محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

صاحب «عرس الرماد» يرحل بعد صراع مع «كورونا»

محمود نسيم
محمود نسيم
TT

محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

محمود نسيم
محمود نسيم

عمر في محبة الشعر والدراما عاشه الشاعر محمود نسيم وأخلص له على مدار 66 عاماً، لكن في زمن الوباء لم يكن في حسبانه أن تتحول هذه المحبة بمفارقاتها الشفيفة إلى صراع مرير بين الوجود والعدم، ليرحل عن عالمنا مساء الأربعاء الماضي متأثراً بفيروس كورونا.
ولد محمود نسيم في 3 مارس (آذار) 1955 بالقاهرة، وأحب الشعر وعاشه بروح الدراما، التي كرّس لها حياته العلمية. فبعد دراسته للفلسفة بجامعة عين شمس 1980، شكل المسرح بعوالمه الإنسانية حقل دراساته لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه، فناقش مفهوم الحداثة بأنساقها المتنوعة من خلال الطبيعة والكون والمعرفة وتأثيرها في تشكيل العقل الحديث، ودورها في دفع الحياة الخاصة والعامة للإنسان والمجتمع، وذلك من خلال تجلياتها في شتى أنماط الحياة، السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واضعاً كل ذلك في حالة من المقارنة والتجاور بين واقعها عربياً، وبين ما وصلت إليه في المجتمعات الغربية.
ومن مناطق الالتفات المهمة التي وصل إليها في هذا السياق وشكّلت خلاصة بحثه، أن الحداثة لا ترتبط بالعقل فحسب، كمعيار للاتزان بين الذات والموضوع كما نجد عند كانط، أو في التماثل بين الفرد والمجتمع كما ينادي ماركس، ورأى أن مناقشة الحداثة والوعي بها كفكرة وموضوع يحتاج إلى ما أسماه بـ«الحداثة النفسية»، التي تمكّن الفرد من مراجعة نفسه واكتساب هويته. كما ناقش في رسالته للدكتوراه، رؤيا العالم في مسرح صلاح عبد الصبور، ومحمود دياب، راصداً البنية الدلالية وجذورها الدرامية في خمس مسرحيات شعرية لعبد الصبور، وثلاثة نصوص مسرحية لدياب، سعى فيها إلى درس وتحليل مجتمع النص ونموه درامياً من خلال علاقته بالزمان والمكان والإشارات المادية والعلامات المميزة للشخصيات، مركزاً على فكرة المخلِّص وصورته، سواء في سياقها الواقعي أو التاريخي الأسطوري، وصورة الذات ورؤيتها للعالم، وذلك في سياق الوعي الممكن والوعي الفعلي بأبعاد هذه الرؤية، ومدى تأثرها بوتيرة التحولات الاجتماعية وما يطرأ على الذاكرة والوجدان العام في المجتمع.
صدرت الأطروحتان في كتابين، الأول بعنوان «فجوة الحداثة» عن أكاديمية الفنون بالقاهرة، والآخر بعنوان «المخلص والضحية... رؤيا العالم لدى محمود دياب وصلاح عبد الصبور» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. شكل الكتابان مهاداً نظرياً قوياً من خلاله تابع محمود نسيم ثمار درسه العملي على أرض الواقع، فعمل بالثقافة الجماهيرية في مجال المسرح بلجان تحكيم وقراءة النصوص. وتابع الكثير من العروض المسرحية التي تقدم في العاصمة والأقاليم، كما شارك في بعض المهرجانات المسرحية التي تقام في عدد من الدول العربية. ولم يفارق شغفه بالمسرح عمله في مجال التدريس الجامعي، سواء بأكاديمية الفنون أو بعض كليات التربية النوعية بالجامعات.
انعكست على شعره فكرة البحث عن «الزمن النفسي» التي شكلت خلاصة دراساته العلمية، وأصبحت بمثابة سلاح للذود عن النفس، وحمايتها من أمراض العصر المزمنة كالشعور بالاكتئاب والاغتراب والنسيان، وأدرك أن الشعر المغموس في نهر الحياة هو رمانة الميزان لهذه العلاقة، وأن الخيال في جوهره ابن الضمير الغائب المتخفي الذي لا يمل من التفتيش عن هذا الزمن الخاص الهارب فيما وراء الواقع والعناصر والأشياء، أما الحاضر فهو ماثل للعيان، إلى حد الصدمة والإحساس بالغثيان في أحيان كثيرة. يعزز ذلك أن العلاقة التي اختبرها نسيم درامياً ما بين المخلص والضحية تميل غالباً إلى مناوشة المضمون المباشر في سياقه السياسي والاجتماعي العام، وقلما تلتفت إليه في سياقه النفسي الخاص، وهنا يكمن دور الشعر في استنهاض الذاكرة ضد الاستلاب والنسيان، وقبل كل شيء وضع الذات في مرآتها الخاصة لتعرف كيف ترى صورتها في مرآة الآخر.. مثلما يقول في آخر دواوينه الصادرة «لاعب الخبال»، مخاطباً نفسه بضمير الآخر المخاطب «خذ ما شئت من الدنيا/ شرفات الصيف/ موسيقى الحجرة/ أصوات صباك/ رنين خطاك على درجات السلم/ ركلة كرة تتبادلها مع صبية طرقات/ عطر امرأة يتفاوح فوق رصيف ليلي».
عاش محمود نسيم الشعر بقوة الدراما، وظل هذه المسعى بوصلة الإيقاع في معظم قصائده، منذ تفجرت محبة الشعر لديه في سن مبكرة، وطغت على ثمارها الأولى نزعة نثرية، سرعان ما غادرها منحازاً إلى قصيدة التفعيلة. مولياً عالم الرؤية الاهتمام الأكبر في بناء القصيدة، وكان يرى أن «الشعر رؤيا ابنة إرادة إنسانية جامحة وطموحة»، وأن «التجريب والمغامرة من دون ذلك، سيظلان محض خبط عشواء في الفراغ».
كنت أداعبه قائلاً: نعم، الشعر كذلك، لكنه ابن إرادة ورؤيا تسعيان إلى التغيير، وأن الثبات على نقطة أو شكل هو محض مراوحة في الظل. كان يرد بثقة العارف «لا بأس يا صديقي، غامِر وجرِّب، لكن شرط أن تأتي بالجديد المدهش المكوِّن للرؤيا والإرادة معاً»، الطريف أنه أرسل لي على ماسنجر «فيسبوك» منذ نحو شهرين نصاً طويلاً له منشوراً في صحيفة «الأهالي» بعنوان «عيوب مرئية» أردفه بعبارة قصيرة «بنجرَّب... أخبارك إيه».. لفتني العنوان، قرأت النص وتأملته ملياً، لاكتشف أن التجريب يكمن في كيفية «مسرحة» النص الشعري، وكأنه منصة عرض درامي، تتلاقح عليها الأزمنة والرموز والصور والشخوص، نص مفتوح على نفسه وعلى الحياة بمحبة الدراما والشعر في مشهدية بصرية خصبة... يقول في جزء منه بعنوان «الاختيار»:
أنا مُدرِّبُ الأداءْ
في أيّ وقتٍ من نهارٍ عابرٍ
أُعلِّمُ الفتيةَ والبنات
تدرجاتِ الصوتِ في الغِناءْ
طريقةَ النطقِ، وتقطيعَ الكلامْ
وحِرفةَ التمثيلِ، والرقصِ البدائيّ
وموسيقى الجِنازاتِ، وتشكيلَ الفراغْ
من كلِّ من يأتي إلى منصةِ العرضِ
خلال صحوةِ المساءْ
أُميزُ الهِباتْ
اُفضلُ الجسمَ الخفيف
توازنَ الخطوِ، وطاقةَ الخيالْ
في مهنتي تلك،
قضيتُ أكثرَ الحياة
من مقعدٍ في ركنِ مسرحٍ
يُحيطُه وميضٌ من ظلالْ
أُتابعُ الإلقاءَ والعزفَ
ولُعبةَ المُحاكاةِ، وإيهامَ الحضور
أشرحُ من زاويتي
كيف يُجيدُ الراقصُ الخطوَ على الإيقاع
كيف يُتقنُ الممثلُ الإيحاءَ بالمشاعرِ النشوى
بلمحةٍ من السكونْ
وكيف يُوحي بالغموضْ
وكيف يلتقي الفضاءُ بالطيور
وتعرفُ الريحُ اللقاحْ
أفيضُ غائماً
كأنني أُجدِّدُ الوجود.
ترجم محمود نسيم هذه العلاقة بين الشعر والمسرح بشكل حي عبر بعض النصوص المسرحية التي كتبها، كان من أبرزها مسرحية «مرعى الغزلان»، حيث يدور الصراع في غلالة ثورية بين مجموعة من الرفاق، يحلمون بالتغيير وبغد أفضل لكنه يصاب بالعطب، تحت حمى التواطؤات العاطفية بنكهتها الأنثوية الطافرة، ويتحول في الختام إلى موال تراجيدي بين البطل والبطلة، وكأنه مرثية لذات فقدت القدرة على الفعل والحب أيضاً... عرضت المسرحية على مسرح الهناجر، وحققت نجاحاً لافتاً، وطبعت في الهيئة العامة للكتاب 1988، ونالت الجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة بمصر 1986.
في خضم كل هذا، كان لمحمود نسيم حضوره الخاص في الأنشطة والمنتديات الأدبية، فشارك في إصدار مجلة «كتابات» مع الشاعر رفعت سلام، والشاعر شعبان يوسف، ثم انضم إلى جماعة «إضاءة الشعرية»، وشارك في العدد الثامن من مجلتها «إضاءة 77»، فكان إضافة حقيقية لتجربتها.
ترجمت مختارات من شعره إلى الإنجليزية، وحصل على جائزة سعاد الصباح عن ديوانه «عرس الرماد»، 1991، وفاز بجائزة أفضل سيناريو كبار الكتاب لعام 2016 عن سيناريو «رجل الحكايات» ضمن جوائز مؤسسة ساويرس الثقافية... ومن أبرز أعماله الشعرية، «السماء وقوس البحر» 1984، و«كتابة الظل» 1995، و«لاعب الخيال» 2020.
ونعت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، الشاعر الراحل في بيان صحافي جاء فيه «إن الراحل أحد أجمل الوجوه الشعرية لجيل السبعينات»، مشيرة إلى أسلوبه المتفرد في معالجة العديد من الموضوعات التي تناولها.
لقد عاش محمود نسيم شهوة الفرح بالحياة بقلب طفل شاعر، وبصيرة صانع مشهد مسرحي يردد دائماً «الحياة تتكرر كل صباح عليك أن تكتبها بحب».



«روائع الأوركسترا السعودية» تصدح في روما

قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصدح في روما

قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)

شهدت ساحة «فينوس» الأثرية في «الكولوسيوم» بروما، فصلاً جديداً من فصول التبادل الثقافي بين السعودية وإيطاليا، بإقامة حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، وسط حضور لافت ومشاركة فنية عالمية تقدمها الفنان الشهير آندريا بوتشيلي.

في الحفل، تعانق الإبداع السعودي والخبرة الإيطالية، في عرض موسيقي مشترك بقيادة المايسترو العالمي مارشيلو روتا. وجمع المسرح 32 موسيقياً من «الأوركسترا والكورال الوطني السعودي»، إلى جانب 30 عازفاً من «أوركسترا فونتان دي روما»، لتقديم مزيج من الألحان الوطنية والتوزيعات الأوركسترالية العالمية.

وقدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفولكلور السعودي، شملت «عرضة وادي الدواسر» بجمالياتها الحركية وتفاصيلها التاريخية.

وعدّ باول باسيفيكو، الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الموسيقى»، حفل روما، «محطة استثنائية» في مسيرة الموسيقى السعودية.


«علكة ممضوغة» تساعد في إدانة مغتصب متسلسل ارتكب جرائمه منذ 40 عاماً

سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
TT

«علكة ممضوغة» تساعد في إدانة مغتصب متسلسل ارتكب جرائمه منذ 40 عاماً

سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)

وقفت سوزان لوغوثيتي وزميلتان لها أمام منزل أصفر في مدينة إيفريت بولاية واشنطن الأميركية، يرتدين قمصاناً ويحملن منشورات ترويجية لشركة علكة.

تذكرت لوغوثيتي هذا الموقف الذي حدث في يناير (كانون الثاني) 2024، حين فتح ميتشيل غاف الباب، ورحب بالثلاثة في منزله، ووافق على تجربة أنواع مختلفة من العلكة، متذوقاً إياها بحماس.

وأضافت لوغوثيتي أنه عندما حان دور تجربة نكهة جديدة، قدّمت زميلة لغاف طبقاً صغيراً.

وقالت لشبكة «سي إن إن» الأميركية: «أتذكر أنني رأيته يبصق أول قطعة علكة في الطبق، ورأيت لعابه، وكدتُ أن أفقد صوابي من فرط الحماس».

وحسب إفادة خطية قُدّمت في مارس (آذار) الماضي، قدّم غاف، دون علمه، الحمض النووي لثلاثة محققين متخفين، وهو الحمض النووي الذي احتاجوه لتأكيد صلته بجريمة اغتصاب وقتل وقعت عام 1984. وقد ذُكرت «حيلة العلكة» في الإفادة.

وأقرّ غاف، البالغ من العمر 68 عاماً، والمدان بالاغتصاب، في 16 أبريل (نيسان)، بقتل جودي ويفر، وكذلك سوزان فيسي قبلها بأربع سنوات، وفقاً لوثائق المحكمة. ويواجه عقوبة السجن المؤبد في جلسة النطق بالحكم المقررة يوم الأربعاء.

أبواب عشوائية

وأسفرت التحقيقات في جريمتي قتل المرأتين في ولاية واشنطن عامي 1980 و1984 - واللتين كانتا تُعتبران آنذاك غير مرتبطتين - عن تحديد مشتبه بهم في كلتا القضيتين، لكن لم تُرفع أي دعاوى قضائية.

وبعد أربعة عقود من مقتل ويفر، وجد علماء الطب الشرعي أن الحمض النووي المستخرج من العلكة يتطابق مع الأدلة التي عُثر عليها على جثتها، بحسب وثائق المحكمة. وشكّل هذا الاكتشاف، والصلة النهائية بين جريمتي القتل، اختراقاً في التحقيقات وأظهر مدى أهمية تقنية الحمض النووي الحديثة في حل القضايا القديمة.

إضافةً إلى ذلك، ساهم تحديد هوية القاتل في تخفيف معاناة العائلات التي عاشت طويلاً تحت وطأة الشكوك، وخفف من معاناة امرأة هاجمها غاف قبل وقوع جرائم القتل.

ولكي يُطوى ملف قضيتي ويفر وفيسي نهائياً، «كان لا بدّ من أن يواكب العلم هذه التطورات»، كما قالت لوغوثيتي.

وكانت فيسي تبلغ من العمر 21 عاماً، متزوجة وأم لطفلين، كلاهما دون السنتين، عندما قُتلت في يوليو (تموز) 1980. واعترف غاف بأنه كان «يجرب أبواباً عشوائية، فوجد باب شقة الضحية مفتوحاً»، فقام بتقييدها وضربها واغتصابها وخنقها. وبعد أربع سنوات، هاجم غاف ويفر، وهي أم تبلغ من العمر 42 عاماً، في غرفة نومها، ثم أشعل فيها النار في محاولة واضحة لإخفاء الأدلة.

وأوضح غاف في إفادته أنه لم يكن يعرف أياً من المرأتين قبل الهجومين. وامتنع محامي الدفاع عنه عن التعليق.

الشخص الثالث المجهول

وأفادت وثائق المحكمة بأن ظهور تقنية تحليل الحمض النووي دفع جهات إنفاذ القانون في نهاية المطاف إلى إعادة فتح قضية مقتل ويفر عام 2020.

وفي قضية ويفر، احتوى أحد الأربطة التي عُثر عليها حول جسدها على كمية كبيرة من الحمض النووي الخاص بها، وبعض الحمض النووي من صديق لها، وكمية أقل بكثير من شخص ثالث مجهول.

وبإدخال بصمة الحمض النووي للشخص المجهول في نظام فهرسة الحمض النووي الموحد، وهو قاعدة بيانات وطنية لملفات المجرمين المدانين في جميع أنحاء البلاد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وُجد تطابق مع حمض غاف النووي.

وكان غاف مُسجلاً في قاعدة البيانات لارتكابه جرائم اغتصاب عنيفة لشقيقتين مراهقتين في منزلهما في إيفريت، بعد أقل من ثلاثة أشهر من مقتل ويفر.

وبمجرد التوصل إلى التطابق، احتاج المحققون إلى عينة حمض نووي أخرى لتأكيده. حينها، ابتكر أحد الضباط حيلة العلكة، «التي بدت لي غريبة بعض الشيء حينها»، كما اعترفت لوغوثيتي.

وذكرت وثائق المحكمة أن الحمض النووي المستخلص من علكة غاف كان مطابقاً للحمض النووي في قضية ويفر.

وربطت لوغوثيتي بين قضيتي ويفر وفيسي بسبب «تشابهات مذهلة» بين كيفية تنفيذ القضيتين. وبمراجعة أدلة من مسرح جريمة قتل فيسي، أكدت قطعة من حبل أبيض وُجد حول جثتها وجود الحمض النووي لغاف.


«فتنة غذائية» في مصر تخلخل «ثوابت»

«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
TT

«فتنة غذائية» في مصر تخلخل «ثوابت»

«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)

كل يوم، أثناء إعدادها لوجبة الإفطار لابنتها ذات الثلاثة أعوام، تتوقف سارة سمير (34 عاماً) لتسأل نفسها: هل من المفيد أن تقدم لصغيرتها البيض والحليب مثل المعتاد باعتبارهما مصدرَيْن للكالسيوم والبروتين اللازمين لبناء الجسم، أم أنها تضر بابنتها وتسبب لها الانتفاخات ووجع المعدة وهي لا تدري.

قبل بضعة أسابيع لم تكن الأم الثلاثينية تقع في هذه الحيرة، حتى تصاعد الجدل حول «نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل عقب وفاة الطبيب المصري الممنوع من مزاولة المهنة من قِبَل نقابة الأطباء، ضياء العوضي.

وتقول سارة التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة) لـ«الشرق الأوسط» إنها لم تقتنع بهذا النظام أو تتبعه بشكل كامل، لكنها أصبحت أخيراً تنفر من الدجاج والبيض، وكلما شربت الحليب أو أي مشروب مصنوع منه شعرت بألم في المعدة، ما يجعلها تتساءل عما إذا كان ما زعمه العوضي فيه شيء من الصحة.

عكسها، تؤمن هاجر محمد (30 عاماً)، أم لطفلين تسكن في مدينة طنطا بدلتا النيل، بصحة نصائح العوضي، فلم تكتفِ باتباعه منذ أسبوعين، بل بدأت في التوقف عن تقديم البيض والحليب لطفليها، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «شعرت بتحسن كبير من انتفاخات القولون بعد أيام فقط من اتباع (نظام الطيبات)، وترددت في تطبيقه على أطفالي؛ لكن حسمت أمري، لأن الكالسيوم يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى مثل السمسم، بدلاً من تعريضهم للهرمونات من البيض والألبان».

مصريون يهجرون الدواء لصالح «نظام الطيبات» رغم التحذيرات (وزارة الصحة المصرية)

ويقوم النظام المثير للجدل الذي روجّه العوضي قبل وفاته على منع قائمة طويلة من الأطعمة، مثل البيض والألبان ومشتقاتها والدواجن والأسماك (عدا أنواع معينة)، والخبز أو أي مخبوزات بالدقيق الأبيض. وفي المقابل يسمح بالسكريات واللحوم الحمراء والبطاطس. ويزعم العوضي أن نظامه «قادر على شفاء جميع الأمراض»، وكان يحثّ المرضى على «التوقف عن تناول الأدوية والسماح للجسم بمعالجة نفسه ذاتياً».

وكانت نقابة الأطباء المصرية شطبت العوضي من جداولها في فبراير (شباط) الماضي، بعد إحالته للجنة تأديبية على خلفية ما ذكرته بـ«قيامه بنشر معلومات علاجية مضللة قد تعرّض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، من بينها دعوة مرضى السكري إلى التوقف عن استخدام الأنسولين، بالمخالفة للأسس العلمية المعتمدة».

وقبل 3 سنوات، فصلت جامعة عين شمس العوضي، بسبب «ترويجه لأفكاره الداعية لوقف الأدوية وتشكيكه في البروتوكولات العلاجية، والاستعاضة عن ذلك بنظامه»، الذي لم يلتفت إليه كثيرون إلا عقب رحيله، مما تسبب فيما أسماه نقيب الأطباء في مصر، الدكتور أسامة عبد الحي، بـ«فتنة الطب والدواء»، التي يشعر بالأسف لها، متوقعاً أن تحصي «ضحايا لحين إدراك متبعيها زيفها»، مؤكداً أن «الأنظمة الغذائية مكملة للمنظومة الطبية والدوائية وليست بديلاً عنها».

سوق شعبية في منطقة العمرانية بالجيزة (الشرق الأوسط)

وأضاف عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن «ظهور دعوات للامتناع عن الأدوية كارثة، والنظام الغذائي يساعد، لا يُعالج»، موضحاً أنه «لا يوجد نظام غذائي واحد يُتبع مع جميع المرضى، فما يتبعه مرضى القلب من نظام يختلف عمّا يتبعه مرضى السكري»، لافتاً إلى أن «النقابة ستحاسب كل من يتبنى هذه الأفكار، وستبدأ حملة توعوية عبر منصات التواصل الاجتماعي لشرح كيف تعمل المنظومة الطبية وتفاعل جسم الإنسان معها».

طبيب التغذية الدكتور أشرف المصري عبَّر عن صدمته من «اتباع متعلمين وأشخاص في مراكز مجتمعية وثقافية كبيرة لـ(نظام الطيبات)»، ويقول إنه «أصبح يكتسب مُريدين وليس مجرد أتباع نظام غذائي»، مشيراً إلى أن «أحد الأشخاص كان يتابع معه في عيادته مشكلته من السمنة، ورغم تحقيقه نتائج إيجابية عبر نظام علاجي وضعته له؛ فإنه اتبع مؤخراً (نظام الطيبات)».

حملة توعوية لوزارة الصحة المصرية بالمنظومة الغذائية المناسبة بعد انتشار «نظام الطيبات» (وزارة الصحة)

ويوضح المصري لـ«الشرق الأوسط» أنه «ليس كل ما في (الطيبات) خطأ، بل اعتمد على تجزئة المعلومات، واتباع المنع بوصفه أسلوباً معمماً، فمثلاً الألبان من الجاموس والأبقار لا ننصح بها، بصفتنا أطباء تغذية، لما قد يسببه اللاكتوز من مشاكل في المعدة، لكن في المقابل يُسمح بالزبادي الذي يريح المعدة لتخميره، والبيض قد يكون مضراً لو لم يكن مطهياً جيداً»، متعجباً من تصديق البعض أن السكريات مفيدة.

وتبنت وزارة الصحة مؤخراً حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي للتوعية بأهمية تناول البيض واللحوم البيضاء والخضراوات والألبان. وعكست هذه الحملة اتساع «فتنة الطعام» في مصر، إذ تحظى بآلاف التعليقات الرافضة لما تقدمه الوزارة والممجدة لـ«الطيبات».

من داخل أحد المستشفيات المصرية في مارس الماضي (وزارة الصحة المصرية)

وفسر أستاذ الباطنة وأمراض الكلى في بريطانيا، محمد منصور، انتشار «الطيبات» بـ«تخوف البعض من الأطباء والحديث عن صلة بعضهم بشركات الأدوية».

كما حذر طبيب القلب هاني مهنى من أن «مريض القلب لو أوقف دواء السيولة فسيتعرض لانسداد في الدعامة ثم جلطة في القلب ووفاة».

وتوفيت صيدلانية من مرضى «الذئبة الحمراء» بعد توقفها عن تناول الأدوية واتباعها «نظام الطيبات»، وفق زوجها الطبيب محمود البريدي، الذي حذر منه عبر منصات التواصل.

وضربت «فتنة الغذاء» الثوابت بما في ذلك حاجة الجسم إلى شرب من 2 إلى 3 لترات مياه يومياً، إذ دعا العوضي إلى «عدم شرب المياه إلا عند العطش وبكميات قليلة». وحذر أشرف المصري من أن «ذلك يؤدي إلى مشكلات في الكلى على المدى البعيد وضعف في التركيز وجفاف على المدى القصير».

وتعجبت إيمان حافظ (53 عاماً)، التي تسكن في منطقة دار السلام بالقاهرة، من تصديق ابنتها الوسطى لـ«نظام الطيبات» والتوقف عن تناول معظم الأطعمة والاكتفاء بالبطاطس، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت أن أعيدها إلى رشدها؛ لكنها تمسكت به أكثر مثل عادتها في اتباع التقاليع الجديدة وغير المألوفة».