خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» تفاصيل تأسيس «الحرس» الإيراني لـ«حزب الله» في لبنان عام 1982

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)
TT

خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري الراحل، عبد الحليم خدام، اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، تفاصيل العلاقات بين سوريا وإيران فور انتصار «الثورة» في طهران، وكيفية تأسيس «الحرس» الإيراني «حزب الله» في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982.
يقول خدام إن موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، كان له الدور الرئيسي في تأسيس العلاقات بين دمشق وعدد من الشخصيات الإيرانية المعارضة للشاه التي تسلمت الحكم بعد انتصار «الثورة»، وكان بينهم إبراهيم يزدي الذي وجه لخدام دعوة لزيارة طهران في أغسطس (آب) 1979 لإجراء محادثات مع «المرشد» الخميني وكبار المسؤولين بهدف تأسيس العلاقة بين البلدين.
ويروي خدام: «في اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به»، حيث إنه «تحدث حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن (الثورة) حققت انتصارها... وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا». ويضيف: «بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب. وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام في إيران».
وعن تأسيس «حزب الله»، يقول خدام: «كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من (الحرس الثوري) إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء (الحرس) الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل... لتشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها».
كانت البدايات الأولى للعلاقات بين سوريا وقيادة «الثورة» في إيران عبر المعارضة الإيرانية لنظام الشاه التي أقمنا مع بعض فصائلها علاقات جيدة. وكان للسيد موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الدور الرئيسي في تلك العلاقات، عبر «حزب تحرير إيران» الذي كان من أبرز قياداته السادة: مهدي بازركان، والدكتور إبراهيم يزدي، وصادق طبطبائي، وصادق قطب زاده، ومصطفى شمران. وبعد نجاح «الثورة»، أصبح مهدي بازركان رئيساً للوزراء في إيران، وصادق طبطبائي نائباً لرئيس الوزراء، وإبراهيم يزدي وزيراً للخارجية، وخَلَفَه بعد استقالته صادق قطب زاده، وتولى مصطفى شمران وزارة الدفاع.
استقبلنا نجاح «الثورة»، بقيادة الخميني، بسرور كبير وتفاؤل عميق، في وقت كانت ترزح فيه المنطقة تحت ضغط الانقسامات العربية والاعتداءات الإسرائيلية. وبادر الرئيس حافظ الأسد بإرسال رسالة تهنئة حارة إلى الخميني، أكد فيها حرص سوريا على التعاون الشامل مع إيران، كما عبر عن ارتياح الشعب السوري لنجاح الثورة.
وفي مطلع أغسطس (آب) عام 1979، تلقيت دعوة من وزير خارجية إيران، إبراهيم يزدي. وقد وصلت إلى طهران في 15 أغسطس (آب)، وكان في استقبالي يزدي وطبطبائي، وعدد من المسؤولين الإيرانيين.
استقبلتُ في المساء السيد طبطبائي الذي كان يتميز بوعيه السياسي، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة، والجمع بين الالتزام الديني والعقل المتحرر، وهو ابن شقيقة السيد موسى الصدر، وكان من القادة الأكثر حماسة للعلاقات مع سوريا. وما لفت نظري أنني عندما كنت في جناحي في الفندق وفتحت التلفزيون، فاجأتني العبارة التالية التي كانت تتكرر من وقت إلى آخر، ونصها: «علموا أبناءكم العربية...»... وقد أثر ذلك في نفسي تأثيراً كبيراً.
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، نحو الثالثة فجراً، دخل أحد مرافقي إلى غرفة نومي وأيقظني، وأبلغني أن الشيخ محمد منتظري (نجل حسين علي منتظري)، ومعه مجموعة، يريدون اللقاء بي. استغربت أن تكون الزيارة في هذا الوقت، ودون طلب موعد، فطلبت من المرافق إدخالهم إلى غرفة الاستقبال بينما أرتدي ثيابي.
كان منتظري شاباً متحمساً لـ«الثورة»، وبدأ حديثه بالحملة على حزب «البعث»، وعلى «البعثيين»، وأخذ يكيل التهم لبعض «البعثيين» القياديين في العراق، ثم استرسل في شرح أهداف «الثورة» التي ستغير العالم، وكان عليّ أن أسمع لأني أدركت أن الحوار معه غير مُجدٍ. وبعد نحو ساعتين، طلب أن نُصلي صلاة الفجر، وكان له ما أراد، وغادر مع شروق الشمس.
وفي الساعة الحادية عشرة، توجهت للقاء الدكتور مهدي بازركان، رئيس مجلس الوزراء، وكان حاضراً (إبراهيم) يزدي وزير الخارجية، و(صادق) طبطبائي نائب رئيس الوزراء. وتحدث بازركان عن أهداف الثورة، وعن الإجماع الشعبي لتأييدها، وكان يتحدث بثقة وحرارة، ثم تناول الحديث العلاقات السورية - الإيرانية، فأكد أن «الثورة» في إيران ستعمل على بناء علاقات قوية مع سوريا الشقيقة.
أخذتُ الحديث وهنأتهم بنجاح «الثورة» باسم القيادة السورية، كما تحدثت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاحها في نقل إيران من مرحلة إلى مرحلة جديدة، يتكامل فيها التعاون العربي - الإيراني. وحدثني بازركان عن رؤيتهم للقضية الفلسطينية، وتصميمهم على تبني هذه القضية، بصفتها قضية المسلمين الأولى. وتحدثتُ عن الأهداف المشتركة في مقاومة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وفي مواجهة الإمبريالية الأميركية والأطماع الأجنبية، وكانت وجهات نظرنا متفقة تماماً.
ومن الجدير بالذكر أن السادة بازركان رئيس الحكومة، وطبطبائي نائب رئيس مجلس الوزراء، ويزدي وزير الخارجية، وشمران وحسن حبيبي وصادق قطب زاده، كانوا من «حزب تحرير إيران» الذي كان يرأسه السيد مهدي بازركان، وكان السيد موسى الصدر الأب الروحي لذلك الحزب.
شارك يزدي وطبطبائي في الحديث، وكانت أحاديثهم بالاتجاه نفسه، وركز الجميع على أهمية تنمية العلاقات بين «الثورة» في إيران وسوريا، وأن يكون التعاون وثيقاً ضد إسرائيل والإمبريالية الأميركية.
وكنت في الساعة الثامنة صباحاً قد توجهتُ إلى وزارة الخارجية لإجراء محادثات مع يزدي. وعندما دخلنا قاعة الاجتماعات، فوجئت بوجود عدد من موظفي الوزارة، وعبرت عن ارتياح الشعب السوري والقيادة في سوريا لنجاح «الثورة» في إيران التي تعد تحولاً عميقاً في مسار الأحداث في المنطقة، وركزت على أهمية التعاون بين سوريا و«الثورة» في إيران، كما ركزت على الأهداف المشتركة فيما بين الجانبين.
وتحدث يزدي عن «الثورة»، وعن أهدافها الرئيسية، ووضع في المقدمة تحرير فلسطين، ومواجهة الاستكبار العالمي، وأكد أن التعاون بين «الثورة» وسوريا ستكون له نتائج مثمرة بالنسبة للشعبين وللمسلمين.
اتفقنا على تنمية العلاقات، واستمرار التشاور بين الدولتين، والتعاون في جميع المجالات، وتنسيق الجهود والمواقف تِجاه مجمل القضايا التي تهمنا. وفي اليوم الثاني، شاركت بصلاة الجمعة في جامعة طهران بمناسبة يوم القدس، وكانت الصلاة والاحتفال بالمناسبة لافتين للنظر، من حيث حجم المشاركين الذين تجاوزوا بضع مئات من الألوف، والهتافات للقدس والموت لإسرائيل.
كان مشهداً رائعاً أن ترى مئات الألوف يؤدون صلاة الجماعة، ويهتفون من أعماقهم لفلسطين. في تلك المناسبة، ألقيت خطاباً عبرت فيه عن موقفنا من القضية الفلسطينية عامة، ومن القدس بصورة خاصة، ووجهت التحية لـ«الثورة» في إيران، ولقائدها الخميني، وتمنيت النجاح للثورة لتحقيق أهدافها.
وفي اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري يقابله، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به.
وصلنا ظهراً، وتوجهنا إلى منزل قائد «الثورة» في حي شعبي، ودخلنا منزلاً بسيطاً في ذلك الحي. وفي مدخل المنزل، غرفة صغيرة فيها مكتب وطاولة يجلس عليها شيخ. وبعد أن سلمنا عليه، دخلنا إلى غرفة ثانية صغيرة، طولها لا يتجاوز المترين ونصف المتر، وعرضها كذلك، وعلى أرضها بساط عادي. وكان الخميني جالساً، فنهض لاستقبالنا. كان الرجل يجلس على الأرض، وكذلك فعلنا. كان يستمع إلى محدثيه من العرب باللغة العربية، ويجيبهم باللغة الفارسية.
وبعد تبادل التحيات، رحب بي، وقدمت له التهاني باسم سوريا، والرئيس حافظ الأسد، بنجاح «الثورة» بقيادته، وعبرت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاح «الثورة»، لا سيما في مواجهة العدوان الصهيوني، كما نقلت له تحيات الرئيس حافظ الأسد، وأكدت له أن الشعب السوري حريص على أوثق العلاقات مع إيران، ونحن نقدر حجم التطور الهائل الذي ستطلقه الثورة في الوقت الذي نواجه فيه العدوان الصهيوني والضغوط الأميركية.
تحدث الخميني حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن «الثورة» حققت انتصارها على الطاغوت والظلم اعتماداً على الشعب، وأن «الثورة» ستكون مع المظلومين والمحرومين، وأنها ستقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وستواجه قوى الاستكبار العالمي، وأن المسلمين سينتصرون على الظلم والعدوان والقهر. وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا.
كانت المقابلة قصيرة رمزية، لكنها كانت بالغة الأهمية، من حيث معرفتي تصميم الرجل الذي لمسته في كل عبارة كان ينطق بها. كان واثقاً بالنفس، واثقاً بالنصر النهائي لثورته.
لم يكن النظام الجديد نظاماً شمولياً بمعنى الكلمة. ففيه من الشمولية مركزية القرار عند قائد «الثورة». ولم يكن نظاماً ديمقراطياً، وفيه من الديمقراطية حق الاختلاف في الرأي. كان الجميع يتكلم بحُرية، ولكن في إطار أهداف الثورة. يختلفون في التفسير، ولكنهم موحدون في الموقف.

بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب، وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام الإسلامي في إيران، ذلك أن لكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، وما يصلح في مرحلة قد لا يصلح في مرحلة أخرى.
في تلك المرحلة، كانت الخلافات عميقة بين القيادتين السورية والمصرية بسبب توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل، كما كانت العلاقات السورية - العراقية في أسوأ حالاتها، بالإضافة إلى توتر الوضع في لبنان، مع الجبهة اللبنانية من جهة، ومع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، ومع إسرائيل من جهة ثالثة.
في تلك المرحلة، أخذنا خيارين أساسيين كان لهما دور كبير في تحديد مسار السياسة السورية: الأول توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، والخيار الثاني إقامة تحالف مع إيران. لقد وفر خيار التوقيع على معاهدة الصداقة مع السوفيات دعماً سوفياتياً عسكرياً وسياسياً يحد من إمكانية تعرض سوريا لعدوان إسرائيلي بسبب الالتزامات السوفياتية بموجب المعاهدة. وعلى الرغم من أن إيران كانت في حالة حرب مع العراق، كانت ثقتنا كبيرة بأن إيران تُشكل حليفاً قوياً لنا، وفي هذا التحالف مصلحة وطنية (...)
كانت اللقاءات تجري بنشاط بين القيادتين في البلدين، سواء في دمشق أو في طهران، لمناقشة كل الأوضاع والتطورات، وتحديد المواقف منها.
ومع قيام هذا التحالف، لم تتوقف بعض أطراف الدول العربية عن الضغط على سوريا من أجل المصالحة مع العراق، وتجميد العلاقات مع إيران، غير أن تلك الضغوط لم تنجح في تحقيق أي اختراق جدي، على الرغم من اللقاءات المتعددة التي جرت بين مسؤولين سوريين وعراقيين، بما فيها لقاءات بين الرئيس حافظ الأسد ونظيره صَدام حسين.
كان الجانب السوري متمسكاً بالتحالف مع إيران، مدركاً أن سقوط هذا التحالف سيزيد من الضغوط عليه من جهة، ومن جهة ثانية ستتسع ساحة الصراع المسلح بين إيران والدول العربية، ما كان يمكن أن يدفع دولاً أجنبية للتدخل، وهذا أمر كان بالغ الخطورة بالنسبة لنا (...)
وكانت الوفود بين العاصمتين تنشط، ولم يمضِ شهر واحد دون استقبال وفد إيراني في دمشق أو وفد سوري في طهران. وفي كل لقاء، كان يجري نقاش معمق للأوضاع الراهنة، ووسائل العمل المشترك، والعمل السياسي في مختلف الساحات.
تحولت قضية الحرب العراقية - الإيرانية بين عامي 1980 و1988 إلى قضية ذات اهتمام كبير لدى النظام في سوريا، كما تحولت قضية الصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية عقائدية في إيران، كما أن الحرص على عدم توسع الحرب، وعدم استفزاز دول الخليج، كان قاسماً مشتركاً في سياستي البلدين، على الرغم من حدوث إشكالات مقلقة بين وقت وآخر.
في المجال العسكري، ساعدت الحكومة السورية إيران بإقناع الاتحاد السوفياتي بالإيعاز إلى دول أوروبا الشرقية لبيع أسلحة إلى إيران. وبالفعل، فقد تم ذلك عبر سوريا، فكانت العقود توقع باسم سوريا، وتدفع إيران قيمة الأسلحة التي تورد إلى مرفأ اللاذقية، ومنه بالطائرات إلى طهران. والدول التي تعاقدت على الأسلحة كانت بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصورة خاصة. أما فيما يتعلق بالأسلحة السورية، فلم تقدم دمشق لطهران من أسلحة الجيش السوري أي شيء.
كان أكثر ما يُقلق الرئيس حافظ الأسد الخوف على النظام. وكان خوفه متقدماً على القضايا الأخرى في تلك المرحلة، بما في ذلك القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية.
من خلال هذا الخوف، تأتي أهمية لبنان في عقل الرئيس حافظ الأسد. فلبنان يمكن أن يكون ساحة يستخدمها أعداء سوريا، كما يمكن أن يكون ساحة يستخدمها النظام ضد أعدائه، وفي تعزيز النظام وسياساته.
لم يكن في ذهنه ضم لبنان إلى سوريا، أو عدم الاعتراف بشرعية الدولة اللبنانية، وإنما كان الأمر يتعلق بالإمساك بلبنان، وتوجيه سياساته الخارجية، وإغلاق النوافذ أمام إسرائيل وأمام خصوم سوريا وخصوم نظامها لاستخدام لبنان (...). كانت ثقته عميقة بالسيد موسى الصدر. وبعد غيابه، انتقلت الثقة إلى نبيه بري، وأصبح السيد نبيه بري موضع الثقة، على الرغم من أن بعض القادة، أمثال السيد حسين الحسيني، كانوا يحملون راية السياسة السورية في لبنان.
أصبح بري السياسي الأبرز في طائفته، وحظي بدعم كامل سياسياً وعسكرياً، وأصبحت حركة «أمل» هي الميليشيا المسلحة الأكثر التصاقاً مع النظام في سوريا، وساعدناها في نزاعاتها مع «حركة المرابطون»، ومع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ومع الفلسطينيين، ثم مع «حزب الله».
لعبت حركة «أمل» دورين رئيسيين في إطار السياسة السورية: الأول في مواجهة قوى الجيش اللبناني والقوات اللبنانية، وإسقاط اتفاقية السابع عشر من مايو (أيار)، وساعد بدوره السيد وليد جنبلاط في الضغط العسكري على «القوات اللبنانية» في منطقتي الشوف وعاليه، ما دفع الرئيس اللبناني أمين الجميل إلى القبول بتسوية أُسقطت فيها اتفاقية 17 مايو (أيار) 1983. أما الدور الثاني فقد كان في الجنوب، وكان لحركة «أمل» دور رئيسي في مقاومة الاحتلال.
لم يكن لإيران نفوذ في لبنان أو وجود سياسي أو عسكري قبل عام 1980. كان الوجود الإيراني رمزياً، يتمثل بمجموعة من المعارضة الإيرانية تعمل في ظل السيد موسى الصدر، ومن بين هؤلاء السيد مصطفى شمران الذي أصبح وزيراً للدفاع بعد انتصار «الثورة» في إيران.
كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء «الحرس» الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل.
هكذا، بدأت مسيرة النفوذ الإيراني في لبنان. وكان من مهام «الحرس الثوري» القيام بـ«تشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها. وكان التوجه الإيراني عدم انزلاق الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، والانصراف إلى المقاومة وتوسيعها وزيادة فاعليتها».
كانت المقاومة في الجنوب مُشَكَّلة من قوى مختلفة، لبنانية وفلسطينية، ولكن بعد الاجتياح أصبحت حركة «أمل» هي القوة الرئيسية للمقاومة. وبدخول «حزب الله» إلى ساحة المقاومة، كان الحزب ينمو ويتسع عدد عناصره على حساب حركة «أمل» التي كانت قيادتها غارقة في العمل السياسي.
ومع تمكن «حزب الله» من الإمساك بمنطقة البقاع الشرقي، وانضمام عناصر قيادية من حركة «أمل» لـ«حزب الله»، خطا الحزب خطوات أخرى باتجاه الضاحية الجنوبية في بيروت، وباتجاه الجنوب، وأصبح بفضل الدعم والمساندة الإيرانية قوة رئيسية منافِسة لحركة «أمل» في الساحة الشيعية. وقد أدى ذلك إلى قتال عنيف بين الحركة والحزب، ولم يتوقف إلا بعد ممارسة ضغوط قوية، سورية وإيرانية، وإجراء مصالحة بين الطرفين.
كان الموقف السوري، عملياً، يتعاطف مع حركة «أمل»، وكان الرئيس حافظ الأسد وحده يُبدي التعاطف مع «حزب الله»، ويعطي التوجيهات لقيادة الجيش والأجهزة الأمنية بمساعدته. وقد بنى موقفه على أن الحزب أصبح قوة المقاومة الرئيسية بعد تراجع حركة «أمل» والأحزاب الوطنية. وبالتالي، يجب الاعتماد عليه في مقاومة إسرائيل واستنزافها. كان معظم الضباط السوريين في لبنان يتعاطفون مع «أمل»، ولا يميلون إلى «حزب الله» بصفته حزباً إسلامياً، وهم -أي الضباط السوريون- ما زالوا تحت وطأة الحوادث الدامية التي وقعت في سوريا بين الدولة و«الإخوان المسلمين».
لم يكن الرئيس حافظ الأسد قلقاً من النفوذ الإيراني، كما لم يكن في ذهنه أن إيران تبني قاعدة عسكرية وسياسية في لبنان تهدف لخدمة استراتيجيتها، وأن لديها طموحاً في التوسع الإقليمي، وهي حليفة نتعاون معها في مواجهة النظام العراقي.
كانت حسابات الرئيس حافظ الأسد أن إيران في كل الظروف مضطرة لأن تكون حليفة لسوريا، وهي معادية لإسرائيل، وعلاقاتها متوترة مع الدول التي تجاورها، بسبب الحرب مع العراق من جهة، أو بسبب الخوف منها من جهة ثانية. لم يكن يُقلقه التمدد الإيراني في لبنان، ودائماً كان في ذهنه صَدام حسين من جهة، ولبنان من جهة ثانية، وفي المسألتين إيران هي الحليف، سواء في مواجهة إسرائيل أو في الاعتماد على الطائفة الشيعية التي أصبحت في معظمها موالية لإيران، وموالاتها لسوريا تتعزز أو تتراجع في ضوء العلاقات بين الدولتين.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.