أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

ضرورة التدقيق في إيجابيات وسلبيات كل جهاز

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة
TT

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

أجهزة إلكترونية شخصية «صحية»... قدرات كبيرة وفوائد محدودة

وقع جون العجوز البالغ 84 عاماً في مأزق، فقد سقط على أرضية الغرفة بعدما انزلق من مقعد كان يجلس عليه. ورغم أنه لم يتعرض لأذى، فإنه لم يتمكن من النهوض. كان جون يعيش بمفرده ولم يتمكن من الوصول إلى هاتفه المحمول ولا هاتف المنزل، ولا زر الإنذار ـ فقد كانت جميعاً على طاولة بجوار المقعد. وبعد ثلاث ساعات طويلة حاول خلالها الزحف رويداً رويداً على الأرض، تذكر جون أن جهاز المساعد الصوتي «الذكي» الذي يملكه (والذي يجري تحفيزه بأوامر شفهية) مرتبط بهاتفه الذكي. وبالفعل، طلب جون من المساعد الاتصال بابنته التي أرسلت له مساعدة على الفور. المؤكد أن الأجهزة الإلكترونية مثل أجهزة المساعد الصوتي الذكية يمكن أن تشكل إضافة عظيمة للمنزل، ومع هذا لا ينبغي الاعتماد على جهاز ذكي مثل هذا في إنقاذك في كل حالة طوارئ تواجهك. ولذلك ينبغي التعرف عن قرب على أوجه القصور المحتملة في كل جهاز إلكتروني قبل شرائه بهدف تعزيز حمايتك.

المساعد الصوتي الذكي
تضم أجهزة المساعد الصوتي الذكي التي توضع على الطاولات برامج كمبيوتر (المساعد الذكي) مرتبطة بالإنترنت، وتستوعب الأوامر الصوتية الموجهة إليها وتنفذ المهام المطلوبة منها. على سبيل المثال، يمكنك إخبار المساعد الذكي بأن يشغل موسيقى، أو كتبا سمعية أو يعرض أخبارا أو نشرات جوية، أو استرجاع معلومات من الإنترنت أو تسجيل تذكير بمواعيد تناول أدوية أو تواريخ مناسبات معينة، بل وضع قائمة طلبات من البقالة. ولدى قيامك بربط المساعد الذكي بالهاتف الذكي، يصبح باستطاعتك إجراء مكالمات دون الحاجة إلى سماعات. ويمكنك كذلك ربط جهاز المساعد الذكي بالأجهزة المنزلية «الذكية» (مصابيح أو أجهزة قياس حرارة أو أنظمة أمنية إلخ)، ويصبح باستطاعتك حينها السيطرة عليها عبر الأوامر الصوتية.
> السعر: يتراوح ما بين 40 دولاراً و400 دولار.
> الإيجابيات: من السهل استخدام مساعد ذكي بمجرد توصيله على نحو ملائم، وذلك من خلال طرح سؤال أو أمر. ودائماً ما يكون الجهاز موصولاً بأسلاك الكهرباء في الجدار، وبالتالي ليست هناك حاجة لشحنه. وفي حالات الطوارئ، يمكنك إخبار جهاز المساعد الرسمي بالاتصال برقم معين لطلب المساعدة، مثلما فعل جون.
> السلبيات: ربما يكون من الصعب تركيب جهاز مساعد ذكي إذا لم تكن لديك معرفة وثيقة بالتكنولوجيا، بجانب أنه ليس من السهل أن تحمله معك إلى أي مكان تتوجه إليه. وفي الوقت الذي باستطاعة جهاز المساعد الذكي الاتصال بجهات الاتصال المسجلة لديك، فإنه ربما لا يكون قادراً على الاتصال برقم الطوارئ (بعض العقبات التنظيمية تعني أن بعض أجهزة المساعد الذكي تستلزم جهازاً إضافياً للقيام بذلك).
إضافة لذلك، فإن لدى أجهزة المساعد الذكي نطاقا سمعيا محدودا، فهي لن تسمعك إذا كنت موجوداً في غرفة أخرى، وربما لا تسمعك إذا كان صوتك ضعيفاً أو كان في الخلفية ضوضاء مرتفعة مثل صوت تلفزيون.
تتمثل مشكلة أخرى في أنه ليس بمقدور جميع المعنيين بالرد على مكالمات الطوارئ القدرة على تحديد موقعك إذا جرى الاتصال من جانب جهاز مساعد «ذكي»، بسبب تنوع تكنولوجيا مكالمات الطوارئ. وعليه، سيتعين عليك تحديد عنوانك بالضبط، الأمر الذي قد يكون صعباً إذا كنت مريضاً أو مرتبكاً.

الهواتف والساعات الذكية
يتيح لك أي هاتف محمول الاتصال بأي رقم لطلب المساعدة، لكن البعض منها مصمم للبالغين الأكبر سناً لجعل العملية أكثر سهولة. ويوجد بهذه الهواتف لوحات مفاتيح كبيرة وزر خاص للطوارئ والذي يمكنه الاتصال بـك أو إرسال رسالة نصية إلى أحد الأقارب أو الاتصال برقم الطوارئ. وتتوافر هذه الخاصية إضافة إلى جميع الخصائص الأخرى الموجودة بغالبية الهواتف المحمولة، مثل الكاميرات والرسائل النصية وأنظمة التموضع العالمي (جي بي إس) المعتمدة على إشارات الأقمار الصناعية لرسم خريطة موقعك.
تتوافر الهواتف المصممة خصيصا للبالغين الأكبر سناً في نسختين: الهواتف القابلة للطي والهواتف الذكية المسطحة. كما يوجد ببعض الهواتف الذكية الخاصة بالبالغين مساعد ذكي مدمج بها أو يمكن تنزيله بها، الأمر الذي يمكنها من الاضطلاع بمهمة المساعد الذكي.
وبمقدورك أيضاً ارتداء ساعة «ذكية»، ساعة معصم تتيح لك إجراء اتصالات هاتفية وكتابة رسائل نصية واستخدام الكثير من خصائص الهاتف الذكي ـ ما دام أن الساعة تقع في نطاق هاتفك الذكي أو شبكة الكمبيوتر المنزلية الخاصة بك. كما تتولى الكثير من الساعات الذكية تتبع المؤشرات الصحية الأساسية الخاصة بك، مثل عدد الخطوات اليومية لك أو معدل نبضات القلب. وعلى خلاف الحال مع الهواتف الذكية، التي ربما لا تتوافر معك دوماً، فإن الساعة الذكية دائماً ما تكون بالقرب منك.
> السعر: تتنوع أسعار الهواتف المصممة خصيصا للبالغين من كبار السن من بضع عشرات إلى بضع مئات الدولارات. وستحتاج أيضاً إلى خدمة خلوية شهرية تتراوح تكلفتها بين حوالي 10 و20 دولاراً شهرياً، وتزداد تبعاً لفترة الحديث عبر الهاتف أو بيانات الإنترنت التي تستخدمها.
أما الهواتف الذكية والساعات الذكية غير المصممة على نحو خاص البالغين الأكبر سناً فتتراوح أسعارها بين حوالي 200 دولار و1.500 دولار. وتتطلب هذه الأجهزة خدمة خلوية شهرية، ويمكن أن تدفع 10 دولارات إضافية شهرياً من أجل خدمة الساعة الذكية.
> الإيجابيات: يمكنك استخدام الهواتف في أي مكان توجد بها خدمة خلوية. ويقضي الهاتف على الحاجة إلى خدمات طوارئ إضافية والرسوم التي تستلزمها.
> السلبيات: يجب شحن الهاتف المحمول أو الذكي على نحو منتظم. إذا لم يوجد بيدك هاتف أثناء تعرضك لطارئ، فإنك لن تتمكن من إجراء اتصال هاتفي إلا إذا كان لديك مساعد ذكي يستجيب للأوامر الصوتية. وإذا لم تكن لديك معرفة جيدة بالتعامل مع التكنولوجيا، فإنك قد تجابه صعوبة في تشغيل أي هاتف، خاصة إذا شعرت بالارتباك في خضم حالة طوارئ. ومن جديد، سيتعين عليك إخبار عامل الطوارئ بموقعك على وجه التحديد.

زر الإنذار
يمكن لهذه الأجهزة التي يمكن ارتداؤها استدعاء المساعدة عبر لمسة لزر واحد. وهناك العشرات من الأنظمة المتاحة، بعضها يستخدم هاتف منزلك (خط الهاتف الأرضي) للاتصال بمراكز مراقبة، وأخرى تستخدم تكنولوجيا الهاتف الخلوي. في الحالتين، يوجه القائمون على تلبية اتصالات الطوارئ المستجيبين للطوارئ إلى موقعك.
في الواقع هناك الكثير من الخيارات التي يمكن الاختيار منها، مثل تقنية اتصال تحقق يومي للتأكد من أنك على ما يرام، أو تكنولوجيا «جي بي إس» لتحديد موقعك، والقدرة على الاتصال بالأحباء أو رصد السقوط (يمكن لهذه الخاصية إجراء مكالمة حال رصد حدوث سقوط)، وأغطية مقاومة للماء بحيث يمكنك ارتداء الزر أثناء الاستحمام (حيث تحدث الكثير من حوادث السقوط).
> السعر: قد تكون الأزرار مجانية أو تبلغ تكلفتها حوالي 50 دولاراً. وتأتي جميع الأزرار برسوم مراقبة شهرية تتراوح بين قرابة 25 دولاراً و50 دولاراً شهرياً، حسب الخيارات. وتفرض بعض الشركات رسوم تفعيل لمرة واحدة فقط تتراوح بين 100 و200 دولار.
> الإيجابيات: من السهل استخدام زر إنذار. ويمكن ارتداؤه حول الرقبة أو الرسغ، أو إبقاؤه في جيبك. ويمكنك حمله معك إلى السرير أو داخل الحمام أو أثناء الاستحمام (إذا كان الزر مقاوما للماء)، أو حتى التسوق (إذا كان الزر مزودا بتكنولوجيا هاتف خلوي). ويوجد لدى بعض الأزرار المتصلة بالخط الأرضي الهاتفي بطاريات تدوم لسنوات ولا تحتاج إلى إعادة شحنها.
أيضاً، يوجد لدى مشغلي خدمة الطوارئ القدرة على توجيه المسعفين إلى موقعك بناءً على «جي بي إس» أو العنوان الذي تقدمه عندما تتصل بالخدمة.
> السلبيات: تتطلب بعض الأزرار العقود المطولة. ويعمل النظام المتصل بالخط الهاتفي الأرضي داخل المنزل فقط، وليس عندما تكون خارج المنزل. أما الأزرار المزودة بتكنولوجيا الهاتف الخلوي فيجب شحنها كل بضعة أيام ولن تعمل إذا نفدت شحنة البطارية. وبغض النظر عن نوع الزر الموجود لديك، فإنه لن يكون باستطاعتك استخدامه إذا نسيت ارتداءه أو كان بعيداً عنك.

اختيار الجهاز الأفضل
> كي تتخذ قرارك، عليك التفكير في حالتك الصحية وقدراتك. في هذا الصدد، تتساءل الدكتورة سوزان سالامون، مساعدة رئيس قسم علم الشيخوخة بمركز بيت إسرائيل ديكونيس الطبي:
- «هل تشعر بالارتباك بسهولة؟» إذا كان الحال كذلك، فتجنب الأنظمة المعقدة.
«هل تتحدث بصوت خافت؟» ربما لا يسمعك جهاز المساعد الذكي.
- «هل لديك صعوبة في تذكر الأشياء؟» عليك التفكير في شراء نظام لا يتطلب إعادة الشحن.
وتقترح الدكتورة سالامون كذلك التفكير في معدل خروجك من المنزل. إذا كان لديك جهاز يتطلب الاتصال فقط بالخط الأرضي، فإنه لن يفيدك إذا خرجت من نطاقه. في المقابل، فإن زراً يرتبط بالخدمة الخلوية يمكنه الذهاب معك لأي مكان.
إذا أمكن ذلك، احرص على زيادة طبقة إضافية إلى شبكة السلامة الخاصة بك.
من ناحيته، قال الدكتور جوزيف كفيدار، البروفسور بمدرسة الطب التابعة لجامعة هارفارد ورئيس الاتحاد الأميركي للتطبيب عن بعد: «القدرة على الوصول إلى رقم الطوارئ عبر الكثير من السبل المختلفة تبدو منطقية لي». وأشار كذلك إلى أن ثمة توجها متزايدا يتمثل في أنظمة الاستجابة الشخصية للطوارئ التي تدمج أدوات عدة، مثل أجهزة مساعد ذكي تتصل بزر الإنذار ويمكنها إرسال تنبيهات بخصوص مكانك إلى الهواتف الذكية الخاصة بأقاربك. وتعتبر هذه التكنولوجيا جديدة للغاية، وقد يكون من الصعب العثور عليها في الوقت ذاته، لكن عليك الاستفسار عنه عند تفقد الأنظمة المختلفة.
هل أنت بحاجة لمزيد من المساعدة؟ استفسر من أقاربك أو أصدقائك حول معلومات بخصوص أي الأجهزة تناسبك، لكن عليك أن يبقى نصب عينيك أنه: «في الكثير من الحالات، يشتري الأبناء شيئا لا يرغب الآباء فيه أو لا يعرفون كيفية استخدامه»، حسبما ذكر الدكتور كفيدار. وهو ينصح بضرورة التحلي بأكبر قدر ممكن من الصراحة، بحيث يحصل المرء على ما يناسب احتياجاته وقدراته.
وإذا كنت غير واثق من كيفية التعامل مع تكنولوجيا جهاز ما، فعليك بمشاهدة فيديو عبر الإنترنت، خاصة وأن الكثير من الشركات تنشر فيديوهات توضيحية على مواقعها الإلكترونية أو عبر منصات فيديو مثل «يوتيوب». وكل ما عليك فعله البحث عن اسم النظام. وربما تواجه مفاجأة سارة بتعرفك على مدى سهولة استخدام نظام ما ومدى سهولة استخدامه في طلب المساعدة.

- رسالة هارفارد الصحية، خدمات «تريبيون ميديا»



تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل
TT

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

في خطوة علمية متقدمة كشفت دراسة حديثة من إسبانيا عن أسلوب مبتكر لفهم انتشار مرض السل، وذلك من خلال استخدام تقنيات التسلسل الجيني لرصد حركة العدوى بدقة غير مسبوقة.

تقنية التسلسل الجيني

وبمناسبة اليوم العالمي للسل تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور المتنامي لتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في كشف سلاسل انتقال خفية للمرض، وتوجيه التدخلات الصحية بشكل أكثر فاعلية. ففي إقليم كاتالونيا يتم تشخيص أكثر من 1200 حالة سل سنوياً، لكن يبقى التساؤل قائماً: كم عدد الحالات التي تمر دون اكتشاف؟ وكيف تنتقل البكتيريا فعلياً داخل المجتمعات؟

للمرة الأولى استخدم باحثون تقنية التسلسل الجيني على نطاق واسع لرسم خريطة دقيقة لانتشار السل في مختلف أنحاء الإقليم. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة «Frontiers in Microbiology» في 20 مارس (آذار) 2026 أماكن تركز المرض، وأيضاً الأنماط الجينية للسلالات البكتيرية المنتشرة، والفئات السكانية المرتبطة بها.

وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون علمي بين معهد أبحاث جيرمانس ترياس إي بوجول ومستشفاه الجامعي، ومعهد الطب الحيوي في فالنسيا، حيث تمثل أولى النتائج المنشورة للبرنامج التجريبي TB-SEQ. وقد أُطلق هذا البرنامج في أواخر عام 2021 بهدف دمج تقنيات التسلسل الجيني ضمن أنظمة الترصد الوبائي الروتينية لمرض السل في كاتالونيا، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب مراقبة الأمراض المعدية.

بصمة وراثية لكل حالة

تعتمد طرق تتبع السل التقليدية على تتبع المخالطين، أي سؤال المرضى المصابين عن الأشخاص الذين قضوا وقتاً معهم، ثم فحص هؤلاء الأفراد. لكن هذه الطريقة بها نقاط عمياء. فقد لا يعرف الأشخاص أنهم تعرضوا للعدوى، أو قد لا يتذكرون كل تفاعل.

ويقدم التسلسل الجيني عدسة مختلفة، فمن خلال تحليل المادة الوراثية لبكتيريا المتفطرة السلية Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض من كل مريض يمكن للعلماء مقارنة السلالات. فإذا كان مريضان يحملان جينومات بكتيرية متطابقة تقريباً ولا تفصل بينهما سوى بضع طفرات، فمن المرجح جداً أنهما جزء من نفس سلسلة الانتقال.

السلالة المهيمنة والارتباط بالوافدين

كما حللت الدراسة السلالات البكتيرية التي جُمعت من جميع أنحاء كاتالونيا بين ديسمبر (كانون الأول) 2021 ويونيو (حزيران) 2023. وتظهر النتائج أن السلالة الأكثر شيوعاً، والتي تسمى «إل4» L4 توجد في كل مكان في الإقليم، سواء بين السكان الأصليين، أو بين المقيمين من المولودين خارج إسبانيا.

لكن السلالات الأخرى تروي قصة أكثر تحديداً، حيث تظهر سلالات مثل L1/EAI وL2/Beijing وL3/CAS بشكل متكرر في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما ترتبط بأشخاص يتحدرون من أجزاء من العالم تنتشر فيها هذه الأنواع الفرعية.

وعلى سبيل المثال فإن سلالة بكين (L2) شائعة في شرق آسيا، بينما سلالة CAS (L3) أكثر شيوعاً في وسط وجنوب آسيا.

كما حدد الباحثون منطقة برشلونة الحضرية كنقطة ساخنة رئيسة، وهي منطقة تتركز فيها مجموعات بكتيرية متعددة، ومتميزة. ووفقاً للباحثين، فإن الكثافة السكانية، وأنماط الهجرة قد تفسران سبب تجمع أنواع فرعية معينة في أحياء أو بلديات محددة.

* أكثر من 10 ملايين شخص يصابون بالسل كل عام ويموت نحو مليون ونصف بسببه*

«قاتل عالمي» لا يزال بيننا

غالباً ما يُعتقد أن السل مرض من الماضي. لكن الأرقام تقول غير ذلك. فعلى الصعيد العالمي، يصاب أكثر من 10 ملايين شخص بالسل كل عام، ويموت نحو مليون ونصف بسبب المرض. ففي عام 2023 استعاد السل موقعه كأول سبب للوفاة من عامل معدٍ واحد على مستوى العالم متجاوزاً كوفيد-19.

في كاتالونيا يبلغ معدل الإصابة نحو 15.2 حالة جديدة لكل 100 ألف نسمة وفقاً للبيانات المنشورة في عام 2024. وهذا يعني أن أكثر من 1200 حالة تشخص سنوياً. ورغم أن هذا ليس بمستوى الأزمة الذي نشهده في بعض البلدان منخفضة الدخل، فإنه يمثل تحدياً صحياً عاماً مستمراً، ويتطلب أدوات حديثة.

من برنامج تجريبي إلى ممارسة دائمة

تم إدراج مشروع TB-SEQ رسمياً في برنامج مكافحة السل في كاتالونيا في عام 2022 بعد إصلاحات الترصد الوبائي التي دفعتها جائحة كوفيد-19. وتُنسق المبادرة مع وكالة الصحة العامة في كاتالونيا، وتشمل شبكة واسعة من مختبرات علم الأحياء الدقيقة السريرية، وخدمات الترصد الوبائي، ووكالات الصحة العامة في برشلونة، والإقليم.

ويعمل قسم الأحياء الدقيقة في مستشفى جيرمانس ترياس كمركز مركزي، حيث يجمع مزارع السل الإيجابية من المختبرات في جميع أنحاء الإقليم، ويقوم بتحديد تسلسلها الجيني.

نحو مستقبل أكثر دقة في مكافحة الأمراض

تُقدّم هذه الدراسة الحالية خطاً أساسياً -أي صورة جينية- لمرض السل في كاتالونيا على مدى 18 شهراً. لكن القيمة الحقيقية للمراقبة الجينومية تكمن في استخدامها المستمر. فمن خلال التسلسل الجيني للحالات الجديدة، ومقارنتها بقاعدة بيانات متنامية يستطيع مسؤولو الصحة العامة تحديد سلاسل انتقال العدوى غير المعروفة سابقاً، ثم وقف تفشي المرض قبل انتشاره. وبعد ذلك توجيه التدخلات إلى أحياء أو فئات سكانية محددة، وأخيراً التمييز بين انتقال العدوى الحديث والعدوى القديمة المُنشّطة.

ويشير الباحثون إلى أن «هذه النتائج تُقدّم رؤى قيّمة حول ديناميكيات انتقال مرض السل، ويمكن أن تُساعد في توجيه استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف مناطق أو فئات سكانية محددة».

وفي اليوم العالمي للسل، فإن الرسالة واضحة، وهي أن السل مرض قديم لا يزال يتطلب علوماً حديثة. وفي كاتالونيا أصبحت المراقبة الجينومية الآن جزءاً من الأدوات الأساسية.


هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟