بيروقراطية وتأخر جهود الإغاثة... الحدود السورية ـ التركية «كما لو أنها نهاية العالم»

موظف إغاثي: الكارثة آتية إذا لم يتوقف القصف > أكبر موجة نزوح منذ 9 سنوات

سوري بريف حلب الغربي يستعد للنزوح مع عائلته (أ.ف.ب)
سوري بريف حلب الغربي يستعد للنزوح مع عائلته (أ.ف.ب)
TT

بيروقراطية وتأخر جهود الإغاثة... الحدود السورية ـ التركية «كما لو أنها نهاية العالم»

سوري بريف حلب الغربي يستعد للنزوح مع عائلته (أ.ف.ب)
سوري بريف حلب الغربي يستعد للنزوح مع عائلته (أ.ف.ب)

ارتعد رجل نحيف يرتدي سترة من القطن ويحمل حقيبة على ظهره، من البرد الشديد حال انتظاره افتتاح بوابة الحدود التركية للخروج من سوريا. وهناك مئات الآلاف ممن يحاولون الآن الرحيل عن سوريا، بحسب تحقيق صحافي نشرته «نيويورك تايمز» من ريحانلي الحدودية (المعروفة في سوريا باسم الريحانية).
وكان يحيى جمال البالغ من العمر 21 عاما يحاول الدخول إلى الأراضي السورية. فلقد توفي والده، كما قال، وفرّت عائلته إثر انهيار منزلهم من القصف الشديد، وينامون تحت الأشجار في العراء. وعلى الرغم من مغادرته إلى تركيا بطرق التهريب قبل عدة شهور، فإنه قرر العودة إلى بلاده مرة أخرى للوقوف بجوار أسرته المنكوبة.
يقول يحيى جمال وعلى وجهه أمارات الصدمة: «ليس هناك مكان معين أصحبهم إليه، من المستحيل العثور على مكان آمن في سوريا الآن». وفيما وراء التلال المجاورة للمعبر الحدودي التركي عن بلدة ريحانلي، تتكشف أمارات الكارثة الإنسانية الجديدة على الجانب السوري من الحدود.
وصعّدت الحكومة السورية، المدعومة من الجيش الروسي، من هجومها الذي انطلق قبل شهور بغرض السيطرة على محافظة إدلب، وهي تُعتبر آخر المحافظات الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة السورية. وتحت وطأة القصف الجوي والمدفعي الشديد للقرى والبلدات في المحافظة، نزح نحو 900 ألف شخص، أغلبهم من النساء والأطفال، من منازلهم منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ليلحقوا بأكبر موجة من موجات النزوح البشرية في الحرب الأهلية السورية منذ اندلاعها أول الأمر قبل 9 سنوات كاملة.
واتجه أغلب النازحين صوب الشمال، ناحية الحدود التركية، وهم يقاسون الظروف المناخية القاسية. ويحظى المحظوظون منهم بفرصة الاحتشاد في مخيمات اللاجئين، في حين ينام الآخرون في العراء على التلال المحيطة وفي بساتين الزيتون المجاورة. وقد لقي 12 طفلا على الأقل مصرعهم جراء التعرض لموجات البرد الشديدة.
وكانت تركيا، التي تضم على أراضيها بالفعل أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري، قد أغلقت الحدود بينها وبين سوريا منذ عام 2015، خشية حدوث المزيد من تدفقات النازحين. وأسفر هذا الموقف المزري عن حصار النازحين من إدلب بين القوات السورية والروسية والمتقدمة وبين الحدود التركية المغلقة. إنها أكبر حالة للنزوح الداخلي منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية.
وتعتبر ريحانلي، تلك البلدة الزراعية الصغيرة التي تحيط بها البساتين وحقول القطن، المعبر الحدودي الرئيسي من وإلى محافظة إدلب السورية، على الرغم من أنها مغلقة في وجه حركة المرور العامة. ويظهر الجدار الخرساني المرتفع عبر التلال الصخرية بعيدا عن البوابة الجمركية، مع انتشار قطعان الأغنام عبر التلال.
وفي عطلة نهاية الأسبوع، اصطفت نحو 6 شاحنات محملة بالملابس والبطانيات والأغذية القادمة من مختلف أنحاء تركيا بصورة منظمة في انتظار فتح الحدود والدخول إلى سوريا. واحتشد عدد قليل من السوريين، ممن لهم معرفة بالمجال الطبي وبعض التجار الذين يحملون تصاريح عبور الحدود، قبالة البوابة للعبور إلى سوريا سيرا على الأقدام.
مشهد هو الأكثر فظاعة
وكان محمد (تاجر الحلي) يسافر رفقة زوجته أمينة للإتيان بأطفالهما من سوريا، والعودة بهم إلى تركيا. وتسمح السلطات التركية لبعض التجار ممن لهم أعمال على جانبي الحدود بالذهاب والرجوع من سوريا. وقد وصف محمد المناخ العام في المعبر الحدودي بأنه «مهدد». وطلب الزوجان، على غرار غيرهما ممن جرت معهم المقابلة الشخصية، بحجب الهوية الحقيقية، خشية التعرف عليهم من قبل الحكومة السورية. وقال محمد: «الناس خائفون للغاية، والموقف سيئ جداً هناك، حيث يعيش الناس في الشوارع وينامون في العراء تحت الأشجار، والطقس بارد جداً».
وقال أيضا إن المباني العامة والمنازل الخاصة مزدحمة بالنازحين، ويصعب تماما العثور على أي خيمة أو مأوى من أي نوع هناك، كما لا وجود للطعام أو العمل «يمكنك مشاهدة الكثير من العائلات ينامون على الورق المقوى وعلى البطانيات في الشوارع. وكافة بلدات المنطقة على هذا المنوال، وإذا لم تتوقف أعمال القصف فسوف يتحول الأمر إلى كارثة شديدة، فالجميع يهرولون صوب الحدود الآن».
وتحدثنا إلى طبيب قال إن اسمه الدكتور محمد، وكان يحاول تسجيل اسم عائلته في مركز الهجرة الحدودي، وقال إنه تمكن من إخلاء زوجته وأطفاله الأربعة من قريتهم في سوريا مع بدء اقتراب القوات الحكومية السورية. وقد تمكن أيضا من الدخول بهم إلى تركيا بينما كان يواصل العمل في أحد المستشفيات الميدانية الصغيرة في سوريا. ويستقبل ذلك المستشفى نحو 300 مريض في اليوم الواحد: «لدينا نقص شديد في أغلب اللوازم المستوردة. والوقود نادر للغاية أو جودته رديئة للغاية، لا سيما مع ارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف».
كان الطريق ممتلئاً باللاجئين الفارين من الحرب صوب الحدود في الرحلة التي تستغرق 6 ساعات كاملة لقطع مسافة 20 ميلاً، في مشهد هو الأكثر فظاعة على الإطلاق.
بيد أن السوريين العالقين عند الحدود التركية لا يعولون كثيراً على الجيش التركي، ولا يثقون في أنه سوف يتدخل لوقف تقدم القوات الحكومية السورية. وقال محمد التاجر: «نتمنى لو أن أوروبا تدخلت لضرب قوات النظام السوري، وكنا نتمنى لو أن الولايات المتحدة تتدخل في الأمر، ولكننا لا نتوقع منهم ذلك أبداً. إن بشار يقتلنا بجيشه، وهناك المئات يسقطون صرعى في كل يوم، ولا بد للولايات المتحدة أن تفعل شيئاً».
فرار للمرة الثالثة
وتواصل مراسلو «نيويورك تايمز» عبر الهاتف مع أتورسان مصطفى (26 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، وتعيش في بلدة كفر كرمين، القرية السورية التي تبعد أقل من 4 أميال عن خط المواجهة في مدينة الأتارب، حيث انقطعت بها السبل برفقة اثنتين من النساء الأخريات ومعهن 14 طفلاً. قالت أتورسان: «القصف لا يتوقف طوال الوقت، وإن توقفت عن الحديث إليكم فسوف تسمعون صوت القذائف». وكانت تلك النساء، واثنتان منهن أرملتان، قد فررن ثلاث مرات في السابق، منذ بدء الهجوم الأخير في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
والآن، تجددت أعمال القتال، واقتربت كثيراً من القرية، حتى إن باقي سكانها قد هربوا منها. وكانت النساء الثلاث يعشن في منزل غير مشيَّد بالكامل، ومن دون أبواب، أو نوافذ، أو كهرباء، لكنهن كن لا يغادرن المنزل، لأن هناك سقفاً فوق رؤوسهن على الأقل.
وكان تقدُّم القوات السورية سريعاً للغاية من جهة الشرق، حتى إن كثيراً من العائلات السورية كانت عالقة، كما قال فؤاد سيد عيسى، مؤسس منظمة «فيوليت» السورية الإغاثية. وتمكنت تلك المنظمة من جمع 1000 متطوع يقومون باستئجار، أو استعارة الشاحنات لإخلاء العائلات العالقة في المنطقة بغياب أي خدمات أو مواصلات أو وقود في مناطق المواجهة الأمامية. وقال إن «حجم حركة النازحين مذهل للغاية». وتمكنت المنظمة المذكورة من إنقاذ نحو 17 ألف شخص من بلدة أريحا السورية في عملية واحدة. وجرى إفراغ مخيم تابع للأمم المتحدة يضم نحو 10 آلاف نازح سوري بين عشية وضحاها، مع اقتراب القوات الحكومية السورية. ويحتشد الجميع الآن في المخيمات المنشأة بالفعل على الحدود التركية.
وقال سيد عيسى: «إنها مثل نهاية العالم»، الآلاف من الناس يحتشدون في المخيمات، ويتجمعون حولها، على أمل الحصول على المساعدة. والمشكلة الكبرى في المأوى، حتى وإن توافرت الأموال فلن تجد ما تشتريه أو تستأجره بها.
فالمخيمات ممتلئة عن آخرها وليست هناك معسكرات جديدة. وأعرب، على غرار غيره من العاملين في جهود الإغاثة السورية، عن إحباطه الشديد بسبب تأخر جهود الإغاثة كثيراً، وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الهائلة، فضلاً عن شبح البيروقراطية المزري، وقال عن ذلك: «لدى الأمم المتحدة 5 آلاف خيمة، ولكن الناس في حاجة إلى 60 ألف خيمة على الأقل».
وتوقع فرار ونزوح المزيد من الناس مع مواصلة القصف وتقدم القوات السورية، وقال: «لن يبقى أحد هناك. هناك حل واحد فقط وهو أن تفتح تركيا حدودها أمام اللاجئين... ندعوهم لفتح الحدود، لا بد أن تتخذ أنقرة القرار في أقرب فرصة ممكنة».

- خدمة «نيويورك تايمز»



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».