجب المعاهدة. وعلى الرغم من أن إيران كانت في حالة حرب مع العراق، كانت ثقتنا كبيرة بأن إيران تُشكل حليفاً قوياً لنا، وفي هذا التحالف مصلحة وطنية (...)
كانت اللقاءات تجري بنشاط بين القيادتين في البلدين، سواء في دمشق أو في طهران، لمناقشة كل الأوضاع والتطورات، وتحديد المواقف منها.
ومع قيام هذا التحالف، لم تتوقف بعض أطراف الدول العربية عن الضغط على سوريا من أجل المصالحة مع العراق، وتجميد العلاقات مع إيران، غير أن تلك الضغوط لم تنجح في تحقيق أي اختراق جدي، على الرغم من اللقاءات المتعددة التي جرت بين مسؤولين سوريين وعراقيين، بما فيها لقاءات بين الرئيس حافظ الأسد ونظيره صَدام حسين.
كان الجانب السوري متمسكاً بالتحالف مع إيران، مدركاً أن سقوط هذا التحالف سيزيد من الضغوط عليه من جهة، ومن جهة ثانية ستتسع ساحة الصراع المسلح بين إيران والدول العربية، ما كان يمكن أن يدفع دولاً أجنبية للتدخل، وهذا أمر كان بالغ الخطورة بالنسبة لنا (...)
وكانت الوفود بين العاصمتين تنشط، ولم يمضِ شهر واحد دون استقبال وفد إيراني في دمشق أو وفد سوري في طهران. وفي كل لقاء، كان يجري نقاش معمق للأوضاع الراهنة، ووسائل العمل المشترك، والعمل السياسي في مختلف الساحات.
تحولت قضية الحرب العراقية - الإيرانية بين عامي 1980 و1988 إلى قضية ذات اهتمام كبير لدى النظام في سوريا، كما تحولت قضية الصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية عقائدية في إيران، كما أن الحرص على عدم توسع الحرب، وعدم استفزاز دول الخليج، كان قاسماً مشتركاً في سياستي البلدين، على الرغم من حدوث إشكالات مقلقة بين وقت وآخر.
في المجال العسكري، ساعدت الحكومة السورية إيران بإقناع الاتحاد السوفياتي بالإيعاز إلى دول أوروبا الشرقية لبيع أسلحة إلى إيران. وبالفعل، فقد تم ذلك عبر سوريا، فكانت العقود توقع باسم سوريا، وتدفع إيران قيمة الأسلحة التي تورد إلى مرفأ اللاذقية، ومنه بالطائرات إلى طهران. والدول التي تعاقدت على الأسلحة كانت بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصورة خاصة. أما فيما يتعلق بالأسلحة السورية، فلم تقدم دمشق لطهران من أسلحة الجيش السوري أي شيء.
كان أكثر ما يُقلق الرئيس حافظ الأسد الخوف على النظام. وكان خوفه متقدماً على القضايا الأخرى في تلك المرحلة، بما في ذلك القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية.
من خلال هذا الخوف، تأتي أهمية لبنان في عقل الرئيس حافظ الأسد. فلبنان يمكن أن يكون ساحة يستخدمها أعداء سوريا، كما يمكن أن يكون ساحة يستخدمها النظام ضد أعدائه، وفي تعزيز النظام وسياساته.
لم يكن في ذهنه ضم لبنان إلى سوريا، أو عدم الاعتراف بشرعية الدولة اللبنانية، وإنما كان الأمر يتعلق بالإمساك بلبنان، وتوجيه سياساته الخارجية، وإغلاق النوافذ أمام إسرائيل وأمام خصوم سوريا وخصوم نظامها لاستخدام لبنان (...). كانت ثقته عميقة بالسيد موسى الصدر. وبعد غيابه، انتقلت الثقة إلى نبيه بري، وأصبح السيد نبيه بري موضع الثقة، على الرغم من أن بعض القادة، أمثال السيد حسين الحسيني، كانوا يحملون راية السياسة السورية في لبنان.
أصبح بري السياسي الأبرز في طائفته، وحظي بدعم كامل سياسياً وعسكرياً، وأصبحت حركة «أمل» هي الميليشيا المسلحة الأكثر التصاقاً مع النظام في سوريا، وساعدناها في نزاعاتها مع «حركة المرابطون»، ومع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ومع الفلسطينيين، ثم مع «حزب الله».
لعبت حركة «أمل» دورين رئيسيين في إطار السياسة السورية: الأول في مواجهة قوى الجيش اللبناني والقوات اللبنانية، وإسقاط اتفاقية السابع عشر من مايو (أيار)، وساعد بدوره السيد وليد جنبلاط في الضغط العسكري على «القوات اللبنانية» في منطقتي الشوف وعاليه، ما دفع الرئيس اللبناني أمين الجميل إلى القبول بتسوية أُسقطت فيها اتفاقية 17 مايو (أيار) 1983. أما الدور الثاني فقد كان في الجنوب، وكان لحركة «أمل» دور رئيسي في مقاومة الاحتلال.
لم يكن لإيران نفوذ في لبنان أو وجود سياسي أو عسكري قبل عام 1980. كان الوجود الإيراني رمزياً، يتمثل بمجموعة من المعارضة الإيرانية تعمل في ظل السيد موسى الصدر، ومن بين هؤلاء السيد مصطفى شمران الذي أصبح وزيراً للدفاع بعد انتصار «الثورة» في إيران.
كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء «الحرس» الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل.
هكذا، بدأت مسيرة النفوذ الإيراني في لبنان. وكان من مهام «الحرس الثوري» القيام بـ«تشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها. وكان التوجه الإيراني عدم انزلاق الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، والانصراف إلى المقاومة وتوسيعها وزيادة فاعليتها».
كانت المقاومة في الجنوب مُشَكَّلة من قوى مختلفة، لبنانية وفلسطينية، ولكن بعد الاجتياح أصبحت حركة «أمل» هي القوة الرئيسية للمقاومة. وبدخول «حزب الله» إلى ساحة المقاومة، كان الحزب ينمو ويتسع عدد عناصره على حساب حركة «أمل» التي كانت قيادتها غارقة في العمل السياسي.
ومع تمكن «حزب الله» من الإمساك بمنطقة البقاع الشرقي، وانضمام عناصر قيادية من حركة «أمل» لـ«حزب الله»، خطا الحزب خطوات أخرى باتجاه الضاحية الجنوبية في بيروت، وباتجاه الجنوب، وأصبح بفضل الدعم والمساندة الإيرانية قوة رئيسية منافِسة لحركة «أمل» في الساحة الشيعية. وقد أدى ذلك إلى قتال عنيف بين الحركة والحزب، ولم يتوقف إلا بعد ممارسة ضغوط قوية، سورية وإيرانية، وإجراء مصالحة بين الطرفين.
كان الموقف السوري، عملياً، يتعاطف مع حركة «أمل»، وكان الرئيس حافظ الأسد وحده يُبدي التعاطف مع «حزب الله»، ويعطي التوجيهات لقيادة الجيش والأجهزة الأمنية بمساعدته. وقد بنى موقفه على أن الحزب أصبح قوة المقاومة الرئيسية بعد تراجع حركة «أمل» والأحزاب الوطنية. وبالتالي، يجب الاعتماد عليه في مقاومة إسرائيل واستنزافها. كان معظم الضباط السوريين في لبنان يتعاطفون مع «أمل»، ولا يميلون إلى «حزب الله» بصفته حزباً إسلامياً، وهم -أي الضباط السوريون- ما زالوا تحت وطأة الحوادث الدامية التي وقعت في سوريا بين الدولة و«الإخوان المسلمين».
لم يكن الرئيس حافظ الأسد قلقاً من النفوذ الإيراني، كما لم يكن في ذهنه أن إيران تبني قاعدة عسكرية وسياسية في لبنان تهدف لخدمة استراتيجيتها، وأن لديها طموحاً في التوسع الإقليمي، وهي حليفة نتعاون معها في مواجهة النظام العراقي.
كانت حسابات الرئيس حافظ الأسد أن إيران في كل الظروف مضطرة لأن تكون حليفة لسوريا، وهي معادية لإسرائيل، وعلاقاتها متوترة مع الدول التي تجاورها، بسبب الحرب مع العراق من جهة، أو بسبب الخوف منها من جهة ثانية. لم يكن يُقلقه التمدد الإيراني في لبنان، ودائماً كان في ذهنه صَدام حسين من جهة، ولبنان من جهة ثانية، وفي المسألتين إيران هي الحليف، سواء في مواجهة إسرائيل أو في الاعتماد على الطائفة الشيعية التي أصبحت في معظمها موالية لإيران، وموالاتها لسوريا تتعزز أو تتراجع في ضوء العلاقات بين الدولتين.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.