كيرك دوغلاس، الذي توفي يوم أول من أمس عن 103 سنة و74 فيلماً، كان ممثل أفلام «وسترن» وأكشن في المقامين الأول والثاني. في المقام الثالث والبعيد تجده في أدوار درامية وأخرى كوميدية. وحتى تلك الجادة كانت تحمل بعض الفكاهة بسبب المزيج الناتج من تقديم شخصية تأخذ الأمور الجدية على نحو غير جاد وتنفذ من العقاب.
هناك ذلك المشهد الذي يتسبب في ارتسامة بسمة كلما تذكره هذا الناقد. مشهد يرد في فيلم The War Wagon الذي حققه بيرت كندي سنة 1967 وجمع دوغلاس مع الراحل جون واين. ينص المشهد على سيرهما معاً إلى حيث يتصدى لهما رجلان في مبارزة. يسحب كل من واين ودوغلاس مسدسيهما ويسقطان الرجلين قتيلين.
يقول دوغلاس: «ضحيتي سقطت قبل ضحيتك».
ينظر إليه جون واين بطرف عينه ويقول: «ضحيتي كانت أطول».
إنها مبارزة كلامية حول أسطورة من هو أسرع في سحب المسدس، وبالنظر إلى تاريخ كل منهما في هذا نوع الوسترن من الأفلام، فإن ذلك صعب إحصاؤه، لكن ما هو سهل التأكيد على أن كيرك دوغلاس لم يكن سريع الذوبان. لم يصل في يوم ويختفي في اليوم الآخر. حياته المهنية بدأت سنة 1946 وامتدت حتى عام 2004.
- أفلام كبيرة
وُلد كيرك دوغلاس باسم إيسود دانيالوفيتش دمسكي في حي فقير في مدينة أمستردام سنة 1916 من أبوين هاجرا من بروسيا. والده كان تاجر خردة متنقلاً فوق عربة، وهو شارك والده وإخوته العمل صغيراً ثم فتى وشاباً.
لم يكن هناك أي مستقبل يستطيع أن يتبيّنه؛ لذلك - وعندما أتيح له الانتقال إلى الولايات المتحدة (بفضل عمّ له سبق الجميع إلى هناك) لم يتردد. ولم يتردد كذلك في دخول البحرية خلال الحرب العالمية الثانية. هذا أنقذه من حياة دعة أخرى في مدينة نيويورك، حيث كان يعمل في النهار ليدرس التمثيل في الليل.
طموحاته ليصبح ممثلاً تواصلت بعدما تم تسريحه من الخدمة العسكرية. في سنة 1943 كان الممثل رتشارد ويدمارك (1914 - 2008) يسارع الخطى لترك المسرح صوب الشاشة الكبيرة، والفرصة واتته فترك العمل على مسرحية بعنوان «قبّـل وانشر الخبر» (Kiss and Tell) فإذا بالدور يسقط بين يدي دوغلاس الذي قفز للفرصة السانحة بكل ما امتلك من حوافز وطموحات.
بعد ذلك بثلاثة أعوام ساعدته الممثلة لورين باكول على الحصول على دور البطولة في فيلم جمعه مع باربرا ستانويك تحت إدارة المخرج لويس مايلستون عنوانه «الحب الغريب لمارتا أيڤرز».
دوغلاس كان الرابح الأهم في هذا الفيلم (الذي عرضه مهرجان «كان» حينها وترشح للأوسكار وأخفق في السباقين)؛ إذ قفز منه صوب أدوار أخرى. اثنان منها كانا في إطار الشر، وهما «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (فيلم نوار رائع من بطولة روبرت ميتشوم) و«أمشي وحيداً» (I Walk Alone) لبرايان هاسكن وبطولة بيرت لانكاستر. الدوران متشابهان: هو رئيس عصابة خدع من وثق به في كليهما.
دور جيد آخر في تلك الحقبة في فيلم «بطل» وهو دراما رياضية لمارك روبسون (1949) و«فارس في الحفرة» (Ace in the Hole) لبيلي وايلدر، حيث لعب دور الصحافي الذي يتاجر بحياة باحث مناجم سقط بين الأنقاض فيؤخر عملية إنقاذه حتى تتاح له فرصة السيطرة على الحدث والاستفادة منه.
بعد ذلك، معظم أفلام كيرك دوغلاس وسترن كبيرة الحجم، من بينها «السماء الكبيرة» لهوارد هوكس و«رجل بلا نجمة» لكينغ فيدور و«المحارب الهندي» (أندريه د توث) وصولاً في نهاية الخمسينات للفيلم الذي لعب فيه دور دكتور هوليداي الذي سيساعد الشريف بيرت لانكاستر على مواجهة أعدائه في فيلم جون ستيرجز «معركة عند أوكي كورال».
خرج هذا الفيلم سنة 1957 وهو العام ذاته الذي قام ببطولة «ممر المجد» لستانلي كوبريك، وهو فيلم معاد للسلطة العسكرية تمت صياغته في إطار الحرب العالمية الأولى. بعد ثلاث سنوات كانت له مواقف ضد السُلطة المهيمنة على هوليوود حتى ذلك الحين والمعروفة بـ«المكارثية».
ذلك أن كاتب فيلم «سبارتاكوس» الذي قام بتحقيقه ستانلي كوبريك أيضاً لم يكن سوى دالتون ترامبو الذي كتب تحت اسم مستعار، لكن الأمر لم يرق لدوغلاس (الذي كان أصبح أحد نجوم هوليوود المؤثرين) فأصر على وضع اسم ترامبو الصحيح ومواجهة اليمين حيال قوائم المكارثية.
هذا الفعل كان من بين أفعال عدة في تلك الآونة التي ساعدت على دفن المكارثية والانتقال لما بعدها.
- نجم بلا أوسكار
لكن دوغلاس لم يخلط ما بين الفن والسياسة لأكثر من تلك المرّة الوحيدة ولصالح العمل الذي قام ببطولته. وهي خطوة حسبها الإعلام له ولا يزال.
الصورة التي نجح دوغلاس في تجسيدها لدى أذهان المشاهدين هي شخصية الرجل الخشن والعنيف الذي تهابه. هي صورة منتشرة على أكثر من وجه سينمائي لعب أدوار القوّة والقتال، لكن دوغلاس منحها شيئاً من غضبه الداخلي ما جعلها أقرب إلى البصمة الأسلوبية لمعظم أدواره في تلك الفترة.
في سنة 1949 وقع ما كان سيخدش مهنة ممثلين آخرين من وزنه لو وقعت مع أحدهم: كان على علاقة جنسية مع ممثلة غير معروفة اسمها جين سبانغلر أبقاها في الخفاء عن زوجته ديانا دِل. وهذه حبلت منه. ذات يوم اختفت من دون أثر وعندما عثر البوليس عليها بعد بحث طويل وجد في حقيبتها ورقة تقول: «كيرك. لم أعد أستطيع الانتظار أكثر من ذلك. سأرى طبيباَ». سارع كيرك بنفي أنه كيرك المقصود، لكن النفي لم ينفع وزواجه انهار بعد أقل من عامين.
هناك علامات ذنب أكيدة حملها دوغلاس إلى دوره في «فارس في الحفرة»؛ ما تجعل الناقد يتذكر حقيقة أن هناك بعض الأحداث الفردية التي قد لا يوظفها الممثل أو المخرج في فيلمه المقبل أو اللاحق، لكنها تبقى مرتبطة بذهنه وقد يستوحي منها أداءه أو بعض مشاهده.
ربح دوغلاس جائزة «غولدن غلوب» عن دوره في «شهوة للحياة» سنة 1968 (بعد سنتين من تاريخ إنتاج الفيلم)، لكنه لم ينل أي أوسكار عن أي دور قام به بعدما رُشح ثلاث مرات عن ثلاثة أفلام هي «بطل» و«السيئ والجميلة» و«شهوة للحياة». (ما بين 1950 و1957). في عام 1996 قامت الأكاديمية بمنحه أوسكار شرفياً عن خمسين سنة (لذلك الحين) في المهنة.
كان دوغلاس محبوباً من بعض الذين شاركوه الأفلام التي مثلها وغير محبوب من البعض الآخر. الوصفة التي سادت حوله هي أنه كان كثير النرجسية والاعتداد بالذات. قيل عنه أيضاً إنه يعتقد أن العالم يدور حوله هو. وهو رد على ذلك بقوله «ربما كنت أكثر ممثلي هوليوود إثارة للكره، وذلك لا يزعجني لأني أنا هكذا.
ولدت عدائياً وأعتقد أني سأموت على هذا النحو».
أنجب كيرك دوغلاس، إلى جانب أدواره، أربعة أولاد: اثنان من زوجته الأولى ديانا دِل، هما مايكل وجوول اللذان امتهنا السينما كذلك (الأول ممثل والثاني منتج)، واثنان من الزواج الثاني الذي تم في باريس سنة 1954 عندما تعرف إلى الألمانية الأصل آن بايدنز، وهما بيتر (الذي امتهن الإنتاج أيضاً)، وإريك الذي كاد أن يستمر ممثلاً لولا وفاته في سنة 2004 (سنة آخر فيلم مثله أبوه) نتيجة إدمانه على الشرب والمخدرات.
في السنوات العشر الأخيرة نسي التاريخ كيرك دوغلاس بعض الشيء. وفاته تعيده إلى الواجهة من جديد ولو لحين. في الحصيلة، هو آخر عنقود هوليوود من جيله. فقد سبقه إلى العالم البعيد كل من لعب البطولة أمامهم ووردت أسماؤهم هنا إلى جانب رهط كبير من الذين مثلوا أمامه ومضوا ليتركوه وحده طوال تلك العقود.
«كان دوغلاس محبوباً من بعض الذين شاركوه الأفلام التي مثلها وغير محبوب من البعض الآخر.
الوصفة التي سادت حوله هي أنه كان كثير النرجسية والاعتداد بالذات. قيل عنه أيضاً إنه يعتقد أن العالم يدور حوله هو. وهو رد على ذلك بقوله (ربما كنت أكثر ممثلي هوليوود إثارة للكره، وذلك لا يزعجني لأني أنا هكذا. ولدت عدائياً وأعتقد إني سأموت على هذا النحو)».
رحيل كيرك دوغلاس آخر عنقود العصر الذهبي لهوليوود
بقي نجماً معظم الوقت وفاز بـ {أوسكار شرفي} عن مجمل أعماله
كيرك دوغلاس مع زوجته آن في عرض لفيلم «فيدلر أون ذا رووف» بلوس أنجليس عام 1971 (أ.ب)
رحيل كيرك دوغلاس آخر عنقود العصر الذهبي لهوليوود
كيرك دوغلاس مع زوجته آن في عرض لفيلم «فيدلر أون ذا رووف» بلوس أنجليس عام 1971 (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

