يفتح العازف اللبناني العالمي إبراهيم معلوف تعاونه الجديد مع المغنّي الأميركي جيسون ديرولو، والرابر الأميركي كيفن غيتس، على احتمال موسيقي يقوم على سعي العوالم المختلفة إلى فهم بعضها بعضاً. فاللقاء الذي يجمع البوب العالمي والراب الأميركي ونَفَس معلوف الآتي من ذاكرة لبنانية وموسيقى عابرة للحدود، يقدّم سؤالاً فنياً عن معنى أن يخرج الفنان من بيته الموسيقي من دون أن يخلع صوته.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يقول معلوف إنّ هذا التعاون «وُلد ببساطة وبشكل طبيعي» من فضول مُتبادل ورغبة مشتركة في اللقاء. لم يكن الأمر، كما يوضح، نتيجة حسابات ثقيلة أو هندسة مُسبقة، إنما جاء حين شعر بأنْ لا تصوّرات مُعدَّة سلفاً ولا حواجز بين الأطراف، «فقط موسيقى ورغبة صادقة في خلق شيء حقيقي». عند تلك اللحظة، أدرك أنّ اللقاء يستحق التحوُّل إلى عمل. ثمة لقاءات، في رأيه، لا تحتاج إلى شرح كثير، لأنها تحمل إمكانها في داخلها وتعلن نفسها من النغمة الأولى.
لا يتعامل معلوف مع التعاون الفني على أنه مساحة نفوذ، ولا يعدُّ الهوية أشبه بقلعة مُغلقة. يفضّل أن يرى الموسيقى حواراً، وليست أرضاً للدفاع. «لذلك، حين أدخلُ تجربة مشتركة، لا أسعى إلى فرض حضوري ولا إلى التراجع حتى الاختفاء. أبدأ من الإصغاء»، يقول. من هذا الإصغاء تولد «مساحة ثالثة» لا يتخلَّى فيها أحد عن صوته، ويقبل الجميع التحرُّك قليلاً من أماكنهم. وفي المنطقة الرهيفة، حيث تتزحزح الحدود من دون أن تُمحى، يرى معلوف أنّ المعجزة الصغيرة للموسيقى يمكن أن تحدث.
معلوف آتٍ من تجربة مُشبَّعة بطبقات الهوية والذاكرة والتكوين المنضبط، أما العمل فينتمي إلى زمن موسيقي سريع الإيقاع وشديد الانتشار. ومع ذلك، لا يرى بين العمق والسرعة مواجهة حتمية. «العمق بالنسبة إليّ لا يرتبط بالشكل أو بسرعة الانتشار، إنما بالنية»، يقول. يستعيد نشأته في بيئة موسيقية صارمة، بين الموسيقى الكلاسيكية والمسابقات العالمية والعمل مع أوركسترات وقادة كبار، ثم يضع إلى جانبها فضوله الدائم تجاه الجاز والراب والبوب والموسيقى التقليدية من أنحاء العالم. هذا الخليط، كما يشرح، هو ما صنع هويته الفنية، ولذلك يحاول، حتى ضمن إطار سريع، أن يقدّم شيئاً نابعاً من الداخل وراسخاً في أساسه.

ولا يضع معلوف هذا التعاون في خانة التحوّل المفاجئ. يراه «لحظة حرّة» قائمة بذاتها، وفي الوقت عينه امتداداً طبيعياً لمسار لطالما ذهب به إلى أماكن لم يكن الجمهور يتوقّعه فيها. بالنسبة إليه، ليس الانفتاح خطّة مدروسة بقدر ما هو طريقة عيش. لذلك لا يتعامل مع التجربة على أنها قطيعة مع ما سبق، ولا بداية انقلاب في المسار، فهي حلقة إضافية في طريق مفتوح على الاحتمالات.
ويعترف بأنّ كل لقاء يترك أثراً في صاحبه. وهذه التجربة، كما يقول، ذكّرته بقدرة الموسيقى على أن تكون مباشرة وغريزية، تستطيع اختصار المسافات بين عوالم شديدة الاختلاف. قد يأتي الفنانون من لغات موسيقية متباعدة، ومع ذلك يلتقطون الإشارة بسرعة حين تكون النيّة واضحة. وهذا في نظره سبب إضافي كي يظلّ منفتحاً، وألا يقول لنفسه إنّ هناك مساحة فنية لا تخصّه.
على الضفة الأخرى من هذا التعاون، يستعدّ معلوف لحفل ضخم في باريس عام 2027، أمام عشرات الآلاف من المتفرّجين. هنا تنتقل الموسيقى من حميمية الاستوديو إلى طَقْس جماعي هائل. يصف هذا التحوّل بأنه قوي، لأنّ اللحظة التي تبدأ داخلية وصغيرة تصبح على المسرح تجربة مشتركة ممتدّة. ومع ذلك، يبقى الهدف أن يصل الإحساس الحقيقي، سواء إلى مستمع واحد أو إلى جمهور كبير.

ولا يُخفي معلوف قلقه من ضخامة العروض. نسأله: هل يمكن للصورة أن تبتلع الصوت؟ جوابه يقوم على التوازن. فالصورة في رأيه تستطيع أن تخدم الموسيقى ما دامت لا تطغى عليها: «الأهم أن يبقى الفنان يقظاً ومتواضعاً، ويتذكر سبب وجوده على الخشبة. حين تظلّ الموسيقى في المركز، تصبح العناصر الأخرى سنداً لها، وليست عبئاً عليها».
يريد إبراهيم معلوف أن يُكرِّس عبر هذا العمل معنى الانفتاح، فيُدرك المستمعون أنّ الحدود بين الأنماط الموسيقية ليست ثابتة: «لقاء العوالم المختلفة قادر على خلق لغة جديدة من دون خوف أو أحكام مُسبقة».



