وزير مالية كردستان لـ {الشرق الأوسط}: أبوابنا مفتوحة أمام دول الخليج للاستثمار

حملان قال إن الإقليم أنفق 45 مليون دولار من واردات نفطه للنازحين

ريباز حملان
ريباز حملان
TT

وزير مالية كردستان لـ {الشرق الأوسط}: أبوابنا مفتوحة أمام دول الخليج للاستثمار

ريباز حملان
ريباز حملان

قال وزير المالية والاقتصاد في حكومة إقليم كردستان ريباز محمد حملان، إن الإقليم مر بأوضاع اقتصادية صعبة خلال عام 2014؛ بسبب تدهور العلاقات بين أربيل وبغداد، وأشار إلى أن الاتفاق الحالي بين العاصمتين سيدخل نطاق التطبيق مع بداية العام المقبل 2015، وبين في حوار مع «الشرق الأوسط» أن الإقليم سيعمل من أجل زيادة إنتاج النفط وتصديره وإيصاله إلى أعلى المستويات، مؤكدا أن أبواب الإقليم مفتوحة لدول الخليج العربية وكل دول العالم الأخرى للاستثمار في جميع المجالات في كردستان. وأكد حملان أن الإقليم أنفق 45 مليون دولار من واردات نفطه على النازحين. وإلى تفاصيل الحوار
* أين وصلت الأزمة الاقتصادية في الإقليم؟
- الوضع الاقتصادي في الإقليم مر بفترة معقدة من مرحلة صعبة، فمنذ بداية عام 2014 الحالي قطعت الحكومة الاتحادية في بغداد حصة الإقليم من الميزانية البالغة 17 في المائة، ومع هذا الإجراء بدأت الأزمة الاقتصادية في الإقليم، وبعد دخول تنظيم داعش للعراق في بداية يونيو (حزيران) الماضي، أصبحت الأزمة الاقتصادية في الإقليم أكثر عمقا، الأمر الذي أثقل كاهل جميع أطياف شعب كردستان.
ومع توسع المعركة مع «داعش»، واجه الإقليم موجة نزوح كبيرة، حيث بلغ عدد النازحين الذي دخلوا الإقليم أكثر من 1.5 مليون شخص، وهذا ولَّد ضغطا على الإقليم من الناحية الاقتصادية والمالية، تمثلت بمصاريف قوات البيشمركة التي تقاتل «داعش» على طول حدود تبلغ 1050 كم، ومصاريف النازحين من توفير الطعام والماء والمخيمات والدواء والأمن لهم.. الأمر الذي سلط ضغط كبيرا على الوضع الاقتصادي.
وبعد ذلك توصل الإقليم إلى اتفاق مع الحكومة الاتحادية في أربيل تمثل بتصدير الإقليم 150 ألف برميل من النفط يوميا، مقابل أن ترسل بغداد مبلغ مليار دولار لكردستان حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وبعد ذلك توجه وفد من إقليم كردستان يتألف من اللجنة العليا للنفط والغاز برئاسة نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم إلى بغداد، واجتمعنا هناك مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وتوصلنا إلى اتفاق يبدأ تطبيقه من الأول من يناير (كانون الثاني) المقبل، لكن هذا العام الذي نشهد أيامه الأخيرة الآن، كان عاما صعبا جدا للإقليم، تمكنت حكومة الإقليم، بالتعاون مع المواطنين، من اجتياز كل ما هو سيئ في هذه المرحلة.
* كم صرفت حكومة الإقليم لحد الآن من ميزانيتها الخاصة للنازحين؟
- صرفت حكومة إقليم كردستان من واردات بيع النفط 45 مليون دولار للنازحين، بالإضافة إلى الميزانيات المخصصة لوزارات البلديات والداخلية والصحة والتربية، التي تقدم وباستمرار الخدمات للنازحين، حيث توفر وزارة البلديات الأراضي لإنشاء المخيمات وتوفير الخدمات لها، أما وزارة الداخلية فتوفر الأمن لهذه المخيمات، فيما وفرت وزارة الصحة المستلزمات الطبية لهم، وعملت وزارة التربية على توفير التعليم لكي لا يحرم قسم من هؤلاء النازحين من التعليم، ووفرت وزارة المالية في حكومة الإقليم التخصيصات المالية لهذه الوزارة لتقديم الخدمات للنازحين، وساهمت مع هذه الوزارات في تقديم الأفضل للنازح في الإقليم، وكذلك منظمات الأمم المتحدة والعراق قدموا مساعدات للنازحين، لكن هذه المساعدات لم تكن عن طريق الإقليم، بل كانت تقدم من قبل الجهة المانحة مباشرة للنازحين.
* وكم صرف الإقليم لقوات البيشمركة، خاصة أن البيشمركة تخوض الآن حربا على جبهات واسعة ضد «داعش»؟
- صرفنا لحد الآن لقوات البيشمركة 70 مليون دولار، لكن هذه المصاريف لا تشمل الأسلحة؛ لأن الأسلحة التي وصلت الإقليم لحد الآن هي منح مقدمة من دول العالم.
* الاتفاقية التي أبرمتها حكومة الإقليم مع بغداد، هل هناك ضمانات لنجاحها واستمرارها خلال العام المقبل 2015؟
- أربيل وبغداد كلتاهما كانت بحاجة إلى هذا الاتفاق، فكما تعلم نحن الطرفين نواجه حربا مفروضة من قبل «داعش»، وبغداد هي التي غدرت الإقليم من قبل، وقطعت ميزانيتنا، وعندما يتحدثون عن بيعنا للنفط، فالإقليم بدأ ببيع النفط بعد مايو (أيار) الماضي، أما بغداد فقطت الميزانية منذ بداية 2014، لذا بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي، بدأت بغداد تنظر إلى المسألة بواقعية وأبرموا معنا هذه الاتفاقية، لكن كضمان، ليس هناك أي ضمانات لاستمرارها، أو عدم استمرارها، لكن كما ذكرت، الطرفان بحاجة إلى ذلك، بغداد تعاني عجزا في الميزانية، وقللت من هذا العجز عن طريق تصدير إقليم كردستان يوميا 250 ألف برميل من النفط، إضافة إلى تصدير 300 ألف برميل من نفط عن طريق أنبوب الإقليم، في المقابل يستطيع الإقليم من خلال عودة حصته من الميزانية أن يجتاز قسما كبيرا من الأزمة الاقتصادية.
* إلى كم ستصل صادرات الإقليم من النفط خلال العام المقبل؟
- الآن يصدر الإقليم يوميا 400 ألف برميل من النفط يوميا، لكننا نحتاج إلى عملية مراجعة سريعة لسياساتنا في هذا المجال، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط، لذا سيجتمع المجلس الأعلى للنفط والغاز في الإقليم مع بداية العام الجديد، لنصوغ سياسة جديدة مع هذا السعر الجديد، ونستطيع أن نرفع من صادراتنا بشكل جيد خلال العام المقبل.
* هل هناك أي ديون على الإقليم؟
- أجل هناك ديون علينا، لكن هذه الديون ليست ديونا خارجية، بل هي ديون داخلية، متمثلة باستخدام سيولة المبالغ الموجودة في المصارف في توفير الرواتب وملء العجز الموجود في الإقليم، لكن لدينا خطة محكمة لصرف هذه الديون بشكل شهري، بعد تنفيذ اتفاقيتنا مع بغداد بداية العام المقبل.
* كم يبلغ حصة الإقليم من الميزانية العامة للعراق لعام 2015. المقبل؟
- بغداد خصصت من الميزانية العامة البالغة 123 مليار دولار، مبلغ 15.3 مليار دولار لتكون حصة الإقليم خلال عام 2015.
* بحسب علمنا فإن للإقليم مستحقات مالية في بغداد خلال عام 2014؟
- نعم صحيح، خلال اجتماعنا في بغداد مع رئيس الوزراء الاتحادي حيدر العبادي، اتفقنا على أن تكون الاتفاقية الحالية بداية لاتفاقياتنا الأخرى، وستكون هناك اجتماعات أخرى بين الطرفين لتصفية حسابات 2014، وسنصفي خلالها حساباتنا: كم لنا لديهم وكم لهم لدينا، وسنصل إلى رقم، بغداد الآن تعترف أن للإقليم ديونا لدى بغداد تبلغ 16 تريليون دينار.
* إذا واجهتم المشكلة السابقة نفسها مع بغداد، هل يستطيع الإقليم الآن أن يقود اقتصاده بنفسه دون الاعتماد على الحكومة الاتحادية؟
- إقليم كردستان مر بظروف اقتصادية صعبة، عند تسلمي منصب وزير المالية في الإقليم في 20 يونيو(حزيران) الماضي، بدأنا السيطرة في الوزارة، والحد من النفقات وتقليلها، وتمكنا من اتباع نظام التقشف، وإلا لما استطعنا إدارة هذا الوضع، ومع هذا كان لدينا عجز أيضا، لا نستطيع القول بأننا سنكون أفضل من السنوات السابقة، لكن لدينا برنامج لدخول العام المقبل بشكل أفضل وبنفقات أقل وتنظيم أكبر لوارداتنا، وأتمنى أن لا تعيد الحكومة العراقية ما فعلته من قبل؛ من قطع ميزانية إقليم كردستان ورواتب مواطنيه؛ لأن هذا سيؤثر سلبا من الناحية الدولية والداخلية على الحكومة العراقية؛ لأننا جزء من العراق.
* ما خطوات الإقليم في مجال امتلاك اقتصاد مستقل عن العراق؟
- نحن نراجع وارداتنا بشكل جيد في الداخل، الإقليم سيولي اهتماما كبيرا خلال العام المقبل للمشاريع التي توقفت أو أصبح العمل فيها بطيئا، ونعمل من أجل ازدهار الاستثمار في الإقليم وازدهار سوق الإقليم، أما في مجال النفط فنعمل على رفع نسبة الإنتاج والتصدير إلى أعلى المستويات لكي تكون قادرة على تلبية الحاجات الداخلية للإقليم، كردستان سيشهد العام المقبل استقرارا اقتصاديا أكثر مما كان عليه في عام 2014، وامتلاك اقتصاد مستقل هو من أولوياتنا.
* قبل مدة من الآن كان الحديث في الإقليم يدور حول تقديم الإقليم لطلبات الحصول على ديون من جهات دولية، إلى أين وصلت هذه المساعي؟
- حكومة الإقليم لا تستطيع الحصول على أي ديون إلا بعد مصادقة البرلمان على مشروع قانون بهذا الخصوص، فعندما تجري المصادقة على هذا القانون في البرلمان، حينها تستطيع حكومة إقليم كردستان الاعتماد على ذلك القانون للحصول على ديون دولية.
* ما خطواتكم في وزارة المالية للنهوض باقتصاد الإقليم؟
- خططنا في الوزارة تنقسم إلى قسمين؛ أولهما خطط قصيرة الأمد بدأناها منذ الأشهر الـ6 الماضية، وذلك من خلال العمل على الخروج من الأزمة واتباع التقشف، وتوحيد الإدارة المالية في الإقليم، واتباع سياسة مالية جديدة في كردستان، وذلك بالتعاون والتنسيق مع رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي أيد هذه الخطوات مشكورا، وفي هذا الإطار نحاول بشكل جدي التقليل من النفقات في إقليم كردستان، والعمل من أجل السيطرة على مصارفنا، وعدم التلاعب بالسيولة الموجودة فيها، واستخدامها فقط للأغراض الضرورية التي تحتاج إليها حكومة الإقليم، وخلال الأشهر الماضية استطعنا توفير مصروفات البيشمركة والنازحين وتأمين جزء من الرواتب وميزانيات الدوائر والمستشفيات والمطارات، أما خططنا المستقبلية فتتمثل في فتح فرع للبنك المركزي العراقي في الإقليم، للفصل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، الآن هناك مصرفان مركزيان في الإقليم، أحدهما في مدينة السليمانية والآخر في أربيل، وهما تابعان لوزارة المالية في الإقليم، وهذا لا يجوز من الناحية المالية والسياسة النقدية، ففتح فرع البنك المركزي العراقي في الإقليم سيساهم في وضع سياسة نقدية ناجحة للإقليم، وإذا واجه الإقليم أزمة مالية، ينظم ذلك البنك السياسة النقدية، ويمنع حدوث العجز الذي يواجهه الإقليم الآن، كذلك لدينا خطة لتأسيس هيئة تأمين في كردستان، حيث صغنا مشروع قانونه، وسنذهب به إلى البرلمان في أقرب فرصة للمصادقة عليه، وبذلك ستكون لنا هيئة تأمين ليكون الإقليم موثوقا لدى الشركات النفطية والشركات الاستثمارية، وشركات الأعمال التي تأتي إلى كردستان للعمل، كذلك لدينا خطة لتأسيس نظام مصرفي حديث في الإقليم، يتلاءم مع العالم الخارجي.
* شاركتم قبل مدة من الآن في مؤتمر اقتصادي للنفط والغاز في لندن، ما تفاصيل هذا المؤتمر؟
- المؤتمر كان رابع مؤتمر للنفط والغاز في الإقليم، في السنوات الماضية كان هذا المؤتمر يعقد في أربيل، لكن هذه السنة وبسبب الظروف الأمنية المتدهورة التي مر بها العراق، اقترح تنظيم هذا المؤتمر في خارج العراق؛ لأن عددا كبيرا من شركات النفط العملاقة لم تكن مستعدة للمجيء إلى كردستان؛ لأنهم ينظرون إلى العراق والإقليم بشكل واحد من خلال القنوات الإعلامية، في حين أن الإقليم يتمتع بظروف أمنية مستقرة في ظل بطولات قوات البيشمركة التي وفرت الأمن والأمان لكردستان، وناقشنا خلال 3 أيام مواضيع كثيرة حول قانون النفط واقتصاد النفط وتكنولوجيا النفط.. المؤتمر بين للعالم أن إقليم كردستان مكان آمن للتجارة والاستثمار، في النفط والإعمار، وكانت دعوة للشركات التي لا توجد في الإقليم إلى دخول كردستان والمشاركة في بيع النفط والسياسة النفطية للإقليم، ودور قوات البيشمركة البطولي في التصدي للإرهاب، وجرى التأكيد على أن باب الإقليم مفتوح لكل الشركات للاستثمار في جميع القطاعات.
* الآن، ما سياسة الإقليم الاقتصادية؟ وإلى ماذا تهدف؟
- الإقليم يتجه نحو سياسة اقتصادية أكثر انفتاحا بوجه العالم الخارجي، وازدهار اقتصاده، وقد وضعنا استراتيجية جيدة في حكومة الإقليم لازدهار الاقتصاد.
* إلى أي مستوى وصلت العلاقات الاقتصادية بين الإقليم والعالم العربي خاصة دول الخليج العربية؟
- مع الأسف علاقات الإقليم الاقتصادية مع دول الخليج ليست بالمستوى المطلوب لحد الآن، فنحن لدينا الآن علاقات اقتصادية جيدة مع تركيا، خاصة في مجال السياسة النفطية، أتمنى أن تكون لنا علاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج وإيران في المستقبل القريب، وأن يستطيعوا هم أيضا مد يد التعاون إلى الإقليم، لكي نستطيع معا أن نعمل بسياسة اقتصادية متينة، لكن مع هذا هناك عدد كبير من الشركات الخليجية والإيرانية تعمل في الإقليم.
* إذن، ما رسالتكم لدول الخليج العربية؟
- رسالتي إلى دول الخليج العربية أن أبواب الإقليم من الناحية الاقتصادية مفتوحة أمام كل دول العالم، خاصة الدول القريبة منا وجيراننا من دول الخليج العربية، ليأتوا إلى إقليم كردستان للاستثمار، ويأتوا بشركاتهم للعمل في مجال إنتاج النفط وبيعه، وفي مجالات الإعمار واستثمارات المشاريع الاستراتيجية في كردستان، ونحن سنقدم لهم جميع التسهيلات، وأبوابنا مفتوحة لهم.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.