الكتب التي تساعدك على حل الأزمات الشخصية قليلة جداً

قراءة في كتاب قديم

غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
TT

الكتب التي تساعدك على حل الأزمات الشخصية قليلة جداً

غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
غلاف «الاعترافات» بالفرنسية

لو سألني أحدهم ما أهم كتاب قرأته طيلة إقامتك الباريسية المديدة، لأجبته على الفور: «اعترافات» جان جاك روسو. وربما كانت هذه القراءة أعظم اكتشاف يحصل لي منذ أن وصلت إلى فرنسا قبل أربعين عاماً بالضبط. ولو أني لم أقرأ غيره لكفاني ذاك فخراً، ولما ذهب مجيئي إلى بلاد موليير وفولتير سدى. لماذا أعطيه كل هذه الأهمية؟ لأنه مفعم بالنزعة الإنسانية.
في الجزء الأول من هذا الكتاب، وفي الصفحة رقم 120 من طبعة «فلاماريون» الفرنسية لعام 1968، يروي روسو قصة صغيرة حصلت له في الطفولة الأولى، وهي التي دفعت به فيما بعد إلى كتابة «اعترافاته» أو مذكراته لتبرير نفسه. أو قل: كانت أحد الأسباب الأساسية.
فقد كان في شبابه الأول، أي في السادسة عشرة، بالكاد قد خرج من مرحلة الطفولة عندما حصلت الحادثة، وملخصها هو التالي: كان يشتغل خادماً لدى إحدى العائلات الإيطالية بعد أن هرب من بيته وعائلته في جنيف وهامَ على وجهه في البراري والقفار كما هو معروف. وفي يوم من الأيام وقع بصره على وشاح جميل فقرر سرقته وإهداءه إلى الخادمة الأخرى التي تشتغل أيضاً في البيت نفسه: ماريون.
ولكن بعدما انكشف أمر السرقة خاف من الفضيحة، فاضطر إلى أن يتهمها بأنها هي التي سرقته. وعندئذ طلب صاحب البيت من الخادمة أن تمثل بين يديه لكي تحصل المواجهة بين الاثنين ويعرف الكاذب من الصادق، وهل هي السارقة أم هو. وبما أنها بريئة كلياً فقد بهتت في البداية ولم تحر جواباً. لم تعد تعرف ماذا تقول، فراحت تتوسل وتستغيث وتحلف بأغلظ الأيمان بأنها ليست هي. وفيما كانت تدافع عن نفسها كانت تشعر غصباً عنها كأنها مهزومة سلفاً. وراحت تنظر إلى روسو نظرة استعطاف وعتاب وملامة ظلت تلاحقه طوال حياته كلها. قالت له: «لا، يا روسو! ما كنت أعتقد أنك هكذا. لا يا روسو هذا لا يليق بك، لا يا روسو... كنت أعتقد أنك شخص طيب. وكل شيء يدل على أنك طيب بالفعل. ولكن لماذا فعلتها معي؟ لقد وضعتني في موقع حرج فعلاً. ولا أحب أن أكون مكانك». ولكنه أصر على الكذب إلى حد الوقاحة بعد أن لم يعد قادراً على التراجع. وهكذا استطاع أن ينتصر عليها في نهاية المطاف، استطاع أن يلصق التهمة بها. وعندئذ طردوهما معاً من البيت. والأنكى من كل ذلك أنه ما سرق الوشاح إلا لكي يهديها إياه تعبيراً عن حبه لها. وهكذا بدلاً من أن يفيدها أضر بها... بدلاً من أن يكحّلها؛ عماها.
عندما كتب روسو قصة «ماريون» هذه في كتاب «الاعترافات»، كان قد مرّ عليها أربعون عاماً أو أكثر. وهو يحلف يميناً بالله أنه لم ينم قرير العين في أحيان كثيرة بسببها. صحيح أنها كانت تغيب عن باله لفترة من الزمن تطول أو تقصر، ولكنها كانت تعود في أوقات الشدة لكي تذكره بنفسها وتؤرقه. فضميره راح يؤنبه ويعذبه إلى درجة أنه كان يراها أحياناً في منامه وهي مقبلة عليه من خلف الضباب وكأنها تقول له: لماذا فعلت بي ذلك يا روسو؟ ألا تعرف أنك شوهت سمعتي في البيوت؟ ألا تعرف أنه لم يعد أحد يشغلني خادمةً عنده. ماذا فعلتُ لك لكي تحطمني؟ كانت تتراءى له بعد أربعين سنة كأن القصة قد حصلت البارحة. وكان يفيق والدموع تنسكب من عينيه فتبلّل خدّيه ووسادتيه.
ثم راحت هواجسه تتضخم وأخذ خياله المرضي أو الهوسي يكبّر حجم الخطيئة حتى تحولت إلى جريمة تقريباً. راح يتساءل في لحظات الخلوة والوسوسة بينه وبين نفسه: ماذا حصل لتلك المسكينة ماريون؟ ماذا حصل لتلك الطفلة التي لم تؤذ أحداً في حياتها؟ هل حقاً أن جميع العائلات رفضتها واضطرت إلى ممارسة البغاء مثلاً لكي تعيش؟ أين ذهبت ماريون الفقيرة هذه، وفي أي الدروب ضاعت؟ وهل قضي على مستقبلها يا ترى أم نجت من ذلك العار؟
أسئلة كثيرة مزقت قلبه وعقله على مدار السنوات... وفي خريف العمر أو شتائه عندما كانت هذه الأسئلة تلاحقه كان الأعداء يلاحقونه أيضاً ويطبقون عليه من كل جانب بعد أن أصبح مشهوراً جداً؛ بل وتحول إلى شبه أسطورة. كان ذلك بعدما أصبحت كتبه تُحرق على أيدي الأصوليين في باريس وجنيف وأمستردام دفعة واحدة. كان ذلك بعد أن كبر ذلك الطفل الصغير اللقيط الذي لا يعرفه أحد وأصبح: جان جاك روسو!
في مثل هذه الظروف التراجيدية التي أحاطت به في أواخر عمره كان يعتقد أن العناية الإلهية تنتقم منه بسبب تلك «الخطيئة الأصلية» التي ارتكبها يوماً ما. وكان يشعر بالسعادة تقريباً لأن الآخرين يعذّبونه ويشوهون سمعته مثلما عذّب هو ماريون وشوّه سمعتها. كان يطالب بمزيد من الاضطهاد لكي يتشفّى من نفسه ويكفّر عن ذنوبه.
وبدءاً من تلك اللحظة أصبح يكره الكذب ويتحاشاه ويخشاه كأنه جريمة. وأصبح أصدق كاتب أنجبته أوروبا في تاريخها كله، بالإضافة إلى بعض القلائل بالطبع؛ مثل هولدرلين، أو كانط، أو غوته. ولذلك تجد وراء كل صفحة من الاعترافات كأن صوت الحقيقة هو الذي يتكلم من خلالها وليس هو. لقد أصبح الناطق الرسمي باسم الحقيقة نيابة عن عصر بأسره. لهذا السبب أُعجب به كانط أيما إعجاب ووضع صورته على طاولته لكي يستأنس بها ويكتب ويشتغل باطمئنان وسلام. وكذلك أعجب به هولدرلين وهيغل وتولستوي وديستيوفسكي وآخرون كثيرون من الكبار أو كبار الكبار. لقد أصبح نبي العصور الحديثة.
هكذا قرر روسو أن يعرّي نفسه في هذا الكتاب الشهير «الاعترافات» بكل صراحة أمام القراء والأجيال المقبلة. قرر أن يكشف عن خباياه ويعترف بكل نقاط ضعفه وقصوره. وقسا على نفسه أكثر مما يجب، وعنّفها ووبّخها: بل ومسح بها الأرض! وأسس بذلك محاسبة الضمير في الفكر الأوروبي المعاصر. من هنا جاذبية «اعترافاته» وخلودها على مرّ العصور.
نعم لقد سحقت قصة ماريون هذه قلبه سحقاً ولاحقته على مدار الأيام والسنوات. وكان يتمنى لو أن مصيبة نزلت على رأسه ولم يفعل فعلته تلك. ولو أنهم انتحوا به جانباً وسألوه عن الموضوع على حدة، لاعترف بالحقيقة ولما اتهمها أبداً. ولكن صعب عليه أن يعترف بخطيئته هكذا علناً أمام الجميع.
يقول في تلك الصفحات الثلاث ما معناه: ما كنت أخشاه بعد اندلاع الفضيحة ليس العقاب ولا الضرب أو الطرد من البيت؛ وإنما العار. كنت أخشاه أكثر من أي شيء آخر في العالم. كنت أخشاه أكثر من الموت. كنت أفضل أن تنشق الأرض وتبتلعني على أن أعترف أمام الناس بأني لص أو سارق.
ولذلك اضطر إلى الكذب واتهامها غصباً عنه.
يخطر على بالي أحياناً أن أتساءل وأقول ما يلي: ألا توجد علاقة بين موقف روسو هذا وبين استقامة السلوك التي نلاحظها في البلدان الحضارية جداً مثل سويسرا مثلاً، وهي بلده الأصلي بالمناسبة؟ ألم يؤسس للضمير الأخلاقي أو لمحاسبة الضمير في كل أنحاء أوروبا؟ لماذا تكون العلاقات الاجتماعية دقيقة ومنتظمة في البلدان المتقدمة؟ ولماذا يشيع الغش والكذب والاحتيال في بلداننا نحن الذين ندعي الإيمان والتقى والورع؟ لماذا كلما صلينا وصمنا وركعنا أكثر زاد غشنا أكثر؟ هناك استثناءات كثيرة بالطبع وأكاد أعتذر من هذا الكلام... ولكن ما أقصده هو أنك تستطيع في سويسرا أو ألمانيا أو الدنمارك أو النرويج أو السويد أو سواها من البلدان الأوروبية أن تشتري الجرائد والكتب أو تركب الحافلات من دون أن تدفع فلساً واحداً إذا شئت لأنه لا يوجد أحد لكي يراقبك. يراقبك ضميرك فقط. وهي بلدان علمانية لا أثر للدين فيها ولا تصوم ولا تصلي إلا نادراً. ومع ذلك، فهي أخلاقية مائة في المائة. كيف يمكن تفسير ذلك؟ أعترف بأن هذا الأمر حيرني. وقد رأيت ذلك بأمّ عيني عندما زرت سويسرا وألمانيا وهولندا وأدهشني الوضع. رأيت جميع المواطنين يدفعون ثمن المشتريات عدّاً ونقداً ولا أحد يفكر في الغش أو مخالفة القانون مطلقاً. هناك شيء اسمه ضمير إذن، وهو أهم من أي شرطي! هناك وازع داخلي يردعك إذا ما همّت نفسك بالسوء أو بالانحراف والإخلال بالواجب أو التقصير في العمل. فكيف يمكن أن تخشى على بلاد من هذا النوع؟ كيف لا تزدهر وتتطور ويطيب فيها العيش؟ ومَن الذي أسس الضمير الأخلاقي الصارم في الثقافة الأوروبية؟ إنهم مصلحوها الدينيون وفلاسفتها الكبار وعلماؤها... العلماء ورثة الأنبياء.
هل سمعتم بحضارة نهضت على قدميها من دون شخصيات كبرى تثبت على الحق والمبدأ وتحترق لكي تضيء للآخرين الطريق؟ هل سمعتم بحضارة نشأت على عادات غير الصدق والدقة في المعاملة؟ هل سمعتم بحضارة نشأت وازدهرت على شيء آخر غير مكارم الأخلاق؟
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
هناك أسباب أخرى تدفعني للإعجاب باعترافات جان جاك روسو ولا أستطيع البوح بها كلها هنا. ولكن ربما كان أهمها هو أنه قربني من أمي وطفولتي الأولى وذلك الحدث الصاعق الذي أسس وجودي. على أي حال؛ فحكايتي مع هذا الكتاب تطول منذ أن أضاء الدياجير المظلمة لحياتي الداخلية بعدما ابتدأت بقراءته لأول مرة في قرية شاتني مالبري بضواحي باريس. وهي ذاتها قرية الفيلسوف الكبير بول ريكور. كما أنها قرية فولتير لأنه ولد فيها وتمثاله يتصدرها. وقد شاء لي الحظ أن أقيم فيها بمحض الصدفة لبضع سنوات في أواخر القرن الماضي. وبعدئذ لم يفارقني الكتاب، خصوصاً في لحظات الشدة. وقد ساعدني على تعميق بعض الأسئلة الشخصية، والقبول بما لا يحتمل ولا يطاق. والواقع أن الكتب التي تساعدك على حل تأزماتك الشخصية قليلة جداً. إنها عبارة عن انفراجات مضيئة داخل الانسدادات.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».