الكلام المهلك والكلام المنجي من الهلاك

برزخ رمزي بين الحياة والموت

لوركا - بوشكين - المتنبي
لوركا - بوشكين - المتنبي
TT

الكلام المهلك والكلام المنجي من الهلاك

لوركا - بوشكين - المتنبي
لوركا - بوشكين - المتنبي

يكتسب الكلام عند العرب أبعاداً ودلالات مختلفة، يتصل بعضها بالمقدس الديني، وبعضها الآخر بالسلطة والاستحواذ، وبعضها الثالث بالغواية والمروق، وبعضها الرابع بالإشارات المبهمة، وبطقوس السحر التي ترسم المصائر، أو تعدل من مسارها. والكلام وفق الرؤية الدينية هو نفسه الفعل، حيث يقول الله للشيء «كن» فيكون. وهو الذي يستهل العالم؛ حيث يرد في إنجيل يوحنا: «في البدء كان الكلمة». وكما للكلمات قوة الخلق أو التحويل، فإن لها في الآن ذاته مذاق الطعنة والقدرة على اختراق الروح. وهو أمر يؤكده المعجم نفسه، فنقرأ في «لسان العرب» بأن الكلْم هو الجرح، والكليم هو الجريح. ليس بالمستغرب إذن أن يعتبر أحد الشعراء بأن «الحرب أولها كلام»، لا بل إن المقطوعات والأراجيز كانت تستبق على الدوام صليل السيوف، بما لها من قوة نفسية مؤثرة. وقد يكون الكلام امتحاناً من الخالق للمخلوق وابتلاءً له، كما جاء في الآية الكريمة «وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات».
يبدو الكلام إذن بمثابة برزخ رمزي بين الحياة والموت. إنه أداة للهلاك بقدر ما هو أداة للخلود ومقارعة النسيان. وليس أدَلّ على الكلام المحيي من رواية «ألف ليلة وليلة»، حيث كان صمت النساء اللواتي قتلهن شهريار أحد أسباب قتلهن، إضافة إلى الخيانة. إنه الصمت المريب والمحرض على الشك والباعث على السأم.
وقد أدركت شهرزاد بفطنة أنثوية بالغة أن ما دفع زوجها إلى القتل لم يكن شعوره المرير بالخيانة فحسب، بل شعوره بالضجر ووطأة الوحشة والصمت الثقيل. لذلك وجدت في الكلام ضالتها المنشودة، وراحت تسرد الحكاية تلو الحكاية لكي تضلل الهياج العصبي الموار داخل الرجل المثخن بالوساوس. كأن الكلام هنا يلعب دور الرداء الأحمر الذي يحمله مصارعو الثيران لخداع الثور الهائج وصرف نظره عن الهدف الأصلي. ولعل ما فعلته شهرزاد هو الذي قدم الأمثولة الأهم لفن السرد، كما لروائيي العالم اللاحقين الذين وجدوا في هذا الفن ما يساعد البشر على الاستقالة من حيواتهم الأصلية ومصائرهم الملبدة بالمشقات، ليتماهوا مع حيوات موازية مأهولة بفتنة المتخيل وعوالمه المؤثثة بالأحلام.
«تكلّمْ، أو متْ»، كان الشعار الذي تبناه شهريار في علاقته بالآخر الأنثوي، بما جعل الكلام مرادفاً للحياة نفسها وملاذاً وحيداً من القتل. ومع ذلك فإن شهرزاد قد استطاعت بحنكة بالغة الإمساك بمفاتيح الكلام والصمت على حد سواء، فلم تترك السرد على عواهنه، ولم تشأ لزوجها أن يقع مرة أخرى فريسة للضجر.
ولهذا كانت تصمت في اللحظة المناسبة عن الكلام المباح، محولة المسافة الفاصلة بين ليلة وأخرى إلى فرصة متجددة للترقب والتشويق وانتظار ما سيحدث. وهي كانت تدرك في الآن ذاته أن الكلام الناقص أو المؤجل لن يكون مرادفاً لرمزية الخلق الإبداعي وحدها، بل إنه سيوفر لزواجها الاستمرارية الكافية للحمل والإنجاب والوصول إلى شاطئ الأمان. كأن البذرة التي انزرعت في أحشائها مستلة من الكلمات نفسها، وهي تمنحها الحياة التي تستحقها مرتين، مرة عبر جنينها النابض في باطن الرحم، ومرة عبر الرواية الأشهر في العالم، التي خلدت وستخلد أبد الدهر في ذاكرة البشر ووجدانهم.
على أن الكلام عند العرب لم يتخذ في الأعم الأغلب مثل هذه الوجهة، بل كان في معظم حالاته سبباً لهلاك المتكلم ووصوله السريع إلى حتفه، بخاصة في مجال الشعر. فحيث لم يكن للرواية شأن يذكر، باستثناء بعض المقامات والسير الشعبية، كان الشاعر وحده هو الذي يؤرخ ويروي ويمدح ويهجو ويسرد الوقائع.
وبسلاح الكلمات المنظومة كان الشاعر قادراً على إعلاء شأن هذه الجماعة أو ذلك الحاكم، أو الحط من شأنها وشأنه. وهذا السلاح الساحر الذي وُهبته قلة قليلة من البشر كان يكفي في بدايات الدعوة لكي ينقل بعض القبائل من الكفر إلى الإيمان، كما حدث لبني تميم الذين دخلوا الإسلام إثر المبارزة الشعرية التي حدثت بين شاعرهم الزيرقان وبين حسان بن ثابت، وانتهت بهزيمة الأول أمام الثاني. وإذا كان الشعر في هذه الحالة قد عمل نيابة عن الدم على إيصال المواجهة إلى نهاياتها السعيدة، فإن الأمور في أغلب الحالات لم تسر على النحو، بل بدت بعض القصائد والمقطوعات والأبيات بمثابة أحكام بالإعدام استصدرها الشعراء بحق أنفسهم، عن عمد أو غير عمد. والتاريخ العربي منذ الجاهلية حتى العصور الحديثة، حافل بعشرات الشواهد التي تجعل من الكلام بطاقة سفر إلزامية نحو الموت أو المنفى. وغالباً ما كانت السلطات المتعاقبة تبحث بين سطور الشعراء عن هفوة أو شطط أو إيحاء ما بالتمرد والاعتراض، لكي تجد الذريعة الملائمة للتخلص من أولئك المتربعين على سدة اللغة.
لن تتسع مقالة واحدة بالطبع للحديث عن الشعراء والكتاب الذين وضعتهم ألسنتهم وأقلامهم الجريئة على طرق الهلاك. على أن أغرب حالات القتل هي تلك التي حدثت للغلام القتيل طرفة بن العبد الذي هجا ملك الحيرة عمرو بن هند بكلام مقذع، فما كان من هذا الأخير إلا أن تظاهر بالصفح عن إساءة الشاعر، محملاً إياه رسالة إلى واليه على البحرين تقضي بقتل حامل الرسالة فور تسلمها منه، وهي الحادثة التي تحولت إلى مثل سائر يستعيده العرب في جميع الحالات المماثلة. أما الشاعر العباسي بشار بن برد فقد قضى بدوره جراء هجائه المقذع للخليفة المهدي، ولم ينجح عمى عينيه في تليين قلب الخليفة وإفلاته من العقاب.
وكذلك الأمر بالنسبة لابن الرومي الذي قتله الوزير العباسي القاسم بن وهب، إثر هجائه له.
كما أن الموهبة الفريدة والاستثنائية لأبي الطيب المتنبي لم تشفع له عند فاتك الأسدي الذي كمن له قرب بغداد وقتله مع ولده محسد، بسبب قصيدة هجائية كان الشاعر قد سخر فيها من خال القاتل، ضبة بن يزيد الأسدي. لكن الذرائع المعلنة لقتل الشعراء والكتاب لا تستطيع أن تخفي الأسباب الحقيقية المتصلة باعتراضهم على سلطة الأمر الواقع، وبجعلهم عبرة بالغة الوضوح لكل من تسول له نفسه شق عصا الطاعة على الحاكم. إلا أن من الظلم بمكان أن نحصر مسألة قتل المبدعين المعترضين على سلطة الفساد والقمع بالعرب وحدهم، إذ إن التاريخ البشري حافل بشواهد مماثلة لدى الكثير من الشعوب والأمم التي تسلم مبدعيها الكبار إلى القتل، وبخاصة في حقب الفوضى والانهيار والتخبط السياسي والاجتماعي.
حتى إذا خرجت الأمة من غيبوبتها، عمدت إلى التكفير عما ارتكبته، أو سكتت عن حدوثه، عبر إحاطة رموزها القتيلة بكل أنواع التكريم والتبجيل. وإذا كان ت. س. إليوت قد اعتبر عن وجه حق بأن «ما من فن يجسد الروح القومية الحقيقية كما هو الحال مع الشعر»، فإن المرء لا يستطيع إلا أن يتوقف ملياً عند المصائر الفاجعة لثلاثة من الشعراء الذين جسدوا هذه الروح بامتياز، ومنحوا لغاتهم الأم أثمن ما حصلت عليه عبر تاريخها الطويل، وأعني بهؤلاء: المتنبي العربي، وبوشكين الروسي، ولوركا الإسباني، حيث قتل الأول على يد قاطع طريق متعطش للثأر، وقتل الثاني بمكيدة من القيصر الروسي الذي لم يرق له انحياز الشاعر إلى الثورة، بينما قضى الثالث بقرار من فرانكو، قائد الانقلاب الفاشي على الجمهوريين، في ذروة الحرب الأهلية الإسبانية.



مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)

أثارت واقعة السائحتين البرازيليتين اللتين تحرَّشتا بالمارة في شوارع الإسكندرية ومحافظات مصرية أخرى، وصوّرتا مقاطع فيديو تضمنت إيحاءات ومشاهد خادشة للحياء، جدلاً في مصر، خصوصاً بعد إعلان وزارة الداخلية القبض على المدونتين واعترافهما بتصوير مقاطع «الفيديو الخادشة للحياء» لحصد المشاهدات.

في حين ترددت أنباء عن إخلاء سبيل البلوغر البرازيلية ماليفولا ألفيس وصديقتها برونا ميركاتيلي في قضية الإيحاءات الجنسية والصور الخادشة، بكفالة قدرها 40 ألف جنيه، وترحيلهما إلى بلدهما، وفق ما نشره موقع «القاهرة 24»، دون تأكيدات رسمية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت قبل يومين توقيف سائحتين برازيليتين، وقالت في بيان لها إنه «في إطار كشف ملابسات مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيام سائحتين (تحملان جنسية إحدى الدول) بحركات استعراضية إباحية وتلميحات جنسية والتحرش بالمارة حال سيرهما بعدد من الشوارع بعدة محافظات».

وأضافت الوزارة أنه «بالفحص أمكن تحديد وضبط السيدتين الظاهرتين بمقاطع الفيديو (إحداهما صانعة محتوى) بنطاق محافظة الإسكندرية، وبمواجهتهما اعترفتا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وقيامهما بتصوير تلك المقاطع ونشرها على صفحاتهما بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات».

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، وتولت النيابة العامة التحقيق. ونشرت مواقع مصرية معلومات عن الإفراج عن السائحتين بكفالة بعد تدخل سفارة بلدهما، وإعلان محامي الفتاتين أنه سدّد مبلغ الكفالة للإفراج عنهما، دون تأكيدات رسمية لخبر الإفراج.

وترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات من أجل حقوق المرأة، أن «الجدل المثار بشأن واقعة صانعتي المحتوى البرازيليتين في مصر يطرح تساؤلات قانونية مهمة حول حدود حرية صناعة المحتوى والمسؤولية القانونية عن الأفعال التي قد تمس كرامة الآخرين أو تنتهك الآداب العامة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، فإن السعي إلى تحقيق المشاهدات والانتشار لا يبرر أي سلوك قد يشكّل تحرشاً بالآخرين أو اعتداءً على حقوقهم، على أن يتحدد التكييف القانوني وفقاً لطبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والنصوص القانونية واجبة التطبيق».

وتابعت: «كما أن أنباء الإفراج عن المتهمتين، إن تأكدت رسمياً، لا تعني بالضرورة البراءة، إذ يجب التمييز بين قرارات إخلاء السبيل والأحكام القضائية النهائية. فالأصل هو قرينة البراءة، مع ضرورة احترام القانون وضمان حق الدفاع».

وتؤكد هبة عادل أن «سيادة القانون المصري واجبة على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية، وأن مواجهة هذه الوقائع يجب أن تقوم على التحقيق الجاد والتطبيق العادل للقانون، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات».

وتصدرت واقعة السائحتين «الترند» على «إكس» في مصر خلال اليومين الماضيين، وسط أنباء عن تصدرهما «الترند» أيضاً في البرازيل، مع انتشار مقاطع فيديو قامتا بتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة من الاستنكار والاستهجان للواقعة، مع تعليقات تشير إلى أن الفتاتين متحولتان جنسياً ودأبتا على تصوير مثل هذه المقاطع لحصد المشاهدات.

«تكشف واقعة المدونتين البرازيليتين في مصر عن تحول مهم في اقتصاد المحتوى الرقمي، حيث لم تعد المشاهدات مرتبطة بجودة المحتوى فقط، بل أصبحت أحياناً مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل واستفزاز الجمهور»، وفق الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «يمكن فهم الواقعة باعتبارها نموذجاً لاقتصاد الانتباه، الذي تتحول فيه ردود الفعل الغاضبة والانتقادات إلى أدوات لزيادة الانتشار، وربما تحقيق عوائد مادية، فالهجوم على صانع المحتوى لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، بل قد يضاعف وصوله ويمنحه شهرة تتجاوز الحدود الجغرافية».

ويتابع: «كما أن انتقال القصة من مصر إلى البرازيل يعكس قوة المنصات الاجتماعية في إعادة صياغة الأحداث وفقاً للسياقات الثقافية والإعلامية المختلفة، فما يُقدَّم محلياً باعتباره قضية تتعلق بالآداب العامة واحترام حقوق الآخرين، قد يُناقَش خارجياً من زوايا تتعلق بالحريات الفردية والإجراءات القانونية».

وعدّ فتحي أن «التحدي الحقيقي أمام المنصات الرقمية هو ألّا تتحول الخوارزميات إلى مكافأة للسلوك الاستفزازي على حساب المسؤولية المجتمعية، فحرية صناعة المحتوى لا تعني انتهاك حقوق الآخرين».


500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
TT

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية عبر نحو 300 قطعة تعود أقدمها إلى القرن السادس عشر، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها أهم القطع المملوكة للعائلة المالكة البريطانية تحت سقف واحد.

ولا تكمن أهمية المجوهرات التي ارتداها ملوك وملكات بريطانيا في القيمة المادية فقط، بل في التاريخ والقصص التي عاصرتها كل قطعة، وهو الخط السردي الذي سيأخذه المعرض حيث سيعرض إلى جانب التيجان والأقراط والبروشات أيضاً اللوحات الفنية والوثائق التي سترسم صورة لما تكتنزه كل قطعة من تاريخ بريطانيا والعائلة.

الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة (رويال كوليكشن ترست)

يتبع المعرض الذي يحمل عنوان «المجوهرات الملكية من التتويج إلى التذكارات» رحلة هذه القطع منذ تصميمها على أيدي الصاغة المعتمدين لدى القصر، حتى إبداعات دور مجوهرات رائدة، مثل فابرجيه وبوشرون وكارتييه وغيرها.

قصص وتاريخ

بحسب بيان لـ«رويال كوليكشن»، سوف تتاح للزوار رؤية قطع ارتداها الملك هنري الثامن والملكة فيكتوريا والملكة إليزابيث الثانية، وصولاً للملكة كاميليا. ولا يغيب عن الزائر أن قطع المجوهرات المختلفة يتداولها أعضاء الأسرة في المناسبات المختلفة، وبذلك تكتسب كل قطعة معاني جديدة وقصصاً مختلفة.

تمر بنا القطع ببلاغة عبر الأجيال المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك التاج الماسي الذي صنعته دار راندل، «بريدج آند راندل» في عام 1820 لمراسم تتويج الملك جورج الرابع، الذي جرى العرف أن ترتديه الملكات في الافتتاح الرسمي للبرلمان، وظهرت به الملكة كاميلا أثناء مراسم افتتاح البرلمان في شهر مايو (أيار) الماضي. التاج مرصع بـ1333 ماسة تزن سوياً 320 قيراطاً، إلى جانب ماسة صفراء وصفين من اللؤلؤ تحيطان بقاعدة التاج، وقد ارتدته الملكة إليزابيث الثانية لاحقاً في الصور التي ظهرت على العملات المعدنية والأوراق النقدية والطوابع البريدية. وتبرز في العرض قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين، وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية.

قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية (رويال كوليكشن ترست)

فيكتوريا وألبرت

ويمنح المعرض مساحة خاصة للعلاقة الشهيرة بين الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت من خلال مقتنيات شخصية تحمل طابعاً عاطفياً، بينها الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة، ودبوس الزينة المرصع بالياقوت والألماس الذي أهداها إياه ألبرت في الليلة التي سبقت زفافهما. وهناك أيضاً سوارٌ مرصع بحصى جمعها الزوجان خلال رحلتهما الأولى التي سافرا فيها بمفردهما، ودبوسٌ على شكل زهرة الشوك يحتوي على أول سنٍ لبنية لابنتهما الكبرى، وهي السن التي خلعها ألبرت بنفسه.

دبوسٌ يحتوي على أول سنٍ لبنية للابنة الكبرى للملكة فيكتوريا والأمير ألبرت (رويال كوليكشن ترست)

تكتمل المجموعة بخاتم الحداد الخاص بفيكتوريا، الذي يحمل صورة ألبرت وحرفي اسميهما متشابكين. وقد ارتدت الملكة هذا الخاتم بعد وفاته عام 1861، حين كان في الثانية والأربعين من عمره. كما يضم العرض «التاج الماسي الصغير» الخاص بالملكة فيكتوريا، وهو تاج ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنه وُضع فوق نعشها خلال فترة إلقاء نظرة الوداع عليها.

الملكات والقرينات

الملكة إليزابيث الثانية وهي ترتدي التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» في عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

وسيضم المعرض كذلك مجوهرات ارتبطت بكل ملكة أو قرينة ملك، بدءاً من الملكة شارلوت، وصولاً إلى الملكة إليزابيث الثانية، ما يبرز تطور الأنماط الملكية؛ من فخامة العصر الجورجي ومشاعر العصر الفيكتوري، مروراً بطراز «آرت ديكو» (Art Deco)، وصولاً إلى تصاميم منتصف القرن العشرين. ولأول مرة، سيُعرض طقم من مجوهرات حجر العقيق الأحمر (الجارنت)، التي ربطتها أبحاث حديثة بالملكة شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث.

من جانبها، علّقت المنسقة المشاركة للمعرض كارولين دو غيتوت، في بيان: «هذا المعرض غير المسبوق سيجمع أهم وأفخم مجوهرات في التاريخ البريطاني، وعدد كبير منها لم يعرض من قبل ... كل جوهرة تجمل معها قصة إنسانية عن الحب أو الفقد، السلطة والسياسة، العائلة والعقيدة. مجتمعة شهدت القطع المعروضة على لحظات فاصلة في حياة أعضاء الأسرة، وتوفر لنا المشاهدين نظرة قريبة للأشخاص والعلاقات التي شكلت العائلة المالكة عبر الأجيال».

المعرض سيقام في «ذا كنغز غاليري» في شهر يونيو (حزيران) من العام المقبل، وسيستمر لـ9 أشهر.


«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
TT

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)

بعد مرور نحو أسبوع على قرار محافظتي القاهرة والجيزة بحظر سير مركبات «التوك توك» بمحاور وشوارع رئيسية فيهما، يبدو أن القرار لم يلقَ استجابة كاملة في التطبيق على أرض الواقع، فما زالت المركبات تسير في المناطق المحظورة، في شوارع فيصل والهرم، وترسا، والمريوطية، وخاتم المرسلين، وكورنيش النيل، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط».

«القرار الذي سعت الحكومة المصرية من خلاله للحدّ من مظاهر عشوائية تمثل مخاطر على المشاة والسيارات، يلقى صعوبات في تفعيله»، والسبب من وجهة نظر خبير التنمية المحلية، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق الدكتور رضا فرحات، أن «عدد مركبات (التوك توك) كبير جداً، وتطبيق قرار حظر سيره يحتاج عدداً كبيراً من رجال شرطة المرور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم السائقين لا يملكون رخص قيادة، كما أن أغلبية المركبات غير مرخصة».

«التوك توك» على كورنيش النيل بالقرب من منطقة المنيل (الشرق الأوسط)

و«تحتاج مكافحة هذه الظاهرة إمكانات لوجستية كبيرة، و إجراءات عديدة، بينها بالطبع منع استيراد (التكاتك)، وإغلاق ورش تصنيعها، فضلاً عن محاصرة دخول قطع غيارها، وهذا كفيل بغلق منابعه من الأصل»، وفق رأي فرحات.

وشدّد على أنه «من أجل إنجاح خطة المكافحة لا بد أن نضع احتياجات الناس ضمن أولوياتها، بتوفير بدائل يستخدمونها في تنقلاتهم الداخلية، مثل عربات يتم ترخيصها ومنح رخص قيادة لأصحابها، حتى يمكن مراقبتهم ومحاسبتهم حال وجود أي مخالفات، فضلاً عن ضرورة تطبيق إجراءات عقابية شديدة، تلتزم بالدستور، حتى يؤتي القرار ثماره».

ويعزي بعض سائقي مركبات «التوك توك» ممن تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» كثرة تحركاتهم داخل شوارع العاصمة الرئيسية إلى ضرورة تلبية احتياجات أسرهم في ظل ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى عدم معرفة بعضهم بالقرارات الجديدة، والسير بثقة في ساعات الليل لعدم وجود عناصر من رجال المرور.

وجود «التوك توك» في الشوارع - حسب رأي شريف حيدة (محاسب) - مصدر خطر دائم، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى زيادة القيود على (التوك توك) بشكل تدريجي حتى يتم التخلص من هذه الظاهرة العشوائية لما تجره على المجتمع من مشكلات»، وهي، حسب حيدة، «ليست مرورية فقط، لكنها أيضاً أمنية، فبعض سائقي (التوك توك) يستخدمونه في ارتكاب جرائم، كما أن قيادته تمثل في معظم الأحوال عمل من لا عمل له، فبعضهم لا يمتلك رخصة قيادة، وكثير منهم أطفال ومراهقون، تصعب السيطرة عليهم».

«التوك توك» في شارع خاتم المرسلين بالجيزة (الشرق الأوسط)

ولفت حيدة إلى أنه يحتاط طوال قيادته سيارته من سائقي «التوك توك» والدراجات النارية، بسبب طريقتهم في القيادة التي لا تلتزم بأي قواعد مرورية، «بعضهم يسير عكس الاتجاه، وهناك من يقطعون الطريق بالعرض، فضلاً عن السرعات غير المبررة التي يندفعون بها في الشوارع»، وفق قوله.

ويرى محمد مجدي (رجل أعمال) أن «مخاطر سير (التوك توك) في الشوارع الرئيسية والمساوئ التي جَرَّها أكثر من فوائده، فمع انتشار البطالة صارت مهنة كثيرين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، ولا يهتمون بقواعد السير وقيادة السيارات، فضلاً عن حالة اللامبالاة التي تسيطر على معظم سائقيه، فلا اهتمام لديهم بالمشاة، ولا بغيرهم، يتحركون دائماً دون ضوابط، ويتسببون في كثير من الحوادث والإصابات».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ظهور «التوك توك»، بعيداً عن مخاطره الأمنية أثّر كثيراً على سوق الحرف، ونسبة أصحاب الصنائع، «فلا أحد من الذين يتولون قيادته يريد أن يتعلم صنعة، أو يجتهد في العمل من أجل لقمة العيش، كثيرون يرون أن شراء (توك توك) والعمل عليه لبساطة قيادته أسهل من قضاء سنوات لتعلم حرفة، وهذا له تأثير سلبي بالطبع على المجتمع، ويقلل بشكل بالغ أعداد الحرفيين في سوق العمل».

مركبات «التوك توك» في شارع المريوطية (الشرق الأوسط)

ويذكر أن تشخيص أزمة «التوك توك» وقلة فاعلية قرارات الحكومة المصرية في وضع حلّ لسيره العشوائي تأتي من ضخامة أعداد التكاتك الموجودة، التي تصل إلى 5 ملايين مركبة، المرخص منها 289 ألفاً فقط، وفقاً لـ«التعبئة العامة والإحصاء». ويمثل ملف «التوك توك» - حسب الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري للبلديات الدولية - «اقتصاداً موازياً، بما يشكله من دخول شهرية تصل إلى 18 ملياراً و800 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 55 جنيهاً مصرياً)، بمتوسط دخل صافٍ 300 جنيه يومياً، وتصل الإيرادات الصافية لأصحاب (التوك توك) في المحافظات يومياً إلى 420 مليون جنيه».

ورغم أن «التوك توك» يوفر 250 ألف فرصة عمل سنوياً، فإنه وفق قول عرفة لـ«الشرق الأوسط»: «أدّى إلى انهيار الصناعات الحرفية في مصر لاتجاه نسبة كبيرة من الأيدي العاملة للارتزاق من حيازته، وهم في الوقت نفسه يهدرون على الدولة 12 مليار و150 مليون جنيه بسبب عدم حصولهم على تراخيص، أما مخالفاتهم المرورية غير المحصلة فتساوي نحو 4 مليارات و650 مليون جنيه سنوياً».

ويخدم «التوك توك» - وفق خبير استشارات البلديات الدولية - ما يقرب من 28 مليون مواطن في 27 محافظة، ويصل عدد حائزيه إلى 4 ملايين سائق: «يجب تقنين أوضاعهم بتطبيق منظومة الكود الرقمي الجديد، مع تخصيص لون مميز لمركبات كل مدينة للارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة، والتعرف على السائقين حال وجود مشكلات أو مخالفات»، على حدّ تعبيره.