نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

السياسة تهيمن عليها... وفلسطين حاضرة بلحظة التتويج

فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)
فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)
TT

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)
فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

«الشرق الأوسط» في مهرجان «برلين» - 9

تبوّأ البعد السياسي صدارة المشهد، رغم التأكيد على مبدأ «لا علاقة بين السينما والسياسة»، وهو ما ورد على لسان رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني ڤيم ڤندرز، في اليوم الأول من أعمال مهرجان «برلين»، الذي انطلق في 12 فبراير (شباط) الحالي واختتم برنامجَه بنجاح في الـ21 منه.

وقد وُوجه هذا التصريح بانتقادات واسعة، التزم حيالها رئيس لجنة التحكيم الصمت، قبل أن يتحدث على منصة المهرجان ليلة توزيع الجوائز، ليردّ على بعض تلك الانتقادات، وإن جاء ذلك بطريقة غير مباشرة.

غير أن الحضور السياسي في الحفل لم يقتصر على كلمة المخرج الألماني، بل امتدّ إلى كلمات ألقاها مخرجون مختلفون، كما ظهر في مضامين بعض الأفلام التي فازت بجوائز المهرجان ضمن أقسامه المتنوعة.

فلسطين حرّة

المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب خلال تسلّم جائزة عن فيلم «وقائع زمن الحصار» (د.ب.أ)

بداية؛ كان هناك الخطاب الذي ألقاه ڤندرز نفسه، والذي أوضح فيه أن ما قصده هو أن الفن السينمائي يجب أن يطغى على أي مضمون يختاره المخرج لفيلمه. وأضاف: «علينا أن نبقى، بصفتنا مخرجين، خارج السياسة؛ لأنه إذا ما أنجزنا أفلاماً مكرّسة سياسياً فسندخل حقل السياسة».

هذا ردّ صائب إلى حدّ بعيد، إلا إنه كان من الأجدر أن يأتي في مطلع المهرجان لا في نهايته؛ تفادياً للالتباس الذي وقع منذ ذلك الحين. فكل فيلم هو في النهاية نتيجة قرار سياسي، سواء أحتوى موضوعاً سياسياً أم اختار صانعه النأي بنفسه عن السياسة. في الواقع، يحمل كل فيلم، حتى في ثنايا «ذهب مع الريح»، أو «قصة حب»، أو «سندريلا»، أو حتى أفلام الرعب المنتمية إلى سلالة «فرانكنستاين» أو «دراكولا»، خلايا سياسية شاء صانعوه أم أبوا؛ إذ إن السياسة قد تكون جزءاً من الدافع الذي يدفع مخرجاً ما إلى الابتعاد عنها.

أما اختيارات مديرة المهرجان، تريشا تاتل، فجاءت بهدف الحدّ من طغيان الموضوعات السياسية على الأفلام البعيدة عنها.

ومع ذلك، فلا يمنع هذا من أن تلعب الأفلام أدواراً سياسية في أزمنة صعبة كالتي يمر بها العالم، وليس ثمة ما يبرر أن يتجاهل أي مهرجان هذا البعد.

يتضح ذلك من خلال فيلم «وقائع زمن الحصار» لعبد الله الخطيب، الذي فاز بالجائزة الأولى في قسم «برسبكتيڤز».

وهو فيلم جزائري الإنتاج، جيد في جوانب عدة رغم بعض الثغرات، يستعيد فيه مخرجه الفلسطيني أحداث حصار النظام السابق في سوريا مخيمَ اليرموك (وليس الحصار الإسرائيلي لغزة كما ورد في رسالة سابقة).

وقد ظهر المخرج رافعاً العلم الفلسطيني، برفقة المنتج تاج الدين إسعاد، حيث ألقى كلمة قال فيها: «كنت تحت ضغط كبير للحضور إلى برلين لكي أقف هنا وأقول: فلسطين ستكون حرّة».

تركيّان فائزان

الفيلم الذي توّجته الدورة الـ76 من هذا المهرجان بالجائزة الأولى هو إنتاج ألماني للمخرج التركي إلكر تشاتاك، الذي يعمل ويعيش في ألمانيا، وعنوانه «رسائل صفراء». وهو دراما تدور حول زوجين (مخرج وكاتبة) يجدان نفسيهما معزولين داخل الوسط الذي يعملان فيه بسبب موقفهما الانتقادي للسلطات التركية. الفيلم يتناول موضوع الرقابة والمنع حين لا ينسجم موقف المبدع مع التوجّه الرسمي لبلده، فيما يعود العنوان إلى لون رسائل نقابية وشبه رسمية أُرسلت إليه.

الممثل يوسف أكجون في «رسائل صفراء» (ملف مهرجان برلين)

في كلمته، تحاشى المخرج الخوض في تفاصيل رسالته السياسية، قائلاً إنه كتب كلمة ذات طابع سياسي لكنه فضّل عدم إلقائها، عادّاً أن الفيلم قال ما يجب قوله بنفسه، مضيفاً أنه يوجّه تقديره إلى العاملين معه؛ «فمن دونهم لم يكن هذا الفيلم ليرى النور».

مع ذلك، فإن فوز الفيلم بالجائزة الأولى بين الأعمال التي اقتربت من الخط السياسي (وهي قليلة) أو ابتعدت عنه (وهي الغالبية) يشكّل في حدّ ذاته موقفاً سياسياً من لجنة التحكيم والمهرجان، يدعو إلى السماح بحرية المبدعين، لا في تركيا وحدها (حيث تقع أحداث الفيلم، رغم تصويره في ألمانيا)، بل في الأساس حول العالم.

في الوقت نفسه، يمكن عدّ تلك الليلة ليلة تركية، إذ ذهبت الجائزة التالية مباشرة في الأهمية إلى مخرج تركي آخر هو أمين ألبر عن فيلمه «خلاص»، وهو عمل يتناول خلافاً على ملكية أرض بين طرف يدّعي أحقيته بها وآخر يطالب بها، ليتطور النزاع نحو العنف. الموضوع مهم، لكن المعالجة الإخراجية التي صاغها المخرج لا تقل أهمية.

أما الجائزة الثالثة، «الدب الفضي - جائزة لجنة التحكيم الخاصة»، فذهبت إلى فيلم «ملكة عند البحر»، وهو دراما عائلية تتناول صعوبات التواصل بين أفراد الأسرة. الفيلم إنتاج بريطاني - أميركي للمخرج لانس هامر، الذي حقق نجاحه الأول بفيلم «بلفاست» قبل 8 سنوات.

من «رسائل صفراء» (ملف مهرجان برلين)

ونال جائزة «أفضل مخرج» غرانت جي عن فيلمه الذي يدور حول عازف الجاز بيل إيڤنز، الذي توقف عن العمل سنواتٍ حزناً على وفاة أحد أعضاء فرقته. الفيلم إنتاج بريطاني - أميركي - آيرلندي، ويحمل عنوان «Everybody Digs Bill Evans» ويمكن ترجمته إلى «الجميع يعشق بيل إيڤنز».

جوائز أخرى

استجابة لبعض الضغوط، قرر المهرجان منذ نحو 5 سنوات دمج جوائز التمثيل بعيداً عن التمييز بين الجنسين، فاستُبدلت بجائزتَيْ «أفضل ممثل» و«أفضل ممثلة» جائزةٌ موحدة تحمل اسم «الدب الفضي لأفضل أداء أول»، ويمكن أن يفوز بها ممثل أو ممثلة.

وفازت في العام الحالي الممثلة ساندرا هولر، التي أجرت «الشرق الأوسط» لقاءً معها قبل أيام، عن دورها في فيلم «روز»، الذي بدا حتى وقت متأخر مرشحاً لنيل الجائزة الأولى.

وفي فئة «أفضل أداء مساند»، فاز ممثلا فيلم «ملكة عند البحر»، آنا كولر - مارشال، وتوم كورتني.

أما جائزة «أفضل سيناريو» فذهبت إلى البلجيكية جنيڤيڤ دولود دي سيل، عن فيلم «نينا روزا»، الذي تولّت إخراجه أيضاً.

ورغم أن المهرجانات لا تكشف، للأسف، عمّا يدور في كواليس اجتماعات لجان التحكيم، فإن جوائز هذه الدورة مثلت، في العموم، بعضاً مما كان متوقعاً منها، واختتمت دورة تُعدّ من بين الأفضل مقارنة بسنوات سابقة.


مقالات ذات صلة

أمير المصري لـ«الشرق الأوسط»: «القصص» فيلم عالمي بكل المقاييس

يوميات الشرق الفنان أمير المصري (حسابه على «إنستغرام»)

أمير المصري لـ«الشرق الأوسط»: «القصص» فيلم عالمي بكل المقاييس

قال الفنان أمير المصري إن فيلم «القصص» ليس فيلماً مصرياً فقط، بل فيلم عالمي بكل المقاييس، وعدَّه من أهم الأعمال التي قدَّمها في حياته.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة آن هاثاواي كما ظهرت في مقطع فيديو عبر «إنستغرام» لتعلن حملها (إنستغرام)

في عمر الـ43... آن هاثاواي تعلن حملها في طفلها الثالث

أعلنت الممثلة الحائزة على جائزة الأوسكار، البالغة من العمر 43 عاماً، آن هاثاواي، عن حملها في مقطع فيديو نشرته على حسابها في «إنستغرام».

«الشرق الأوسط»
سينما مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين»...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما «المحطة» (جورج فيلمز)

شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

على الرغم من أن فيلم سارة إسحاق يعرض وضعاً سياسياً ومجتمعياً عاماً يعيشه اليمنيون في ظل الميليشيات والحروب الأهلية وفوضى الحياة في بعض أقاليم اليمن...

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي، وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها.

أحمد عدلي (القاهرة )

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».