كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء
TT

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كلمات قلقة... صفحات من تجربة سفر في زمن الوباء

كان القلق يتدحرج مثل كرة ثلج... تُكبر وتُكبر وتضغط على الأعصاب بقسوة كلما اقتربنا من بوابة مطار دبي، حيث بدا المبنى العملاق مثل هرم تاريخي، خاصة وقد خفتت الأضواء داخله، وبدت ممراته الداخلية معتمة، فقط مجموعة صغيرة من الموظفين يرتدون ثيابهم الرسمية، ويضعون الكمامات، ويقفون بشكل متباعد، وهذا ما عليك فعله عندما تنظر إلى الأرضية الرخامية، حيث ستجد رسماً لقدمين عليك الوقوف فوقهما، تفصلانك عن مسافر آخر مسافة مترين، ثم يدلك موظف شاب إلى مسار إجباري، ويشير بأصابعه التي تغطيها القفازات إلى مسلك عليك السير فيه للعبور داخل إطار معدني يشبه باب الغرف المنزلية، حيث تتم قراءة درجة حرارتك الداخلية للتأكد من أنك لا تعاني من أحد أعراض المرض المرعب «كوفيد-19».
دهشة المسافر ستتضاعف عندما تسأل موظفة شركة طيران الإمارات عن وجهتك هذا الصباح، فبعد أشهر من توقف الرحلات الجوية من وإلى دبي، ها هي الناقلة العملاقة تُرسل هذا اليوم طائرتين نحو أميركا الشمالية، بتوقيت متقارب، واحدة نحو شيكاغو والأخرى نحو تورونتو، ومن ثم ستطلب الموظفة من كل مسافر أن يعطيها جواز سفره قبل وصوله إلى شباك وزن الحقائب، وستطلب بلباقة من كل مسافر يقف أمامها تنحية القناع الواقي جانباً، وتمعن النظر في وجهه، وتطابق صورته مع صورة جواز سفره. وخلال ثوانٍ معدودات، تتمنى له رحلة سعيدة، وبيدها الصغيرة ذات القفاز الداكن تشير نحو شباك قريب لتكمل إجراءات سفرك نحو كندا، لكن قبل ذلك تعترض طريقك موظفة أخرى أقصر قامة، وتعطيك علبة كرتونية حمراء فيها مستلزمات للسفر (زوجان من القفازات البلاستيكية بقياسين مختلفين، وقناعان أزرقان للوجه، ومنديلان ورقيان مبللان بمادة مطهرة، وكيسان صغيران من مادة معقمة لليدين). بعدها، تنطلق نحو شباك وزن الحقائب.
من كان يعتقد أن مطار دبي الذي يعبره عشرات الملايين كل سنة أصبح خالياً هكذا... مسافرون قلائل... موظفون قلائل... السوق الحرة مغلقة، المطاعم والمقاهي ومتاجر الملابس والتذكارات، كل الأمكنة بدت خالية سوى قاعة الانتظار التي تم اختصار مقاعدها للنصف تقريباً لتناسب عدد المسافرين الذين سيصعدون للطائرة... مقاعد غير متجاورة، ولا أحد يجلس قرب الآخر. ولأن موعد الصعود للطائرة لم يحن بعد، انشغل كل مسافر بهاتفه، فبدا المشهد كأنه فيلم سينمائي لكائنات فضائية أو مخلوقات مرعبة تضع أقنعة وترتدي قفازات وتتدلى من رأسها أسلاك لسماعات حُشرت في الآذان، مخلوقات بعيون ذابلة من شدة القلق، ولعل المرء يتساءل أي هلع تخبئه الوجوه خلف أقنعتها، هلع من مجهول غير مرئي يتربص في كل مكان، قاد العالم نحو جنون الارتياب، الارتياب من سعال خفيف أو عطسة غبار أو حلق جاف... من كان يظن أن الاستيقاظ كل صباح يعني يوماً آخر يضاف إلى أعمارنا النازفة، أو يضاف إلى رصيد الخوف في حساب البشرية.
للوهلة الأولى، يظن المسافر أنه في ممر أحد المستشفيات، فقد بدت المضيفة بمئزرها الأبيض الذي وضعته فوق ثيابها الرسمية، وكمامتها التي تغطي معظم وجهها، وقفازها البلاستيكي الأبيض، بدت أقرب إلى الممرضة، ولولا قبعة حمراء تحمل شعار طيران الإمارات لظن المرء أنه في ممر مستشفى، وليس ممر بين مقاعد الطائرة الكبيرة التي تباعد الركاب على مقاعد الدرجة السياحية، حيث يفصل مقعد فارغ بين مسافر وآخر، في حين كانت مقصورة رجال الأعمال شبه خاوية، ولم يكن للرفاهية حضور بما تعنيه هذه الدرجة، حيث لا مناديل ساخنة لمسح اليدين أو عصائر أو غيرها، فقط مقعد مريح ولائحة طعام معلب ووسادة وغطاء للراغبين في النوم خلال الساعات الأربع عشرة المقبلة من عمر هذه الرحلة بين دبي وتورونتو.
يمر الوقت بطيئاً على متن الطائرة وأنت تراقب الشاشة التي أمامك، وتبدأ البحث عن فيلم أو أفلام تسليك، ويكاد بحثك يشبه النبش عن قشة في حقل ذرة، حيث لا مطبوعة تدلك على أحدث الأفلام أو أجملها، عليك البحث بنفسك بقفازك الذي يعيق حركة أصابعك، وعليك أن تهدأ غضبك وأنت تتنفس بصعوبة من خلف قناعك، ولا مناص من السفر بالكمامة اتقاء لعدوك الذي يختبئ في الهواء، رغم قناعتك أن أجهزة ترشيح الهواء في الطائرة تعمل على تنقيته من الفيروسات بنسبة تتجاوز الـ99 في المائة، لكن من يضمن أنك لن تكون ضحية الـ1 في المائة. كان الرعب رفيقك وتسليتك وأحد أكبر مستقبليك عند وصولك إلى تورونتو.
تنظر إليك موظفة الهجرة في مطار تورونتو بعينين محايدتين، دون كمامة، دون قفاز، دون خوف، وتسألك الأسئلة الاعتيادية: من أين أتيت؟ هل لديك أطعمة؟ هل لديك مواد ممنوعة؟ ثم تسألك أسئلة غير اعتيادية: هل تشعر بارتفاع في درجة الحرارة؟ هل تسعل؟ أين ستقيم؟ وكأنها تعرف سلفاً كل أجوبتك، لذلك تختم استقبالها لك بعبارة جافة جادة تشبه سؤالاً تحذيرياً: «هل تعرف أنه يتوجب عليك عدم مغادرة بيتك لمدة 14 يوماً حسب القانون الكندي؟».
من غرفة تطل على حديقة خلفية، ثمة بقايا مطر صباحي على النافذة، وثمة شمس خجولة تدفع دفئها نحو العشب، أرقب العصافير السعيدة الحرة الشجاعة، عصافير لا تعرف الهلع، ولا تخاف من المستقبل. في تلك الغرفة العلوية، أفكر بقيمة الحياة في ثامن أيام الحجر المنزلي، وأكتب هذه الكلمات بقلق، منتظراً يومي الرابع عشر.

- شاعر وصحافي سوري


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

مصر لتطوير منطقة آثار سقارة لتلائم قيمتها التاريخية

منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لتطوير منطقة آثار سقارة لتلائم قيمتها التاريخية

منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، عن إطلاق مشروع لتطوير خدمات الزائرين بمنطقة آثار سقارة، وذلك في إطار استراتيجية الوزارة الرامية إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة في المواقع الأثرية وتحسين تجربة الزائر.

ويتضمن المشروع رفع كفاءة الطرق الداخلية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة بالمنطقة، بما يتناسب مع قيمتها التاريخية، بما يُعزز جاهزيتها لاستقبال الأعداد المتزايدة من الزائرين من داخل مصر وخارجها، وفقاً لبيان صادر عن وزارة السياحة والآثار.

وترجع تسمية منطقة سقارة الأثرية إلى إله الجبانة «سوكر». وتُعد المنطقة إحدى المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة «اليونيسكو» منذ عام 1979. ومن أبرز معالمها هرم «زوسر»، الذي يُعد أول بناء حجري معروف في التاريخ. كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاكتشافات الأثرية المهمة، ويصفها علماء المصريات بأنها «منطقة واعدة أثرياً لم تُكشف جميع أسرارها بعد».

بدوره، أكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، أن «المشروع يأتي في إطار رؤية الدولة لتطوير المواقع الأثرية وفق منهج متكامل يوازن بين الحفاظ على القيمة الأثرية الفريدة للموقع والارتقاء بالبنية التحتية والخدمات المقدمة به، ما يُعزز من مكانة المنطقة بوصفها من أبرز الوجهات السياحية والمواقع الأثرية على مستوى العالم».

وتسعى مصر، من خلال تطوير الخدمات بسقارة، إلى «زيادة قدرة المنطقة على استيعاب الحركة السياحية المتنامية، بما ينعكس إيجاباً على تجربة الزائر»؛ حيث تستهدف مصر زيادة عدد السائحين إلى 30 مليوناً بحلول عام 2030، وقد استقبلت نحو 19 مليون سائح العام الماضي.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إن «المشروع يهدف إلى تطوير شبكة الطرق الداخلية بالمنطقة الأثرية لتسهيل حركة التنقل بين مختلف المزارات، مع الالتزام الكامل بالمعايير الفنية والهندسية العالمية والمعمول بها في المواقع الأثرية»، حسب البيان،

وأوضح مدير عام منطقة آثار سقارة، الدكتور عمرو الطيبي، في البيان، أن المشروع يتضمن تنفيذ مجموعة متكاملة من أعمال تطوير الخدمات، تشمل توفير مقاعد للاستراحة، وإنشاء مظلات في عدد من النقاط الحيوية للحماية من أشعة الشمس، إلى جانب تطوير مختلف عناصر الخدمات.

كما يتضمن المشروع تنفيذ مسارات مخصصة لذوي الهمم من مستخدمي الكراسي المتحركة، لتسهيل تنقلهم داخل المنطقة الأثرية، في إطار التوجه المصري نحو تعزيز مفهوم السياحة الميسرة، وإتاحة تجربة سياحية أكثر شمولاً.

وفي إطار المساعي المصرية لزيادة عدد السائحين الوافدين للبلاد نفّذت خلال الآونة الأخيرة مشروعات تطوير للخدمات بعدة مناطق أثرية، على رأسها منطقة الأهرامات.

وتسعى مصر إلى تطوير المناطق السياحية والأثرية وفق خطتها الترويجية التي أطلقتها تحت عنوان «مصر تنوع لا يضاهى»، معتمدة على تنوع الأنماط السياحية، وفي مقدمتها السياحة الثقافية بالمتاحف والمواقع الأثرية.


أميرات مصر القديمة كنَّ محاربات ماهرات

سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
TT

أميرات مصر القديمة كنَّ محاربات ماهرات

سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)

لعقود، اختلف العلماء حول دلالة الأسلحة التي عُثر عليها في مقابر بعض أميرات مصر القديمة؛ هل كانت أدوات رمزية أو عملية؟ إلى أن أظهرت دراسة جديدة أعادت تقييم خمس مومياوات لأميرات من عصر الدولة الوسطى، أن بعض الأميرات المدفونات مع أسلحة كنّ قادرات على استخدامها.

وكشفت نتائج الدراسة المنشورة في مجلة «فرونتيرز إن إنفيرومنتال آركيولوجي»، الجمعة، أن أميرات مصر القديمة اللواتي عشن قبل نحو 4 آلاف عام كنّ راميات ماهرات.

وقالت الدكتورة زينب حشيش، الأستاذة المساعدة في قسم الآثار بجامعة بني سويف في مصر، والمؤلفة الرئيسية للمقال المنشور، الجمعة: «كان أفراد العائلة المالكة، خصوصاً النساء، يشاركون في أنشطة تتطلب مهارة وجهداً بدنياً كبيراً، مثل الرماية والصيد. ويدعم هذا الاستنتاج الطريقة التي تطورت بها عظامهن لتحمل الاستخدام المكثف للعضلات، وهو ما يتوافق تماماً مع الأسلحة المكتشفة في مقابرهن».

ارتباط العضلات بعظام ذراع الأميرة نوب حوتب بحركات الرماية (مجلة فرونتيرز إن إنفيرومنتال آركيولوجي)

ووفق نتائج الدراسة، تشير قوة العضلات وشفاء الكسور إلى أن نساء العائلة المالكة كنّ قادرات على استخدام الأسلحة التي دُفنّ معها، وأن مكانتهن الرفيعة لم تمنعهنّ من مواجهة المصاعب.

ودرس الباحثون ست مومياوات ملكية عُثر عليها في دهشور، إحدى القرى التابعة لمركز البدرشين في محافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، وهو مجمع جنائزي من الأهرامات والمقابر المجوفة، في تسعينات القرن التاسع عشر. فُقدت هذه المومياوات لسنوات، وأُعيد اكتشافها في المتحف المصري خلال مشروع ترميم عام 2020.

أربع من المومياوات الست كنّ شقيقات؛ بنات الفرعون أمنمحات الثاني، دُفنّ في غرف تحت الأرض متطابقة: الأميرة إيتا بجوار الأميرة خنمت، والأميرة إيتاويرت بجانب امرأة مجهولة الهوية يُعتقد مبدئياً أنها الأميرة ساتاثورميريت، وقد دُفنّ مع أدوات مثل الأقواس والسهام التي تُنسب تقليدياً إلى الرجال، واحتوى نعش الأميرة إيتا على خنجر بالغ الجمال. ودُفنت أدوات ملكية مماثلة مع المومياوات الملكية الأخرى التي خضعت للتقييم.

مكّنت العظام المتبقية علماء الآثار من تقدير أعمار الأفراد عند الوفاة، وأطوالهم، وجنسهم، بالإضافة إلى الكشف عن أدلة على أمراض أو إصابات.

وقالت زينب حشيش: «كانت الأميرة إيتا شابة يتراوح عمرها بين 28 و34 عاماً، وتتمتع بعضلات قوية في الجزء العلوي من جسمها، مما يشير إلى أنها كانت تستخدم أسلحة مثل الهراوات أو الخناجر بشكل معتاد. أما الأميرة خنمت، فكانت امرأة في أواخر الثلاثينات أو الأربعينات من عمرها، وقد ظهرت عليها علامات ترقق العظام، ولكن كانت أربطتها قوية للغاية. وكانت الأميرة إيتاويرت شابة عمرها بين 20 و34 عاماً، ونجت من كسور في الأضلاع والقدم، ويُظهر هيكلها العظمي أنها كانت رامية سهام ماهرة».

وتشير قوة العضلات في عظام الشقيقات إلى أنهن كنّ نشيطات بدنياً للغاية، وهو ما يتوافق مع استخدام الأسلحة في مدافنهن. وتُظهر أدلة مماثلة أن الأميرة نوب حوتب والملك حور كانا أيضاً راميين للسهام.

الخنجر المدفون مع الأميرة إيتا (سامح عبد المحسن - المتحف المصري)

وأوضحت الباحثة: «وجدنا نمواً ملحوظاً في الأطراف العلوية لهؤلاء الأفراد، وهو ما يتوافق مع حركات متكررة وعالية الشدة، مثل شد وتر القوس أو تثبيت السلاح، ما يثبت أن هذه الأنشطة كانت جزءاً من حياتهن».

وأضافت: «يفسر هذا بشكل مباشر وجود الأقواس والسهام والهراوات في مقابر النساء؛ فلم تكن مجرد هدايا رمزية، بل أدوات استخدمنها فعلياً».

وكانت الإصابات، مثل كسور أضلاع الأميرة إيتاويرت - والتي يُرجح أنها ناجمة عن ضربة أو سقوط من مكان مرتفع - شائعة، في حين عانى العديد من الأفراد من التهابات ونقص في التغذية.

وقالت حشيش: «من المرجح أن هذه الإصابات ناجمة عن حوادث أو سقوط أو ضربات قوية أو غيرها من الصدمات المرتبطة بنمط حياة نشط، سواء من خلال الصيد أو التدريب العسكري أو غيرهما من الأنشطة الشاقة». وأضافت: «اللافت للنظر هو أن الإصابات شُفيت بشكل جيد، مما يشير إلى أنهن كنّ يتمتعن بإمكانية الوصول إلى رعاية طبية متقدمة في ذلك الوقت».

وأضافت الباحثة: «حلمنا هو تجاوز مجرد تحديد هوية أفراد العائلة المالكة في دهشور. نسعى إلى سرد قصص حياتهم كاملة، وعائلاتهم، وصحتهم، وحتى أدوارهم السياسية، بأكبر قدر ممكن من التفصيل. إضافةً إلى الجانب العلمي».

وتابعت: «سنحافظ على الرفات، ونُنشئ نماذج ثلاثية الأبعاد لأغراض التدريس والمعارض الافتراضية، ونعرضها إلى جانب مجوهراتهم وأسلحتهم ومقتنياتهم الجنائزية. كل هذا سيتم مع ضمان عرض الرفات بطريقة أخلاقية، كما دُفنت في الأصل».


المصايف القديمة والتقليدية بمصر... لمن؟ وبِكَم؟

أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
TT

المصايف القديمة والتقليدية بمصر... لمن؟ وبِكَم؟

أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)

لا يبدو أن «المباراة» السنوية بين الساحل الشمالي بمنتجعاته الفاخرة، والمصايف التقليدية آخذة في التراجع، فمنذ سنوات تتجدد عبر منصات عدة سجالات «الساحل الطيب» و«الساحل الشرير»، التي تحولت إلى «ترند صيفي» يعكس اختلاف أنماط قضاء العطلات، وما تكشف عنه من مفارقات اقتصادية واجتماعية في اختيارات المصريين لوجهاتهم الصيفية.

وفي خضمّ هذا الموسم الحار، تشهد المصايف التقليدية، مثل الإسكندرية ومرسى مطروح ورأس البر وجمصة وبلطيم وفايد، ذروة الإقبال مع انتصاف يوليو (تموز) لا سيما مع انتهاء موسم الامتحانات الدراسية، مستفيدةً من انخفاض تكاليفها مقارنةً بالوجهات الأكثر فخامة، لتظل الخيار الأول لملايين الأسر الباحثة عن إجازة صيفية تناسب ميزانياتها.

تكدس الشواطئ خلال عطلة الأسبوع بالإسكندرية (محافظة الإسكندرية)

تأتي مدينة الإسكندرية الساحلية على رأس تلك الوجهات خصوصاً في العطلات الأسبوعية، بعد أن أعلنت محافظة الإسكندرية، حسب وسائل إعلام محلية، السبت، عن «استقبال نحو 2.15 مليون زائر، خلال يوم الجمعة، بينما بلغت نسبة الإشغال في جميع شواطئ القطاع الشرقي 100 في المائة، وسجل شاطئ الهانوفيل المجاني الإشغال الكامل، ووصلت نسبة الإشغال في شواطئ القطاع الغربي إلى نحو 85 في المائة، وفق بيانات الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية. ويرى الخبير السياحي محمود عطا أن الإقبال على المصايف التقليدية لا يقتصر على الإسكندرية، وإنما يمتد إلى وجهات أخرى مثل مرسى مطروح، ورأس البر، وفايد، وجمصة، وبلطيم، التي لا تزال تستقطب أعداداً كبيرة من الأسر المصرية بفضل انخفاض تكلفة الإقامة وسهولة الوصول إليها مقارنةً بالمنتجعات السياحية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات «اليوم الواحد» تُعد من أكثر البرامج السياحية التي تستقطب المصطافين خلال فصل الصيف، إذ تتيح للزائر قضاء يوم كامل على الشاطئ دون تحمل تكلفة الإقامة، فيما يلجأ آخرون إلى استئجار شقق مفروشة بأسعار مناسبة، وتقاسم تكلفتها بين أكثر من أسرة.

ويضيف أن «أسعار الإقامة اليومية في الشقق الشعبية في الإسكندرية بمناطق مثل ميامي تبدأ من نحو 150 إلى 300 جنيه، (الدولار يساوي نحو 50.50 جنيه). بينما تتراوح إيجارات الشقق المطلة على البحر أو الوحدات الفندقية بين 500 وألف جنيه أو أكثر في الليلة الواحدة، حسب الموقع ومستوى التجهيز، مما يجعل هذه الوجهات في متناول شريحة واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل».

انخفاض تكلفة ارتياد الشواطئ يسهم في ارتفاع أعداد المصطافين (محافظة الإسكندرية)

وتقول نسرين محمود، من سكان الإسكندرية، إن «المدينة تتحمل خلال موسم الصيف أعباءً كبيرة نتيجة التدفق الكثيف للمصطافين، لا سيما في مناطق سيدي بشر، والمندرة، والعصافرة، وميامي، التي تشهد ازدحاماً يمتد حتى ساعات الفجر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الإقبال لا ينعكس فقط على ازدحام الشواطئ، بل يمتد إلى الحركة المرورية ووسائل النقل والمرافق العامة»، وتشير إلى أن مناطق مثل ميامي وخالد بن الوليد ومحطة الرمل تتحول إلى نقاط تجمع كثيفة رئيسية لرحلات المصطافين من المحافظات، «فضلاً عن ارتفاع المخلفات وبقايا الأطعمة على الشواطئ، بما يفرض أعباء إضافية على المرافق»، على حد تعبيرها. ولعل ما تشير إليه نسرين يتردد صداه لدى كثير من مواطني الإسكندرية عبر تداول منشورات وصور تعكس تكدس شواطئ المدينة، تحت شعار «الإسكندرية ليست لنا».

ويعود عطا ليؤكد أن هذا المشهد «يعكس استمرار جاذبية المصايف التقليدية»، موضحاً أن انخفاض تكلفة الرحلة والإقامة يظل العامل الأكثر تأثيراً في اختيار ملايين المصريين وجهاتهم الصيفية»، ويضيف أن «أسعار دخول كثير من الشواطئ العامة تتراوح بين 20 و 30 جنيهاً، شاملةً الكرسي والمظلة والخدمات، مما يسهم في استمرار الإقبال الكثيف عليها عاماً بعد آخر، لكنه يفرض في المقابل تحديات متزايدة تتعلق بإدارة الشواطئ، واستيعاب الأعداد الكبيرة كل عام».

Your Premium trial has ended