محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

صاحب «عرس الرماد» يرحل بعد صراع مع «كورونا»

محمود نسيم
محمود نسيم
TT

محمود نسيم... أحب الشعر وعاشه بروح الدراما

محمود نسيم
محمود نسيم

عمر في محبة الشعر والدراما عاشه الشاعر محمود نسيم وأخلص له على مدار 66 عاماً، لكن في زمن الوباء لم يكن في حسبانه أن تتحول هذه المحبة بمفارقاتها الشفيفة إلى صراع مرير بين الوجود والعدم، ليرحل عن عالمنا مساء الأربعاء الماضي متأثراً بفيروس كورونا.
ولد محمود نسيم في 3 مارس (آذار) 1955 بالقاهرة، وأحب الشعر وعاشه بروح الدراما، التي كرّس لها حياته العلمية. فبعد دراسته للفلسفة بجامعة عين شمس 1980، شكل المسرح بعوالمه الإنسانية حقل دراساته لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه، فناقش مفهوم الحداثة بأنساقها المتنوعة من خلال الطبيعة والكون والمعرفة وتأثيرها في تشكيل العقل الحديث، ودورها في دفع الحياة الخاصة والعامة للإنسان والمجتمع، وذلك من خلال تجلياتها في شتى أنماط الحياة، السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واضعاً كل ذلك في حالة من المقارنة والتجاور بين واقعها عربياً، وبين ما وصلت إليه في المجتمعات الغربية.
ومن مناطق الالتفات المهمة التي وصل إليها في هذا السياق وشكّلت خلاصة بحثه، أن الحداثة لا ترتبط بالعقل فحسب، كمعيار للاتزان بين الذات والموضوع كما نجد عند كانط، أو في التماثل بين الفرد والمجتمع كما ينادي ماركس، ورأى أن مناقشة الحداثة والوعي بها كفكرة وموضوع يحتاج إلى ما أسماه بـ«الحداثة النفسية»، التي تمكّن الفرد من مراجعة نفسه واكتساب هويته. كما ناقش في رسالته للدكتوراه، رؤيا العالم في مسرح صلاح عبد الصبور، ومحمود دياب، راصداً البنية الدلالية وجذورها الدرامية في خمس مسرحيات شعرية لعبد الصبور، وثلاثة نصوص مسرحية لدياب، سعى فيها إلى درس وتحليل مجتمع النص ونموه درامياً من خلال علاقته بالزمان والمكان والإشارات المادية والعلامات المميزة للشخصيات، مركزاً على فكرة المخلِّص وصورته، سواء في سياقها الواقعي أو التاريخي الأسطوري، وصورة الذات ورؤيتها للعالم، وذلك في سياق الوعي الممكن والوعي الفعلي بأبعاد هذه الرؤية، ومدى تأثرها بوتيرة التحولات الاجتماعية وما يطرأ على الذاكرة والوجدان العام في المجتمع.
صدرت الأطروحتان في كتابين، الأول بعنوان «فجوة الحداثة» عن أكاديمية الفنون بالقاهرة، والآخر بعنوان «المخلص والضحية... رؤيا العالم لدى محمود دياب وصلاح عبد الصبور» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. شكل الكتابان مهاداً نظرياً قوياً من خلاله تابع محمود نسيم ثمار درسه العملي على أرض الواقع، فعمل بالثقافة الجماهيرية في مجال المسرح بلجان تحكيم وقراءة النصوص. وتابع الكثير من العروض المسرحية التي تقدم في العاصمة والأقاليم، كما شارك في بعض المهرجانات المسرحية التي تقام في عدد من الدول العربية. ولم يفارق شغفه بالمسرح عمله في مجال التدريس الجامعي، سواء بأكاديمية الفنون أو بعض كليات التربية النوعية بالجامعات.
انعكست على شعره فكرة البحث عن «الزمن النفسي» التي شكلت خلاصة دراساته العلمية، وأصبحت بمثابة سلاح للذود عن النفس، وحمايتها من أمراض العصر المزمنة كالشعور بالاكتئاب والاغتراب والنسيان، وأدرك أن الشعر المغموس في نهر الحياة هو رمانة الميزان لهذه العلاقة، وأن الخيال في جوهره ابن الضمير الغائب المتخفي الذي لا يمل من التفتيش عن هذا الزمن الخاص الهارب فيما وراء الواقع والعناصر والأشياء، أما الحاضر فهو ماثل للعيان، إلى حد الصدمة والإحساس بالغثيان في أحيان كثيرة. يعزز ذلك أن العلاقة التي اختبرها نسيم درامياً ما بين المخلص والضحية تميل غالباً إلى مناوشة المضمون المباشر في سياقه السياسي والاجتماعي العام، وقلما تلتفت إليه في سياقه النفسي الخاص، وهنا يكمن دور الشعر في استنهاض الذاكرة ضد الاستلاب والنسيان، وقبل كل شيء وضع الذات في مرآتها الخاصة لتعرف كيف ترى صورتها في مرآة الآخر.. مثلما يقول في آخر دواوينه الصادرة «لاعب الخبال»، مخاطباً نفسه بضمير الآخر المخاطب «خذ ما شئت من الدنيا/ شرفات الصيف/ موسيقى الحجرة/ أصوات صباك/ رنين خطاك على درجات السلم/ ركلة كرة تتبادلها مع صبية طرقات/ عطر امرأة يتفاوح فوق رصيف ليلي».
عاش محمود نسيم الشعر بقوة الدراما، وظل هذه المسعى بوصلة الإيقاع في معظم قصائده، منذ تفجرت محبة الشعر لديه في سن مبكرة، وطغت على ثمارها الأولى نزعة نثرية، سرعان ما غادرها منحازاً إلى قصيدة التفعيلة. مولياً عالم الرؤية الاهتمام الأكبر في بناء القصيدة، وكان يرى أن «الشعر رؤيا ابنة إرادة إنسانية جامحة وطموحة»، وأن «التجريب والمغامرة من دون ذلك، سيظلان محض خبط عشواء في الفراغ».
كنت أداعبه قائلاً: نعم، الشعر كذلك، لكنه ابن إرادة ورؤيا تسعيان إلى التغيير، وأن الثبات على نقطة أو شكل هو محض مراوحة في الظل. كان يرد بثقة العارف «لا بأس يا صديقي، غامِر وجرِّب، لكن شرط أن تأتي بالجديد المدهش المكوِّن للرؤيا والإرادة معاً»، الطريف أنه أرسل لي على ماسنجر «فيسبوك» منذ نحو شهرين نصاً طويلاً له منشوراً في صحيفة «الأهالي» بعنوان «عيوب مرئية» أردفه بعبارة قصيرة «بنجرَّب... أخبارك إيه».. لفتني العنوان، قرأت النص وتأملته ملياً، لاكتشف أن التجريب يكمن في كيفية «مسرحة» النص الشعري، وكأنه منصة عرض درامي، تتلاقح عليها الأزمنة والرموز والصور والشخوص، نص مفتوح على نفسه وعلى الحياة بمحبة الدراما والشعر في مشهدية بصرية خصبة... يقول في جزء منه بعنوان «الاختيار»:
أنا مُدرِّبُ الأداءْ
في أيّ وقتٍ من نهارٍ عابرٍ
أُعلِّمُ الفتيةَ والبنات
تدرجاتِ الصوتِ في الغِناءْ
طريقةَ النطقِ، وتقطيعَ الكلامْ
وحِرفةَ التمثيلِ، والرقصِ البدائيّ
وموسيقى الجِنازاتِ، وتشكيلَ الفراغْ
من كلِّ من يأتي إلى منصةِ العرضِ
خلال صحوةِ المساءْ
أُميزُ الهِباتْ
اُفضلُ الجسمَ الخفيف
توازنَ الخطوِ، وطاقةَ الخيالْ
في مهنتي تلك،
قضيتُ أكثرَ الحياة
من مقعدٍ في ركنِ مسرحٍ
يُحيطُه وميضٌ من ظلالْ
أُتابعُ الإلقاءَ والعزفَ
ولُعبةَ المُحاكاةِ، وإيهامَ الحضور
أشرحُ من زاويتي
كيف يُجيدُ الراقصُ الخطوَ على الإيقاع
كيف يُتقنُ الممثلُ الإيحاءَ بالمشاعرِ النشوى
بلمحةٍ من السكونْ
وكيف يُوحي بالغموضْ
وكيف يلتقي الفضاءُ بالطيور
وتعرفُ الريحُ اللقاحْ
أفيضُ غائماً
كأنني أُجدِّدُ الوجود.
ترجم محمود نسيم هذه العلاقة بين الشعر والمسرح بشكل حي عبر بعض النصوص المسرحية التي كتبها، كان من أبرزها مسرحية «مرعى الغزلان»، حيث يدور الصراع في غلالة ثورية بين مجموعة من الرفاق، يحلمون بالتغيير وبغد أفضل لكنه يصاب بالعطب، تحت حمى التواطؤات العاطفية بنكهتها الأنثوية الطافرة، ويتحول في الختام إلى موال تراجيدي بين البطل والبطلة، وكأنه مرثية لذات فقدت القدرة على الفعل والحب أيضاً... عرضت المسرحية على مسرح الهناجر، وحققت نجاحاً لافتاً، وطبعت في الهيئة العامة للكتاب 1988، ونالت الجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة بمصر 1986.
في خضم كل هذا، كان لمحمود نسيم حضوره الخاص في الأنشطة والمنتديات الأدبية، فشارك في إصدار مجلة «كتابات» مع الشاعر رفعت سلام، والشاعر شعبان يوسف، ثم انضم إلى جماعة «إضاءة الشعرية»، وشارك في العدد الثامن من مجلتها «إضاءة 77»، فكان إضافة حقيقية لتجربتها.
ترجمت مختارات من شعره إلى الإنجليزية، وحصل على جائزة سعاد الصباح عن ديوانه «عرس الرماد»، 1991، وفاز بجائزة أفضل سيناريو كبار الكتاب لعام 2016 عن سيناريو «رجل الحكايات» ضمن جوائز مؤسسة ساويرس الثقافية... ومن أبرز أعماله الشعرية، «السماء وقوس البحر» 1984، و«كتابة الظل» 1995، و«لاعب الخيال» 2020.
ونعت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة، الشاعر الراحل في بيان صحافي جاء فيه «إن الراحل أحد أجمل الوجوه الشعرية لجيل السبعينات»، مشيرة إلى أسلوبه المتفرد في معالجة العديد من الموضوعات التي تناولها.
لقد عاش محمود نسيم شهوة الفرح بالحياة بقلب طفل شاعر، وبصيرة صانع مشهد مسرحي يردد دائماً «الحياة تتكرر كل صباح عليك أن تكتبها بحب».



«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
TT

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

أعادت مشاهد غناء أطفال كوريين أغنية «فيها حاجة حلوة» باللغة العربية، واستحضار رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أسماء رموز فنية مصرية، خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى البلدين، النقاش حول دور «القوة الناعمة» المصرية في تعزيز علاقات مصر بالدول الآسيوية، ومدى قدرتها على استثمار رصيدها الثقافي والتاريخي وتطوير أدوات حضورها الثقافي المعاصر.

وفي العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم، وذلك خلال مراسم الاستقبال الرسمية التي أُقيمت في القصر الرئاسي الكوري، الخميس الماضي، بحضور الرئيس الكوري لي جاي ميونغ.

وقدّم الأطفال الأغنية باللهجة المصرية، في مشهد تفاعل معه الرئيس السيسي بالتصفيق، كما صافح عدداً منهم. وجاءت الفقرة الغنائية ضمن مراسم استقبال رسمية شملت عزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، قبل انطلاق مباحثات تناولت سبل تعزيز التعاون بين البلدين.

وفي ماليزيا، اتخذ حضور القوة الناعمة المصرية صورة مختلفة خلال زيارة السيسي، التي تضمنت لقاءات مع الملك السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، السبت، إذ استحضر الأخير رموزاً مصرية خلال حديثه عن معرفة الماليزيين بمصر وتاريخها، من توت عنخ آمون والفراعنة، وجمال عبد الناصر إلى أم كلثوم، قبل أن يمازح ضيفه بالإشارة إلى الفنانة سامية جمال.

وأعادت الإشارة إلى سامية جمال، التي رحلت عام 1994، التذكير بعصر ازدهار السينما المصرية، حين تجاوزت شهرة نجومها حدود العالم العربي، ومن بينهم سامية جمال، التي جمعت بين التمثيل والرقص والاستعراض، وشاركت في أعمال سينمائية عالمية، وقدمت عروضاً خارج مصر.

وامتدت الجولة إلى إندونيسيا؛ حيث وصل السيسي إلى جاكرتا، السبت، في زيارة رسمية تضمنت لقاءً مع الرئيس برابوو سوبيانتو في قصر «ميرديكا» الرئاسي، ومباحثات بشأن تعزيز الشراكة بين البلدين. وتكتسب المحطة الإندونيسية خصوصية ثقافية، بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والدور الذي لعبه الأزهر الشريف في التواصل مع المجتمع الإندونيسي على مدى عقود.

ويرى الكاتب والناقد المصري سيد محمود أن «الوعي بأهمية الدبلوماسية الثقافية، أو ما يُعرف بالقوة الناعمة، أصبح ركيزة أساسية في العلاقات الدولية»، مشيراً إلى أن مصر امتلكت أدوات لتعزيز مكانتها الثقافية منذ العصر الملكي، قبل أن يستثمر فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن «القوة الناعمة» أو «القوة الذكية» لا ينفصل عن الثقافة والفنون، بل يمتد كذلك إلى المؤسسات الدينية والتعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي «ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما من أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية»، لافتاً إلى ارتفاع أعداد الطلاب الوافدين من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا لدراسة العلوم الشرعية في مصر.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث الثقافي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف أن «المشاهد التي صاحبت الجولة الآسيوية تكشف عن قدرة الفنون على صناعة حضور لمصر في وجدان شعوب بعيدة»، عادّاً أن «غناء الأطفال الكوريين واستدعاء رئيس الوزراء الماليزي أسماء، مثل أم كلثوم وسامية جمال، يعكسان تأثيراً ثقافياً تراكم عبر عقود».

وذكر الشريف لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات المصرية الآسيوية اكتسبت زخماً خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، خصوصاً مع مؤتمر «باندونغ» عام 1955، بالتوازي مع انتشار السينما والأغنية المصرية، وأسماء مثل إسماعيل ياسين وأم كلثوم، ما جعل الثقافة جزءاً من معرفة هذه الشعوب بمصر، إلى جانب حضورها السياسي والحضاري.

ويرى أن «التحرك المصري نحو آسيا اليوم يتيح فرصة لتعزيز العلاقات القائمة، واستثمار الرصيد الثقافي عبر الترجمة والسينما والموسيقى والتبادل الثقافي، بما يسمح بتقديم مصر المعاصرة إلى جانب تاريخها الطويل».

ويستشهد الناقد المصري سيد محمود بما رصده خلال تجوله المتكرر في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، من «تزايد ملحوظ في أعداد الطلاب القادمين من إندونيسيا وماليزيا وجنوب شرق آسيا خلال السنوات العشر الأخيرة»، لكنه يتساءل عن «مدى انخراط هؤلاء الطلاب في المجتمع المصري، وتعرّفهم إلى ثقافته المعاصرة خارج نطاق دراستهم الدينية وتجمعاتهم الخاصة».

ويلفت محمود إلى أن المشكلة تكمن في «وقوفنا عند الماضي، وعدم قدرتنا على تجديد حضورنا الثقافي»، مشدداً على أن «الدبلوماسية الثقافية عمل في الاتجاهين، وليس في اتجاه واحد»، ومنتقداً الاكتفاء بالتأثير في الآخرين من دون اهتمام مماثل بالتعرف إلى ثقافاتهم.

ويؤكد أن تطوير «القوة الناعمة» المصرية يتطلب تجاوز الحنين إلى الماضي، وبناء علاقات ثقافية تقوم على المعرفة المتبادلة والانفتاح، بما يُعزز قدرة مصر على التأثير الثقافي خارج حدودها.


«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
TT

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)

في وقت يتزايد فيه الاهتمام البريطاني «بنسيج بايو» الشهير، تسعى بلدة «هايهام فيريرز» الصغيرة، في مقاطعة نورثهامبتونشير بوسط إنجلترا، إلى جذب الأنظار نحو تحفتها الفنية الخاصة، التي توثق تاريخها ومعالمها المعمارية بخيوط التطريز وقطع القماش، حسب «بي بي سي» البريطانية..

ويحمل العمل اسم «مابستري» (Mapestry)، ويبلغ طوله 1.5 متر، وقد صُنع من مواد معاد تدويرها، بمبادرة من فاي كاديك، معلمة الفنون المتقاعدة، وبمشاركة مجموعة من صديقاتها يُطلقن على أنفسهن اسم «فتيات المواد» (The Material Girls). واستغرق إنجازه ثلاث سنوات، بدأت عام 2009.

وتقول ليز بارنات، رئيسة الشراكة السياحية والمجتمعية في البلدة، إن العمل يمثل وسيلة مبتكرة للتعريف بتاريخ هايهام فيريرز، مضيفة: «قلنا للجميع: هذا هو نسيج بايو الخاص بنا. إنها طريقة رائعة للترويج لبلدتنا وإبراز كيفية إنتاج هذا العمل».

وتوضح بارنات أن القائمين على الترويج السياحي تحركوا سريعاً بعدما علموا بأن نسيج بايو سيُعرض في لندن، أملاً في الاستفادة من الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل التاريخي.

ويستعرض «مابستري» عدداً من أبرز معالم البلدة، من بينها كنيسة سانت ماري، ودار بيد، وساحة السوق، و«بيلجيوم هاوس»، وكلية تشيتشيلي، وحانة غريفين، في لوحة تجمع بين الحرف اليدوية والذاكرة المحلية.

وجاءت فكرة العمل من أمينة المكتبة لين كيرنوت، قبل أن تتولى كاديك تصميمه وتحديد تفاصيله وتوزيع عناصره. وعُرض للمرة الأولى في مكتبة البلدة، ثم نُقل إلى مدرسة هنري تشيتشيلي الابتدائية، حيث تعرض للتآكل بفعل الاستخدام والعوامل الجوية، ما دفع مجلس البلدة إلى استعادته.

وأشرفت كاديك على ترميمه في عملية استغرقت ستة أشهر، قبل نقله إلى كنيسة هوب الميثودية، التي وفرت مساحةً مناسبةً لعرضه في بهو المدخل. ووُضع العمل داخل إطار، وكُشف عنه للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقال متحدث باسم مجلس البلدة إن «مابستري» يحتفي بتاريخ هايهام فيريرز عبر الأقمشة والخيوط والتطريز، مشيراً إلى أن إنجاز هذه التحفة الفنية تطلب سنوات من العمل وآلاف الغرز.

وهكذا، تقدم البلدة روايتها الخاصة للتاريخ، لا عبر الكلمات وحدها، بل من خلال نسيج فني يحول معالمها القديمة إلى حكاية تنبض بالألوان والخيوط.


ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
TT

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)

كشفت دراسة أميركية أن ركوب الخيل ضمن برامج علاجية منظَّمة قد يساعد في تخفيف فرط النشاط وتحسين السلوك وتنظيم المشاعر لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحُّد، خصوصاً الذين يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة.

وأوضح الباحثون من جامعة كولورادو أنشوتز أن النتائج تفتح المجال أمام الاستفادة من الأنشطة المرتبطة بالخيول بوصفها وسيلة داعمة للعلاجات التقليدية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية (Pediatrics).

واضطراب طيف التوحُّد هو اضطراب في النمو العصبي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد يصاحبه تكرار بعض السلوكيات ومحدودية الاهتمامات، إلى جانب اختلافات في الاستجابة للمؤثرات الحسية، مثل الأصوات والضوء واللمس. وتظهر علاماته عادة خلال السنوات الأولى من الطفولة، وتختلف أعراضه وشدتها من شخص لآخر. ورغم عدم وجود علاج نهائي للتوحُّد، فإن التدخل المبكر والبرامج التعليمية والسلوكية والعلاجات الداعمة قد تساعد الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي وتحسين جودة حياتهم.

وهدفت الدراسة إلى التحقق من نتائج أبحاث سابقة أظهرت فوائد لبرامج ركوب الخيل العلاجي، استمرت بين 8 و10 أسابيع، لدى الأطفال المصابين بالتوحد، إلى جانب معرفة ما إذا كانت الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول تحقق فوائد مماثلة دون الحاجة إلى ركوبها أو التفاعل المباشر معها.

وشملت الدراسة أطفالاً مصابين بالتوحد واضطرابات نفسية مصاحبة، قُسموا إلى 3 مجموعات؛ شاركت الأولى في جلسات ركوب الخيل، بينما مارست الثانية أنشطة تعليمية داخل مركز للفروسية باستخدام حصان محشو بالحجم الطبيعي، دون احتكاك مباشر بالخيول، في حين وُضعت المجموعة الثالثة على قائمة انتظار للمقارنة.

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات ركوب الخيل حققوا تحسناً أكبر بشكل ملحوظ في أعراض فرط النشاط، مقارنة بالمجموعتين الأخريين.

فوائد سلوكية

كما سجل المشاركون في مجموعتي ركوب الخيل والأنشطة التعليمية المرتبطة بها تحسُّناً في جوانب سلوكية وعاطفية متعددة، شملت انخفاض التهيُّج، وتحسن القدرة على تنظيم المشاعر والتفاعل الاجتماعي، مقارنة بالأطفال الذين لم يشاركوا في أي من البرنامجين.

وأشارت النتائج إلى أن الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول قد توفر فوائد سلوكية وعاطفية للأطفال الذين لا يستطيعون ركوب الخيل أو لا يشعرون بالاستعداد لذلك، حتى دون التفاعل المباشر معها، وإن كان تأثيرها في تخفيف فرط النشاط أقل من ركوب الخيل نفسه.

وقالت روبن غابرييلز، أستاذة الطب النفسي في جامعة كولورادو أنشوتز الباحثة الرئيسية للدراسة، إن تجربة ركوب الخيل تنطوي على جوانب مميزة تجعلها مفيدة بصورة خاصَّة للأطفال الذين يعانون فرط النشاط.

وأضافت، عبر موقع الجامعة، أن العلاج بمساعدة الخيول قد يمثل وسيلة فعالة لتعزيز العلاجات الحالية للأطفال المصابين بالتوحُّد وفرط النشاط، وربما يوفر بديلاً لبعض العلاجات الدوائية التقليدية التي قد تسبب آثاراً جانبية غير مرغوبة، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد دوره العلاجي.

وأوضحت غابرييلز أن الخيول تتميز باستجابتها للغة الجسد وتفاعلها مع البشر دون إصدار أحكام، مما يتيح للأطفال فرصاً لممارسة مهارات التواصل وتنظيم المشاعر في بيئة مختلفة عن العيادات التقليدية.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن ركوب الخيل سيكون مفيداً لجميع الأطفال المصابين بالتوحُّد، لكنها تقدِّم أدلة إضافية على إمكانية الاستفادة من الأنشطة المنظمة المرتبطة بالخيول ضمن نهج علاجي متكامل للتعامل مع التحديات السلوكية والعاطفية.