فتاة العبّاسية في أحلام نجيب محفوظ

رسم صورتها في «قصر الشوق» و«أحلام فترة النقاهة»

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

فتاة العبّاسية في أحلام نجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

كان في حياة نجيب محفوظ قصة حب غريبة الشأن. قصة حب صامت ومن طرف واحد. حب عابدٍ مُتَوَلِّهٍ، خاشعٍ يرفع القرابين لإله لا يعلم حتى بوجوده. كمثل امتناننا للشمس كل صباح وهي لا تدري بوجودنا ولا نحن نتوقع منها ذلك. إلا أن الغرابة لا تتوقف عند هذا الحد. فهذا الحب الذي خبره محفوظ وهو صبي على عتبات المراهقة بقي معه طوال عمره المديد، وكان له أثر بليغ في قصصه ورواياته في كل مراحله الإبداعية، وحتى النهاية، حيث تتجلى تلك المحبوبة التي أسميها بـ«فتاة العباسية» تجلياً عظيماً في آخر أعماله إطلاقاً: «أحلام فترة النقاهة».

كان محفوظ يتحدَّث حديثاً مباشراً وإن كان نادراً عن تلك الفتاة ما بين الفينة والفينة، أذكر منه على سبيل التخصيص ما قاله في أحاديث سيرته الشخصية إلى رجاء النقاش والتي نُشرت بعنوان «نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» (1998). ها هو يحكي القصة في اختصار: «في العباسية عشت أول قصة حب حقيقية في حياتي، وهي قصة غريبة ما زلت أشعر بالدهشة لغرابتها كلما مرت بذهني، وكنت أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة (...) كنت ألعب كرة القدم في الشارع مع أصدقائي، وكان بيتها يطل على المكان الذي نلعب فيه. وأثناء اللعب شدني وجه ساحر لفتاة تطل من الشرفة. كنت في الثالثة عشرة من عمري، أما هي فكانت في العشرين، فتاة جميلة من أسرة معروفة في العباسية. رأيت وجهاً أشبه بلوحة (الجيوكاندا) التي تجذب الناظر إليها من اللحظة الأولى. ربما جذبني إليها بالإضافة إلى جمالها أنها كانت مختلفة عن كل البنات اللاتي عرفتهن قبلها. لم تكن فتاة تقليدية مثل بنات العباسية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها، وهو طابع لم يكن مألوفا آنذاك... ظل حبي قائماً لهذه الفتاة الجميلة من بعيد ومن طرف واحد، ولم أجرؤ على محادثتها أو لفت انتباهها إلى حبي الصامت، واكتفيت منها بمجرد النظر (...) استمر الحب الصامت لمدة عام كامل. وكم كان حزني شديداً عندما تزوجت فتاتي وانتقلت إلى بيتها الجديد. كنت أعلم أن ارتباطي بها شبه مستحيل، رغم ذلك همت بها حباً (...) وصدمت لزواجها بشدة. انقطعت عني أخبارها، ومضت الأيام (...) إلا أن حبي لها لم يهدأ أبداً، وظلت آثاره عالقة بقلبي وذاكرتي (...) ولقد صورت قصتي مع تلك الفتاة في رواية (قصر الشوق) مع تعديلات تتفق مع الإطار العام الذي وضعته للرواية». (ص105 - 106).

كانت «قصر الشوق»، ثاني أجزاء «الثلاثية»، هي العمل الأكبر الذي تجلت فيه قصة الحب تلك وتجسدت فتاة العباسية في شخصية «عايدة شداد» وتجسد حب محفوظ لها في افتتان كمال عبد الجواد ابن التاجر البسيط بعايدة ابنة الباشا، قاطنة القصور. لكن حضور فتاة العباسية ملحوظ لمن يتقصَّاه في أعمال محفوظ منذ مجموعته القصصية الأولى «همس الجنون» في باكورة حياته فصاعداً، وقد رصدت ذلك في أحد فصول كتابي «استنطاق النص» (2006). أما آخر تجليات فتاة العباسية فكانت في آخر مراحل حياته، فالفتاة التي طاردت وعيه الظاهر طوال عمره، انتقلت إلى مطاردة وعيه الباطن أيضاً في الختام، كما نرى في «أحلام فترة النقاهة» الذي نُشر سنة 2005 قبيل رحيله. وقد أحصيتُ في كتاب الأحلام هذا وحده (ناهيك عن القسم الثاني منه الذي نُشر لاحقاً بعنوان «الأحلام الأخيرة» في 2015 بعد أن اكتشفت أسرته المزيد من نصوص الأحلام) - أحصيت 16 نصاً من مجموع 239. سأقتصر هنا على ثلاثة منها مع محاولة لتفسيرها.

ها هو نص الحلم رقم 18: «تمَّ مجلسنا على الجانبين في القارب البخاري. بدا كل واحد وحده لا علاقة له بالآخرين. وجاء الملَّاح ودار الموتور. الملَّاح فتاة جميلة ارتعش لمرآها قلبي. أطلَّت من النافذة وأنا واقف تحت الشجرة، وكان الوقت بين الصبا ومطلع الشباب. وركَّزتُ عينَي في رأسها النبيل وهي تمرق بنا في النهر. وتتناغم خفقات قلبي مع دفقات النسيم. وفكَّرتُ أن أسير إليها لأرى كيف يكون استقبالها لي. لكني وجدت نفسي في شارعٍ شعبي لعله الغورية، وهو مكتظٌّ بالخلق في مولد الحسين، ولمحتها تشق طريقها بصعوبة عند أحد المنعطفات، فصممت على اللحاق بها. وحيَّا فريق من المنشدين الحسين الشهيد. وسرعان ما رجعتُ إلى مجلسي في القارب، وكان قد توغَّل في النهر شوطاً طويلاً. ونظرت إلى مكان القيادة فرأيتُ ملَّاحاً عجوزاً متجهِّم الوجه، ونظرتُ حولي لأسأل عن الجميلة الغائبة، ولكني لم أرَ إلا مقاعد خالية».

يستدعي هذا الحلم فتاة العباسية. تلك الفتاة التي كانت تطل من النافذة حيناً بينما يتأملها الفتى محفوظ المشدوه بجمالها من الطريق، أو التي تمر في عربة تجرها الخيل فيراها في نافذتها. أظن الرحلة في القارب هنا هي رحلة الحياة وكون الفتاة هي الملّاح في تلك الرحلة إشارة إلى كونها كانت منارة هادية للكاتب في حياته الإبداعية. تَحوُّل المشهد من القارب البخاري إلى شارع مكتظ، ليس مما يُستغرب في الأحلام لكن الفتاة تبقى مبتغاه. يقتفي أثرها حتى تختفي منه في الزحام، كما اختفت فتاة العباسية من حياته في صدر شبابه. كما أن الإشارة لمولد الحسين والمنشدين الذين يتغنون بمأساته وشهادته لعلها لا تخلو من إلماع إلى «استشهاد» الراوي في هذا الحب العصيّ. وعلى عادة الأحلام في تنقل مسارح الأحداث يعود المشهد من حي الحسين إلى القارب. وأظنه هذه المرة هو قارب الموت الذي يحمل الموتى إلى العالم السفلي كما في الأساطير القديمة. فالمقاعد التي كانت مشغولة في البداية صارت كلها خالية إلا من الراوي الذي يبدو أن دوره قد حان. كما أن الملاح لم يعد الفتاة الفاتنة وإنما عجوز متجهم الوجه يُذكّر بـ«شارون» ملّاح الأساطير الإغريقية الذي كان ينقل أرواح الموتى في قاربه إلى مملكة «هاديز» رب العالم السفلي. انقضت رحلة الحياة إذن، وها هو الراوي يشق طريقه إلى عالم الأموات حاملاً معه شوقه الدائم إلى الفتاة الجميلة التي لم تكن له في أي وقت من الأوقات، ولا حتى في الأحلام.

ننتقل الآن إلى الحلم رقم 83: «رأيت الكارِتَّة مقبلة حاملة فاتنة درب قرمز، ويجرها جواد مجنَّح. اتخذت مجلسي فيما وراءها، وفرَد الجواد جناحَيه فبدأت ترتفع حتى علونا الأسطح والمآذن، وفي ثوانٍ وصلنا قمة الهرم الأكبر، وأخذنا في عبوره على ارتفاع ذراع، فجازفتُ وقفزتُ إلى قمته وعيناي لا تتحوَّلان عن الفاتنة وهي تعلو وتصعد، والليل يهبط والظلام يسود، حتى استقرَّت كوكباً مضيئاً».

هذا النص الغنائي الرهيف هو نموذج آخر للحنين لفاتنة الصبي المراهق محفوظ. فتاة العباسية التي كان يلمحها أحيانا تمرّ في «كارتّة» تجرها الخيل فلم تفارق خياله الغض مدى العمر. في هذا الحلم ينقلها محفوظ من العباسية حيث عرفها بعد أن انتقلت أسرته إلى العباسية في سن الثانية عشرة - ينقلها إلى درب قرمز في الجمالية حيث وُلد وعاش صباه الأول. وهي نقلة بارعة لا يقدر عليها سوى الأحلام، وكأنه يعود بها إلى السنوات الاثنتي عشرة من حياته التي خلت منها لكي تضفي عليها الشرعية وتضمها إلى بقية عمره التي قضاها في التعبُّد إليها. في هذا «الحلم» ينضم لها في عربتها، وهو ما لم يتسنَّ له في «العِلْم». كما أن حصان العربة في الواقع يترقَّى إلى جواد مجنَّح في الحلم، ولا غرابة في ذلك فالجميلة كانت دائماً مثالاً شاهقاً بعيد المنال بالنسبة له. وحتى في الحلم تبقى كذلك، فهي وإن سمحتْ له بالركوب معها، فإنه يكون «وراءها» وليس إلى جانبها. وحتى في الحلم هو يدرك تماماً أنه غير مؤهل للمضي معها في رحلتها، ولذلك يتحين الفرصة قافزاً من العربة إلى قمة الهرم الأكبر قبل أن تواصل العربة شق طريقها إلى مَراقٍ ليس هو أهلاً لها. حتى في الحلم تحتل فتاة العباسية مكانها نجماً مضيئاً بين النجوم ويبقى هو على الأرض يتطلع إليها في السماء. تماماً كما بقي يفعل طوال حياته.

نختم بالحلم رقم 84: «رأيتني في شارع الحب كما اعتدت أن أسميه في الشباب الأول. ورأيتني أهيم بين القصور والحدائق وعبير الزهور، ولكن أين قصر معبودتي؟ لم يبقَ منه أثر، وحل محله جامع جليل الأبعاد، رائع المعمار، ذو مئذنة هي غاية الطول والرشاقة. ودُهشت، وبينما أنا غارق في دهشتي انطلق الأذان داعياً إلى صلاة المغرب، دون تردُّد دخلت الجامع، وصلَّيت مع المصلِّين، ولمَّا ختمت الصلاة تباطأت كأنما لا أرغب في مغادرة المكان؛ لذلك كنت آخر الراحلين إلى الباب، وهناك اكتشفت أن حذائي قد فُقد، وأن علي أن أجد لنفسي مخرجاً».

هذا الحلم وثيق الصلة بسابقه رقم 83. المعبودة هنا هي المعبودة هناك. إلا أنه هنا يخلط بين واقع حياته الأولى وبين تجليات المعبودة في إنتاجه الأدبي. فالمعبودة الواقعية كانت عابرة في «كارتّة» أما المعبودة المطوَّرة فنياً فهي عايدة شداد، معبودة كمال عبد الجواد في «قصر الشوق»، والتي كانت من عائلة أرستقراطية من ساكني القصور. نعرف غرام محفوظ بتحولات الزمن، ومن هنا تحول القصر إلى جامع في الحلم. ولنلاحظ أن القصر لا يتحول إلى أي جامع، بل هو جامع من طبقة القصور، فهو «جليل الأبعاد»، «رائع المعمار» وله «مئذنة شاهقة». فهو مكان عبادة يليق بالمعبودة في تحوله الجديد كما في سابق عهده. وإسراع الراوي إلى دخول الجامع لدى سماعه الأذان هو فعل عبادة نحو المعبود القديم ساكن القصر بمقدار ما قد يكون فعل عبادة لرب الجامع. وإطالة المكث في الجامع حتى أن الراوي كان آخر المغادرين هو من رغبة التمسح بالموضع الذي كان سابقاً مقام المعبودة. إلا أنَّ الحلم ينتهي بمفاجأة هزلية حين يجد الراوي أن حذاءه قد سُرق عندما يقرر مغادرة الجامع. هذه نهاية واقعية عابثة لحلم مُغرِق في الرومانسية. ولعلها سخرية محفوظية ذاتية. فكما أن فتاة العباسية التي طاردت صورتها خياله طوال حياته كانت أشبه بالوهم، وكما أن كمال لم يعنِ يوماً شيئاً لمعبودته عايدة شداد، بل كان موضع سخريتها ووسيلة امتطتها لإثارة مشاعر الغيرة في مَن كانت تريده حقاً، كذلك قصر المعبودة وجامعها الشاهق وتعبُّده القديم المجدد عبر القصور والمساجد لا يتمخض إلا عن حذاء مسروق وعابد عاري القدمين لا يعرف كيف يدبر رحلة العودة من المحراب.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.