أبحاث ترجّح وجود كواكب في مجرتنا صالحة للحياة

أبحاث ترجّح وجود كواكب في مجرتنا صالحة للحياة

بعد 11 سنة من إطلاق المركبة الفضائية «كبلر»
الأحد - 23 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 08 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15321]
رسم تخيلي للكوكب «كبلر-186ف» أول كوكب يماثل حجم الأرض ويدور في فلك نجم بعيد (ناسا)

تحليل للبيانات المرسلة من مركبة الفضاء «كبلر»، التابعة لـ«ناسا»، أظهر ضخامة عدد الكواكب الخارجية الصالحة للحياة المرجح وجودها في مجرتنا.

وشرعت مجموعة من علماء الفلك قبل عقد من الزمان في البحث عن إجابة لأحد أقدم الأسئلة التي عجز الفلاسفة والعلماء والكهنة وعلماء الفلك والصوفيين وبقية الجنس البشري في إيجاد إجابة لها، وهي: كم عدد الكواكب الشبيهة بالأرض في الكون؟ وإن وجدت، كم عدد الكواكب البعيدة الصالحة للعيش بالشكل الذي نعرفه؟

كانت الأداة التي استخدمها هؤلاء العلماء هي مركبة الفضاء البحثية «كبلر» التي أطلقت في مارس (آذار) 2009، في مهمة استمرت 3 سنوات ونصف لرصد 150 ألف نجم في بقعة من السماء في مجرة «درب التبانة»، واستكشفت تراجعاً طفيفاً في ضوء النجوم ناجماً عن كوكب خارجي يمر أمام نجمه الأصلي.

وعندما أطلقت المهمة العلمية في مارس (آذار) 2009، قال ويليام بوروكي، عالم الفلك بمركز أبحاث «أميس» التابع لوكالة «ناسا» المتقاعد حالياً: «إنها ليست رحلة لاستكشاف مخلوقات فضائية، بل لاكتشاف عوالمها». وكان الدكتور بوروكي هو الذي حلم بالمشروع، وقضى عقدين من الزمن في إقناع «ناسا» بالقيام بذلك.

وعندما انتهت مهمة المركبة الفضائية في عام 2018، كانت قد اكتشفت أكثر من 4 آلاف عالم محتمل بين تلك النجوم، لكن أياً منها لم تظهر فيه ولو علامة واحدة على الحياة (وإن اتسمت دراستها بالصعوبة نظراً لبعدها بمسافات شاسعة عن عالمنا). غير أنه من باب الاستقراء، يشير هذا الرقم إلى وجود بلايين من الكواكب الخارجية في مجرة درب التبانة، ولكن كم من هذه الكواكب يمكن أن يكون صالحاً للعيش؟

بعد تحليل بيانات «كبلر» على مدار عامين، توصل فريق مكون من 44 عالم فلك، بقيادة ستيف برايسون من مركز أبحاث «أميس» التابع لـ«ناسا»، إلى ما قالوا إنه الإجابة النهائية، على الأقل في الوقت الحالي، وقُبل بحثهم للنشر في «المجلة الفلكية».

كان الهدف الرسمي لـ«كبلر» هو قياس رقم يسمى «إيتا إيرث»، وهو بعض النجوم الشبيهة بالشمس التي لها جسم بحجم الأرض يدور حولها، فيما يعرف بـ«الأقفال الذهبية» أو المنطقة الصالحة للسكن، حيث يكون الجو دافئًا بدرجة كافية، بحيث يحتفظ السطح بالماء السائل.

وقد قدر الفريق أن ما لا يقل عن ثلث، وربما 90 في المائة، من النجوم المماثلة في الكتلة والسطوع لشمسنا تحتوي على صخور مثل الأرض في مناطقها الصالحة للسكن، وهذا في حدث ذاته ليس بالشيء الهين، وإن بدا لك كذلك.

ووفقًا لتقديرات وكالة «ناسا»، يوجد ما لا يقل عن 100 مليار نجم في مجرة درب التبانة، منها نحو 4 مليارات نجمة تشبه الشمس. وإذا كان 7 في المائة فقط من هذه النجوم لديها كواكب صالحة للسكن -في أقل تقدير- فقد يكون هناك ما يصل إلى 300 مليون من الكواكب المشابهة للأرض الصالحة للسكن داخل مجرة درب التبانة وحدها.

وفي هذا الإطار، قال رافي كومار كوبارابو، الباحث في مركز «جودارد» لرحلات الفضاء التابع لـ«ناسا» في «غرينبيلت» بولاية ماريلاند، أحد واضعي التقرير: «نريد أن نكون متحفظين للغاية في حالة وجود أي مفاجآت تخص الطبيعة وصلاحية العيش هناك؛ لذلك نحن نخفض التقديرات عن عمد».

وحسب علماء الفلك، في المتوسط، يجب أن يكون أقرب كوكب على هذا النحو على بعد نحو 20 سنة ضوئية، ويجب أن يكون هناك 4 منها على بعد 30 سنة ضوئية أو نحو ذلك من الشمس.

وفي السياق ذاته، قالت ناتالي باتالها، عالمة الفلك في جامعة كاليفورنيا التي كانت تدير مهام «كبلر» معظم فترات حياتها، أحد مؤلفي الكتاب الجديد: «لقد استغرق الأمر 11 عامًا من إطلاق المهمة البحثية حتى النشر، وهذه هي النتيجة العلمية التي كنا ننتظرها جميعًا، وهذا هو سبب اختيار (كبلر) للانطلاق في ديسمبر (كانون الأول) 2001».

وأشارت النتيجة الجديدة إلى أن المجرة تتمتع بضعف الخصوبة أو صلاحية الحياة، في مقابل تقديرات أحد التحليلات الأولية لبيانات «كبلر» عام 2013. فالنتيجة التي توصل إليها أندرو هوارد، وإريك بيتيجورا، وجيفري مارسي، الذين لم يكونوا جزءاً من فريق «كبلر»، هي أن نحو خمس النجوم الشبيهة بالشمس تؤوي كواكب في مناطقها الصالحة للسكن.

واستطردت الدكتورة ناتالي باتالها قائلة إن إحدى التحسينات هذه المرة تمثلت في إضافة بيانات من القمر الصناعي الأوروبي «غايا» الذي قام بقياس موقع وسطوع نحو مليار نجم. وقد سمحت معرفة ذلك لعلماء «كبلر» برسم المناطق الصالحة وسط هذه النجوم بدقة أكبر.

وكان هناك تحسن آخر، تمثل في التعامل بشكل أفضل مع الإحصائيات، رغم أن «الاستطلاعات غير مكتملة بطبيعتها»، بحسب الدكتورة ناتالي، حيث لا يمكن مراقبة كل نجم على حدة.

وفي حالة مركبة الأبحاث «كبلر»، كان هذا التحديد خطيراً، حيث فشل نظام توجيه المركبة الفضائية قبل أن تتمكن «كبلر» من إكمال مسحها الأساسي الذي حصرته في اكتشاف الكواكب ذات الفترات المدارية التي لا تقل عن 700 يوم، نحو ضعف مدة السنة على كوكب الأرض.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني، أفاد ديفيد شاربونو، من مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، بأنه كان متشككاً بعض الشيء في النتائج، قائلاً: «لم تكتشف مهمة (كبلر) الكثير (وربما أي) من النظائر الحقيقية للأرض، أو أي كواكب لها نصف قطر الأرض نفسه، وتدور في الفترة نفسها، وبالتالي تتلقى كمية الضوء نفسها، وتدور حول نجوم شبيهة بالشمس.

ومن جانبها، قالت الدكتورة ناتلي: «ليس لدينا حتى الآن أي كوكب مرشح ليكون نظيراً دقيقاً للأرض، من حيث الحجم أو المدار أو نوع النجم». ولذلك، كان على علماء الفلك استقراء البيانات من الكواكب التي رأوها بالفعل.

ورغم أن الكواكب التي رصدتها «كبلر» تقارب حجم الأرض -من نصف إلى مرة ونصف حجم الأرض- ويفترض أنها صخرية، فلا أحد يعرف كيف تبدو تفاصيلها، وما إذا كان أي شيء يعيش أو يمكن أن يعيش عليها، فهي أبعد من أن نستطيع دراستها بتفاصيل أكبر. نحن نعرف حتى الآن كوكباً واحداً فقط يأوي حياة، هو كوكبنا.

وكانت هناك كثير من الفرص والاحتمالات التي لم تصادف المركبة «كبلر» أياً منها حتى الآن. فقياس مركبة الأبحاث «كبلر» يتعلق فقط بكوكب الأرض ونجوم مثل الشمس، لكن في المجرة هناك ما يفوق تلك النجوم عدداً، لكنها نجوم أصغر وباهتة، تُعرف باسم «الأقزام الحمراء». كما أن ربع إلى نصف «الأقزام الحمراء» تؤوي أيضاً كواكب صالحة للسكن، وفقاً للباحث كورتني دريسينج الذي يعمل حالياً بجامعة كاليفورنيا، رغم أن بعض علماء الفلك قلقون من أن التوهجات الإشعاعية الصادرة عن مثل هذه النجوم ستؤدي إلى تدمير أي حياة محتملة هناك. والجدير بالذكر أن «كويكبات القزم الأحمر» لم يتضمنها التحليل الجديد.

وتعد «كويكبات القزم الأحمر» ذات صلة بموضوع البحث عن الحياة لأن مركبة الأبحاث «كبلر» نقلت الشعلة والمهام إلى مركبة فضائية تسمى «ترانسيتنغ إكسبلوتنت سيرفي ستاليت»، تم إطلاقها في عام 2018 لمسح السماء بحثاً عن الكواكب الخارجية التي تبعد مئات السنين الضوئية عن الأرض. وقد اكتشفت حتى الآن 66 كوكباً خارجياً جديداً، وقامت بتصنيف أكثر من 2000 كوكب مرشح للحياة.

وفي السياق ذاته، قال جورج ريكر، عالم الفيزياء الفلكية في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» الباحث الرئيسي في المهمة، في رسالة بالبريد الإلكتروني، إنه كان من المتوقع أن يتم العثور على معظم هذه الكواكب تدور حول «الأقزام الحمراء»، مضيفاً: «نظراً لأن نحو ثلاثة أرباع النجوم في الجوار الشمسي أقزام، فهذا يترك مساحة اكتشاف كبيرة جداً لمركبة الأبحاث الجديدة (ترانسيتنغ إكسبلوتنت) خلال العقد المقبل».

وقال الدكتور باتالها إن العلماء الشباب في المستقبل قد يجدون طريقة ما لتحسين معرفة الكواكب الصخرية التي تتخلل النجوم (أيتا أيرث)؛ سيكون هذا هو المعيار الفعلي».

ويعد تقييم «أيتا أيرث» عاملاً مهماً غير معروف حتى الآن في تعبير رياضي يُعرف باسم «معادلة دريك» التي يستخدمها علماء الفلك لتقدير عدد الحضارات التكنولوجية التي قد توجد في المجرة، وأننا قد نكون قادرين على التواصل مع تلك الحضارات بالراديو أو بأي وسيلة أخرى في يوم كوني.

حان الوقت للانتقال إلى العامل التالي في «معادلة دريك» للحضارات خارج كوكب الأرض، وهو ذلك الجزء الضئيل من هذه العوالم الذي ظهرت عليه الحياة. إن البحث حتى عن قالب طين واحد على بعض الصخور الغريبة سيحدث ثورة في علم الأحياء، وهي خطة العمل خلال نصف القرن المقبل، حيث يواصل البشر تسلق الكون في رحلة لا نهاية لها لوضع حد لوحدتنا الكونية.


- خدمة «نيويورك تايمز»


أميركا علوم الفضاء

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة