البنك الدولي يحذّر من تباطؤ تنفيذ استراتيجيات احتواء الجائحة

مديره الإقليمي لـ «الشرق الأوسط» : قوة رأس المال ومتانة القطاع المصرفي وانخفاض الدين تعزز اقتصاديات الخليج

التوازن بين سلاسل الإمداد والتنافسية والابتكار تحديات لما بعد «كورونا»... وفي الإطار المدير الإقليمي للبنك الدولي  في دول مجلس التعاون الدكتور عصام أبو سليمان (الشرق الأوسط)
التوازن بين سلاسل الإمداد والتنافسية والابتكار تحديات لما بعد «كورونا»... وفي الإطار المدير الإقليمي للبنك الدولي في دول مجلس التعاون الدكتور عصام أبو سليمان (الشرق الأوسط)
TT

البنك الدولي يحذّر من تباطؤ تنفيذ استراتيجيات احتواء الجائحة

التوازن بين سلاسل الإمداد والتنافسية والابتكار تحديات لما بعد «كورونا»... وفي الإطار المدير الإقليمي للبنك الدولي  في دول مجلس التعاون الدكتور عصام أبو سليمان (الشرق الأوسط)
التوازن بين سلاسل الإمداد والتنافسية والابتكار تحديات لما بعد «كورونا»... وفي الإطار المدير الإقليمي للبنك الدولي في دول مجلس التعاون الدكتور عصام أبو سليمان (الشرق الأوسط)

حذّر البنك الدولي من صعوبة السيطرة الكاملة على جائحة كورونا، بالتباطؤ في وضع وتنفيذ استراتيجيات الاحتواء في الاقتصاد الدولي كافة، مشدداً على ضرورة أن تسرّع الحكومات الخليجية وتيرة إصلاحاتها، لتحقيق اقتصاد أخضر ومتنوع، يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الرقمية، وزيادة نسبة مشاركة المرأة في الأنشطة الاقتصادية.
وقال الدكتور عصام أبو سليمان، المدير الإقليمي للبنك الدولي لدول مجلس التعاون الخليجي، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، إن الجائحة أضعفت المنافسة، وخفّضت عدد الأسواق الإقليمية، وعزّزت حدة المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية المتكاملة، من خلال التكاليف المرتفعة وغياب الابتكار، مؤكداً على صعوبة تحقيق التوازن بين سلاسل الإمداد الأقل عرضة للمخاطر ودرجة كافية من المنافسة والابتكار. وأوضح أن انخفاض مستويات الدين العام لبعض الدول الخليجية، سيفيدها استيعاب النمو السريع في الدين العام المشاهد في مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن تمتع قطاعها المصرفي بسيولة ورأس مال قوي، لافتاً إلى أنه مع مرور الوقت، سيتعين على أصحاب القرار مواجهة مسألة إنقاذ الشركات، على حد وصفه. وأضاف أبو سليمان: «سيكون الإفلاس هو النتيجة الحتمية لعملية تحريك رأس المال بين القطاعات المتدهورة والمتوسعة»، مشدداً على أهمية تمكين القطاعات الناشئة، بتعزيز قدرتها على التمويل أو امتلاكها المهارات اللازمة.
ووفق أبو سليمان، دعا البنك الدولي إلى إيجاد مبادرات مع البلدان الأعضاء، من أجل دعم وتيسير حركة التجارة الدولية أثناء هذا الوباء، منها تعليق الرسوم الجمركية على الإمدادات الطبية والغذائية الأساسية؛ واعتماد تدابير خاصة لتيسير التجارة الآمنة عبر الحدود، ودعم تحسين استخدام إدارة المخاطر. وإلى تفاصيل الحوار...
> ما تقييمكم لآثار جائحة كورونا على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما طبيعة وحجم هذا التأثير؟
- تفيد تقديراتنا في البنك الدولي بأن أثار جائحة كورونا على دول مجلس التعاون الخليجي تتمثل في متوسط خسارة يبلغ 6 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، استناداً إلى مستويات 2019. وهو ما يعادل 103 مليارات دولار. وبالتالي، نفترض أن الحدث الرئيسي الذي تسبب في التغيير الذي طرأ على توقعاتنا على مدى الشهور الماضية هو الجائحة. وتأثير هذه العوامل على الطلب العالمي على الطاقة، الذي يؤثر بدوره بشدة على دول مجلس التعاون بوصفها مصدراً رئيساً للنفط والغاز. نرى التأثيرات كبيرة بشكل خاص على كل من دولة الإمارات وعمان، ويرجع ذلك إلى اعتماد القطاعات المواد غير الهيدروكربونية على السياحة والتجارة، في حين أن الكويت لديها انخفاض كبير في إنتاج النفط الخام، ولكن النقص في القطاعات الأخرى يسهم في الركود.
من المهم أيضاً أن نشير إلى أننا نتوقع آثاراً سلبية إضافية في عام 2021؛ حيث توقعاتنا الحالية لعام 2021 أقل قليلاً من توقعاتنا السابقة، حتى مع افتراض أن التأثير الأكبر للفيروس سيكون ملموساً في عام 2020. وعلى الرغم من الانتعاش المتوقع في هذه المرحلة، فإنه سيظل هناك تأثير خطير على حجم الاقتصاد لبضع سنوات، حيث لا يمكن اللحاق سريعاً بالمستوى السابق.
> ما التدابير والنصائح التي يقدمها البنك الدولي لتعزيز الموقف الاقتصادي الخليجي لمواجهة «كورونا»؟
- مع استمرار أزمة جائحة كورونا، فمن السابق لأوانه معرفة جميع عناصر الوضع الاقتصادي لمواجهته. ففي هذه المرحلة يمكن القول إن دول مجلس التعاون الخليجي استفادت من انخفاض مستويات الدين العام عموماً، «باستثناء عمان والبحرين»، ما يسمح باستيعاب النمو السريع في الدين العام الذي نراه في مختلف أنحاء العالم. كما ساعد أيضاً وجود قطاع مصرفي في المنطقة يتمتع بسيولة ورأسمال متين، ولا سيما في ظل الاضطرابات التي شهدها القطاع الخاص. ولا تزال هناك حاجة لربط العناصر الأساسية للاستجابة بالتدابير الصحية وتخفيف القيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية. كما أن التكاليف المالية المترتبة على هذا النهج ليست كبيرة، مقارنة بالتكاليف المتكبدة في المرحلة الأولى من الأزمة. ويتمثل التحدي في نشر تدابير الصحة العامة الخاصة بمواقع محددة، إلى جانب التكنولوجيا والموظفين من أجل التقصي السريع والشامل للمخالطين.
لكن لا بد من الإشارة إلى أنه مع مرور الوقت سيتعين على أصحاب القرار أن يواجهوا مسألة صعبة، وهي أي الشركات يجب «إنقاذها»، حيث انصب التفكير الأولي لكثير من الدول على إبقاء الشركات عاملة، كما كانت عليه في فبراير (شباط) الماضي، حتى انتهاء الجائحة، وبعدها سيعود عمل الشركات بشكل طبيعي، وتعود معها الآليات التي تحكم دخول وخروج الشركات من الأسواق.
> ما حال تلك الشركات مع استمرار تداعيات الوباء؟
- مع استمرار الوباء وعدم اليقين المصاحب لانتهائه، أصبح هناك إدراك متزايد بعدم إمكانية استمرار تطبيق نهج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، فكثير من تلك الشركات يدخل ويخرج من سوق العمل باستمرار، لذا فإن «تجميد» الوضع كما كان عليه في فبراير الماضي يعني إطالة بقاء شركات، ربما كانت ستخرج أصلاً من السوق، لكن الجائحة أبقتها على قيد الحياة من خلال دعم الحكومة لها. وكلما استمرت فترة الدعم لمدة أطول، كلما زاد وتعمق هذا التشوه الاقتصادي.
تتجلى هذه المشكلة في كثير من الدول التي كان تأثير الجائحة فيها عميقاً وعلى مستوى القطاع كله (التجارة والضيافة والسفر والسياحة)؛ حيث إن سياسات الدعم الحكومي لا تحجب آليات دخول وخروج الشركات من السوق فحسب، بل تدعم أيضاً قطاعاً كان عليه في الأساس أن يتقلص. تشكل هذه النقاط خيارات صعبة ومهمة لأصحاب القرار، خصوصاً عند إضافة البُعد المالي لهذه السياسات.
> ما تقييمكم للسياسات والتوصيات التي تُواجه بها آثار «كورونا»؟ وما أبرز التحديات التي ترونها في هذه المرحلة؟
- يناقش صناع السياسات ما إذا كانت التوصيات تحتاج إلى التركيز على دعم الشركات الصغيرة، مقابل الدعم الأكثر استهدافاً للشركات متوسطة الحجم، وهي الشركات التي تظهر بوضوح إمكانات النمو، لكنها ليست كبيرة بالقدر الكافي لتوفير هوامش الأمان والتنويع مقارنة بالشركات الكبيرة، لذلك تستحق هذه الشركات المتوسطة المساعدة. ولا يعني هذا الافتراض التخلي عن العمال في الشركات الصغيرة، ولكنه يرمي إلى دعمهم من خلال نظام الحماية الاجتماعية بدلاً من الحفاظ على ممارسة أصحاب العمل لأنشطتهم في سوق العمل عندما يفتقر سوق العمل للحيوية وقابلية العمل في الأوقات العادية.
ويتمثل التحدي الثاني في معرفة وقت الابتعاد عن تراكم الدين العام. على الصعيد العالمي وبالنظر إلى محاولات التصدي للأزمة، يوجد حالياً تسامح كبير مع تراكم الديون، ولكنه لن يستمر إلى الأبد. ومع ذلك، تحتاج الدول إلى تحديد الوقت الذي يجب أن تقوم فيه بتثبيت مستويات الديون أو تخفيضها. ولن تكون هذه العملية الحسابية بسيطة. ومع ذلك، يمكن البدء حالياً في إجراء التحليل اللازم لمعرفة الأمور المحتمل أن تسفر عن هذه المخاطر المالية، كالالتزامات الاجتماعية. ونظراً لاحتمالية تراكم «ديون خفية»، يلزم وقف تراكم الديون المعروفة عاجلاً، وليس آجلاً، لاحتمالية إدراك ديون مستقبلية تتجاوز تلك المعروفة حالياً.
وهناك التحديات التي تواجه الشركات ذات الصلة بالحكومة؛ حيث تعتبر شركات كبيرة لديها ضمانات حكومية ضمنية أو صريحة على ديونها. وبالتالي، فإن تأثير الأزمة على مواردها المالية قد يؤدي إلى تعقيد الوضع المالي العام. يعتبر الفهم الجيد لكيفية إعادة توازن هذه الشركات وتقدير التكاليف المالية المترتبة على ذلك أمراً أساسياً.
> ما توقعاتكم على المدى البعيد والمتوسط والقريب بشأن استعادة دول الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، قدرتها على النمو بالشكل الطبيعي؟
- هذا السؤال هو الأكثر صعوبة، فلا نزال غير قادرين على السيطرة الكاملة على الوباء حيث يعتمد ذلك على وضع استراتيجيات احتواء في جميع أنحاء العالم. وحتى يتم الحصول على مناعة قوية من خلال التطعيم أو العدوى، ولا تزال حالات تفشي الوباء تمثل خطراً بالغاً. ولذلك، لا يمكننا تحديد وقت استعادة دول الخليج عموماً قدرتها على النمو بالشكل الطبيعي. والأهم من ذلك هو أن تقوم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بتسريع وتيرة إصلاحاتها لتحقيق اقتصاد أخضر ومتنوع، يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الرقمية وزيادة نسبة مشاركة المرأة في الأنشطة الاقتصادية.
> هل ترون إفرازات اقتصادية محتملة جراء تواصل الوباء؟
- سيسفر الوباء عن وجود تغيرات هيكلية في النشاط الاقتصادي، ويؤدي إلى التعجيل بتطبيق التكنولوجيا الرقمية. وقد تم إتاحة جميع الإمكانات المستخدمة حالياً في إجراء الأعمال عن بعد، بما في ذلك الخدمات الصحية والتعليمية. وعلاوة على ذلك، تعتقد بعض الشركات والقطاعات أن كفاءة العمل عن بعد كافية نظراً لعدم احتياجهم للعودة إلى نماذج التسليم السابقة، أو على الأقل ليس بالقدر ذاته. هناك عدد من القضايا التي تأثرت بشكل ملحوظ بسبب تفشي هذا الوباء، منها المنافسة حيث انخفاض عدد الأسواق، الإقليمية أو المحلية؛ حيث يرى الناس حدة المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية المتكاملة. وبالتالي، يسود الضغط ويزداد القلق إزاء انعدام المنافسة (التكاليف المرتفعة، غياب الابتكار)، وتوجد صعوبة في تحقيق التوازن بين سلاسل الإمداد الأقل عرضة للمخاطر ودرجة كافية من المنافسة والابتكار. والابتكار بذاته تلفّه حالياً حاجة ماسة لتطويره حيث يسعى القطاع الخاص إلى معرفة كيفية قيام القطاعات الناشئة بمزاولة أعمالها، وهذا يُقصد به الابتكار وريادة الأعمال. على عكس المنشأة الصغيرة، من الأرجح أن تقوم بذلك الشركات المتوسطة نظراً لمرونتها الكافية وقدرتها على تكييف نماذج أعمالها. وبالتأكيد، سيكون الإفلاس هو النتيجة الحتمية لعملية تحريك رأس المال بين القطاعات المتدهورة والمتوسعة. وتعتبر محاولات دعم هذه القطاعات دون جدوى، سواء من خلال «تمديد القروض والتظاهر» أو تقديم الإعانات (كالطاقة والأراضي).
في المقابل، يمثل نموذج التمويل السائد في القطاع الخاص والهياكل الأساسية على الديون أداة قوية بالنظر إلى حجم الصدمة الواقعة بالفعل؛ حيث قررت عدة دول «تجميد» أنشطتها وتشجيع عمليات سداد الديون نظراً لإدراكها احتمالية انهيار الديون في حالة انتقال الصدمة على الفور. نحتاج إلى مزيد من رأس المال للقطاع الخاص والهياكل الأساسية العامة.
> هناك بعض الصعوبات المتعلقة بتدفق السلع المتبادلة بين البلدان، فماذا سيفعل البنك الدولي تجاه حلّ مثل هذه المعضلة؟
- منذ انتشار هذا المرض، بدأ البنك الدولي في الدعوة إلى إيجاد مبادرات مع البلدان الأعضاء من أجل دعم وتيسير حركة التجارة الدولية أثناء هذا الوباء، ترتكز على عنصرين، أولهما السياسات المتعلقة بدعم التجارة، وتتمثل في تعليق الرسوم الجمركية على الإمدادات الطبية والغذائية الأساسية؛ وتيسير عملية الحصول على تراخيص للمنتجات الطبية ومراعاة الخطوات الممكنة في هذا الصدد لتيسير عملية التجارة في الخدمات المتعلقة بالصحة حيثما أمكن ذلك، من أجل مساعدة البلدان على معالجة هذه الأزمة والتخلص من بعض الضغوط القائمة على أنظمة الرعاية الصحية المحلية.
أما العنصر الثاني فهو يتعلق بالسياسات التجارية التي يتعين تجنبها، منها عدم فرض قيود إضافية على الصادرات بالنسبة للأدوية أو الغذاء أو غير ذلك من السلع الأساسية حيث تؤدي هذه القيود إلى رفع الأسعار وتقلل من توافر المنتجات لغير المنتجين. وإذا تم فرض قيود على الصادرات، فيتعين على البلدان أن تلتزم بأمرين، الأول إبلاغ قراراتها وتنفيذها بشفافية (لا توجد أشكال مستترة من القيود)؛ والأمر الثاني مراعاة التأثير على الاقتصادات المستوردة والسماح بوجود استثناءات للبلدان المستوردة والمتأثرة تأثراً خطيراً. وذلك مع أهمية عدم استخدام التعريفات لزيادة الإيرادات نظراً لأنها تقلل في النهاية من حركة الإنتاجية وعملية النمو.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.