مصحف ملوّن بنثرات الذهب والرسومات الصينية في مزاد لندني

مجموعة الفارسي وسجادة من عصر شاه جاهان ضمن فنون العالم الإسلامي في «كريستيز»

TT

مصحف ملوّن بنثرات الذهب والرسومات الصينية في مزاد لندني

جاءتني صورتها وصوتها عبر «زووم»، تحمل سارة بلمبلي خبيرة الفن الإسلامي بدار كريستيز حماستها المعتادة مصحوبة بابتسامة عريضة، تتحدث عن أهم القطع التي تعرضها الدار ضمن مزادها للفن الإسلامي الذي تأخر موعده وأحيل للعالم الافتراضي بسبب «كورونا».
تتحدث بحب وشغف عن القطع أمامنا، وتشير إلى أن العرض عبر شاشة زووم لا يفيها حقها، وأتفق معها، خاصة عندما عرضت صورة القطعة الأهم في المزاد، وهي مصحف ملون الأوراق مذهب ومزخرف بنثرات الذهب على صفحاته وبرسومات الأشجار والنباتات والمباني. غير أن الزخارف هنا لا تشبه غيرها من الزخارف التي برع فيها الخطاطون المسلمون عبر العصور، ولكنها رسومات صينية الطابع، وكأنما نطالع ملفوفة صينية برسوماتها المميزة ولكنها هنا تتواضع وتتراجع تحت حروف وكلمات القرآن الحكيم. الصور مدهشة بالفعل وأتوقع أن المصحف في الطبيعة سيكون له وقع أكبر وتجيب بلمبلي بالإيجاب.
تشرح نسب الكتاب وتاريخه وتقول إنه في البداية يمكن رؤيته على أنه دليل على العلاقات الدبلوماسية ما بين بلاط التيموريين في إيران وبين إمبراطورية مينغ الصينية، فالمصحف كتب على ورق مستورد من الصين وتضيف: «سجلت وثائق كثيرة الرحلات الدبلوماسية حاملة الهدايا الفاخرة ما بين البلاطين ونعرف أن السفراء من الصين أحضروا معهم الحرير والقطيفة والخزف والورق أيضاً ومع الوقت أصبح هناك اتجاه لاستخدام الورق الصيني الفاخر لكتابة المخطوطات». تشير إلى لون الصفحة المعروضة أمامنا في الصورة وهي باللون الأرجواني وتقول: «مالا نراه هنا هو أن باقي الصفحات أيضاً ملونة ولكن بألوان مختلفة مثل البرتقالي والأزرق والوردي والأخضر. استخدام الأوراق الملونة في المخطوطات كان أمراً معروفاً في العالم الإسلامي وقتها فعلى سبيل المثال هناك المصحف الأزرق الشهير وغيره من المخطوطات الملونة». ولكن المصحف أمامنا هنا يتميز بما هو أكثر من الألوان البديعة بالفعل، فهو أيضاً كتب على ورق خاص يتميز بكونه مصقولاً وحريري الملمس، وهي نوعية ورق التي يستخدمها الصينيون في كتابة الملفوفات الضخمة.
أسال إن كانت الصفحات أمامنا هي الوحيدة التي تحمل الرسومات والزخارف والتذهيب، وتقول إن كل الصفحات مزخرفة، وتشير إلى أن هناك عدداً من الأمثلة لمخطوطات كتبت على الورق الصيني وزخرف بطريقة مماثلة وأشهرها مصحف يقبع في مجموعة متحف ديترويت الأميركي.
المصحف معروض للبيع في المزاد الإلكتروني للدار يوم 25 يونيو (حزيران) الجاري، ويقدر له سعر يتراوح ما بين 600 ألف إلى 900 ألف جنيه إسترليني.

- الشعر المعطر
وبما أننا في حضرة المخطوطات الملونة تلفت بلمبلي انتباهي لكتاب آخر ملون الأوراق أيضاً وهو كتاب بعنوان «تحفة الأحرار» للشاعر نور الدين جامي يعود للدولة التيمورية وبداية الدولة الصفوية في النصف الأول من القرن الـ16. الكتاب يسرق النظر للوهلة الأولى بلون ورقه الأصفر وأيضاً بالزخارف الملونة المستفيضة والتي تحيط بالأبيات الشعرية في منتصف كل صفحة. الكتاب بريشة الخطاط سلطان محمد نور وهو من أشهر الخطاطين في تلك الفترة، «يمكن اعتباره سلطان نور الأب الروحي لخط النستعليق» تعلق الخبيرة وتضيف: «عرف عنه أنه خطاط مبتكر وعرف عنه أيضاً استخدام الألوان وفي العادة يكتب مخطوطاته بحبر ملون، وهنا يستعرض براعته في استخدام الحبر الملون». تقول إن باقي صفحات المخطوطة مزخرفة أيضاً بأحبار ملونة مستخرجة من النباتات مثل الكركم والحناء والزعفران وهي ألوان كانت رائجة الاستخدام في البلاط الملكي وقتها. وكأن الألوان البديعة والخط الرشيق لم يكفِ الحرفي فأضاف العطر إلى أحباره لتصبح مطالعة المخطوطة بمثابة تجربة شاملة لكل الحواس حسب ما تشير بلمبلي. وتتميز كل صفحة بإطار زخارف مختلف بألوان بدرجات الأخضر والوردي والبرتقالي.

- الإبريق المملوكي
ننتقل إلى مصر المملوكية، وهنا نتوقع مثالاً لإبداع الحرفي المصري من النحاس والفضة، وهو بالفعل ما يطالعنا عبر صورة لإبريق من الذهب والفضة يعود لعهد السلطان ابن قلاوون. الإبريق الذي أعيد تنظيفه ليبرز جمال النقوشات والزخارف عليه يعرض للبيع بمبلغ ما بين 200 ألف إلى 300 ألف جنيه إسترليني. تشير بلمبلي إلى التطعيم بالذهب والفضة يشير إلى أن الإبريق صنع لأمير أو شخصية رفيعة. يتميز الابريق أيضاً بأنه واحد من خمسة أباريق مماثلة بقيت من ذلك الوقت: «من القطع المعدنية التي نعرضها لم نر الكثير من الأباريق من العصر المملوكي يمكن عدهم على الأصابع وأغلبهم من مقتنيات المتاحف، ولعل أقرب تلك القطع لهذه موجودة في المتحف الإسلامي بالقاهرة وأخرى في متحف المتروبوليتان بنيويورك ومتحف بارجيلو بفلورنسا.

- مجموعة الفارسي
يضم المزاد عددً من القطع من مجموعة د. محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة الراحل، لعل أبرزها مخطوطة قرآنية بالخط الكوفي تعود إلى القرن التاسع ميلادي من شمال أفريقيا. تضم المخطوطة أكثر من نصف أجزاء القرآن وتتميز بالزخارف الذهبية في أسماء السور والعلامات.
من المجموعة أيضاً نرى إبريقاً من الخزف الأزرق يعود للربع الأول من القرن الـ13 في إيران، يتميز بتقنية مركبة في الزخارف والثقوب على جسم الابريق، تشير بلمبلي إلى أن الثقوب لا تؤثر على استخدام الإبريق إذ يوجد إناء داخلي لوضع الماء، وتشير إلى أن الخبراء عثروا سابقاً على بقايا قطع من القطن وجدت ملتصقة بالثقوب، وهو ما يشير إلى أن مستخدمي الإبريق لجأوا لاستخدام القطن المبلل ودسه في الثقوب لتبريد الماء داخل الإبريق.

- سجاد العالم الإسلامي
ولا يكتمل أي مزاد لفنون العالم الإسلامي بدون السجاد وهنا أنتقل للحديث مع الخبيرة في كريستيز لويز برودهيرست التي تستعرض لنا عدداً من القطع التي يضمها المزاد ومنها سجادة من القوقاز من القرن الـ18. تشير برودهيرست إلى تميز القطعة بخلفيتها الصفراء، وهو أمر غير معتاد إذا جرت العادة في تلك الفترة استخدام ألوان الأزرق والأحمر، وتشير إلى أن هناك تسعة قطع مماثلة موجودة في متاحف متفرقة حول العالم.
وننتقل إلى قطعة صغيرة مقتطعة من سجادة حريرية تعود لعصر المغول صنعت في شمال الهند بين 1630 إلى 1640. القطعة تبدو مخملية الملمس مزينة بأفرع نباتات رقيقة، تشير برودهيرست إلى أن القطعة هي جزء من سجادة للصلاة صنعت من صوف الباشمينا وتصفها بأنها «جوهرة صغيرة». السجادة تم نسجها في عهد السلطان شاه جاهان، والمعروف عنه أنه أعاد إحياء الشغف بتصوير النباتات والزهور، «هنا نرى تصوير النبات والأفرع والزهور منسوج بدقة شديدة، يمكننا رؤية ذلك بالنظر لخلف القطعة نرى دقة الغزل، وهو أمر يدعونا للتفكير فيما عانته السيدات اللواتي نسجنها من ضعف في الأبصار بعد الانتهاء من السجادة». تشير إلى أن القطعة أمامنا مكونة من جزأين تم خياطتهما سوياً وأن باقي أجزاء السجادة الأصلية توزعت في أنحاء العالم وتقبع أكبرها في مجموعة خاصة في بروكسل والأخرى في متحف متروبوليتان بنيويورك.


مقالات ذات صلة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الدكتور سالم بن محمد المالك (صورة من الموقع الرسمي للإيسيسكو)

«الإيسيسكو» تؤكد أن المخطوطات شاهدٌ حيٌّ على أصالة العالم الإسلامي

أكد المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، أن المخطوطات شاهدٌ حيٌّ على أصالة العالم الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أوروبا رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتس يتحدث خلال اجتماع ترشيح الحزب في أوسنابروك ودائرة ميتيلمس في ألاندو بالهاوس (د.ب.أ)

زعيم المعارضة الألمانية يؤيد تدريب أئمة المساجد في ألمانيا

أعرب زعيم المعارضة الألمانية فريدريش ميرتس عن اعتقاده بأن تدريب الأئمة في «الكليةالإسلامية بألمانيا» أمر معقول.

«الشرق الأوسط» (أوسنابروك (ألمانيا))
المشرق العربي الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى‬ في خطبة الجمعة بأكبر جوامع مدينة دار السلام التنزانية

أمين رابطة العالم الإسلامي يزور تنزانيا

ألقى معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى‬، خطبةَ الجمعة ضمن زيارة لتنزانيا.

«الشرق الأوسط» (دار السلام)

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».


«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.