مصحف ملوّن بنثرات الذهب والرسومات الصينية في مزاد لندني

مجموعة الفارسي وسجادة من عصر شاه جاهان ضمن فنون العالم الإسلامي في «كريستيز»

TT

مصحف ملوّن بنثرات الذهب والرسومات الصينية في مزاد لندني

جاءتني صورتها وصوتها عبر «زووم»، تحمل سارة بلمبلي خبيرة الفن الإسلامي بدار كريستيز حماستها المعتادة مصحوبة بابتسامة عريضة، تتحدث عن أهم القطع التي تعرضها الدار ضمن مزادها للفن الإسلامي الذي تأخر موعده وأحيل للعالم الافتراضي بسبب «كورونا».
تتحدث بحب وشغف عن القطع أمامنا، وتشير إلى أن العرض عبر شاشة زووم لا يفيها حقها، وأتفق معها، خاصة عندما عرضت صورة القطعة الأهم في المزاد، وهي مصحف ملون الأوراق مذهب ومزخرف بنثرات الذهب على صفحاته وبرسومات الأشجار والنباتات والمباني. غير أن الزخارف هنا لا تشبه غيرها من الزخارف التي برع فيها الخطاطون المسلمون عبر العصور، ولكنها رسومات صينية الطابع، وكأنما نطالع ملفوفة صينية برسوماتها المميزة ولكنها هنا تتواضع وتتراجع تحت حروف وكلمات القرآن الحكيم. الصور مدهشة بالفعل وأتوقع أن المصحف في الطبيعة سيكون له وقع أكبر وتجيب بلمبلي بالإيجاب.
تشرح نسب الكتاب وتاريخه وتقول إنه في البداية يمكن رؤيته على أنه دليل على العلاقات الدبلوماسية ما بين بلاط التيموريين في إيران وبين إمبراطورية مينغ الصينية، فالمصحف كتب على ورق مستورد من الصين وتضيف: «سجلت وثائق كثيرة الرحلات الدبلوماسية حاملة الهدايا الفاخرة ما بين البلاطين ونعرف أن السفراء من الصين أحضروا معهم الحرير والقطيفة والخزف والورق أيضاً ومع الوقت أصبح هناك اتجاه لاستخدام الورق الصيني الفاخر لكتابة المخطوطات». تشير إلى لون الصفحة المعروضة أمامنا في الصورة وهي باللون الأرجواني وتقول: «مالا نراه هنا هو أن باقي الصفحات أيضاً ملونة ولكن بألوان مختلفة مثل البرتقالي والأزرق والوردي والأخضر. استخدام الأوراق الملونة في المخطوطات كان أمراً معروفاً في العالم الإسلامي وقتها فعلى سبيل المثال هناك المصحف الأزرق الشهير وغيره من المخطوطات الملونة». ولكن المصحف أمامنا هنا يتميز بما هو أكثر من الألوان البديعة بالفعل، فهو أيضاً كتب على ورق خاص يتميز بكونه مصقولاً وحريري الملمس، وهي نوعية ورق التي يستخدمها الصينيون في كتابة الملفوفات الضخمة.
أسال إن كانت الصفحات أمامنا هي الوحيدة التي تحمل الرسومات والزخارف والتذهيب، وتقول إن كل الصفحات مزخرفة، وتشير إلى أن هناك عدداً من الأمثلة لمخطوطات كتبت على الورق الصيني وزخرف بطريقة مماثلة وأشهرها مصحف يقبع في مجموعة متحف ديترويت الأميركي.
المصحف معروض للبيع في المزاد الإلكتروني للدار يوم 25 يونيو (حزيران) الجاري، ويقدر له سعر يتراوح ما بين 600 ألف إلى 900 ألف جنيه إسترليني.

- الشعر المعطر
وبما أننا في حضرة المخطوطات الملونة تلفت بلمبلي انتباهي لكتاب آخر ملون الأوراق أيضاً وهو كتاب بعنوان «تحفة الأحرار» للشاعر نور الدين جامي يعود للدولة التيمورية وبداية الدولة الصفوية في النصف الأول من القرن الـ16. الكتاب يسرق النظر للوهلة الأولى بلون ورقه الأصفر وأيضاً بالزخارف الملونة المستفيضة والتي تحيط بالأبيات الشعرية في منتصف كل صفحة. الكتاب بريشة الخطاط سلطان محمد نور وهو من أشهر الخطاطين في تلك الفترة، «يمكن اعتباره سلطان نور الأب الروحي لخط النستعليق» تعلق الخبيرة وتضيف: «عرف عنه أنه خطاط مبتكر وعرف عنه أيضاً استخدام الألوان وفي العادة يكتب مخطوطاته بحبر ملون، وهنا يستعرض براعته في استخدام الحبر الملون». تقول إن باقي صفحات المخطوطة مزخرفة أيضاً بأحبار ملونة مستخرجة من النباتات مثل الكركم والحناء والزعفران وهي ألوان كانت رائجة الاستخدام في البلاط الملكي وقتها. وكأن الألوان البديعة والخط الرشيق لم يكفِ الحرفي فأضاف العطر إلى أحباره لتصبح مطالعة المخطوطة بمثابة تجربة شاملة لكل الحواس حسب ما تشير بلمبلي. وتتميز كل صفحة بإطار زخارف مختلف بألوان بدرجات الأخضر والوردي والبرتقالي.

- الإبريق المملوكي
ننتقل إلى مصر المملوكية، وهنا نتوقع مثالاً لإبداع الحرفي المصري من النحاس والفضة، وهو بالفعل ما يطالعنا عبر صورة لإبريق من الذهب والفضة يعود لعهد السلطان ابن قلاوون. الإبريق الذي أعيد تنظيفه ليبرز جمال النقوشات والزخارف عليه يعرض للبيع بمبلغ ما بين 200 ألف إلى 300 ألف جنيه إسترليني. تشير بلمبلي إلى التطعيم بالذهب والفضة يشير إلى أن الإبريق صنع لأمير أو شخصية رفيعة. يتميز الابريق أيضاً بأنه واحد من خمسة أباريق مماثلة بقيت من ذلك الوقت: «من القطع المعدنية التي نعرضها لم نر الكثير من الأباريق من العصر المملوكي يمكن عدهم على الأصابع وأغلبهم من مقتنيات المتاحف، ولعل أقرب تلك القطع لهذه موجودة في المتحف الإسلامي بالقاهرة وأخرى في متحف المتروبوليتان بنيويورك ومتحف بارجيلو بفلورنسا.

- مجموعة الفارسي
يضم المزاد عددً من القطع من مجموعة د. محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة الراحل، لعل أبرزها مخطوطة قرآنية بالخط الكوفي تعود إلى القرن التاسع ميلادي من شمال أفريقيا. تضم المخطوطة أكثر من نصف أجزاء القرآن وتتميز بالزخارف الذهبية في أسماء السور والعلامات.
من المجموعة أيضاً نرى إبريقاً من الخزف الأزرق يعود للربع الأول من القرن الـ13 في إيران، يتميز بتقنية مركبة في الزخارف والثقوب على جسم الابريق، تشير بلمبلي إلى أن الثقوب لا تؤثر على استخدام الإبريق إذ يوجد إناء داخلي لوضع الماء، وتشير إلى أن الخبراء عثروا سابقاً على بقايا قطع من القطن وجدت ملتصقة بالثقوب، وهو ما يشير إلى أن مستخدمي الإبريق لجأوا لاستخدام القطن المبلل ودسه في الثقوب لتبريد الماء داخل الإبريق.

- سجاد العالم الإسلامي
ولا يكتمل أي مزاد لفنون العالم الإسلامي بدون السجاد وهنا أنتقل للحديث مع الخبيرة في كريستيز لويز برودهيرست التي تستعرض لنا عدداً من القطع التي يضمها المزاد ومنها سجادة من القوقاز من القرن الـ18. تشير برودهيرست إلى تميز القطعة بخلفيتها الصفراء، وهو أمر غير معتاد إذا جرت العادة في تلك الفترة استخدام ألوان الأزرق والأحمر، وتشير إلى أن هناك تسعة قطع مماثلة موجودة في متاحف متفرقة حول العالم.
وننتقل إلى قطعة صغيرة مقتطعة من سجادة حريرية تعود لعصر المغول صنعت في شمال الهند بين 1630 إلى 1640. القطعة تبدو مخملية الملمس مزينة بأفرع نباتات رقيقة، تشير برودهيرست إلى أن القطعة هي جزء من سجادة للصلاة صنعت من صوف الباشمينا وتصفها بأنها «جوهرة صغيرة». السجادة تم نسجها في عهد السلطان شاه جاهان، والمعروف عنه أنه أعاد إحياء الشغف بتصوير النباتات والزهور، «هنا نرى تصوير النبات والأفرع والزهور منسوج بدقة شديدة، يمكننا رؤية ذلك بالنظر لخلف القطعة نرى دقة الغزل، وهو أمر يدعونا للتفكير فيما عانته السيدات اللواتي نسجنها من ضعف في الأبصار بعد الانتهاء من السجادة». تشير إلى أن القطعة أمامنا مكونة من جزأين تم خياطتهما سوياً وأن باقي أجزاء السجادة الأصلية توزعت في أنحاء العالم وتقبع أكبرها في مجموعة خاصة في بروكسل والأخرى في متحف متروبوليتان بنيويورك.


مقالات ذات صلة

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
TT

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)

منذ نحو 3 سنوات، حزمت الإعلامية والممثلة هيام أبو شديد حقائبها متخذة قرار الهجرة من لبنان. وكانت كندا وجهتها الجديدة، حيث تقيم اليوم في مدينة مونتريال.

لم تحتج وقتاً طويلاً للانخراط في مجتمع يعيش بأمان ويطبّق القوانين. نظمت محترفات فنية في المدارس، وسجلت في نقابة الفنانين بعد معادلة شهاداتها الجامعية. انضمت بصفتها مبتدئة لتصبح اليوم عضواً محترفاً. لم تشأ أن تتخلّى عن مهنة التمثيل، فاستمرت في العمل من هناك في أفلام ومسلسلات لبنانية، وشاركت في فيلم كندي بعنوان «السيدة البيضاء». كما تبث برنامجاً إذاعياً مرتين أسبوعياً عبر إذاعة «الشرق الأوسط»، لتبني جسور التواصل بين لبنان والمغتربين.

هاجرت هيام أبو شديد إلى كندا منذ نحو 3 سنوات (إنستغرام)

تستضيف هيام أبو شديد في برنامجها «الحكي بيناتنا» أبناء الجاليات العربية من سوريين، ومصريين، ومغاربة، ولبنانيين، وغيرهم. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «يشكِّل البرنامج منبراً حرّاً للمغتربين للتعبير عن همومهم ومشاعرهم بعيداً عن أوطانهم. تصلني تعليقات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصفه بعضهم بأنه صوتهم في بلاد الغربة يوقظ فيهم الحنين، في حين يعدُّه الوافدون الجدد إلى كندا بارقة أمل تشجعهم على الانخراط في المجتمع الغربي وتخفف عنهم شعور الوحدة في بداياتهم».

وتشير هيام إلى أن البرنامج يضم شهادات حيّة وقصص نجاح لمغتربين لبنانيين وعرب، قائلة: «أقدِّمه منذ 4 أشهر، ولم يتبقَّ سوى أيام قليلة على ختام موسمه الأول».

وعن أكثر ما لفتها في ضيوفها، ترد: «شعرت بأنهم يتمتعون بوعي كبير وذكاء عاطفي، وهو أمر ليس سهلاً بناؤه في الشخصية. كما أن الجاليات العربية تهتم ببعضها بعضاً وتساند أبناءها الذين يخوضون تجربة الاغتراب. وأنا شخصياً تلقيت دعماً وتشجيعاً كبيرين من أبناء الجالية اللبنانية».

أما عن قرار الهجرة، فتوضح أن الظروف الصعبة في لبنان كانت العامل الأساسي وراء اتخاذها هذه الخطوة، إلى جانب وجود أولادها وأحفادها في كندا. وتضيف: «الأزمات المتراكمة في لبنان تشعر الإنسان بالتعب والإحباط، كما أن وجود أولادي شجعني على الانتقال، فأصبحت قريبة منهم ومن أحفادي الذين كنت أشتاق لاحتضانهم».

وتؤكِّد أن الحنين إلى لبنان لا يفارقها: «نحن نشتاق إلى لبنان حتى ونحن نعيش فيه. نشتاق إليه بعيداً عن الحروب والأزمات، ونأمل أن يعود يوماً كما عرفنا».

في برنامجها «الحكي بيناتنا» تمد جسر التواصل بين لبنان المقيم والمغترب (إنستغرام)

وتصف تجربتها مع «الحكي بيناتنا» بأنها فتحت أمامها آفاقاً واسعة للتعرف إلى ثقافات وحضارات مختلفة، مشيرة إلى أن هموم اللبنانيين في الاغتراب تختلف عن تلك الموجودة في الوطن: «وجع الفراق صعب، لكنهم يعيشون هنا في أجواء من السلام والطمأنينة».

وتتابع: «أستمتع بالحوارات التي أجريها لا سيما أن كثيرين يتفاعلون معي ويمدونني بتعليقاتهم وانطباعاتهم الإيجابية. فيسرّون لي بأن البرنامج هو بمثابة نسمة من بلادهم تبرّد قلوبهم».

وتؤكد أن قرارها بالعمل في كندا نابع من رغبتها في البقاء منتجة ومستقلة، موضحة: «لم أرغب في أن أكون عبئاً على أولادي، لذلك بحثت عن فرصة عمل منذ وصولي».

تحنُّ إلى لبنان حتى وهي تعيش فيه (إنستغرام)

وعن الهجرة، تقول: «لا أستطيع أن أشجع أو أعارض، فلكل شخص ظروفه الخاصة. اتبعت إحساسي ببساطة ولم أحاول الاستفهام عن هذه الخطوة أو ما ينتظرني بعدها. لم يشجعني أحد على اتخاذها، بل فعلت ما رأيته مناسباً وصائباً بالنسبة إليّ. الأهم أن يكون صاحب القرار جاهزاً لتنفيذه».

وتختم حديثها بالتأكيد أنها تعيش اليوم بهدوء في كندا وتزور لبنان بين الحين والآخر، كما أن المرأة والرجل متساويان في خوض تجربة الاغتراب: «لم أؤمن يوماً بالتمييز بينهما، ومن يجتهد يصل. أكثر ما أحببته في كندا هو احترام القوانين وحصول الجميع على حقوقهم من دون تفرقة. بينما نفتقد في لبنان أننا نعيش وسط فوضى تحرمنا متعة الحياة».


الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
TT

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

ثمة دائماً طرائق جديدة لتقديم روائع الفنون القديمة والمعاصرة. ولم يعد المعرض مكاناً لتأمُّل لوحات معلقة على جدران هذه الصالة أو تلك، بل مغامرة تجريبية متجدّدة تُعيد وضع العمل الفنّي في موقعه من تطوّر الزمن وثورة التقنيات الحديثة.

وتنطبق هذه النظرة على المعرض المُقام حالياً في متحف بيكاسو حتى السادس من سبتمبر (أيلول) المقبل، بعنوان «تحولات غيرنيكا». وهي تجربة فريدة من نوعها للواقع الافتراضي تدور حول إحدى أشهر التحف الفنّية في القرن العشرين.

ويتيح المعرض فرصة مبتكرة وغير مسبوقة للغوص في أعماق جدارية بابلو بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا»، متتبّعاً تاريخها منذ تكليف الفنان برسمها لمعرض باريس الدولي عام 1937، وصولاً إلى تحوّلها إلى رمز عالمي للسلام.

وفور دخول الزائر، يجد نفسه مدعواً إلى رحلة تمر بمحطات أساسية في تاريخ اللوحة، من الجناح الجمهوري الإسباني حيث عرضت للمرة الأولى، إلى أطلال مدينة غيرنيكا الباسكية بعد القصف الذي ألهم الفنان رسمها، مروراً بمرسم بيكاسو الباريسي في شارع «غراند أوغسطين» حيث ولدت الجدارية، وصولاً إلى رحلاتها المتعدّدة قبل استقرارها النهائي في متحف الملكة صوفيا.

الواقع الافتراضي يعيد رسم الطريق إلى «غيرنيكا» (صور المعرض)

ويرافق الزائر في هذه التجربة صوتا شاهدين أساسيين: الكاتب خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري الإسباني، ودورا مار، الفنانة السريالية وشريكة بيكاسو، التي لعب التزامها بمناهضة الفاشية دوراً محورياً في ولادة العمل. وهي أيضاً مَن وثَّقت مراحل رسم الجدارية عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية الشهيرة.

ومَن يُشاهد صور بيكاسو خلال العمل على اللوحة يلاحظ ظهوره بكامل أناقته، مرتدياً سروالاً أسود وقميصاً أبيض وربطة عنق قاتمة، وكأنه يشارك في جنازة الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم نتيجة قصف القوات الألمانية لبلدة غيرنيكا الإسبانية.

وفي تجربة حسية تجمع بين تاريخ الفن والانغماس العاطفي، يقدم معرض «تحولات غيرنيكا» منظوراً جديداً لفهم هذا العمل ذي الصدى العالمي، مستعيناً بدراسات أولية ووثائق أرشيفية وأعمال مرتبطة مباشرة بولادة الجدارية.

ورغم مئات الدراسات التي تناولت «غيرنيكا» عبر العقود، يرى القائمون على المعرض أن استحضارها اليوم بتقنيات الواقع الافتراضي يمنحها حياة جديدة، خصوصاً أنّ رسالتها المناهضة للحروب لا تزال تنسجم مع الزمن الراهن.

ومن المعروف أنّ بيكاسو رسم جداريته الشهيرة، التي يبلغ حجمها 349 في 776 سنتيمتراً، بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1937 مستخدماً الأسلوب التكعيبي، بناءً على طلب الحكومة الجمهورية الإسبانية لعرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الكوني.

وجاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تُحفظ في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم الديكتاتوري بطلب من الفنان نفسه، ثم تعود إلى إسبانيا عام 1981.


شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
TT

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

كشف الشقيقان هاريسون وكايتي ديفاين، المُشاركان في أحدث مواسم برنامج «ريس أكروس ذا وورلد» (سباق حول العالم) الذي تبثّه «بي بي سي»، عن التجربة الغريبة التي يعيشانها خلال مشاهدة نفسيهما على الشاشة، وذلك قبيل عرض الحلقة الأخيرة من البرنامج.

وسيظهر هاريسون، البالغ 24 عاماً، وشقيقته كايتي، 21 عاماً، وهما من مدينة مانشستر، في المرحلة النهائية من البرنامج، حيث يخوض المتسابقون مغامرة شاقّة في السفر من دون استخدام الهواتف المحمولة وبميزانية محدودة.

ووثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

وقال هاريسون، الذي يعمل مساعداً مالياً: «إنه شعور غريب... يبدو الأمر كأنك تُشاهد شخصاً آخر». وأضاف: «أنت تدرك أنّ مَن تراه على الشاشة هو أنت بالفعل، لكن الأمر يعود إلى مرحلة مضى عليها وقت طويل، كما أنّ كثيراً يحدث خلال يوم واحد لدرجة أنك لا تتذكر كلّ ما تراه على الشاشة». وتابع: «تقول أحياناً لنفسك: هل قلت ذلك فعلاً؟».

وأوضح أنّ مشاعره تتراوح بين الإحراج والضحك على نفسه، مضيفاً: «هذه تجربة غريبة جداً، وليست شيئاً معتاداً بالنسبة إلينا».

وتنطلق رحلة المتسابقين من مدينة باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، وصولاً إلى قرية هاتغال النائية الواقعة على ضفاف بحيرة هوفسغول في شمال منغوليا، وذلك سعياً للفوز بالجائزة المالية البالغة 20 ألف جنيه إسترليني.

أما كايتي، التي تعمل مديرة حسابات، فقالت إنّ مشاهدة البرنامج أعادت إليها كثيراً من الذكريات. وأضافت: «عندما أشاهد الحلقات، أجد نفسي أضحك دائماً، لأنني لا أتذكر أن الأمور كانت تبدو بهذا الشكل». وتابعت: «أشعر أنّ الأحداث تبدو أكثر طرافة عند مشاهدتها لاحقاً».

وأوضحت أنّ التوتّر كان يرافقهم طوال مدّة التصوير، لكنها ترى الآن أنها تستطيع الاستمتاع بالتجربة بشكل كامل عند مشاهدتها مجدداً، قائلة: «في تلك اللحظات، ثمة كثير من الضغط النفسي، لكن عندما تُشاهد الأمر لاحقاً تستطيع أن تستمتع فعلاً بكلّ ما عشناه».

وكانت كايتي قد تحدَّثت سابقاً عن أن قضاء كل يوم مع شقيقها كان في الواقع الجزء الأسهل من التجربة. وقالت: «نعرف بعضنا بعضاً بشكل جيد جداً، وكأنّ كلاً منا امتداد للآخر».

وترى أنّ المشاحنات بينهما قد تكون في الواقع عاملاً إيجابياً يُساعدهما،

وأضافت أنّ بعض الأشقاء قد يعدُّون ذلك نوعاً من الشجار، لكنّ الأمر بالنسبة إليهما مختلف تماماً، موضحةً: «كلّما كنا أكثر قسوة مع بعضنا، أصبحت علاقتنا أقوى».