الاتحاد الأوروبي لـ {الشرق الأوسط}: مستعدون بمقترحات حول مساعدات مالية لمصر بقيمة 5 مليارات يورو

برامج تعاون بقيمة 257 مليون يورو خلال عامين للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية

الاتحاد الأوروبي لـ {الشرق الأوسط}: مستعدون بمقترحات حول مساعدات مالية لمصر بقيمة 5 مليارات يورو
TT

الاتحاد الأوروبي لـ {الشرق الأوسط}: مستعدون بمقترحات حول مساعدات مالية لمصر بقيمة 5 مليارات يورو

الاتحاد الأوروبي لـ {الشرق الأوسط}: مستعدون بمقترحات حول مساعدات مالية لمصر بقيمة 5 مليارات يورو

قال الاتحاد الأوروبي، إنه مستعد لتقديم مقترحات بشأن حزمة مساعدات مالية كلية إلى مصر والتي سبق الاتفاق بشأنها في إطار ما يعرف بمجموعة العمل بين الجانبين «تاسك فورس» والتي تبلغ قيمتها 5 مليارات يورو.
وسيتم تقديم تلك المقترحات عندما تسمح الظروف بذلك وتتوفر الشروط المطلوبة ومنها التوصل إلى اتفاق بين مصر وصندوق النقد الدولي وهي العملية التي تجمدت نتيجة لفترة الاضطراب السياسي والأمني التي شهدتها مصر خلال الفترة الماضية وذلك حسب ما جاء على لسان انكا بادورارو المتحدثة في المفوضية الأوروبية في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». وأضافت: «ما يعرف باسم تاسك فورس بين مصر والاتحاد الأوروبي له نتائج تشمل الدعم السياسي والمالي والتقني لعملية التحول الديمقراطي، ولكن للأسف فإن الاضطراب السياسي في مصر كان له تأثير على عمل تاسك فورس، وتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه بين الجانبين».
وأضافت أنه ومع ذلك ووفقا لما قرره المجلس الوزاري الأوروبي في أغسطس (آب) 2013، وفبراير (شباط) 2014، واصل التكتل الأوروبي الموحد، الدعم لمصر في القطاع الاقتصادي الاجتماعي، وأيضا دعم المجتمع المدني، وبالتمويل الكامل حسب ما جرى الاتفاق عليه في اتفاقيات التمويل الموقعة، والتي جرى الإعلان عنها خلال اجتماعات مجموعة العمل «تاسك فورس»، ومنها عملية تمويل بقيمة 195 مليون يورو، وأيضا ما جرى الاتفاق عليه في 2013 من تخصيص أموال إضافية بقيمة 62 مليون يورو، لـ3 برامج تتعلق بالتنمية الريفية، وإدارة النفايات، ومعالجة مياه الصرف الصحي.
وقد بدأ العمل بالفعل في هذه البرامج بالتعاون مع السلطات المصرية والشركاء المنفذين. وأما بالنسبة لحزمة تصل قيمتها إلى 5 مليارات يورو، التي يمكن أن يقدمها الاتحاد الأوروبي من خلال مجموعة العمل «تاسك فورس»، والتي يشترط موافقة صندوق النقد الدولي عليها، فإن المفوضية على استعداد لتقديم مقترحات، تتعلق بحزمة المساعدات المالية الكلية إلى مصر، عندما تسمح الظروف بذلك، وطالما توفرت الشروط المطلوبة.
وعن الدعم المالي الحالي والمستقبلي قالت المتحدثة الأوروبية إنه تم الاتفاق على 3 قطاعات ذات أولوية مع السلطات المصرية، وصالحة لمدة عامين هما 2014 و2015، حتى يمكن التكيف مع الوضع الذي يتطور بسرعة، وبقيمة تمويل تصل إلى ما يقرب من 257 مليون يورو. وأشارت إلى أن القطاعات الثلاثة هي أولا الحوكمة والشفافية وبيئة الأعمال، بما في ذلك الدعم التكميلي لصالح المجتمع المدني، وفق اتفاقات الاتحاد الأوروبي، وسيخصص لها 20 في المائة من قيمة التمويل الإجمالية. وثانيا التخفيف من حدة الفقر والتنمية الاجتماعية والاقتصادية المحلية والحماية الاجتماعية، وتحصل على 40 في المائة من التمويل. وثالثا تحسين نمط الحياة، والبيئة، ويخصص لها 40 في المائة من التمويل.
وخصص الاتحاد الأوروبي مليار يورو لمصر كمساعدات ولتنفيذ برامج تعاون خلال الفترة من 2007 إلى 2013 في إطار سياسة الجوار الأوروبية كما جرى الاتفاق على تخصيص 5 مليارات يورو لتنفيذ برامج مساعدة في إطار لجنة العمل المشتركة «تاسك فورس» التي جرى التوصل إلى اتفاق بشأنها في أواخر عام 2012.
وكان الاتحاد الأوروبي قد اختار تونس لتكون أول دولة في جنوب المتوسط يؤسس معها ما يعرف بمجموعة العمل «تاسك فورس» لمساعدتها على طريق التحول الديمقراطي من خلال تقديم الدعم المالي والاقتصادي والسياسي. وبعد ذلك كرر نفس الأمر مع الأردن ومصر. وكان تقرير أوروبي صدر في وقت سابق عن قسم العمل الخارجي في المفوضية الأوروبية ببروكسل، أن 8 اقتصادات في جنوب المتوسط بينها مصر حققت تقدما ملحوظا في صياغة وتنفيذ السياسات المتعلقة بالمشروعات الصغرى والمتوسطة وذلك على الرغم من ظروف عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي التي عرفتها دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. وعرض التقرير تقييما لوضع وتنفيذ سياسات المشاريع الصغرى والمتوسطة في 8 اقتصادات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهي شريكة للاتحاد الأوروبي من خلال سياسة الجوار، وهي الجزائر، ومصر، والمغرب، وإسرائيل، والأردن، ولبنان، والسلطة الفلسطينية، وتونس.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي اعتمدت المفوضية الأوروبية ببروكسل، توفير تمويل أوروبي لعدة برامج، ومنها برامج تتعلق بسياسة الجوار والتعاون الثنائي والإقليمي مع الدول الشريكة، ويستفيد منها دول الجوار الشريكة سواء في جنوب المتوسط أو في شرق أوروبا وبقيمة إجمالية 5.5 مليار يورو، والدول المستفيدة هي 9 دول منها 6 دول في جنوب المتوسط وهي المغرب وتونس والجزائر وليبيا والأردن ولبنان ومن دول الجوار الشرقي أرمينيا وأذربيجان وروسيا البيضاء. وفي بيان أوروبي، قالت المفوضية إنها أقرت برامج التمويل بعد التشاور مع البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد.
وقالت المؤسسات الاتحادية في بروكسل إن العلاقات مع دول الجوار واحدة من أولويات العمل وهناك علاقات قوية مع دول الجوار الشريكة، وهناك دور أوروبي هام لمساعدة هذه الدول في التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية، وجددت الالتزام الأوروبي بمرافقة تلك الدول على طريق السلام والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت المفوضية الأوروبية إن الطموح والالتزام بالإصلاحات يشكلان عاملا أساسيا لتوجيه التمويل الأوروبي للسنوات المقبلة، وجرى وضع أولويات الدعم الأوروبي من خلال حوار وثيق مع الشركاء بمشاركة جميع الأطراف ذات الصلة لمواجهة التحديات التي يواجهها المجتمع، وسوف يتم تمويل البرامج من الإطار المالي للفترة من 2014-2020. وقالت المفوضية إنها وضعت أولويات، بالتعاون مع السلطات الوطنية والمجتمع المدني وجهات أخرى معنية، وبالتنسيق مع الدول الأعضاء لتحديد الأولويات بين التكتل الموحد والدول الشريكة وأيضا خطط العمل وتشمل البرامج أيضا التعاون الثنائي في القطاعات ذات الأولوية العامة مع التركيز على تنمية القدرات وبناء المؤسسات ذات الصلة بما فيها التعاون التقني لتحقيق تقارب مع التشريعات الأوروبية والمعايير الفنية، بالإضافة إلى تنمية قدرات المجتمع المدني. ويظل الهدف النهائي هو ضمان سياسات فعالة وشاملة على المستوى الوطني مع دعم قدرات المجتمع المدني والمشاركة في وضع ورصد وتنفيذ السياسات العامة الوطنية التي يدعمها الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لمصر تأخر اعتماد تدابير التنفيذ ذات الصلة حتى خريف العام الماضي. ووقتها قال جمال بيومي، أمين عام المشاركة المصرية الأوروبية بوزارة التعاون الدولي، إن الاتحاد الأوروبي ينوي الإعلان عن حزمة مساعدات لمصر تبلغ قيمتها 500 مليون يورو على الأقل، تغطي الفترة من 2014 وحتى 2016. وأضاف أن قيمة المساعدات الجديدة ستتخطى قيمة المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي لمصر خلال السنوات الثلاث 2011-2013 والتي بلغت 449 مليون يورو.



السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
TT

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، من خلال تطوير منظومات متكاملة تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفق ما ورد في «تقرير رؤية 2030» للعام 2025.

على مدار سنوات طويلة، عززت المملكة قدراتها الغذائية، والزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي بوصفه أساساً للاستقرار، والرخاء. واستمرت هذه الجهود حتى جاءت «رؤية 2030» التي أكملت المسار، واضعةً أسساً وممكنات تتواكب مع تحديات المرحلة، ومتغيراتها.

وأُعيدت هيكلة منظومة الغذاء، والزراعة، حيث أُسست الهيئة العامة للأمن الغذائي لإدارة أمن الغذاء، والمخزون الاستراتيجي، كما جرى تخصيص مطاحن الدقيق عبر أربع شركات لتحقيق الكفاءة التشغيلية.

برامج ومبادرات

وامتد التطوير إلى برامج ومبادرات داعمة للمزارعين، من أبرزها برنامج الإعانات الزراعية، وبرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف)، إضافة إلى إصدار نظام صندوق التنمية الزراعية بما يواكب التحول في القطاع. كما أُطلق نظام الإنذار المبكر المطور للأغذية، الذي يهدف إلى متابعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومستويات المخزونات المحلية للسلع الاستراتيجية، بما يعزز اتخاذ القرار، ويضمن استدامة واستقرار أسواق الغذاء. ولتعزيز كفاءة الإنتاج، تم دعم تبني التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للحد من الفقد، والهدر في الغذاء (لتدوم).

رجل وابنه في موسم حصاد الورد الطائفي (وزارة السياحة)

كما تسهم «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) في دعم استدامة الغذاء، من خلال استثماراتها في الداخل، والخارج، إضافة إلى تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب» بالتعاون مع «الشركة الوطنية للنقل البحري» (بحري) لتعزيز سلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي.

وأُنشئت أيضاً «الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب» (سابل) لإدارة الصوامع، والخزن الاستراتيجي للقمح، إضافة إلى تطوير محطة الحبوب في ميناء ينبع التجاري بمساحة 313 ألف متر مربع.

الاكتفاء الذاتي في 2025

سجلت المملكة نسب اكتفاء ذاتي في عدد من السلع الغذائية خلال عام 2025 على النحو التالي:

- لحوم الدواجن: 76 في المائة.

- بيض المائدة: 105 في المائة.

- الأسماك والروبيان: 69 في المائة.

- الألبان: 120 في المائة.

- اللحوم الحمراء: 55 في المائة.

موظف يطعم الأبقار في إحدى مزارع «المراعي» السعودية (الشركة)

مركز عالمي في الأغذية

هذا وتواصل المملكة تطوير سوق المنتجات والخدمات الغذائية بوصفه قطاعاً استراتيجياً، مستفيدة من نمو القاعدة الزراعية، وارتفاع الإنتاج، وتطور الصناعات الغذائية، إلى جانب كون السوق السعودية الكبرى في المنطقة.

متجر نوق (سواني)

وشهد القطاع تأسيس شركات وطنية متخصصة، منها: شركة «تطوير منتجات الحلال» (حلال)، وشركة «سواني» لمنتجات حليب الإبل، وشركة «تراث المدينة» (ميلاف) لمنتجات التمور، و«الشركة السعودية للقهوة» (جازين).

كما تواصل «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) دورها في دعم استدامة الغذاء، من خلال 13 استثماراً في 7 دول، و5 قارات، إضافة إلى مساهمتها في تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب».

وفي إطار تعزيز تنافسية السوق، أُنشئ المركز السعودي للحلال لمنح شهادات اعتماد للمنتجات وفق المعايير الشرعية.

كما تطورت البنية التحتية للقطاع، من خلال التجمع الغذائي في جدة بوصفه الأكبر عالمياً، ومجمع صناعات الألبان في الخرج، إضافة إلى الإعلان عن مدينة للثروة الحيوانية في حفر الباطن.

المياه و«غينيس«

تُعد المملكة رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال منظومة عززت استدامة المياه في بيئة صحراوية، وتحديات مائية معقدة.

إحدى منظومات تحلية المياه في السعودية (هيئة المياه)

وأُعيد تنظيم القطاع عبر تحويل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى الهيئة السعودية للمياه، بما يعزز شمولية إدارة الموارد المائية.

كما أُسست المنظمة العالمية للمياه في الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه عالمياً.

وتجسدت جهود المملكة في تنويع مصادر المياه لتتجاوز 471 مصدراً، إلى جانب تطوير شبكات الإمداد والتحلية والمياه الجوفية، ورفع المحتوى المحلي في القطاع.

وسجلت الهيئة السعودية للمياه 12 رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس»، من أبرزها:

- أكبر محطة تحلية بتقنية التناضح العكسي.

- طاقة إنتاجية تبلغ 670.8 ألف متر مكعب يومياً.

- أقل معدل استهلاك للطاقة في التحلية عند 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب.

هذه المنظومة المتكاملة تعكس أن المملكة تتجه نحو بناء نموذج مستدام في الأمن الغذائي والمائي، وقائم على تطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الكفاءة، وتوسيع الشراكات، بما يدعم استقرار الموارد، ويرسخ مكانتها لتكون قوة إقليمية وعالمية في القطاعين.


«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية. فعلى مدى العقد الماضي، أثبتت المملكة قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بقوة أكبر، مستندة إلى نهج «رؤية 2030» القائم على المرونة، والاستباقية. هذا الاستثمار الممنهج في «مكامن القوة» لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات التنمية المحلية، بل كان بناءً لدرع دفاعي اقتصادي عابر للحدود، حوّل التحديات الراهنة إلى منصة انطلاق للريادة العالمية.

لقد استحال الموقع الجيواستراتيجي للمملكة في ضوء الرؤية من ميزة نسبية ساكنة إلى أداة ديناميكية صاغت واقعاً اقتصادياً جديداً؛ عبر الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. هذا الترابط، المدعوم بمنصات نقل جوي وسككي متطورة، لم يعزز مكانة المملكة باعتبارها حلقة وصل بين القارات الثلاث فحسب، بل جعل منها شرياناً حيوياً يضمن استدامة التجارة الدولية، وبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص ريادية تضمن استقرار الرخاء العالمي.

التناغم المؤسسي: هندسة الوحدة اللوجستية

انطلقت رحلة التطوير الشامل عبر إعادة تنظيم المنظومة اللوجستية، بهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أعلى درجات التكامل بين قطاعاتها المختلفة. وقد تجسد ذلك في تحول وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتقود تناغماً مؤسسياً يجمع تحت مظلته الهيئات العامة للنقل، والموانئ، والطيران المدني.

ولم يتوقف هذا الإصلاح عند الجانب التنظيمي، بل امتد لتعزيز الدور التشغيلي للكيانات الوطنية؛ حيث تم تمكين «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار)، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض»، و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، و«الهيئة العامة للطرق»، و«المركز الوطني لسلامة النقل». كما شهدت المنظومة تحولاً نوعياً في قطاع الخدمات البريدية عبر تطوير مؤسسة «سبل»، وتوسيع نطاق خدماتها لتواكب المتطلبات اللوجستية الحديثة.

خريطة الطريق نحو اليقين الاستراتيجي

ساهمت الاستراتيجيات الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والطيران في خلق حالة من «اليقين الاستراتيجي» بمستقبل القطاع، مدعومة بمشاريع بنية تحتية عملاقة تضمن استدامة النمو من خلال:

- التوسع الجوي: العمل على إنشاء مطارات دولية رائدة، مثل مطار الملك سلمان الدولي، ومطارات أبها، وجازان الجديدة، بالتوازي مع إطلاق «برنامج الربط الجوي» لتعزيز الوصول العالمي.

- المراكز اللوجستية الذكية: إطلاق المخطط العام للمراكز اللوجستية المتضمن إنشاء 59 مركزاً (تم تفعيل 24 منها بنهاية 2025)، وتطوير الموانئ لتصبح «موانئ ذكية» تعتمد الرقمنة لتكون ركيزة أساسية.

- الربط السككي: توسيع شبكة الخطوط الحديدية، وربط خطوط الشمال بالشرق (الجبيل-الدمام)، مما وفر حلولاً لوجستية منخفضة التكلفة، وعالية الموثوقية.

أحد قطارات الخطوط الحديدية السعودية (واس)

كيف رقمنت المملكة مستقبل الاستثمار؟

شهدت البيئة اللوجستية تطوراً جوهرياً مكّنها من تبوّؤ مكانة بارزة لتكون وجهة جاذبة للاستثمار العالمي، بفضل تبنّي استراتيجية الرقمنة الشاملة للخدمات، والربط المتكامل عبر منصات رقمية موحّدة. وقد أفضى هذا التحول إلى تعزيز سهولة ممارسة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية، وأتمتة إصدار التراخيص، مما جعلها أكثر مرونة وسرعة في استجابتها لمتطلبات السوق.

كما ساهم هذا المسار الرقمي في رفع كفاءة التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات التنظيمية، وهو ما أدى بدوره إلى اختصار «رحلة المستثمر»، وترسيخ مستويات الموثوقية في العمليات اللوجستية الوطنية.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، لعبت هذه الممكنات الرقمية دوراً محورياً في تحفيز معدلات النمو، والتنوع؛ حيث ساهمت في تنشيط قطاعات إعادة التصدير، وتقديم دعم لوجستي فعال للصادرات غير النفطية. كما أتاح التكامل التقني تسهيل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق الدولية وفق معايير تنافسية من حيث الكفاءة، والتكلفة، مما جعل من المنظومة اللوجستية محركاً أساسياً لدعم التجارة العابرة للحدود، وتوسيع نطاق نفوذ الاقتصاد السعودي عالمياً.

لغة الأرقام

تُوجت هذه الجهود الاستراتيجية بتقدم ملموس للمملكة في أهم المحافل الدولية، ما يعكس كفاءة الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والارتقاء المستمر بالأداء اللوجستي. وتجسد ذلك في وصول المملكة إلى قائمة أفضل عشر دول عالمياً ضمن «مؤشر الأداء اللوجستي» (LPI)الصادر عن البنك الدولي، بالإضافة إلى حصدها المرتبة الثانية عالمياً في معدلات النمو ضمن دول مجموعة العشرين، وبنمو نسبته 32 في المائة مقارنة بالعام 2024. كما حافظت المملكة على حضورها القوي بين المراكز الأربعة الأولى في مؤشر «أجيليتي» للأسواق الناشئة لعام 2025، مما يؤكد تنافسية البيئة الاستثمارية السعودية، واستقرارها. وفي إطار تسهيل حركة التجارة العالمية، حققت المملكة قفزات نوعية في كفاءة العمليات الحدودية؛ حيث نجحت في خفض معدلات زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. وتزامن هذا الإنجاز مع توسع استراتيجي في المرافق اللوجستية تمثل في زيادة عدد مناطق الإيداع المرخصة لتصل إلى 21 منطقة، مما عزز من قدرة المملكة على استيعاب تدفقات السلع العالمية، ودعم انسيابية سلاسل الإمداد بكفاءة، واقتدار.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (الهيئة العامة للموانئ)

قصة 24 مليون حاوية قياسية

تُعد جغرافية الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر المعابر المائية حيوية، وتأثيراً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح الموانئ السعودية الممتدة على السواحل الشرقية والغربية أهمية استراتيجية فائقة بوصفها ركائز أساسية للملاحة العالمية. فمن خلال كونها نقاط التقاء لوجستية تربط بين ثلاث قارات، نجحت هذه الموانئ في ترسيخ دورها المحوري في ضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية، وتدفق البضائع، محولةً المزايا الجغرافية للمملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة تدعم استقرار حركة التجارة العابرة للحدود.

وفي إطار السعي لتعظيم هذه المكتسبات، أطلقت المملكة سلسلة من مشاريع التطوير النوعية لتحديث البنية التحتية للموانئ، وتوسيع نطاق خدمات الشحن. وقد أثمرت هذه الجهود قفزة كبرى في الطاقة الاستيعابية التي ارتفعت بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 24.3 مليون حاوية قياسية، بالتوازي مع زيادة ملموسة في عدد خدمات الشحن الملاحية المضافة التي بلغت 101 خدمة.

هذا التوسع لم يساهم في زيادة ترابط المملكة مع الأسواق العالمية فحسب، بل مكنها من استحداث مسارات ملاحية جديدة تعزز من مرونة الوصول إلى أهم الموانئ الدولية.

لقد تجاوزت هذه الرؤية التطويرية حدود الموانئ لتشمل إنشاء مناطق ومراكز لوجستية متكاملة صُممت لتكون حواضن جاذبة للاستثمارات الكبرى. وتتيح هذه المناطق للمستثمرين الاستفادة القصوى من تكامل الخدمات اللوجستية لتنمية أعمالهم، بجانب تفعيل نشاط إعادة التصدير الذي يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تؤكد المملكة التزامها بدورها باعتبار أنها قائد عالمي في القطاع البحري، موفرةً بيئة لوجستية متطورة تضمن كفاءة العمليات التشغيلية، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي العالمي.

إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

قطار الرؤية: شريان حديدي يربط المدن بالموانئ

استثمرت المملكة منذ وقت مبكر في بناء قطاع طيران قوي، انطلاقاً من إدراكها لأهمية التواصل مع العالم، وتسهيل وفود ضيوف الرحمن، بالإضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لشحن البضائع. وقد مر القطاع بمحطات تنظيمية مفصلية بدأت بتأسيس «مصلحة الطيران المدني»، و«الخطوط السعودية»، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال الهيكلي بتأسيس «الهيئة العامة للطيران المدني»، مما أرسى دعائم العمل المؤسسي الذي مهد الطريق لتحولات كبرى تتماشى مع المتطلبات الدولية المتنامية. ومع انبثاق «رؤية 2030»، استشرفت المملكة فرصاً استثنائية لتطوير قطاع الطيران، والمساهمة بفاعلية في النمو الاقتصادي، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط قارات العالم الثلاث. وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر إعادة تنظيم «الهيئة العامة للطيران المدني»، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض» و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران، وبرنامج الربط الجوي، اللذين استهدفا توسيع نطاق الوصول الدولي عبر مسارات جوية جديدة تربط المدن السعودية بالعواصم العالمية. وفي سياق تحديث البنية التحتية، تسارعت وتيرة إنشاء مطارات دولية كبرى، مع استمرار أعمال التطوير في كافة مناطق المملكة، مع تسريع إشراك القطاع الخاص في إدارة المطارات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي.

وبفضل هذه الجهود تحولت المطارات السعودية اليوم إلى مراكز ربط محورية تربط الوجهات العالمية، والإقليمية، مما ساهم في تحقيق قفزات نوعية في أعداد المسافرين، ونشاط الشحن الجوي، لتمضي المملكة بخطى ثابتة نحو مستهدفاتها الطموحة بربطها بـ250 وجهة عالمية عبر 29 مطاراً، لخدمة 330 مليون مسافر، ونقل 4.5 مليون طن من الشحن سنوياً بحلول عام 2030.

قطار تابع للخطوط الحديدية السعودية (الشرق الأوسط)

شبكة السكك الحديدية

بدأت قصة السكك الحديدية في المملكة باعتبارها ضرورة استراتيجية لربط العاصمة الرياض بميناء الدمام، مما أدى إلى تأسيس «المؤسسة العامة للسكك الحديدية» لتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البضائع.

ومع اتساع المشاريع التنموية، وخاصة في قطاع التعدين، تأسست «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار) لتمتد الشبكة، وتصل إلى أقصى شمال المملكة، صانعة بذلك بنية تحتية صلبة لنقل الركاب، والمعادن، والسلع التجارية بكفاءة عالية.

ومع إطلاق «رؤية 2030»، دخل قطاع السكك الحديدية مرحلة طموحة تستهدف تحقيق التكامل التام مع كافة القطاعات اللوجستية الأخرى.

وقد شهدت هذه المرحلة توسعاً غير مسبوق في تشغيل القطارات، مما جعل المدن السعودية أكثر ترابطاً؛ حيث اتصل شمال المملكة بوسطها، وشرقها، مما وفّر حلول نقل موثوقة، ومستدامة. كما تسارع العمل في «قطار الحرمين السريع» ليمثل نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، بربطه بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، بأعلى معايير السرعة، والأمان.

واليوم تمضي المملكة نحو مستقبل أكثر ترابطاً عبر مشاريع طموحة تدعم تنشيط الحركة السياحية، وتعزز الربط الإقليمي بين المدن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الشبكة المتطورة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم التنوع الاقتصادي، من خلال تقليل التكاليف اللوجستية، وتحسين موثوقية الخدمات، بما يرسخ مكانة المملكة باعتبار أنها مركز لوجستي عالمي يربط بين المراكز الصناعية، والموانئ، والمجتمعات الحضرية.

في الختام، يتضح أن التحول الجذري الذي شهده القطاع اللوجستي السعودي ليس مجرد سباق نحو الأرقام والمؤشرات، بل إعادة صياغة كاملة لـ«الهوية الاقتصادية للمملكة» لتكون الرابط الحيوي والموثوق للتجارة العالمية.


اتفاق أميركي أوروبي في قطاع المعادن لمواجهة الهيمنة الصينية

عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)
عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)
TT

اتفاق أميركي أوروبي في قطاع المعادن لمواجهة الهيمنة الصينية

عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)
عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)

وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الولايات المتحدة للتنسيق بشأن إمدادات المعادن الحيوية اللازمة من أجل قطاعات رئيسية، بينها الدفاع، في ظل ازدياد القلق من هيمنة الصين.

تمثل الاتفاقية تبنّياً نادراً من إدارة الرئيس دونالد ترمب لدور الاتحاد الأوروبي الذي تنتقده بشكل دائم، بينما تدعم شخصيات يمينية شعبوية داخل أوروبا.

وفرضت بكين قيوداً على صادرات المعادن الحيوية الضرورية من أجل منتجات، بينها أشباه الموصلات وبطاريات المركبات الكهربائية ومنظومات الأسلحة.

وأفاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لدى توقيعه مذكرة تفاهم مع مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش، بأن «التركّز المفرط لهذه الموارد، وهيمنة مكان أو اثنين عليها، يُعد خطراً غير مقبول».

من جانبه، أوضح شيفتشوفيتش للصحافيين أن الاتفاق «يضفي طابعاً رسمياً على شراكاتنا عبر سلسلة القيمة بأكملها، من الاستكشاف والاستخراج إلى المعالجة والتكرير وإعادة التدوير والاسترجاع».

وأضاف تعليقاً على إمكانية رد الصين على أي اتفاق محتمل للمعادن الحيوية بين عدة أطراف «بالنسبة لنا، يعد الأمر مسألة أمن اقتصادي. إنها مسألة تخطي الاعتماد» على جهة معيّنة.

وتابع أن التجارب مؤخراً كشفت مدى «تكلفة الاعتماد (على جهات معيّنة) وندفع ثمناً باهظاً لاعتمادنا (على جهات أخرى من أجل) مصادر وقودنا الأحفوري».

وأكد: «نرغب بكل بساطة بالتعلّم من هذه التجربة وامتلاك مجموعة أكثر تنوّعاً من المورّدين».

من جانبه، لفت روبيو إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً هما «أكبر مستهلكين ومستخدمين» للمعادن الحيوية.

وأضاف: «علينا أن نضمن أن هذه الإمدادات والمعادن ستكون متاحة من أجل مستقبلنا، وبطرق لا تكون محتكرة في مكان واحد أو مركّزة بشكل كبير في مكان واحد».

ونصّت خطة تحرّك على أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيبحثان تحديد حد أدنى لأسعار المعادن الحيوية، ما يمنع عملياً الصين أو غيرها من القوى الخارجية من إغراق الأسواق بصادرات زهيدة الثمن.

كما سيبحثان تنسيق أي حزم دعم أو مخزونات لهذه المعادن مع إمكانية تنسيق المعايير المشتركة لتسهيل التجارة عبر البلدان الغربية والاستثمار معاً في الأبحاث.

وأوضح ممثل المكتب التجاري الأميركي أن هذه الخطة ستكون الآلية الرئيسية «لتنسيق السياسات التجارية والإجراءات المتعلّقة بسلاسل إمداد المعادن الرئيسية مع رؤية للتوصل إلى اتفاق ملزم متعدد الأطراف بشأن التجارة».