تجديد جهاز المناعة لإبطاء الشيخوخةhttps://aawsat.com/home/article/2791551/%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%88%D8%AE%D8%A9
في عام 2020 الماضي هيمن فيروس «كورونا» على الأخبار الصحية في جميع أنحاء العالم، وقد أدى ذلك في الواقع إلى وضع أبحاث علاج الشيخوخة في موقع أقوى، فالتقدم في العمر يعدّ إلى حد بعيد عامل الخطر الأكبر عند إصابة الشخص بهذا المرض. ويظل هذا صحيحاً؛ رغم ظهور السلالة البريطانية المتحورة من فيروس «كورونا» التي لا تستثني الشباب في سن العشرينات، وربما كذلك الأطفال، حسبما كشفت عنه دراسة أجراها باحثون بجامعة «إمبريال كوليدج» في لندن. تجديد جهاز المناعة ماذا يحدث إذا تمكن العلماء من تجديد جهاز المناعة لدى مرضى فيروس «كورونا» الأكبر سناً وجعلهم فعلياً أصغر سناً من الناحية البيولوجية؟ سيمكن حينذاك تقليل خطر موتهم بشكل كبير، إضافة إلى أن اللقاحات التي بدأ نشرها الآن ستكون المنقذ الأهم في هذا الوباء. كما أن العمل من أجل تأمين جهاز مناعي أصغر سناً من الناحية البيولوجية للأشخاص الهرمين، سيجعلنا أكثر استعداداً للجائحة التالية. يقول آندرو ستيل، مؤلف كتاب «شباب دائم: العلم الجديد للتقدم في السن دون التقدم في العمر» المنشور في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2020، إن العام الماضي أظهر لنا أن «التأثيرات على صحتنا يمكن أن تقلب حياتنا رأساً على عقب، وتحول اقتصاداتنا، وتقلب سياساتنا. لقد أظهر لنا أيضاً أن الإجابة النهائية عن التحديات في مجال الصحة هي التطور في ميدان العلم مع تطوير اللقاحات في وقت قياسي. وإذا تمكنا من جعل عام 2021 هو العام الذي اخترنا فيه متابعة بيولوجيا الشيخوخة مع جزء بسيط من المثابرة التي نتعامل بها مع فيروس (كورونا)؛ فقد يكون ذلك بداية ثورة في الطب الحيوي».
مؤشرات تقدم العمر على مدى القرن الماضي كانت هناك العشرات من النظريات المتعلقة بالشيخوخة التي تزعم أنها تفسر سبب تقدم البشر في العمر وموتهم، إلا إن كثيراً منها انهار تحت وطأة الأدلة المضادة. * أضرار جينية: لكن اليوم يمكننا أن نشير بشكل موثوق إلى السمات المميزة للشيخوخة والتي تتمثل في تراكم الأضرار الجينية مع تقدم الإنسان بالعمر، والذي بدوره سوف يؤدي إلى عدم الاستقرار الجيني. وبمرور الوقت يتشوه الحامض النووي. وإذا ما تمكن العلماء من إيجاد طريقة لإصلاح هذا الضرر فسيكون العلماء قادرين على التأثير على عملية الشيخوخة. * تراكم الخلايا المُسنّة: وإضافة إلى ذلك؛ فإنه كلما طالت مدة حياة الإنسان، زادت إمكانية تراكم الخلايا المسنة (الهرمة) والتي تميل إلى البقاء في الجسم ويمكن أن تسهم في ظهور الأمراض المرتبطة بالعمر، وهو ما يعرف بالشيخوخة الخلوية، أما الخلل الوظيفي في الميتوكوندريا (الميتوكوندريا هي «عضيات» تولد الطاقة التي تحتاجها خلايا الجسم لتشغيل التفاعلات الكيميائية الحيوية الضرورية)، فقد وجد أنه يمكن أن يؤدي إلى تسريع الشيخوخة. غالباً ما تتحول الخلايا المسنة وتطلب المساعدة عن طريق إفراز جزيئات التهابية تنبه الجهاز المناعي لوجودها، وتطلب إزالتها، وهو ما يعني أن الخلية المناعية التي تكمن مهمتها في البحث والتدمير سوف تنجذب إليها وتبتلع الخلية المسنة، مما يخلص الجسم من المشكلة. إن السبب الذي يجعل الأشخاص البالغين من العمر 85 عاماً يموتون أكثر ممن هم في عمر 35 عاماً، هو أنهم معرضون بشكل كبير لخطر الإصابة بالأمراض ابتداء من السرطان وانتهاء بالخرف. أما السبب الذي يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض؛ فيكمن في التغيرات في تركيبتنا البيولوجية، وإذا تمكنا من فهم هذه التغييرات، فيمكننا التوصل إلى علاجات لإبطاء ظهورها وتقليل مخاطر الإصابة بكل هذه الأمراض.
علاج الشيخوخة علاج الشيخوخة هدف إنساني مهم للغاية من شأنه أن يخفف المعاناة على أوسع نطاق ممكن. وبعبارة أخرى؛ كلما تقدمنا في السن زاد احتمال إصابتنا بالمرض وزادت احتمالية موتنا في النهاية بسبب هذا المرض. لكن ماذا لو لم نمرض في المقام الأول؟ ماذا لو بقينا أصحاء؟ يسلط آندرو ستيل الضوء على كيفية قيام العلماء بتجربة الأدوية الحالة للشيخوخة؛ وهي العملية التي يجري من خلالها التخلص من الخلايا «المسنة»؛ تلك الخلايا القديمة في الجسم، وبالتالي تحسين الصحة العامة. ويقر بأن هناك كثيراً من الأسئلة التي تراودنا؛ منها: هل هناك أشخاص أو أعضاء معينة أكثر إصابة بهذه الخلايا، وهل لها تأثير أكبر في مكان أو آخر؟ هل يجب أن يؤثر ذلك على كيفية تطويرنا الأدوية الحالة للشيخوخة واستهداف الأماكن الأكثر أهمية أولاً؟ كما أنه متحمس بشأن الـ«ميتفورمين (metformin)»، وهو دواء يستخدمه مرضى السكري منذ عقود وله آثار جانبية يبدو أنها تبطئ من تطور الأمراض المرتبطة بالعمر، فقد كشفت دراسة قام بها ويليام هيرمان وروبرت أتنر ونُشرت في مجلة «Diabetes Care» في سبتمبر (أيلول) 2020 واستمرت 6 سنوات وأجريت على 1037 أسترالياً من كبار السن مصابين بداء السكري من النوع الثاني، عن «وجود صلة بين استخدام الـ(ميتفورمين) وبطء التدهور المعرفي، وانخفاض معدلات الخرف».
والـ«ميتفورمين» دواء معتمد من «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» ويستخدم بنجاح لعلاج مرض السكري لأكثر من 60 عاماً؛ إذ أظهرت الدراسات بالفعل أن الـ«ميتفورمين» يمكن أن يؤخر شيخوخة الحيوانات، وقد يؤثر أيضاً على عوامل الشيخوخة الأساسية التي تكمن وراء كثير من الحالات المرتبطة بالعمر لدى البشر، وينصب التركيز على الـ«ميتفورمين» بسبب سلامته وانخفاض تكلفته، وإذا نجح الدواء، فسيؤدي إلى نقلة نوعية من معالجة كل حالة طبية مرتبطة بالعمر على حدة، إلى معالجة هذه الحالات معاً من خلال استهداف الشيخوخة في حد ذاتها. ماذا يمكننا أن نفعل الآن لمساعدتنا على العيش لفترة أطول؟ يعترف ستيل بأن نصيحته العملية بشأن ما يمكننا فعله الآن بوصفه الوسيلة التي يمكننا من خلالها أن نعيش لفترة أطول، هو ببساطة أن نعيش بصحة أفضل، وأن طول العمر يرجع إلى نمط الحياة، والحظ. وفي حين أن هناك كثيراً من العوامل التي «يستحيل فعل أي شيء حيالها»، فإنه يوضح أن «هناك كثيراً من الاقتراحات المدعومة علمياً لزيادة متوسط العمر المتوقع إلى الحد الأقصى بناءً على الطريقة التي تختار العيش بها». ويوصي بتناول الطعام بشكل جيد، وعدم التدخين، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والنوم جيداً، والتطعيم باللقاحات، والعناية بالأسنان.
دفعة جينية جديدة لاختراق أقوى للأورام الصلبةhttps://aawsat.com/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/5317865-%D8%AF%D9%81%D8%B9%D8%A9-%D8%AC%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A3%D9%82%D9%88%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A8%D8%A9
رسم توضيحي لخلية تائية ذات مستقبلات مستضدية خيمرية (باللون الأزرق)
تهاجم خلايا سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكينية (باللون الأرجواني)
كشفت دراسة جديدة عن أن تعديلين جينيين يمكن أن يجعلا خلايا CAR - T أكثر قدرة على اختراق الأورام الصلبة، ومهاجمتها، في خطوة قد تساعد على التغلب على أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا النوع من العلاج المناعي.
وأظهرت التجارب على الفئران أن تعطيل جينين هما GNAS وP2RY8 في الخلايا المناعية أدى إلى تعزيز قدرتها على الوصول إلى الأورام، ومواصلة نشاطها المضاد للسرطان.
كما ساعدت هذه التعديلات في تقليص أورام متعددة، بينها سرطان الرئة، والبنكرياس، والجلد، وبعض سرطانات الجهاز الهضمي، والرحم.
ونُشرت النتائج في مجلة «Nature» في 12 أغسطس (آب) 2026 بعد استخدام أول منصة واسعة النطاق تعتمد على تقنية كريسبرCRISPR لدراسة تأثير تعديلات جينية في خلايا مناعية بشرية داخل كائن حي.
مكافحة الأورام الصلبة
• لماذا تواجه CAR - T الأورام الصلبة؟ يعتمد علاج CAR - T على أخذ خلايا مناعية تسمى «الخلايا التائية» من المريض، ثم تعديلها في المختبر لتتعرف إلى الخلايا السرطانية، وتهاجمها قبل إعادتها إلى جسم المريض. والمستقبلات الخيمرية للخلايا التائية (CAR - T) هي عبارة عن مستقبلات اصطناعية تم إنشاؤها خصيصاً في المختبر، بهدف تمكين الخلايا التائية من التعرف على بروتينات معينة على سطح الخلايا (الخلايا السرطانية مثلاً)، واستهدافها.
وقد حقق العلاج نجاحاً مهماً في بعض سرطانات الدم، مثل اللوكيميا، والأورام الليمفاوية.
لكن فعاليته لا تزال محدودة أمام الأورام الصلبة، ومنها سرطانات الرئة، والبنكرياس، والمبيض، والقولون، والثدي. ويعود ذلك جزئياً إلى أن البيئة المحيطة بالورم الصلب مليئة بإشارات تعيق الخلايا المناعية، كما يصعب v CAR v- T الوصول إلى الورم، والبقاء داخله نشطة بما يكفي للقضاء على الخلايا السرطانية.
• اختبار آلاف الجينات داخل الأورام. وبدلاً من دراسة الخلايا المعدلة في أطباق المختبر فقط، طور الباحثون في معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة برئاسة الدكتورة تشي ليو طريقة تتيح اختبار تأثير تعديلات جينية واسعة النطاق داخل الأورام في الفئران.
واختبر الفريق ما يقرب من 20 ألف جين للبحث عن التعديلات التي تساعد الخلايا التائية على الوصول إلى الأورام، أو الحفاظ على نشاطها بعد دخولها إليها.
وتمكن الباحثون من جمع ملايين الخلايا التائية من كل ورم، وهو عدد أكبر بكثير مما كان ممكناً باستخدام الطرق السابقة، ما أتاح إجراء الاختبارات الجينية على نطاق واسع داخل البيئة الحقيقية للورم.
تعديل جيني
• جينان يزيلان «مكابح» الخلايا المناعية. برز جين P2RY8 كأحد أهم الجينات التي تؤثر في قدرة الخلايا التائية على دخول الورم.
وأظهرت النتائج أن تع0طيله أدى إلى تجمع أعداد أكبر من الخلايا المناعية داخل الأورام بعدما أزيلت إحدى الإشارات التي يبدو أنها تعمل كـ«مكبح» يحد من وصول الخلايا التائية.
أما تعطيل جين GNAS فكان له تأثير مختلف، فقد أصبحت الخلايا التائية قادرة على إنتاج مستويات أعلى من الإنترفيرون - غاما interferon - gamma، وهو جزيء مهم في الاستجابة المناعية، ومهاجمة الخلايا السرطانية.
ويبدو أن GNAS يعمل كحلقة مركزية تستقبل مجموعة من الإشارات التي تستخدمها البيئة المحيطة بالورم لإضعاف الخلايا المناعية. وعند تعطيله تصبح الخلايا التائية أقل استجابة لهذه الإشارات المثبطة، ما يسمح لها بالحفاظ على نشاطها المضاد للسرطان.
• نتائج قوية في نماذج متعددة. عندما عُطّل جين GNAS في خلايا CAR - T تمكنت هذه الخلايا من تقليص الأورام في نماذج متعددة من السرطان لدى الفئران.
وكان الجمع بين تعطيل الجينين أكثر فاعلية. ففي أحد نماذج سرطان الرئة ظلت نحو ثلثي الفئران خالية من الأورام في نهاية التجربة رغم استخدام جرعة منخفضة جداً من خلايا CAR - T، بينما لم تحقق الخلايا المعدلة بالطريقة التقليدية النتيجة نفسها.
كما اختبر الباحثون التعديلات باستخدام خلايا تائية مأخوذة من مرضى مصابين بسرطان المبيض، والميلانوما، ووجدوا أن التعديلات الجينية احتفظت بقدرتها على تعزيز مكافحة الأورام.
ورغم النتائج المشجعة، لا تزال هذه الاستراتيجية في مرحلة ما قبل التجارب السريرية، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل اختبارها على البشر. وتابع الباحثون الفئران لأكثر من ستة أشهر بعد اختفاء الأورام، ولم يلاحظوا آثاراً جانبية طويلة الأمد. ويعتقد الفريق أن أحد أسباب ذلك هو أن التعديلات لا تؤدي إلى تنشيط الخلايا التائية بشكل واسع في أنحاء الجسم، وإنما تظهر آثارها بصورة أكبر داخل البيئة المحيطة بالورم.
ويرى العلماء أن أهمية الدراسة لا تقتصر على الجينين المكتشفين، إذ تتيح منصة كريسبر داخل الكائن الحي البحث عن تعديلات جينية أخرى قد تجعل العلاجات الخلوية أكثر قدرة على الوصول إلى الأورام، ومقاومة دفاعاتها، ما قد يمهد الطريق أمام جيل جديد من العلاجات المناعية المصممة بدقة أكبر لمواجهة السرطانات الصلبة.
طريقة علمية تساعد على توقّع أخطاء السيارات ذاتية القيادةhttps://aawsat.com/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85/5317864-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%91%D8%B9-%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9
طريقة علمية تساعد على توقّع أخطاء السيارات ذاتية القيادة
تعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)
مع التوسع في تطوير السيارات ذاتية القيادة، لم يعد التحدي مقتصراً على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ القرار أثناء القيادة، بل بات من الضروري أيضاً أن يفهم البشر الأسباب الكامنة خلف تلك القرارات، لا سيما حين تتصرف المركبة بطريقة غير متوقعة.
وتعتمد هذه السيارات على نماذج تعلم عميق تعمل بمثابة «عقل» للمركبة، إذ تعالج البيانات الواردة من الكاميرات، وأجهزة الاستشعار، لتكوّن تصوراً عن البيئة المحيطة، ثم تحدد ما ينبغي للمركبة فعله، وترسم المسار الذي ستسلكه. غير أن هذه النماذج غالباً ما تعمل كـ«صندوق أسود»، ما يصعّب معرفة السبب الحقيقي وراء بعض قراراتها، خصوصاً عند وقوع خطأ.
«شبكة تأطير المفاهيم»
وفي هذا السياق طوّر باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالولايات المتحدة، بالتعاون مع شركة «موشنال» المتخصصة في المركبات ذاتية القيادة، طريقة جديدة أطلقوا عليها اسم «شبكة تأطير المفاهيم» (Concept - Wrapper Network)، تهدف إلى تحويل عملية اتخاذ القرار داخل أنظمة القيادة الذاتية إلى تفسيرات مفهومة للبشر، بما يساعدهم على توقع سلوك السيارة بدقة أكبر. وقد صُمم النموذج ليعمل ضمن نظام التخطيط المستخدم في السيارة، ومن دون الحاجة إلى إعادة تدريب النموذج الأصلي من الصفر، أو التضحية بأدائه.
وتقوم الفكرة، وفق الفريق، على استبدال مصنّف للمفاهيم بالمرحلة الأخيرة المسؤولة عن تقييم مسارات القيادة في النموذج الأصلي، تليه مرحلة جديدة لاتخاذ القرار. وبذلك تصبح المفاهيم التي يتعرف عليها النظام جزءاً فعلياً من عملية اتخاذ القرار، لا مجرد وصف يُضاف بعد اتخاذه، ونشرت النتائج بعدد 2 سبتمبر (أيلول) 2026 من دورية «Nature».
ولتدريب النظام استخدم الباحثون مجموعتين من البيانات ضمّت ملايين سيناريوهات القيادة الذاتية، ومصنَّفة وفق المفاهيم الظاهرة في كل مشهد؛ إذ تضمنت إحدى المجموعتين 500 ألف سيناريو، بينما بلغت الأخرى 3 ملايين سيناريو، مع مفاهيم متعددة مصنّفة لكل سيناريو. وأتاحت هذه السيناريوهات مجتمعة مئات الملايين من نقاط البيانات لتدريب مصنّف المفاهيم، ما مكّن النظام من التعرف على أنماط متنوعة من مواقف القيادة.
وعند تقييم أداء النظام على بيانات الاختبار، بلغت دقة تصنيف المفاهيم 54 في المائة، مع معدل استدعاء وصل إلى 77 في المائة، ودقة بلغت 23 في المائة، وهي نتائج أظهرت قدرة النظام على ربط عملية اتخاذ القرار بمفاهيم قابلة للفهم البشري، بحسب الفريق.
ولم يكتفِ الباحثون بالاختبارات أثناء المحاكاة، بل نشروا النظام «CW - Net» على سيارة حقيقية ذاتية القيادة تابعة لشركة «موشنال»، خلال تجارب أُجريت على مسار خاص، وبوجود سائق أمان. وواجهت السيارة خلال هذه التجارب مواقف مفاجئة، حيث طُلب من سائقي الأمان مراقبة سلوكها، ومحاولة التنبؤ بما ستفعله. وأظهرت النتائج أن التفسيرات التي قدّمها النظام حسّنت قدرة السائقين على تكوين تصور أدق لطريقة عمل السيارة، وبالتالي التنبؤ بسلوكها بشكل أفضل، خصوصاً في المواقف غير المتوقعة.
أسلوب قيادة جديد
ويوضح الدكتور إوين كيني، الباحث الرئيس للدراسة في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن النظام يختلف عن الأساليب التقليدية المستخدمة في تفسير قرارات السيارات ذاتية القيادة؛ فهو لا يكتفي بتفسير القرار بعد اتخاذه، بل يربط التفسير مباشرة بعملية اتخاذ القرار داخل نظام القيادة نفسه. ويحوّل النظام آلية التفكير المعقدة في نموذج التعلم العميق إلى مفاهيم واضحة، مثل «الاقتراب من مركبة متوقفة»، أو «الاقتراب من راكب دراجة»، ويستخدم هذه المفاهيم فعلياً عند تحديد مسار السيارة، ما يجعل التفسير مرتبطاً سببياً بالقرار، وليس مجرد وصف خارجي قد يكون مضللاً، مع إمكانية تقديمه في الوقت الفعلي من دون التأثير في أداء نظام القيادة.
وأضاف كيني لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المفاهيم تدخل فعلياً في عملية التخطيط، واتخاذ القرار، وهو ما يمنح التفسير ارتباطاً سببياً حقيقياً بسلوك السيارة، بعيداً عن كونه وصفاً خارجياً قد يكون مضللاً، مشيراً إلى أن النظام قادر على تقديم هذه التفسيرات في الوقت الفعلي إلى جانب المسار الذي تختاره السيارة، من دون أي تأثير في أداء نموذج القيادة الأصلي.
وأشار كيني إلى أن الاختبارات التي أُجريت على مركبة حقيقية ذاتية القيادة أظهرت أن تزويد سائقي السلامة بتفسيرات شبكة «CW - Net» جعلهم أكثر قدرة على توقع سلوك السيارة، خصوصاً في المواقف المفاجئة. وضرب مثالاً بحادثة توقفت فيها السيارة عند اقترابها من راكب دراجة، إذ اعتقد سائق السلامة في البداية أن التوقف جاء لأن النظام اكتشف راكب الدراجة بشكل صحيح. غير أن تفسير النظام كشف حقيقة مختلفة، وهي أن نموذج القيادة لم يكن يتعامل مع راكب الدراجة بالشكل الصحيح، وأن التوقف حدث فعلياً نتيجة تدخل نظام الكبح الطارئ بعدما اقتربت السيارة منه أكثر من اللازم.
وأوضح كيني أن معرفة السبب الحقيقي وراء التوقف غيّرت فهم السائق لما يحدث فعلياً، وأتاحت له اتخاذ إجراء في وقت أبكر، كخفض السرعة، أو الانتقال إلى القيادة اليدوية. كما يمكن لهذه المعلومات أن توفر للمهندسين وسيلة أفضل لاكتشاف أخطاء أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومعالجتها.
ولفت كيني إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في توسيع نطاق المفاهيم والمواقف التي يستطيع النظام التعامل معها، واختبار أساليب مختلفة لتدريبه، وتصميمه، لتحسين أدائه، وقابليته للتفسير، إلى جانب إجراء اختبارات أوسع، وفي ظروف قيادة أكثر تنوعاً، للتأكد من دقة وموثوقية تفسيراته، مشدداً على ضرورة ألا تمنح هذه التفسيرات السائقين ثقة زائفة، بل أن تعكس بدقة الأسباب الحقيقية لقرارات السيارة، موضحاً أن الهدف النهائي هو التأكد من قدرة «CW - Net» على مساعدة البشر في فهم سلوك المركبات ذاتية القيادة، والتنبؤ به بصورة موثوقة ومتسقة في مختلف ظروف القيادة.
الجامعة بين الأمس والغد... هل تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي؟
ماذا لو حصل طالب جامعي اليوم على شهادة تؤهله لوظيفة قد تتغير جذرياً، أو ربما تختفي، قبل يوم تخرجه؟ لم يعد هذا السؤال افتراضاً عن مستقبل بعيد؛ فالسرعة التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل المهن والاقتصادات وأسواق العمل تضع الجامعات أمام تحدٍّ لم تعرفه بهذه الحدة من قبل: كيف نُعِدّ طالباً اليوم لعالم مهني لا نعرف تماماً كيف سيبدو عند تخرجه؟
حتى وقت قريب، كان الطالب يدخل قاعة المحاضرات ليكتسب المعرفة من أستاذه، ثم يقضي سنوات دراسته استعداداً لمهنة يمكن أن تبقى طبيعتها الأساسية مستقرة لعقود. أما اليوم، فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تضاف إلى أدوات العمل؛ بل أصبح قوة تعيد تشكيل الطب والهندسة والقانون والإعلام والتعليم، وتغيّر معها ما يحتاج الإنسان إلى معرفته، وما ينبغي أن يكون قادراً على فعله.
وهنا يصبح السؤال أعمق من تحديث مختبر أو إضافة منصة رقمية. هل ما زالت الجامعة تُعِدّ الطالب للوظيفة التي سيجدها عند تخرجه؟ أم للوظيفة كما كانت عندما بدأ دراسته؟ فالاختبار الحقيقي للجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون في عدد التقنيات التي تمتلكها، بل في قدرتها على تخريج إنسان يستطيع التعلم والتكيف والتفكير واتخاذ القرار في عالم قد تتغير فيه المهارات بوتيرة أسرع من المناهج نفسها.
العالم يتغير... والجامعة مطالبة بالتغيّر
لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً يخص كليات علوم الحاسوب وحدها؛ فهو يدخل اليوم في عمل الطبيب والمهندس والمحامي والصيدلي والمعلم والإعلامي... من التشخيص الطبي والبحث العلمي إلى تحليل البيانات وصياغة الوثائق ودعم القرار.
ولذلك لم يعد السؤال: هل سيستخدم خريجو الجامعات الذكاء الاصطناعي؟ فالاستخدام بدأ بالفعل. السؤال الأهم هو: هل سيعرفون كيف يستخدمونه بكفاءة؟ وكيف يتحققون من مخرجاته؟ ومتى يثقون بها؟ ومتى يشككون فيها أو يرفضونها؟
وهنا يبدأ التحدي الحقيقي للجامعة؛ فالمسألة ليست إضافة مقرر جديد بعنوان «الذكاء الاصطناعي» إلى الخطة الدراسية، بل إعادة التفكير فيما ينبغي أن يعرفه الخريج، وما ينبغي أن يكون قادراً على فعله؛ ففي عالم تستطيع فيه الآلة الوصول إلى المعلومات وتوليد النصوص وتحليل كميات هائلة من البيانات، تتراجع قيمة الحفظ وحده، بينما ترتفع قيمة القدرة على طرح السؤال الصحيح، والتحقق من الإجابة، والتفكير النقدي، والحكم المهني، والأخلاقي.
إن الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُخرّج طالباً يعرف كيف يستخدم الآلة فقط، بل تخرّج إنساناً يعرف متى يستخدمها، ومتى يشك فيها، ومتى يكون القرار قراره هو.
بين قاعات الأمس ومهارات الغد
رؤية 2030... والطموح الذي ينتظر الجامعات
وضعت المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قلب طموحات «رؤية 2030»، بالتوازي مع مبادرات وطنية لتنمية القدرات البشرية وبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالمياً. كما امتد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي إلى مراحل التعليم العام، في إشارة واضحة إلى أن الاستعداد للمستقبل يبدأ قبل وصول الطالب إلى الجامعة وسوق العمل.
لكن كلما ارتفع الطموح الوطني، ارتفع معه سقف المسؤولية أمام الجامعات؛ فإذا وصل الطالب إلى الجامعة وهو يمتلك أساسيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، فما القيمة الجديدة التي ستضيفها سنوات التعليم الجامعي؟ هل ستنقله من مجرد استخدام الأدوات إلى فهمها ونقد مخرجاتها وتطبيقها والابتكار بها؟ أم سيظل جزء من التعليم قائماً على الحفظ واسترجاع المعلومات، في وقت أصبحت فيه الآلة قادرة على القيام بكثير من ذلك خلال ثوانٍ؟
وهنا يصبح التحدي أكبر من إدخال تقنية جديدة إلى قاعة المحاضرات؛ ففي التعليم العالي، لن يُقاس نجاح التحول بعدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الجامعات، بل بقدرتها على تخريج كوادر تمتلك التفكير النقدي، والقدرة على الابتكار، والحكم المهني والأخلاقي، والمهارات اللازمة لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، لا الاكتفاء باستخدام أدواته.
ماذا تقول الدراسات؟
هذا التحدي ليس عربياً ولا سعودياً فقط، بل يشغل مؤسسات التعليم العالي حول العالم؛ فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) UNESCO، في إرشاداتها العالمية بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، ثم في استطلاعها الدولي لمؤسسات التعليم العالي، أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الجامعات لم يعد مجرد مسألة تقنية... إنه يفرض إعادة التفكير في المناهج، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، ووضع أطر أخلاقية واضحة لاستخدام هذه الأدوات. وأشارت المنظمة إلى أن معظم مؤسسات التعليم العالي إما وضعت بالفعل سياسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي، أو تعمل على تطويرها، بالتوازي مع العمل على تحديد الكفاءات التي يحتاج إليها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
لكن ماذا عن الجامعات السعودية؟
توصلت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في إحدى دوريات «سبرنغر نيتشر» (Springer Nature) إلى وجود فجوة في سرعة التنفيذ بين الطموحات التي رسمتها «رؤية 2030» ووتيرة التغيير داخل بعض مؤسسات التعليم، مشيرة إلى تحديات تشمل تحديث المناهج، وتأهيل أعضاء هيئة التدريس، وربط البرامج الأكاديمية بمتطلبات الاقتصاد المعرفي وسوق العمل المستقبلية.
ثم جاءت دراسة سعودية نُشرت عام 2026 لتضع المجهر بصورة أكثر مباشرة على المناهج نفسها. واستناداً إلى مقابلات مع أعضاء لجان المناهج والتخطيط والجودة في 7 جامعات سعودية، خلصت إلى الحاجة إلى دمج أكثر منهجية لمهارات ثقافة الذكاء الاصطناعي (AI Literacy)، والتفكير النقدي، وأخلاقيات استخدامه، بحيث تصبح هذه المهارات جزءاً من مخرجات التعلم في مختلف التخصصات، لا في علوم الحاسب وحدها.
لكن قراءة هذه النتائج باعتبارها دليلاً على «تأخر» الجامعات العربية ستكون قراءة غير دقيقة؛ فالمشكلة عالمية في جوهرها: التكنولوجيا تتغير بسرعة أكبر من الدورة التقليدية لتغيير المناهج الجامعية. وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تجمع هذه الدراسات: التحدي لم يعد في كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الجامعة، فقد دخل بالفعل؛ بل في إعادة تعريف ما يستحق أن يتعلمه الإنسان عندما أصبحت الآلة قادرة على أداء جزء متزايد مما كنا نعلّمه له.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي... بل في طريقة التعليم
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تلخيص الكتب، وكتابة التقارير، وتحليل البيانات، والإجابة عن كثير من أسئلة الامتحانات، فما الذي يجب أن تبقى الجامعة مسؤولة عن تعليمه؟
ربما تبدأ الإجابة من التمييز بين امتلاك المعلومة والقدرة على الحكم عليها؛ ففي عصر يستطيع فيه الطالب الوصول إلى إجابة خلال ثوانٍ، تتراجع قيمة التعليم القائم على استرجاع المعلومات وحده، بينما ترتفع قيمة القدرة على التحقق منها، وتحليلها، ومقارنتها بالأدلة، وفهم السياق الذي ستُستخدم فيه، ثم تحمل مسؤولية القرار المبني عليها.
ويصبح هذا الفرق أكثر وضوحاً في المهن التي قد يكون للخطأ فيها عواقب حقيقية؛ إذ إن قيمة الطبيب لا تكمن في تذكر أكبر قدر من المعلومات الطبية فحسب، بل في معرفة متى يمكن الوثوق بتوصية يقدمها الذكاء الاصطناعي، ومتى ينبغي التشكيك فيها، ومتى يجب رفضها حفاظاً على سلامة المريض. وينطبق المبدأ نفسه على المهندس والمحامي والمعلم والإعلامي: الآلة قد تقدم إجابة، لكن الإنسان يظل مسؤولاً عن فهم معناها وعواقب استخدامها.
وهنا ربما ينبغي أن يتغير السؤال الذي تسأله الجامعة لطلابها؛ فبدلاً من أن تكتفي بالسؤال: «ماذا تعرف؟»، يصبح عليها أن تسأل أيضاً: «كيف عرفت؟ ولماذا تثق بهذه الإجابة؟ وماذا لو كانت خاطئة؟ وماذا ستفعل بها؟».
إن الجامعة التي ستنجح في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون التي تُخرّج طلاباً يعرفون استخدام أدواته فحسب؛ بل التي تُخرّج مهنيين قادرين على التفكير النقدي، والحكم المهني والأخلاقي، والابتكار، وتحمل مسؤولية القرار في عالم يتشارك فيه الإنسان والآلة إنتاج المعرفة.
ليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي... بل في طريقة تعليمنا
الأستاذ الجامعي... هل انتهى دوره؟
كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على الشرح والإجابة وتوليد المحتوى، عاد السؤال نفسه: هل ما زلنا بحاجة إلى الأستاذ الجامعي؟ ربما يكون السؤال الأدق: إذا لم يعد الأستاذ المصدر الوحيد للمعلومة، فماذا سيصبح دوره؟
إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح مفهوماً، ويقترح مراجع، ويولد محتوى تعليمياً، بل ويقدم للطالب مساعدة شخصية متاحة في أي وقت. وهذا لا يلغي الأستاذ، لكنه يدفع دوره إلى التحول من ناقل للمعرفة إلى مهندس للتعلم. ولن تكون مهمة الأستاذ في الجامعة الجديدة أن يخبر الطالب بما يستطيع أن يجده خلال ثوانٍ، بل أن يصمم له مشكلات تستحق التفكير، ويضعه أمام أسئلة لا تملك إجابة واحدة، ويختبر قدرته على الدفاع عن رأيه، ومراجعة افتراضاته، والتعلم من الخطأ، والعمل مع الآخرين.
وهنا تتغير أيضاً وظيفة قاعة المحاضرات نفسها؛ فقد تصبح أقل اعتماداً على الاستماع والتلقين، وأكثر اعتماداً على النقاش، والحالات العملية، وحل المشكلات، والمشروعات التي تكشف ما إذا كان الطالب قد تعلّم فعلاً، أم أنه أصبح فقط أكثر براعة في الحصول على الإجابة من الآلة.
ولهذا، فإن الاستثمار في تطوير أعضاء هيئة التدريس لا يقل أهمية عن تحديث المناهج أو شراء أحدث التقنيات؛ فالجامعة لا تصبح «ذكية» لأنها تمتلك الذكاء الاصطناعي، بل عندما يعرف أساتذتها كيف يستخدمونه لصناعة طالب يفكر بصورة أفضل.
صورة 4
العالم يعيد تعريف الجامعة
ما يحدث ليس نقاشاً سعودياً أو عربياً فحسب؛ بل سؤال يشغل مستقبل التعليم العالي عالمياً؛ ففي تقرير «نظرة مستقبلية إلى التعليم الرقمي 2026» (OECD Digital Education Outlook 2026)، تطرح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مفارقة بالغة الأهمية: قد يساعد الذكاء الاصطناعي الطالب في أداء المهمة بصورة أفضل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه تعلّم بصورة أفضل.
فالطالب قد يكتب تقريراً أقوى، أو يصل إلى إجابة أسرع، أو ينجز واجباً أكثر إتقاناً بمساعدة الذكاء الاصطناعي؛ لكن جودة المنتج النهائي لا تكشف وحدها مقدار الفهم الذي تكوّن لديه. ولذلك يربط التقرير الاستفادة التعليمية الحقيقية من هذه الأدوات بكيفية تصميم التدريس والتقييم، بحيث يعززان التعلم والفهم، لا مجرد إنجاز المهمة.
وتسير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) UNESCO في الاتجاه نفسه؛ إذ تربط دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بمقاربة تتمحور حول الإنسان، وتحمي الخصوصية والحقوق، وتعزز جودة التعليم وعدالته، بدلاً من التعامل مع التقنية بوصفها غاية في ذاتها.
وهنا يظهر ربما أصعب اختبار أمام الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تعرف أن الطالب تعلّم فعلاً، لا أنه أصبح فقط أفضل في استخدام آلة تعرف كيف تجيب؟
إطلاق ميثاق عربي لجامعات عصر الذكاء الاصطناعي
ربما حان الوقت لأن ننتقل من السؤال إلى الفعل، عبر إطلاق ميثاق عربي لجامعات عصر الذكاء الاصطناعي؛ لا بوصفه وثيقة نظرية جديدة، بل بوصفه إطاراً عملياً يساعد الجامعات في الاستجابة لتحولات قد تكون أسرع من دورات تحديث المناهج التقليدية. ويمكن أن يبدأ الميثاق من سؤال بسيط تطرحه كل جامعة على نفسها: هل نُعلّم طلاب اليوم ما سيحتاجون إليه غداً؟
ومن هذا السؤال تنطلق مجموعة من الالتزامات العملية: مراجعة البرامج الأكاديمية بصورة دورية، وإدماج ثقافة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته في مختلف التخصصات، وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس، وإعادة تصميم الامتحانات وأساليب التقييم، بحيث تكشف ما إذا كان الطالب يفكر ويفهم ويحل المشكلات، لا مدى قدرته على استرجاع المعلومات، أو الحصول على إجابة جاهزة من الآلة.
لكن الميثاق ينبغي أن يتجاوز حدود قاعة المحاضرات أيضاً؛ فالجامعات تحتاج إلى شراكات مستمرة مع المستشفيات وقطاعات الصناعة والتقنية وسوق العمل، حتى لا تكتشف بعد سنوات أن البرامج التي تُدرّسها تُعِدّ الطلاب لعالم مهني تغير بالفعل.
ولا يعني ذلك أن تتسابق الجامعات على شراء أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، أو أن تعيد كتابة مناهجها كلما ظهر نموذج جديد؛ فالمطلوب أعمق: بناء جامعة قادرة هي نفسها على التعلم والتكيف.
فالجامعات التي ستقود المستقبل لن تكون بالضرورة الأكثر إنفاقاً على الذكاء الاصطناعي، بل الأسرع في فهم ما غيّره، والأكثر قدرة على تغيير ما تعلّمه لطلابها استجابةً لذلك.
سؤال المستقبل
لم يعد السؤال: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي جامعاتنا؟ فقد دخل بالفعل، وأصبح جزءاً من واقع التعليم العالي ومن العالم المهني الذي ينتظر خريجيها.
الذكاء الاصطناعي يساعد... لكن الإنسان هو من يقرر
السؤال الأصعب هو: هل ستنجح جامعاتنا في تخريج أطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين وإعلاميين مستعدين لمهن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها؟ أم ستواصل إعداد طلاب اليوم لوظائف الأمس؟
فالجامعة التي تعيد تعريف رسالتها اليوم لن يكون دورها أن تعلّم الطالب كيف ينافس الآلة في الأشياء التي أصبحت الآلة تجيدها؛ بل أن تنمي فيه ما يجعله أكثر قيمة في وجودها: القدرة على السؤال، والتحقق، والحكم، والإبداع، وتحمل المسؤولية.
وفي النهاية، ربما لا يكون الاختبار الحقيقي لجامعاتنا هو عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي أدخلتها إلى قاعاتها، ولا عدد المقررات التي تحمل اسمه. الاختبار الحقيقي هو: هل سيتخرج الطالب منها مستعداً لعالم تغيّر؟... أم حاملاً شهادة لعالم لم يعد موجوداً؟