كتاب موسوعي بالفرنسية عن العلاقات بين اليهود والمسلمين

ساهم فيه مائة باحث تناولوا تاريخها منذ أكثر من ألف عام حتى اليوم

بنيامين ستورا  -  عبد الوهاب المؤدب
بنيامين ستورا - عبد الوهاب المؤدب
TT

كتاب موسوعي بالفرنسية عن العلاقات بين اليهود والمسلمين

بنيامين ستورا  -  عبد الوهاب المؤدب
بنيامين ستورا - عبد الوهاب المؤدب

ماذا يمكن أن نقول عن هذا الكتاب الموسوعي الذي يحاذي الألف ومائتي صفحة، والذي ساهم فيه أكثر من مائة باحث عربي ويهودي وأجنبي؟ هل يمكن عرضه أو استعراضه في مقالة صحافية واحدة؟ هل تفيه حقه؟ بالطبع لا، ولكننا سنحاول ما نستطيع. نلاحظ أن هذا الكتاب الضخم يستعرض تاريخ العلاقات منذ أن بدأت بين النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- والقبائل اليهودية في الجزيرة العربية، قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، حتى انفجار الصراع العربي - الإسرائيلي بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948؛ أنه تاريخ طويل عريض: أربعة عشر قرناً من الزمن فقط! ولكن عرض الأمور على هذا النحو قد يوهمنا بأن هذه العلاقات كانت كلها حرباً ضروساً وعداءً مستحكماً. وعندئذ، سوف يطمس قروناً طويلة من التفاعل الحضاري الخلاق بين العرب واليهود. ونقصد بها قرون العصر الذهبي في بغداد أولاً، فقرطبة والأندلس الزاهرة ثانياً، بل وحتى على مستوى الفترة النبوية ذاتها، نلحظ أن النظرة إلى اليهود كانت إيجابية جداً في البداية، قبل أن تنقلب إلى سلبية.
وبالتالي، فمن يرد إقامة السلام والإخاء مع اليهود يمكنه أن يجد تبريراً إسلامياً تاريخياً، ومن يرد مواصلة العداء والصراع إلى ما لا نهاية يمكنه أيضاً أن يجد تبريراً. وهذا يعني أنه لا يوجد باراديغم واحد تجاه اليهود، وإنما باراديغمان اثنان (نقصد بالباراديغم هنا الموقف الفكري الأعلى أو النموذج اللاهوتي الأعظم الذي يعلو ولا يعلى عليه). ولكن الصراع الهائج الذي حصل بعد احتلال فلسطين، وتأسيس الدولة الإسرائيلية، عام 1948، قضى كلياً على باراديغم السلام، وغلب نهائياً باراديغم الحرب والعداء والصراع، ثم تحول هذا الباراديغم العدائي إلى حقيقة مطلقة لا تناقش ولا تمس، انغرست كلياً ونهائياً في وعي الشعوب العربية على مدار الستين سنة الماضية، وأصبحت راسخة رسوخ الجبال. وتخيلنا، عندئذ، أن العلاقات بين العرب واليهود كانت دائماً هكذا عدائية صراعية على مدار التاريخ، ولم توجد نقطة ضوء واحدة فيها، ولكننا واهمون مخطئون، فمسيرة التاريخ الفعلية الواقعية تناقض ذلك، كما يشرح لنا المشرفان الكبيران على هذه الموسوعة التاريخية. فقد أشرف عليها من الجهة العربية المفكر التونسي التنويري الكبير عبد الوهاب المؤدب، وهو صاحب الكتاب الشهير باسم: مرض الإسلام (بالأصولية الظلامية). وأشرف عليها من الجهة اليهودية المؤرخ الأكاديمي المعروف بنيامين ستورا، وهو فرنسي من أصل جزائري لأنه من مواليد قسنطينة، حيث نشأ وترعرع، قبل أن يهاجر إلى باريس. وقد لمع اسمه مؤخراً لأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبله شخصياً في قصر الإليزيه، وعينه مسؤولاً عن ترميم الذاكرة الجريحة بين فرنسا والجزائر. وفي الوقت ذاته، عين الرئيس الجزائري المؤرخ عبد المجيد شيخي مسؤولاً عن هذا الترميم من الجهة الجزائرية؛ والهدف كله هو تعزيز المصالحة التاريخية بين الشعبين.
يشرح بنيامين ستورا مشروع الكتاب قائلاً: هذه الموسوعة التي نقدمها للقراء لا سابق لها ولا مثيل. صحيح أنه يوجد تاريخ للعرب، وتاريخ للمسلمين، وتاريخ لليهود، ولكن بشكل منفصل، كل على حدة. غير أنه حتى الآن، لا يوجد كتاب موسوعي ضخم يشرح لنا عمق العلاقات الإسلامية - اليهودية، وبالأخص العربية - اليهودية. هذا ما كان ينقص المكتبة الفرنسية، ولذلك شرعنا بسد هذا النقص. وكنا نهدف من وراء الكتاب إلى عدة أشياء: أولها ردم الهوة النفسية أو السيكولوجية السحيقة التي تفصل بين العرب واليهود في زمننا الحاضر. فقبل ذلك، لم تكن هذه الهوة عميقة أو سحيقة، على عكس ما نتوهم. قبل ذلك، كانت هناك علاقات طبيعية، بل وودية في أحيان كثيرة، على مدار التاريخ. من يصدق ذلك الآن؟ في الماضي، كان المؤلفون أو المفكرون يتحدثون عما يجمع بين المسلمين واليهود، لا عما يفرق، أو قل كانوا يتحدثون عما يجمع أكثر مما يتحدثون عما يفرق. كانوا يتحدثون عن القواسم المشتركة التي تتيح لهم أن يتعايشوا بعضهم مع بعض جنباً إلى جنب. فالإسلام أيضاً دين إبراهيمي، مثل اليهودية والمسيحية اللتين سبقتاه إلى الوجود... هذا وقد تحدث الأكاديميون الكبار عن هذه القضايا، وعن العصر الذهبي للعلاقات العربية - اليهودية في عهد الحضارة العباسية أو الأندلسية، حيث ازدهر اليهود ثقافياً آنذاك، وقدموا عطاءهم الخاص في ظل الحضارة العربية الإسلامية، وفي المجالات كافة، أدبية وشعرية وفلسفية، بل وحتى فنية وموسيقية. ولكن كل هذا التفاعل الحضاري الإبداعي الخلاق أصبح نسياً منسياً بعد تأسيس دولة إسرائيل، والتراجيديا الفلسطينية الهائلة الناتجة عن ذلك مباشرة. كل هذا أصبح في خبر كان وأخواتها، وزال كلياً وكأنه لم يوجد قط، وأصبحت الأجيال تعتقد أن الصراع بين العربي واليهودي أبدي أزلي لا يحول ولا يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكن الحقيقة التاريخية تقول لنا العكس تماماً، فالعلاقات الإنسانية والتفاعلية الحضارية بين العرب واليهود كانت قوية إبان الحضارات السابقة والعصور الذهبية. وبالتالي، فالشيء الذي سمم الأجواء كلها هو هذا الصراع الجهنمي المدمر الذي لا يزيد عمره على خمسين سنة، في حين أن عمر العلاقات العربية - اليهودية يزيد على الألف سنة. وهذا لا يعني إطلاقاً التقليل من خطورة المأساة الفلسطينية، وآلام شعب فلسطين التي تفوق الوصف، ولكننا نحاول موضعة الأمور ضمن منظورها التاريخي الأوسع.
وأما عبد الوهاب المؤدب، فيقول لنا ما فحواه: لقد كان هدفنا من الإشراف على هذا الكتاب الجماعي الضخم تذكير المسلمين، والعرب خصوصاً، بالحقيقة التالية: إن العلاقات بيننا وبين اليهود كانت خصبة كثيفة معطاءة على مدار التاريخ حتى عام 1948. ولا أهدف هنا إلى تجميل هذه العلاقات، أو المبالغة فيها، وإنما إلى التذكير فقط بلحظات التبادل الثقافي والحضاري. هل نسينا الحضارة الأندلسية؟ هل نسينا الموسيقى العربية - اليهودية؟ بل هل نسينا الفلسفة العربية - اليهودية؟ كلنا يعلم أن الفيلسوف اليهودي الكبير موسى ابن ميمون كتب رائعته الكبرى «دلالة الحائرين» باللغة العربية، لا العبرية. وبعدئذ، ترجمت إلى العبرية. وبالتالي، فهو نتاج الإطار الثقافي للحضارة العربية الإسلامية. وهو بهذا المعنى مثقف عربي لأن كل من كتب وأبدع بلغة الضاد فهو عربي، شاء أم أبى. وينبغي العلم بأن الإطار الحضاري العربي الإسلامي كان هو المهيمن على العالم آنذاك، مثلما أن الإطار الحضاري الأوروبي والأميركي الشمالي هو المهيمن على العالم حالياً. وكل من يريد أن يشتهر آنذاك كان ينسى لغته الخاصة، ويدبج كتاباته وإبداعاته باللغة العربية. فقد كانت لغة العولمة الثقافية آنذاك، تماماً مثل الإنجليزية حالياً. ولذلك، أبدع فيها المفكرون اليهود وغير اليهود. وينبغي العلم أيضاً أن كثيراً من وزراء وأطباء ومستشاري الخلفاء العرب المسلمين كانوا من اليهود، وكانوا يثقون بهم كل الثقة. وبالتالي، فلا ينبغي أن نشطب على كل هذا التراث التفاعلي الحضاري بجرة قلم بسبب الصراع الحالي الذي سيجد له حلاً مهما طال الزمن.
- القضية الفلسطينية في ضوء فلسفة التاريخ
ماذا نستنتج من كل ما تقدم؟ نستنتج أن لغة الرصاص والذبح والقتل ليست هي الوحيدة الممكنة بيننا وبين اليهود. فبما أن التعايش المثمر حضارياً قد حصل سابقاً، فلا أعرف لماذا لا يحصل لاحقاً؟ بما أنه قد حصل في ظل خلفاء عباسيين وأمويين وأندلسيين كبار، كعبد الرحمن الثالث وسواه، فلماذا لا يحصل حالياً؟ بمعنى آخر: لماذا لا نجرب لغة أخرى مع إسرائيل واليهود عموماً؟ بعد أن استنفدنا لغة الرصاص والعداء المطلق على مدار خمسين سنة متواصلة، لماذا لا نجرب لغة الحوار والتفاوض والتعارف وجهاً لوجه؟ لهذا السبب فإني لا أفهم كل هذه الإدانات والهجمات التي تتعرض لها الإمارات العربية المتحدة حالياً. فجأة، انفتحت عليها الأبواق الشعبوية والغوغائية الديماغوجية من كل الجهات، وتحول قسم من المثقفين العرب إلى صوت واحد يردد الشعارات نفسها والكلمات نفسها كالببغاوات. من يستطيع أن يقول إن الإمارات تخلت عن القضية العربية، وهي الدولة التي دعمت القضية الفلسطينية على مدار التاريخ، وحتماً ضخت فيها المليارات، وأعتقد أنها ستصبح أقدر على خدمتها بعد الصلح والاتفاق؟ وفجأة، تتحول إلى دولة «خائنة» لأنها ارتأت أن هناك طريقة أخرى لإدارة الصراع غير الطريقة المكرورة العقيمة السابقة التي لم توصل إلى نتيجة. ينبغي أن يعلم إخواننا من المثقفين الفلسطينيين أن جراحاتهم جراحاتنا وآلامهم آلامنا وقضيتهم قضيتنا، ليس فقط لأنها عربية، وإنما لأنها قضية حق وعدل، ولكن لا ينبغي بعد الآن استخدامها سيف ديموقليس المسلط فوق الرؤوس بتهمة «الخيانة». وهي كلمة مرعبة شائنة لا تنطبق حتماً على دولة رائدة كالإمارات. وينبغي العلم بأن غلاة اليهود في فرنسا يستخدمون أيضاَ تهمة معاداة السامية سيف ديموقليس، ويرعبون بها كل المثقفين الفرنسيين، ويسلطونها على رؤوسهم. وبالتالي، فلا ينبغي أن يقع إخواننا الفلسطينيون في الفخ نفسه أو الغلطة نفسها، فهذا يسيء إلى القضية ولا يفيدها. أخيراً، ربما عادت الأندلس مجدداً إلى فلسطين أو من خلال فلسطين. فإسرائيل مهما كبرت وعظم شأنها، تظل قطرة في بحر من العرب، والمنطقة عربية من المحيط إلى الخليج، وستبقى. ولكنها عربية بالمعنى الحضاري والإنساني، لا بالمعنى الشوفيني الطائفي الشعوبي. بهذا المعنى، فنحن نعيش الآن منعطفاً تاريخياً كبيراً، ليس فقط بالنسبة للقضية الفلسطينية، وإنما بالنسبة للقضية العربية ككل. أقصد أن القرون الوسطى العربية الإسلامية، أي عصور الانحطاط، سوف تنهار، وتحل محلها العصور العربية التنويرية الجديدة. وقد ساهمت الإمارات في ذلك مؤخراً، عندما تعانق على أرضها شيخ الأزهر وبابا روما، وأصدرت وثيقة «الأخوة الإنسانية». وقدمت بذلك خدمة كبيرة للعرب والمسلمين، عندما أبرزت الصورة المشرقة للعروبة والإسلام. ونقضت بذلك تلك الصورة الظلامية الداعشية التي شوهت وجهنا وتراثنا في شتى أنحاء العالم. وبالتالي، فبدلاً من أن نشكرها نرميها بحجر!


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

العالم البابا ليو الرابع عشر يخاطب الناس في ساحة القديس بطرس بمدينة الفاتيكان يوم 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

انتقد البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، الزعماء السياسيين الذين يستغلون المعتقدات الدينية لتبرير الصراعات أو السياسات القومية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
ثقافة وفنون الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة».

مالك القعقور
كتب كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كان لافتاً أن تصدر في باريس مجموعة من الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت مؤلفات عدة عن القرآن الكريم والنبي العظيم.

هاشم صالح
شؤون إقليمية يهود حريديم يحملون لافتات خلال احتجاج ضد التجنيد بالجيش الإسرائيلي في القدس 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة شاب في احتجاج لليهود المتزمتين دينياً بالقدس

تحولت مسيرة حاشدة لليهود المتزمتين دينياً ضد تجنيدهم بالجيش في القدس إلى العنف، اليوم الخميس، عندما لقي فتى في سن المراهقة حتفه، خلال الاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر خلال قداس في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 26 أكتوبر 2025 (رويترز)

البابا ليو يعتزم زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت خلال وجوده في لبنان

أعلن الفاتيكان برنامج الزيارة التي ستجرى بين 27 نوفمبر (تشرين الثاني) و2 ديسمبر (كانون الأول) إلى تركيا ولبنان، وتتضمّن زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت للصلاة

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.