رحيل جورج ستاينر... عدو النظرية وآخر نقاد الأدب الكلاسيكيين

عده بعضهم قمة عالية في النقد التطبيقي وآخرون اتهموه بالاستعلاء النخبوي الأوروبي

جورج ستاينر
جورج ستاينر
TT

رحيل جورج ستاينر... عدو النظرية وآخر نقاد الأدب الكلاسيكيين

جورج ستاينر
جورج ستاينر

ليس هنالك من اتفاق حول قيمة جورج ستاينر الناقد الأدبي النمساوي - الفرنسي - الأميركي الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي عن تسعين عاماً. فبعضهم يعده قامة عالية في النقد الأدبي التطبيقيّ، ونموذجاً نادراً للمثقف الأوروبي واسع الثّقافة متعدد اللّغات وافر الاهتمامات العابرة لحدود التخصصات الأكاديمية الدقيقة، في الوقت الذي أدانه فيه آخرون بالضحالة والتلفيق والاستعلاء النخبوي الأوروبي، وتوظيف المواقف الدينيّة لقراءة الأدب. ومع ذلك، فإن دوره معروف في الدّفاع عن الثقافة «الغربيّة» الرّفيعة، وقدرته البالغة على التأثير بجمهوره الأنغلوفوني، سواء كانوا قراء أو مستمعين لمحاضراته، وموسوعيّة معرفته ومساهمته الجدليّة القيّمة في صحافة النّقد طوال النصف الثاني من القرن العشرين، كما جرأته النادرة بطرح آراء غير مألوفة.
طُبعت تجربة ستاينر مبكراً بجذوره الإثنية واللغويّة والطبقيّة، فلم تغادره قطّ. فقد ولد بباريس لأسرة يهوديّة نمساويّة، وكان والده خبير استثمار مالي مرموقاً في البنك المركزي بفيينا، وصهيونياً علمانياً، لكنه رفض الهجرة إلى الأرض المقدّسة بعد الأجواء الكئيبة التي جلبتها الحرب العالميّة الأولى، وفضّل الانتقال بالعائلة إلى فرنسا عام 1924. هناك، كان ستاينر الابن (ولد 1929) أحد تلميذين يهوديين اثنين في مدرسته في أثناء تلك الفترة القاسية على اليهود الأوروبيين وموجة العداء للسامية. ولاحقاً، هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدّة عشيّة سقوط باريس عام 1940، والتحق هناك بجامعة شيكاغو، بصفتها كانت أقل المؤسسات الأكاديمية الأميركيّة المرموقة عنصريّة تجاه اليهود المتأمركين.
ورغم إيمانه بقدرة الآداب والفنون على التحليق بالروح البشريّة، فإنّه كتب (1967) أنها فشلت بردع النازيين عن الشروع في المحرقة اليهوديّة: «لقد أتينا بعد (الهولوكوست)، ونحن نعلم الآن أن الإنسان يمكنه قراءة غوته أو ريلكيه في المساء، أو الاستماع لباخ أو شوبيرت، ثم يمضي صباح اليوم التالي إلى عمله في معسكر أوتشتفيز (أشهر معسكرات الاحتجاز الألمانيّة خلال الحرب العالميّة الثانية)». وقد شكك بالدوافع الأميركيّة لحرب فيتنام، لكنّه بقي دوماً صهيوني الهوى، مجادلاً بأهميّة فكرة وجود (إسرائيل) في العالم، رغم كلّ المذابح التي تعرّض لها الفلسطينيون والعرب على أيدي الإسرائيليين المنتسبين إلى ضحايا «الهولوكوست».
وبجوار ميراثه اليهوديّ، فإن تنوّع اللغات المحكيّة في بيت عائلة ستاينر بين الألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة -بحكم الهجرات المتتالية- منحه قدرة فائقة على التنقل بسهولة بين فضاءات تلك الثقافات الثلاث المهيمنة على عقل العالم الحديث، دون أن يخضع لأي منها. ولذا، فإنّه أدى دوراً مهماً في كسر عزلة البريطانيين، وعرّف أجيالاً من تلامذة الجامعات وقراء المجلات والصفحات الأدبيّة الأنغلوفونيّة الكبرى (نيويوركر، وإيكونيميست، وصانداي تايمز، وملحق التايمز الأدبي، ومجلّة لندن لمراجعات الكتب، وأسبوعيّة الأوزيرفر) على أعمال مفكرين ومثقفين وأدباء من الصفّ الأوّل في المشهد الثقافي الأوروبي، أمثال: بول ريكوار، ووالتر بنجامين، وثيودور أدورنو، وتوماس بيرنهارد، وجان ستاروبنسكي، وغيرهم.
وجمع ستاينر المجد الأكاديمي الأنغلوفوني من أطرافه. فبعد تجربة حياتية وعلميّة ثريّة في أجواء جامعة شيكاغو، أنجز رسالة ماجستير تقدّم بها لهارفارد (1950)، قبل أن ينتقل مبتعثاً إلى أكسفورد بالمملكة المتحدة، حيث رفضت رسالته للدكتوراه في الأدب الإنجليزي حول «موت التراجيديا»، قبل أن يعدّلها وتقبل من جديد (1955). وبعد عدّة سنوات في جامعة برينستون بالولايات المتحدة، عاد مجدداً إلى أوروبا مدرساً للأدب الإنجليزي والأدب المقارن في كامبريدج وجنيف، مع جولات تدريس أيضاً في هارفارد وجامعة نيويورك، ليقضي تقاعده بعدها أستاذاً فوق العادة في كليّة تشرتشل بكامبريدج، وأستاذ شرف في كليّة الباليول بأكسفورد. لكنّه رغم ذلك بقي موضع جدل شديد، لمحافظته نقدياً ومعاداته الشرسة للمفاهيم ونظريّات النقد الأدبي المعاصر التي غزت جامعات العالم في النصف الثاني من القرن العشرين. وقاد مع زميله الناقد هارولد بلوم (1930-2019) مواجهة موجات النقد الجديد في الخمسينات، والبنيوية والتفكيكيّة في الستينات، وأصر من خلال مقارباته النقديّة ومحاضراته على قراءة النصوص بالبحث عن غايتها ومغازيها الأخلاقيّة، كنتاج لا يمكن عزله عن تقاطع التاريخي بالسّياسي للمجتمعات. وكتب منتقداً الكليّات الجامعيّة التي يسيطر عليها أتباع جاك دريدا (1930-2004)، بصفتها «تدرّس نصوصاً رثّة من الأدب الشعبي، ولا تجد وقتاً لتدريس أعمال دانتي».
وانعكست نشأته البرجوازيّة على طريقة رؤيته للعالم، وتحولت في أدائه النقدي نوعاً من نخبويّة مترفعة، تنتصر للكلاسيكي والأدب الرفيع والنقد القديم ضدّ التجارب الجديدة ومنتجات الثقافة الشعبيّة المعاصرة وديمقراطيّة المعرفة، على نحو أثار كثيرين ضدّه. وقد دافع بحرارة عن «ضرورة أن يقرأ الأدب جيداً، وأن يستهلك النصّ بكل الجوارح، عاداً تلك مسؤوليّة النخبة وحدها، إذ عنده 99 في المائة من البشر لا يمكنهم عملياً عبور الجماليّات أو المعاني أو المضامين الأخلاقيّة في الحالة الحضاريّة التي نعيش». وقد صوّت زملاؤه في كامبريدج ضد تعيينه محاضراً دائماً، بعدما لم ينكر قوله يوماً: «أن تطلق النّار على رجل آخر لا يوافقك الرأي حول ديالكتيك هيغل، فذلك شرف ما بعده شرف للروح الإنسانيّة». ولا شكّ أن إدارة الجامعة التي ترى الأمور بعين السياسة تحايلت على ذلك عبر منحه منصب أستاذ فوق العادة، وهو تكريم لا تحظى به سوى ثلّة محدودة من المفكرين الكبار.
ونشر ستاينر طوال سيرته المديدة عدداً كبيراً من الكتب والمقالات المطوّلة والمساجلات في البحث عن أصول الخطاب، والسلطة الأخلاقيّة للنصوص الأدبيّة، ومستقبل «الحقيقة»، وإمكانات الترجمة، ومعنى الثقافة، كما تجاربه الصحافية البارزة في النقد الأدبي التطبيقيّ. وجمع كثيراً من تلك المقالات في كتب مطبوعة، إلى جانب مذكراته (1998)، و3 مجموعات من القصص القصيرة، ورواية وجيزة (رحلة أدولف هتلر إلى سان كريستوبال، 1982، التي رسم فيها حكاية متخيّلة عن هتلر وقد نجا من سقوط برلين، وتوارى في غابات الأمازون، حيث يفشل فريق من الموساد الإسرائيلي في استرداده. وقد تسببت رحلة هتلر المتخيّلة هذه عند عرضها ممسرحة بلندن في اعتراضات من يهود بريطانيين اتهموا ستاينر بمنح الفوهرر الألماني صوتاً، واللمز من دور لليهود أنفسهم في حدوث الهولوكوست). وكان له سجال شهير مع نعوم تشومسكي، عالم اللغويات الأميركي الشهير، حول مسائل تقنيّة في التعاطي مع النصوص.
وظهر أوّل كتبه «تولستوي أم دوستويفسكي: مقالة في النقد القديم» عام 1959، وفيه كشّر عن أنيابه النقديّة الفلسفيّة - الدينية التي بقيت مشرعة طوال حياته المهنيّة. لكن أهم أعماله قد تكون: «اللغة والصمت: مقالات في اللغة والأدب واللاإنساني - 1967»، و«في قلعة الطائر الأزرق: ملاحظات نحو إعادة تعريف للثقافة - 1971»، و«ما بعد بابل: جوانب من اللّغة والترجمة - 1975»، كما نشر مجلداً عن الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر.
ورحيل ستاينر الآن، بعد غياب أيقونة النقد التقليدي الأخرى هارولد بلوم قبل شهرين، سيكون بمثابة نهاية نموذج الناقد الشمولي العابر للتخصصات من حراس الأدب الكلاسيكي الرّفيع والجذور الدينية اليهودية - المسيحيّة للثقافة الغربيّة المعادين بشّدة للنظريّات الأدبيّة وللمناهج النقديّة المعنيّة بتفكيك اللغة، ومحاكمة الكلمات منفردة، ولو على حساب روح النّص الكليّة ومعناه فلسفياً.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث الموضوعات المشتركة مع النمسا وترينيداد وتوباغو

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث الموضوعات المشتركة مع النمسا وترينيداد وتوباغو

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، والترينيدادي والتوباغي شون سوبرز المستجدات الإقليمية والموضوعات المشتركة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قناة نهر الدانوب وسط مدينة فيينا - النمسا (أ.ف.ب)

بعد 35 عاماً... الحمض النووي يحل لغز تبديل طفلتين في النمسا

تمكن اختبار للحمض النووي من حل لغز تبديل طفلتين حديثتي الولادة في أحد المستشفيات بجنوب النمسا، بعد نحو 35 عاماً على وقوع الخطأ.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.