الانتحار... آخر وسيلة للهرب من بطش الحوثيين

عناصر أمن تابعة للحوثيين في صنعاء (رويترز)
عناصر أمن تابعة للحوثيين في صنعاء (رويترز)
TT

الانتحار... آخر وسيلة للهرب من بطش الحوثيين

عناصر أمن تابعة للحوثيين في صنعاء (رويترز)
عناصر أمن تابعة للحوثيين في صنعاء (رويترز)

ازدادت هموم أبو رضوان وقلّت حيلته أمام تعسف الميليشيات الحوثية المستمر، وصولاً إلى إخراجه من البيت الذي تعود ملكيته للأوقاف بحجة عدم تجديد عقد الإيجار؛ وهو ما دفعه إلى إخراج روحه من جسده بطلقة كانت كفيلة بإنهاء آخر نفس في حياة دامت أربعين ونيفاً، تاركاً زوجته وأربعة أبناء عرضة للتشرد.
أبو رضوان وغيره العشرات من اليمنيين دفعهم سوء الأحوال والضغوط الحياتية وتوقف الرواتب وتعسف الجماعة الجماعة الحوثية إلى الإقدام على خطوة إنهاء حياتهم انتحاراً؛ هرباً من الواقع الحوثي المزري.
في هذا السياق، أفادت مصادر محلية بأن الشاب (م.ن) أحرق نفسه في صنعاء وسط حي سكني احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتردي واضطهاد الميليشيات الحوثية للمواطنين، كما أفادت المصادر بإقدام شاب عشريني على الانتحار، بإلقاء نفسه من أعلى عمارة سكنية جنوب محافظة إب (جنوب صنعاء).
وفي محافظة ذمار (100 كم جنوب صنعاء)، ذكرت مصادر محلية، أن مواطناً أقدم على الانتحار، حيث أطلق النار على نفسه، بعد أن ساءت ظروفه المعيشية وتعثر في توفير احتياجات أسرته من مواد إعاشة، وانسدت كل الأبواب في وجهه ولم يتمكن من الحصول على فرصة عمل تساعده في توفير الطعام لأسرته.
وعبّر حقوقيون ونشطاء في منظمات المجتمع المدني في صنعاء عن قلقهم من تزايد أعداد المنتحرين في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، وحذّروا من مغبة مصادرة الجماعة الانقلابية لأملاك الناس، وفرضها جبايات كبيرة على السكان، في ظل انعدام فرص العمل أمام الآلاف الذين فقدوا رواتبهم.
وتزداد التزامات الكثير من اليمنيين الذين ضاقت بهم الدنيا فقراً ومرضاً وبطالة وتشرداً جراء ضيم ميليشيات الحوثيين التي جعلت حياتهم جحيماً، وأفقدتهم الآمال لدرجة أنهم باتوا يرون في الانتحار مخرجاً.
ولم تنحصر حالات الانتحار في الشبان اليمنيين؛ فقد طالت كل الأعمار بمن فيهم المسنون في أغلب المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات في ذمار وصنعاء والحديدة وإب وتعز، حيث تنوعت ما بين الشنق، والحرق، وإطلاق النار.
وفي حادثة لم تكن تعرفها اليمن أقدم رجل مسن هذا الشهر على الانتحار شنقاً، في محافظة إب بسبب تردي الوضع المعيشي الذي يعاني منه، على خلفية ما تسببت به الحرب التي أشعل فتيلها ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً.
وفي الشهر نفسه، انتحر مالك بقالة في إب، بسبب حجم الضغوط الضريبية التي تعرّض لها من قبل موظفي الضرائب الحوثيين، في ظل تراجع إيرادات المبيعات.
وشهدت محافظة إب، تزايداً ملحوظاً في حالات الانتحار، إذ أقدم المواطن «ع.س.م» على الانتحار شنقاً في مديرية العدين غرب إب. وسجلت المحافظة 15 حالة انتحار خلال العام الماضي، في ظل تفاقم الظاهرة وارتفاع ضحاياها منذ الانقلاب الحوثي الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.
ويشير أغلب المراقبين في مناطق سيطرة الجماعة إلى أن الممارسات القمعية والاضطهاد الذي تنتهجه الميليشيات هو السبب الأول لانتشار الانتحار في أوساط سكان المناطق الخاضعة للانقلاب.
وحمّل ناشطون وحقوقيون يمنيون الميليشيات الحوثية مسؤولية تدهور الوضع المعيشي بسبب تفشي البطالة وانقطاع الرواتب والنهب الممنهج، وهي الأمور التي زادت من حجم الضغوط والالتزامات المعيشية في الوقت الذي يتنعم فيه قادة الحوثي بالمزيد من الأموال والعقارات.
ويقول باحثون اجتماعيون في صنعاء، إن دوافع حالات الانتحار سببها الظلم الذي تمارسه جماعة الحوثي تجاه المواطنين اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً؛ إذ تعمدت الميليشيات قطع رواتب الموظفين، وهو الأمر الذي خلف مشاكل أسرية وضغوطاً اقتصادية أوجدت اختلالات نفسية.
ويؤكد الباحثون لـ«الشرق الأوسط»، أن حالات الانتحار في مناطق سيطرة الميليشيات في تصاعد مستمر جراء الممارسات الابتزازية للجماعة التي نهبت كل مقدرات الدولة وأثقلت كاهل المواطنين بالجبايات والضرائب والتحصيلات المالية التي لا تنتهي. وفي حين تتكتم الأجهزة الحوثية الانقلابية على حجم حالات الانتحار في مناطق سيطرتها، أفادت مصادر محلية وأمنية في العاصمة المختطفة لـ«الشرق الأوسط» بأن صنعاء تتصدر المدن اليمنية في حوادث الانتحار، يليها محافظات إب، وتعز، والحديدة، وحجة، وذما، والمحويت.
وبحسب إحصائيات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن أغلب المنتحرين تلقوا التعليم الأساسي، في حين جاء المنتحرون من فئة الأميين في المرتبة الثانية، بينما كان أقل عدد من المنتحرين هم ممن تلقوا التعليم الجامعي.
وأكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتحار بالأسلحة هو أكثر الطرق شيوعاً في حوادث الانتحار، يليها الانتحار عن طريق الشنق، ثم السقوط من أماكن مرتفعة، ثم الحرق بالنار، إلى جانب الانتحار عن طريق تناول مواد سامة.
ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة الـ(فاو)، فإن الأزمة الإنسانية في اليمن هي الأكبر في العالم، في ظل انعدام الأمن الغذائي، منذ بداية الانقلاب الحوثي على الشرعية، وهو ما عرّض المواطنين للخطر جراء المجاعات والفقر المحدق بهم؛ إذ يملك نحو مليون و200 ألف يمني ما معدله 1.36 هكتار، وهو ما سيؤثر على تراجع كميات الحصاد بشكل مباشر على 7 ملايين شخص ويساهم في نقص الغذاء.
ويعيش نحو 70 في المائة من اليمنيين في مناطق ريفية، ويعتمد أكثر من 50 في المائة من القوى العاملة على الزراعة وما يتصل بها من أنشطة في كسب أرزاقهم، في حين قدرت الخسارة في فرص العمل بنحو 50 في المائة بالقطاع الزراعي.
وفي تصريح سابق لوزير الإدارة المحلية رئيس اللجنة العليا للإغاثة في الحكومة اليمنية، عبد الرقيب فتح، أوضح أن أكثر من 24 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية مختلفة، أي 80 في المائة من تعداد السكان.
وذكر الوزير اليمني، أنه يوجد 14.8 مليون يفتقرون للرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك 8.8 مليون شخص يعيشون في مناطق تعاني من نقص شديد في الخدمات، إضافة إلى 4.5 مليون شخص يعانون من سوء التغذية، من بينهم 1.7 مليون طفل وامرأة حامل أو مرضعة يعانون من سوء التغذية الحاد، و11.3 مليون شخص في حاجة إلى الحماية، منهم النازحون والأطفال والنساء وكبار السن، و3.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس.
وأضاف، أن الانتهاكات التي تقوم بها ميليشيات الحوثي الانقلابية بحق المساعدات الإغاثية والإنسانية، تزيد من سوء الأوضاع الإنسانية للسكان في اليمن.
وفي تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية، أفادت بأن شخصاً واحداً ينتحر كل 40 ثانية في العالم، حيث جاء اليمن في المرتبة الثالثة من بين البلدان العربية ليصل العدد طبقاً للتقرير إلى 800 ألف شخص سنوياً، أي أكثر من الذين قتلوا في الحروب وعمليات القتل أو سرطان الثدي.
وأظهر التقرير، أن أكثر من نصف المنتحرين في العالم أجمع هم دون سن الـ45، وفي فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، يأتي الانتحار في المرتبة الثانية بعد حوادث الطرق سبباً رئيسياً للوفاة.
وتمثل كل حالة انتحار مأساة تؤثر على الأسر والمجتمعات والبلدان بأكملها بما تحدثه من آثار طويلة الأمد على من تركوهم وراءهم.
ويعتقد حقوقيون يمنيون، أن تزايد حوادث الانتحار نتيجة طبيعية للعنف والفقر وسوء المعاملة والفساد الإداري من قبل الميليشيات الحوثية، حيث يشعر السكان في مناطق سيطرة الجماعة بفقدان الأمل والعزلة والتمييز والعنصرية.


مقالات ذات صلة

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

تكشف الهجمات الصاروخية الحوثية عن نمط استهداف لعمق سيطرة القوات الحكومية بوصف ذلك تمهيداً للتقدم الميداني بضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان ومراكز الإمداد

وضاح الجليل (عدن)
خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

خاص قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)

منظمة دولية: التصعيد الحوثي يترك آلاف اليمنيين بلا مأوى

عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
TT

منظمة دولية: التصعيد الحوثي يترك آلاف اليمنيين بلا مأوى

عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)

لم تنتهِ رحلة النجاة لآلاف اليمنيين الذين فروا من التصعيد الحوثي في غرب تعز وجنوب الحديدة بالوصول إلى مناطق أكثر أماناً؛ إذ وجدت عائلات نفسها بلا مأوى، بعد أن قطعت مسافات طويلة سيراً على الأقدام تحت درجات حرارة مرتفعة، لتواجه الجوع والأمراض ونقص المياه النظيفة، في ظل تزايد مخاطر سوء التغذية والكوليرا.

وحذّرت منظمة «أطباء بلا حدود» من تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية للنازحين في محافظتي لحج وعدن، مشيرةً إلى أن الفارين من مناطق التصعيد يواجهون معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد والكوليرا والإسهال المائي الحاد والحصبة، إلى جانب أمراض معدية أخرى، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على تأمين الغذاء والمياه والرعاية الطبية.

فارون بجلودهم من القصف الحوثي يتركون وراءهم كل أمتعتهم (إعلام محلي)

وأدت موجة التصعيد الأخيرة إلى نزوح عائلات من المناطق التي دخلها الحوثيون على امتداد الساحل الغربي، لتجد نفسها مجدداً في مواجهة ظروف قاسية، بعد أن تركت منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها بحثاً عن ملاذ آمن، وفقاً للمنظمة.

وتكشف الأوضاع التي رصدتها الفرق الطبية المتنقلة جانباً من معاناة النازحين؛ فقد قطع كثيرون مسافات طويلة عبر أراضٍ صحراوية وفي أجواء حارة، من دون ضمانات بالحصول على الطعام أو الماء أو مكان يحميهم من قسوة الطقس.

تحت الأشجار

لم تتمكن بعض العائلات، حسب المنظمة الدولية، من العثور على مأوى لدى المجتمعات المضيفة أو في مخيمات النزوح الرسمية وغير الرسمية، واضطرت إلى البقاء على جوانب الطرقات أو قضاء الليل تحت الأشجار، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والعيش الكريم.

وفي محيط محافظة لحج وعلى أطراف مدينة عدن، لجأت عائلات إلى تجمعات ومواقع إيواء غير رسمية، بينها مدارس ومساجد، حيث تزداد الحاجة إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والمستلزمات الأساسية.

رحلة فرار لآلاف اليمنيين تنتهي على جوانب الطرقات دون مأوى (إعلام محلي)

وتحذر المنظمة الدولية من أن غياب هذه الخدمات يرفع مخاطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وفي مقدمتها الكوليرا، خصوصاً في أماكن الإيواء المكتظة أو التي تفتقر إلى مرافق صحية مناسبة.

ولا تقتصر تداعيات النزوح على فقدان المنازل ومشقة الطريق؛ فالنساء والأطفال يواجهون مخاطر صحية متزايدة، بالتزامن مع انعدام الأمن الغذائي وفقدان مصادر الدخل وسبل العيش، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً للعائلات التي اضطرت إلى الفرار.

الأطفال الأكثر تضرراً

وفقاً لـ«أطباء بلا حدود»، يشكل النساء والأطفال نحو 70 في المائة من المرضى الذين تعالجهم عياداتها المتنقلة في عدد من المخيمات بمحافظتي لحج وعدن.

ويعاني هؤلاء من التهابات جلدية وحمى وإسهال وأمراض معدية أخرى، فيما تسببت المسافات الطويلة التي قطعها النازحون سيراً على الأقدام في إصابات بالقدمين والتهابات في الأذنين والعينين.

وتتضاعف المخاطر على الأطفال المصابين بسوء التغذية، مع تراجع فرص حصولهم على غذاء كافٍ ورعاية صحية منتظمة، نتيجة الفقر والنزوح وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية. ورصدت فرق المنظمة حالات من سوء التغذية الحاد الوخيم لدى أطفال يحتاجون إلى تدخل طبي متخصص.

الحوثيون شردوا عشرات الآلاف من سكان قرى غرب تعز (إعلام محلي)

كما يزيد انعدام الأمن الغذائي وتراجع مصادر الدخل، بالتزامن مع ارتفاع حالات الإصابة بالكوليرا، من تعقيد الأوضاع الصحية للنازحين، الذين يواجه كثير منهم صعوبات في الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على الإحالات العلاجية اللازمة.

وأمام اتساع الاحتياجات، نشرت «أطباء بلا حدود» عيادات متنقلة في عدن ولحج لتوفير الرعاية الطبية للنازحين الذين يصعب عليهم الوصول إلى المرافق الصحية. وقدمت العيادات، منذ 15 سبتمبر (أيلول)، 775 استشارة طبية، فيما شُخّصت حالات سوء التغذية الحاد الوخيم لدى 20 طفلاً.

وبالنسبة إلى العائلات التي قطعت المسافات بحثاً عن الأمان، لا تنتهي رحلة النجاة بالابتعاد عن مناطق التصعيد؛ إذ تبدأ معركة أخرى لتأمين الطعام ومياه الشرب ومأوى يحمي الأطفال من الحر والمرض. وفي ظل تزايد الاحتياجات، تبرز ضرورة توفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة للنازحين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم والبدء من جديد وسط ظروف بالغة القسوة.


تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.