نمو الكتلة النقدية يوفر بيئة لاندماج محتمل في القطاع المصرفي السعودي

عضو في مجلس الشورى لـ«الشرق الأوسط»: أسعار النفط وارتفاع الطلب المحلي وحركة المشاريع مؤشرات محفزة

البنوك لفرص اندماج سانحة تقوي قطاع الأنشطة المصرفية في السعودية (الشرق الأوسط)
البنوك لفرص اندماج سانحة تقوي قطاع الأنشطة المصرفية في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

نمو الكتلة النقدية يوفر بيئة لاندماج محتمل في القطاع المصرفي السعودي

البنوك لفرص اندماج سانحة تقوي قطاع الأنشطة المصرفية في السعودية (الشرق الأوسط)
البنوك لفرص اندماج سانحة تقوي قطاع الأنشطة المصرفية في السعودية (الشرق الأوسط)

توقع مختص في مجلس الشورى السعودي أن تنمو كتلة المؤشرات النقدية في الاقتصاد السعودي إلى أكثر من 12 في المائة خلال الفترة المقبلة، مع نمو حجم الإقراض بما يتوازى مع الانفتاح الاقتصادي الذي تعيشه السوق السعودية، متوقعا أن هذا النمو سيفرز إعلان تحالفات جديدة محتملة في القطاع المصرفي خلال الفترة المقبلة.
وبحسب تصريحات خاصة، أرجع عضو مجلس الشورى في حديث لـ«الشرق الأوسط» نمو الكتلة النقدية المتوقع نظير ما تعززه عوامل جارية حاليا في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، كذلك ارتفاع الطلب على الشراء تدريجيا مع انتهاء جائحة كورونا، إضافة إلى حجم المشاريع والتنوع الاقتصادي الذي تعيشه السعودية والذي مكنها من تخطي الجائحة بدعم مباشر من الحكومة للقطاع الخاص.
وتأتي هذه التوقعات بعد إعلان محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أحمد الخليفي في مؤتمر صحافي أعقب الاجتماع الوزاري لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية منتصف الأسبوع، أن مؤشرات الكتلة النقدية المتنامية بنسبة 9 في المائة، والإقراض بأشكاله (العقاري والتجاري والاستهلاكي) صعد 13 في المائة، ما يعطي علامات واضحة بانتعاش الاقتصاد السعودي رغم جائحة كورونا.
ويعزز قوة الاقتصاد السعودية ما أعلنته وكالة «فيتش» العالمية في وقت سابق أن السعودية تمتلك أحد أكبر الأصول السيادية مما يجعلها تستحق نظرة مستقبلية مستقرة، بالإضافة لإعلان سابق من وكالة «موديز» التي وضعت السعودية عند تصنيف A1 مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وسجلت السيولة في الاقتصاد السعودي أعلى مستوياتها في منتصف أغسطس (آب) 2.04 تريليون ريال (544 مليار دولار)، فيما ارتفع عرض النقود بحسب مؤسسة النقد العربي السعودي في آخر إحصائياتها إلى 0.93 في المائة. وتسهم زيادة المعروض النقدي وخفض أسعار الفائدة «سياسة نقدية توسعية»، في تعزيز الطلب الكلي، الذي يدعم الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف، وتعد هذه السياسة عاملا محوريا في الحد من البطالة والانكماش الاقتصادي الذي ضرب عواصم الاقتصاد حول العالم.
وفي جانب الاندماج المتوقع لبنوك سعودية، قال رئيس اللجنة المالية في مجلس الشورى السعودي صالح الخليوي إن «الاندماجات لم تتبلور ملامحها حتى الآن وربما تكون هناك صفقة استحواذ»، لافتا إلى أنها ستفرز كياناً كبيراً ينتج عنه تخفيض في النفقات، مشيرا إلى أن الاندماجات تعزز قدرة الكيانات المصرفية التي تمتلك مخزونا كبيرا من الاحتياطات التي تمكنها من الاستقرار الاقتصادي والمالي.
وزاد الخليوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن جميع المؤشرات والمعطيات الصادرة من الجهات المعنية تؤكد على قوة ومتانة الاقتصاد السعودي، الذي تمكن من تخطي جائحة كورونا وتخفيف الآثار السلبية باتخاذها جملة من الإجراءات لدعم القطاع الخاص، الأمر الذي أسهم في معايشة هذه الأزمة والتعامل معها وفق المعطيات للخروج وبشكل تدريجي من أزمة عصفت بالعديد من دول العالم.
وأضاف الخليوي، أن التوقعات تتجه في نمو وارتفاع الكتلة النقدية لتتجاوز 9 في المائة، كذلك الإقراض سيتجاوز 13 في المائة في كل أشكاله، مرجعا ذلك إلى عوامل عدة، منها ضخامة الاقتصاد السعودي، وما يسجل في الأسواق العالمية من ارتفاع في أسعار النفط والتي عادت إلى شبه وضعها الطبيعي ويتوقع أن يستمر هذا الارتفاع في الأسواق العالمية.
واستطرد «هذا الارتفاع سيصل إلى ذروته مع انتهاء جائحة كورونا، كما سيعزز دور الدول المنتجة للنفط لإنعاش اقتصادها».
ولم يفصح رئيس اللجنة المالية في مجلس الشورى، عن حجم هذه الزيادة في المرحلة المقبلة، إلا أنه أكد على أن المؤشرات الاقتصادية وما يحدث في السوق المحلية من تحالفات بنكية وقوة الاحتياط النقدي، يعزز هذا النمو إلى مستويات أكثر من ممتازة، خاصة أن هناك جملة من المشاريع الحيوية والكبرى التي يجري تنفيذها.
وعن التحالفات المصرفية، توقع الخليوي وجود تحالفات بنكية جديدة تدعم الاقتصاد المحلي ستسهم في تقليص الفجوة والفروقات بين البنوك الكبرى والصغرى، موضحا أن التحالفات البنكية مهمة وذات أبعاد اقتصادية كبيرة.
وقال «التحالفات لا تأتي على حساب البنوك الأخرى... لا ضير أن تكون هناك تحالفات لإنشاء بنوك مصرفية كبيرة تكون على مستوى المنطقة وتلعب دورا محوريا في المرحلة المقبلة... وهو الأمر الذي تشجع عليه الجهات المعنية لتكون رافدا في الاقتصاد السعودي».
وشهد الأسبوع المنصرم الإعلان عن اندماج مصرفي سعودي سيولد أكبر بنوك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر عملية اندماج بين البنك الأهلي التجاري السعودي ومجموعة سامبا المالية، حيث ينتظر أن يؤدي الاندماج لقيام مؤسسة مصرفية تمتلك أصولا بقيمة 837 مليار ريال (223 مليار دولار)، كما سيساهم في تحقيق وفورات سنوية في التكاليف بقيمة 800 مليون ريال (213 مليون دولار).


مقالات ذات صلة

الرميان: الحوكمة القوية تدعم طموح «السيادي» السعودي في جذب رؤوس الأموال

الاقتصاد ياسر الرميان في جلسة حوارية ضِمن فعاليات مبادرة مستقبل الاستثمار بالسعودية (واس)

الرميان: الحوكمة القوية تدعم طموح «السيادي» السعودي في جذب رؤوس الأموال

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ياسر الرميان، أن المستثمرين لا ينظرون إلى الأداء المالي فحسب، بل كذلك إلى جودة الحوكمة واتخاذ القرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال مجموعة «stc» تستعرض بالتعاون مع شركة البحر الأحمر الدولية نظاماً افتراضياً ذكياً لإدارة العمليات في وجهات في البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

مجموعة «stc» تقدم لمحة عن مستقبل نظم إدارة الوجهات الذكية خلال «ليب 2026»

تستعرض مجموعة «stc» بالتعاون مع شركة البحر الأحمر الدولية، نظاماً افتراضياً ذكياً لإدارة العمليات في ثلاث وجهات في البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المهندس عبد الله العبد الكريم برفقة وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال جولة على مرافق الحفل (الشرق الأوسط)

خاص عين السعودية على 18 سلعة استراتيجية لأمن إمداد المياه والتصدير خارجياً

من تأمين احتياجات منظومة المياه إلى بناء صناعة قابلة للتصدير، تتجه السعودية إلى توطين 18 سلعة استراتيجية ترتبط بمكونات رئيسية في قطاع المياه.

بندر مسلم (الرياض)
خاص المركز المالي في الرياض (كافد)

خاص سوق الدين السعودية تتوسع... الحكومة والبنوك والشركات في سباق التمويل

تتوسَّع سوق الدين السعودية مع إصدارات حكومية ومصرفية وشركات، وسط طلب دولي قوي، وتحديات تتعلق بتكلفة الاقتراض واستدامة الدين.

عبير حمدي (الرياض)
خاص توسّع الذكاء الاصطناعي يرفع حجم المخاطر السيبرانية مع ازدياد عدد الوكلاء الرقميين والهويات التي تحتاج إلى حماية واستعادة (أدوبي)

خاص كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

تبحث مؤسسات سعودية تعزيز قدرتها على التعافي من الهجمات السيبرانية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المملكة

نسيم رمضان (الرياض)

قطاع الخدمات الأميركي ينتعش في أغسطس بدعم من قوة الطلب

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة على نافذة مطعم للوجبات السريعة في إنسينيتاس بكاليفورنيا (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة على نافذة مطعم للوجبات السريعة في إنسينيتاس بكاليفورنيا (رويترز)
TT

قطاع الخدمات الأميركي ينتعش في أغسطس بدعم من قوة الطلب

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة على نافذة مطعم للوجبات السريعة في إنسينيتاس بكاليفورنيا (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة على نافذة مطعم للوجبات السريعة في إنسينيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

انتعش نشاط قطاع الخدمات الأميركي، في أغسطس (آب)، مدفوعاً بقوة الطلب التي دفعت الطلبات الجديدة إلى أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات ونصف السنة، كما أدت إلى ارتفاع أسعار المُدخلات، في مؤشر على احتمال استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، بما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.

وقال معهد إدارة التوريد، يوم الخميس، إن مؤشر مديري المشتريات للقطاعات غير الصناعية ارتفع إلى 55.4 الشهر الماضي، من 54.1 في يوليو (تموز). وتشير القراءة فوق مستوى 50 إلى نمو النشاط في قطاع الخدمات، الذي يمثل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي الأميركي.

كان اقتصاديون، استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقعوا ارتفاع المؤشر إلى 54.2. ويتماشى المستوى الحالي للمؤشر مع نمو اقتصادي قوي، خلال الربع الثالث.

وارتفع مؤشر الطلبات الجديدة التي تلقتها شركات الخدمات، وفقاً للمسح، إلى 60.9، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط) 2023، مقارنة مع 57.2 في يوليو.

ويتزامن هذا الارتفاع في الطلبات مع قوة الطلب المحلي، التي تُعزى جزئياً إلى طفرة الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

ومع استمرار الطلب دون مؤشرات واضحة على التراجع، ظلت سلاسل التوريد تحت ضغوط كبيرة، الشهر الماضي. وانخفض مؤشر تسليمات المورّدين إلى 51.3، من 52.8 في يوليو.

وتشير القراءة فوق مستوى 50 إلى تباطؤ عمليات التسليم. وسجل المؤشر تباطؤاً، للشهر الحادي والعشرين على التوالي، مما أسهم في زيادة أسعار المُدخلات.

وتأثرت عمليات تسليم المورّدين، في البداية، بالرسوم الجمركية على الواردات، قبل أن تتلقى ضغوطاً إضافية مؤخراً بفعل الحرب التي دخلت شهرها السابع.

وارتفع مؤشر أسعار المدخلات التي تدفعها الشركات، وفقاً للمسح، إلى 72.6، من 70.3 في يوليو، مما يشير إلى احتمال بقاء التضخم أعلى من هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي، البالغ 2 في المائة لبعض الوقت.

كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، قد قال، الأسبوع الماضي، إن البنك المركزي «سيواجه تحديات» إذا لم يحصل صُناع السياسات على الثقة اللازمة بأن التضخم يتجه نحو هدف 2 في المائة.

وتتوقع الأسواق المالية، وفقاً لأداة «فيد ووتش»، التابعة لمجموعة «سي إم إي»، احتمالاً يبلغ نحو 64 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، في اجتماعه المقرر يومي 15 و16 سبتمبر. ويتراوح سعر الفائدة حالياً بين 3.50 في المائة و3.75 في المائة.

وعلى الرغم من قوة الطلبات، ظل التوظيف في قطاع الخدمات ضعيفاً، الشهر الماضي.

ويقول اقتصاديون إن الشركات لا تزال مترددة في زيادة أعداد موظفيها، في ظل حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية. ولم يشهد المؤشر الفرعي للتوظيف في المسح تغيراً يُذكر، إذ استقر عند 47.8، مما يشير إلى احتمال انخفاض الوظائف غير الزراعية في أغسطس.

ويتوقع استطلاع، أجرته «رويترز» لآراء اقتصاديين، أن تعلن وزارة العمل، يوم الجمعة، زيادة قدرها 56 ألف وظيفة، الشهر الماضي، بعد انخفاض مفاجئ بلغ 23 ألف وظيفة في يوليو. ويعكس هذا التعافي جزئياً عودة وظائف قطاع التعليم في الحكومات المحلية.

ومع ذلك، يستعد بعض الاقتصاديين لتسجيل انخفاض في الوظائف، للشهر الثاني على التوالي، بعد انتهاء العمل مؤخراً بنظام الحماية المؤقتة لمئات الآلاف من الهايتيين، مما أثّر على تصاريح عملهم.


هولندا تُبعد ذهبها عن أميركا... وتحصّنه في لندن تحسباً للأزمات

دورية من عناصر الشرطة الهولندية في روتردام (أ.ف.ب)
دورية من عناصر الشرطة الهولندية في روتردام (أ.ف.ب)
TT

هولندا تُبعد ذهبها عن أميركا... وتحصّنه في لندن تحسباً للأزمات

دورية من عناصر الشرطة الهولندية في روتردام (أ.ف.ب)
دورية من عناصر الشرطة الهولندية في روتردام (أ.ف.ب)

أعلن البنك المركزي الهولندي نقل نحو 86 طناً مترياً من الذهب من الولايات المتحدة وكندا إلى لندن، في خطوة وصفها بأنها جزء من تعزيز الاستعداد لمواجهة الأزمات في ظل تصاعد الاضطرابات السياسية عالمياً.

وأوضح البنك المركزي الهولندي أن عملية النقل تمت بين مارس (آذار) وأغسطس (آب)، وشملت الذهب الموجود في خزائن بمدينة نيويورك وبالعاصمة الكندية أوتاوا.

وقبل العملية، كانت نيويورك تستضيف 31.3 في المائة من احتياطيات الذهب الهولندية، في حين كانت أوتاوا تضم 19.7 في المائة. وبعد إعادة التوزيع، انخفضت حصة كل من المدينتين إلى 18.5 في المائة.

ويمتلك البنك المركزي الهولندي، المعروف اختصاراً بـ«دي إن بي»، نحو 612.4 طن من الذهب، بلغت قيمتها 72.2 مليار يورو، أي نحو 83.6 مليار دولار، بنهاية عام 2025.

وقال محافظ البنك أولاف سلييبن إن إعادة توزيع الذهب أدت إلى تحسين قابلية تداوله، مضيفاً أن البنك يتوقع ألا يضطر إلى استخدام احتياطياته من الذهب، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تعزيز قدرته على الصمود والاستعداد لمواجهة الأزمات.

لندن مركز أكثر جاهزية

وشملت العملية نقل أكثر من 27 طناً من الذهب فعلياً من الولايات المتحدة وكندا إلى خزائن البنك الهولندي شديدة الحراسة في قاعدة عسكرية بالقرب من مدينة زيست وسط هولندا، من دون أن يكشف البنك عن تفاصيل كيفية نقل السبائك عبر المحيط الأطلسي.

وفي المقابل، جرى نقل كمية مماثلة تقريباً من الذهب من خزائن زيست إلى لندن.

أما الكمية المتبقية من عملية إعادة التموضع، فتم التعامل معها عبر بيع نحو 59 طناً من الذهب في نيويورك، واستخدام عائدات البيع لشراء كمية مماثلة في لندن.

ويأتي اختيار لندن استناداً إلى قابلية الذهب المخزن لدى «بنك إنجلترا» للتداول وفق المعايير الدولية الحديثة؛ إذ يعدّه البنك الهولندي من أكثر أنواع الذهب سهولة في التداول عالمياً، وبالتالي الأكثر قدرة على توفير السيولة سريعاً في حال وقوع أزمة.

وأوضح البنك أن الذهب المخزن في نيويورك وأوتاوا لا يمكن استخدامه بالسرعة والمباشرة نفسيهما في مثل هذه الظروف.

وتعكس الخطوة أهمية متزايدة لموقع تخزين الذهب إلى جانب حجم الاحتياطيات نفسها؛ إذ أصبح الوصول السريع إلى الأصول والسيولة في أوقات الأزمات عاملاً مهماً في إدارة الاحتياطيات الرسمية، في ظل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين في النظام المالي العالمي.


التجارة الإلكترونية الصينية تدخل عصر التوصيل الفوري

عامل توصيل تابع لشركة «ميتوان» الصينية في مركز تجاري بالعاصمة بكين (رويترز)
عامل توصيل تابع لشركة «ميتوان» الصينية في مركز تجاري بالعاصمة بكين (رويترز)
TT

التجارة الإلكترونية الصينية تدخل عصر التوصيل الفوري

عامل توصيل تابع لشركة «ميتوان» الصينية في مركز تجاري بالعاصمة بكين (رويترز)
عامل توصيل تابع لشركة «ميتوان» الصينية في مركز تجاري بالعاصمة بكين (رويترز)

دخلت التجارة الإلكترونية الصينية مرحلة جديدة بعد عام من حرب أسعار مكلفة بين «ميتوان» و«علي بابا» و«جيه دي دوت كوم»؛ إذ لم تعد المنافسة تتركز على كوبونات توصيل الطعام والخصومات المجانية، بل انتقلت إلى سباق أوسع للاستحواذ على مشتريات المستهلك اليومية، من البقالة ومستحضرات التجميل إلى الإلكترونيات والأدوية، وتسليمها في غضون ساعة.

وتراهن الشركات الصينية على أن مليارات الدولارات التي أنفقتها خلال حرب الدعم لم تذهب بالكامل هدراً، بعدما أسهمت في تغيير توقعات المستهلكين، خصوصاً في المدن الكبرى. فقد أصبح عامل السرعة جزءاً أساسياً من قرار الشراء؛ ما فتح الباب أمام ما يعرف بـ«التجزئة الفورية» لتصبح ساحة المنافسة الجديدة في أكبر سوق للتجارة الإلكترونية في العالم.

وقال شاوهوي تشين، المدير المالي لشركة «ميتوان»، إن التجارة السريعة أعادت بصورة جوهرية تشكيل توقعات المستهلكين بشأن الراحة والموثوقية، واصفاً التحول بأنه «لا رجعة فيه» في أنماط الحياة.

وتقدر دراسة لوزارة التجارة الصينية أن تصل قيمة سوق التجزئة الفورية إلى 1.2 تريليون يوان، أي نحو 178 مليار دولار، بنهاية العام، على أن تنمو بمعدل سنوي متوسط يبلغ 12.6 في المائة حتى 2030.

ولا تكمن الفرصة الأكبر بالنسبة إلى المنصات في توصيل الوجبات والمشروبات، حيث الهوامش محدودة والمنافسة شديدة، بل في استغلال الزيارات المتكررة للتطبيقات لدفع المستخدمين نحو شراء سلع غير غذائية ذات قيمة وهوامش ربح أعلى.

تغير العادات

وتظهر تجربة المستهلكين كيف تغيرت العادات بالفعل. فقد طلبت جيانغ يانشين، وهي من سكان بكين، دمية أثناء توجهها للقاء أصدقائها لتناول الغداء، ليصل مندوب التوصيل إلى المطعم بالمنتج بحلول وصولها. وقالت إنها اعتادت التسوق بهذه الطريقة: بمجرد التفكير في منتج، تطلبه وتتوقع الحصول عليه فوراً.

ويرى إد ساندر، المحلل في «تقرير تجارة التجزئة الرقمية في الصين»، أن المستهلكين في المدن الكبرى أصبحوا معتادين بالفعل على خدمات التجزئة الفورية؛ وهو ما يفسر شدة المنافسة بين المنصات، لأن انتشار النموذج الجديد قد يأتي على حساب قنوات التجزئة التقليدية.

لكن بناء هذه العادة جاء بتكلفة باهظة، فقد أنفقت «ميتوان» و«علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» مليارات الدولارات على القسائم والتوصيل المجاني والحوافز المقدمة للتجار، في سباق استنزف الأرباح وأثار قلق الجهات التنظيمية.

واستدعت هيئة تنظيم السوق الشركات الكبرى مرات عدّة خلال العام الماضي بسبب ممارساتها التنافسية، وطالبت بتوفير حماية أفضل للمستهلكين والتجار وعمال التوصيل. وفي أبريل (نيسان)، فرضت السلطات غرامات إجمالية قدرها 3.6 مليار يوان على شركات بسبب مخالفات لمعايير السلامة في توصيل الوجبات.

تدخل صارم

وقال محلل صناعة الأغذية تشو دانبنغ إن المنافسة الحادة انتهت بعد التدخل الحكومي الصارم، موضحاً أن المستهلكين استفادوا من حرب الأسعار، لكن أصحاب المطاعم الصغيرة تحملوا جانباً من أضرارها.

ولم تكن المنصات بمنأى عن التكلفة، فقد تحولت «ميتوان» إلى الخسارة خلال العام الماضي، وتراجعت ربحية «علي بابا»، في حين كادت أرباح «جيه دي دوت كوم» تتلاشى. كما ظهرت تشوهات لدى التجار المستفيدين من الدعم؛ إذ سجلت «لوكين كوفي» انخفاضاً بنسبة 5.3 في المائة في مبيعات المتاجر القائمة خلال الربع الثاني، مقارنة بزيادة 13.8 في المائة قبل عام، وسط تأثير قاعدة المقارنة المرتفعة التي خلقتها إعانات منصات توصيل الطعام.

ورغم انتهاء المرحلة الأكثر شراسة من حرب الأسعار، فقد أعادت المنافسة توزيع الحصص السوقية. وأظهرت بيانات «أناليسيس» أن «تاوباو إنستانت كوميرس» التابعة لـ«علي بابا» استحوذت على 45.7 في المائة من سوق التجزئة الفورية خلال الربع الثاني، متقدمة بفارق طفيف على «ميتوان» التي بلغت حصتها 45.3 في المائة، في حين استحوذت «جيه دي دوت كوم» على 7.7 في المائة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن «ميتوان» كانت تهيمن قبل حرب الأسعار الأخيرة على ما بين 75 و80 في المائة من سوق توصيل الوجبات، وفق تقديرات سابقة لـ«غولدمان ساكس». لكن المنافسة أصبحت الآن أوسع من الطعام، ما يمنح «علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» فرصة أكبر للاستفادة من خبرتهما في تجارة السلع.

أرباح مستدامة

ويبقى السؤال ما إذا كانت المنصات قادرة على الاحتفاظ بالمستخدمين بعد تقليص الخصومات، وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المنافسة في تحويل النمو في عدد المستخدمين أرباحاً مستدامة.

وتشير نتائج الشركات إلى أن هذا التحول بدأ بالفعل. فقد قفزت إيرادات التجزئة الفورية لدى «علي بابا» 45 في المائة على أساس سنوي إلى 53.3 مليار يوان. كما أعلنت «جيه دي دوت كوم» تقلص خسائر القطاع بصورة ملحوظة، في حين عادت «ميتوان» إلى تحقيق أرباح إجمالية للمرة الأولى في نحو عام مع انخفاض الإنفاق على الدعم.

وقال ليو شينغ ليانغ، مدير «مركز بيانات الإنترنت الصيني» في بكين، إن الصناعة انتقلت من مرحلة جذب المستخدمين بالدعم إلى مرحلة الاحتفاظ بهم، وتوسيع نطاق المنتجات، وحساب الجدوى الاقتصادية لكل طلب.

وتظهر ملامح هذه المرحلة في انتقال الإنفاق من التسويق إلى البنية التحتية. فـ«ميتوان» تبني متاجر سوبر ماركت لتوسيع نشاط البقالة، في حين تعمل «علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» على إنشاء «متاجر مظلمة» مخصصة للطلبات الإلكترونية ومستودعات فائقة السرعة داخل الأحياء المكتظة؛ بهدف تجهيز وتسليم المنتجات خلال ساعة.

ويعني ذلك أن المنافسة المقبلة لن يحسمها بالضرورة الطرف الأكثر سخاءً في تقديم القسائم، بل المنصة القادرة على بناء شبكة مخزون وتوصيل تحقق السرعة بأقل تكلفة، وتوفر تشكيلة واسعة من المنتجات مع المحافظة على هوامش ربح مقبولة.

وهكذا، قد يكون الإرث الأهم لحرب الأسعار الصينية هو نجاحها في تغيير سلوك المستهلك أكثر من تحديد فائز واضح بين المنصات. فإذا ترسخت عادة «الشراء الآن والاستلام خلال ساعة»، فإن التجارة الفورية لن تبقى امتداداً لخدمات توصيل الطعام، بل قد تصبح نموذجاً جديداً للتجزئة الصينية، يضغط على المتاجر التقليدية ويعيد تشكيل استثمارات عمالقة الإنترنت في اللوجستيات والمخزون. وبعد مرحلة شراء العملاء بالدعم، تبدأ الآن المعركة الأصعب وهي كيفية تحقيق الربح منهم.