علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

حزنها على فقد والدتها تحول إلى طاقة إيجابية دفعتها للتحدى في عالم الطبخ

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
TT

علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها

تقول الحكاية إن الطهي يُذهِب الهم، وإنه «خِلٌ وفي» يمد يد العون لغريبٍ في الديار وضع الحزن في الجُرن، إلى أن يعود مليئاً بالحياة من بعد ذبول.
وتقول الحكاية أيضاً إن «المُنقذ» قد يأتي على شكل ملكة تتدخل في اللحظة المناسبة لتحتوي هشاشة إنسان من بعد غربة، فيزهر ويبني في نفسه ويُعبّد طريقاً للنجاح؛ حينها فقط سنفهم ما تقصده لعبة الحياة من طلعاتِها ونزلاتِها، وسندرك كيف تعقد امرأة رباط مئزرها بتثاقل بعد أن أمضت عاماً في الحداد، لتبدأ بالبسملة استعداداً لعمل «كيكة البطاطا الحلوة»، فيما ينبعث لحنٌ خافت من صوتها المُتعب «معسّلة يا بطاطا»، وهي مقولة شهيرة لباعة البطاطا في مصر؛ ثم تنشغل بمخبوزات القرع المحشوة بالجبن... ما هي إلا دقائق وبعدها فاحت من الفرن رائحة زكية؛ لم تتوقع صاحبة المئزر أن يتسللّ هرمون السعادة إليها؛ لقد رُدّت الروح إليها.
- ذكريات...
علا حسني، شابة إسكندرانية انتقلت مع أسرتها الصغيرة إلى مدينة دبي منذ خمس سنوات، وصارت صفحتها الشخصية على «إنستغرام» تحتفي ببديع الأطباق؛ حديث عابر مع «الشرق الأوسط» كان كفيلاً بمرور لقطات من شريط حياتها أعادتها إلى سنواتٍ خلت.
في طريق العودة من المدرسة إلى البيت، كانت تتساءل بحماس عن الطعام الذي ينتظرها وإخوتها اليوم. وحين وصلت إلى باب البناية، تبسمّت لأنها ميزّت رائحة طعام أمها، رغم أن أسرتها تسكن في الطابق الرابع. وحتى لو في الطابق العشرين، كانت ستعرفه من بين كل روائح الشقق، حتى أنها كانت تُخمن نوع الطبخة على وجه التحديد، إذا ما كانت ملوخية مع «ريحة الطشّة المفَحفحة»، بحسب تعبيرها، أم «تسبيكة» - معكرونة مع صلصة، أم أكلة جمبري وكابوريا من بحر إسكندرية.
إنه واحد من المشاهد الذي يتضح منه مقدار تأثر البنت بأمها التي وصفتها بالطباخة الماهرة في تحضير الأطباق المصرية التقليدية، بالإضافة إلى الجديدة منها والمبتكرة: «كانت أمي لا تملّ من تدوين الوصفات في دفترها الخاص».. قالتها بحنين مُطعّم بالشوق.
لطالما استمتعت علا بمساعدة والدتها في تحضير الحلوى؛ وتبوح لنا أن فرحتها كانت تبلغ أوجّها بفوزها بجائزة تشبه براءتها: «هل هناك أحلى من لَعق ما تبقى من كِريمة على المضرب اليدوي بعد خفقها!».. وكأن تلك الذكرى منحت مَرحها مناعة قوية.
تتذكر أولى مغامراتها: «فتحت دفتر حلويات أمي، واخترت وصفة السويسرول، وانطلقتُ خلسة في منتصف الليل إلى تحضيرها؛ لم أنجح حينها ولكن ست الحبايب عندما طلع الصباح بثّت الثقة في قلبي، كما لو كنت أفضل صانعة حلوى في العالم».
افترقت علا عن عائلتها، وانتقلت مع زوجها إلى دولة الإمارات، وبعد ثلاثة أسابيع فقط تلّقت خبر وفاة والدتها؛ كانت فاجعة ما أقساها، أدخلتها في حالة حزن واكتئاب استمرت لعام كامل. وبصعوبة أخذت تستعيد توازنها، بمساعدة زوجها، إلى أن اقتنعت بأن روح أمها ستكون مرتاحة إن كانت ابنتها سعيدة ناجحة في حياتها.
تقول: «تحول كل الحزن الذي بداخلي إلى طاقة إيجابية، ومضيت نحو شغف لا ينتهي من البحث عن فن تصوير الطعام بالدرجة الأولى، والتعرف على مستجدات عالم الطهي. ومن هنا، أخذت أربط بين حبي للمطبخ وشغفي بالرسم والألوان، ودراسة تقنيات هذا النوع من التصوير».
وفي بعض الليالي، بينما تستعد للنوم، يطير النعاس من عينيها، ما إن تعثر على وصفة جديدة. فتركض إلى المطبخ ركضاً. ويجدر بنا هنا قول كلمة «أيووه»، كلمة إسكندرانية تعبرّ عن الدهشة، فهذا الذي تسميه عشقاً وتعباً لذيذاً يسرى في عروقها، إلى درجة أنه إذ ما أعجبها شكل أو لون طبق تبدأ بالتفكير في الطبخة أو الحلوى التي تليق به، متخيلة اللوحة بكل أبعادها، عبر تدوين الملاحظات في دفترها، مع رسمها.
وتؤكد أن تحضير المائدة لزوجها وطفليها يقتضي منها إنجاز أعمال فنية رفيعة المستوى، وفق نظام تلتزم فيه بوصفات مصرية ليومين أسبوعياً، مثل الرز المُعمّر على الطريقة المصرية مع الملوخية أو الحمام المحشي: «أريد أن تظل هذه الروائح عالقة في ذاكرة أطفالي، تماماً كما بقيت رائحة خبز أمي لصيقة بي».
وتتشبث بمبدأ إظهار هوية الأطباق القديمة وأصالتها، مع إضافة لمسة عصرية، وذلك في إطار فخرها بالمطبخ التقليدي الذي ذكرت في سياق الحديث واحدة من طرائفه: «شهقة الملوخية تمسكت بها نساء مصر في الماضي. فعلى سبيل الدعاية، تناقلت الروايات أن سر لذة الملوخية في الشهق (إصدار صوت الشهيق المرتفع) عند إضافة (الطّشة) - الثوم المقلي - فوقها».
- مَعمل مثالي
كانت الإمارات بالنسبة لها «معملاً مثالياً» للتجريب، فقد حالفها الحظ بأن تقيم في دولة تعد قِبلة للمشاهد الطهوية العالمية، مما سهّل انفتاحها على هذا العالم، بالتعرف على ثقافات متنوعة ومكونات جديدة لم يسبق لها تجربتها، ممتنة لزوجها الذي كان لها خير سند في الارتقاء بطموحاتها.
سيدة العناد الجميل هي... لا تيأس أبداً من إتقان وصفة مهما كانت، ولا تدخر وسعاً في تطوير أدائها، عبر المشاركة في الفعاليات والمسابقات والدورات المتخصصة بالطهي، وتميل بشكلٍ خاص إلى الحلويات، ويحلو لها استخدام الفواكه فيها. أما تصوير الطعام، فقد قطعت شوطاً به بالتعلم اليومي لطرق التصوير الاحترافي، إذ لا تكف عن القراءة والتدريب، على أمل أن تحقق شيئاً يذكر.
عندما تزور مصر، يقوم والدها بواجب الضيافة بنفسه، فيصر على الطهي، مستعيناً بدفاتر طبخ زوجته المكتوبة بخطها، التي تصفها ابنتهما بالكنوز، وتأمل في أن تشكّل منها لائحة طعام حين يتحقق حلمها يوماً بافتتاح مطعم خاص.
سألت علا عن الأكلة التي لا تفرّط بتناولها بمجرد وصولها؛ لا يستدعي السؤال تفكيراً من وجهة نظرها: «أذهب من فوري إلى عربات سندوتشات الكبدة المحضرة على الطريقة الإسكندرانية مع الليمون والفلفل الأخضر الحار، ولا تفوتني عربات الفول؛ ريحته وطعمه غير أي فول في الدنيا».
سَلامها الداخلي تعيشه في مطبخها؛ ويالسعادتها حين تكون «كعكة الجزر» ضمن الأوركسترا؛ ولا تحرم صغيريها من نعمة مشاركتها لهذه الأوقات الرائعة، عندما تسمح لهما باللهو بالعجين، ليحضّرا معها المعكرونة المنزلية، فتفتح شهيتهما لتلوينها؛ تقول عن ذلك: «أحاول إدخال مكونات لا تروق لهما، مثل السبانخ والبنجر، وهنا يحدث السحر عندما يتناولان ما حضرّاه بيدهما، من دون اعتراض على المكونات غير المرغوبة».
- خيراتٌ وبدائل
تقيم هنادي برهوم في الفلبين منذ ثلاث سنوات، حيث الطبيعة الساحرة النقية، لكن ذلك لم يُطفئ الحنين إلى بلدتها عين رأفة؛ تبعد 15 كم عن مدينة القدس.
جولة بين الصور التي تنشرها هنادي على صفحتها الشخصية على موقع «إنستغرام» تكفي لإخبارك بمستوى الحس الفني الراقي الذي تتمتع به في تحضير الطعام، وتصويره بأناقة لافتة، بعد أن وجدت فيه تسلية تُخفف عنها غربتها.
تُرجع الزمن إلى الخلف، ثم تبدأ حديثها: «حديقة عائلتي في القدس منبع لا ينضب لذكرياتي مع الطعام، فقد منّ الله علينا ببستان عامر بمختلف أنواع الأشجار، منها العنب والتفاح والكرز، بالإضافة إلى الخضراوات الموسمية؛ أتحدّث الآن معكِ فيما يمر بخاطري ورق العنب والبندورة الحلوة؛ إنني أشتهيهما بشكلٍ غريب».
وتتذكر كعك القدس بقولها: «طعمه ليس لذيذاً وحسب، إنه يسكب الذكريات سكباً».. خرجت منها الكلمات بعفوية ومحبة في أثناء استرجاع شريط الطفولة، حين كانت تشتريه مع صويحباتها قبل بدء اليوم الدراسي، وبعد انتهائه، ليُسكت الكعك جوعهم بشكلٍ جميل.
تحكي هنادي لـ«الشرق الأوسط» كيف غيرّ الطهي حياتها: «لقد ملأت الموهبة فراغاً كبيراً، لا سيما أني عشت وحيدة لفترة طويلة، من دون أصدقاء أو عائلة، ولولاها ما أدركت أن الطعام وسيلة جيدة للتعرف على أشخاص من خلفيات ثقافية عدة في العالم الافتراضي، وقد أصبح بعض منهم أصدقاء في الواقع؛ لقد آمنت أن الطعام يقرّب بين الناس».
«الشابة المقدسية» التي تعيش تجربة جديدة في أقاصي المعمورة تخبرني أن مَهمة التسوق تقع على عاتقها، فانتقاء أطيب المكونات يتطلب مهارة في فحصها ولمسها وشمها. وفي ثنايا حديثها، تبين لي أن أنواع الخبز في الفلبين ضئيلة وحلوة المذاق، وهذا بطبيعة الحال لا يناسب ربة بيت عربية، مما اضطرها إلى تدبر الأمر بالخَبز في المنزل، لتخرج من أعماقها مَلكة اسمها الإبداع في المخبوزات، كما باتت تُحضرّ اللبن الطازج بنفسها، نظراً لعدم توفر منتجات الحليب بجودة عالية. وتحت ضغط الخيارات التي تلزم بعض الوصفات الشعبية، اكتسبت خبرة في إيجاد البدائل؛ «المجدرة» على سبيل المثال تطهوها ببقوليات اسمها مونجو، بدلاً من العدس. وفي المقابل، تتمسك بالخيارات الصحية، فتستخدم زيت جوز الهند وسُكرّه أيضاً.
ومع أن طبيعة الفلبين الفاتنة تجذب السياح، فإن هذا البلد مع الأسف لا يستغلّ خيراته بشكل صحي، وفق ما تؤكده السيدة الفلسطينية بتطرقّها إلى نقطة جوهرية في أسلوب طهي الفلبينيين، يبدو في إطارها أن مقارنة غير مقصودة ترجح لصالح بني جَلدتها، قائلة: «في ظل العولمة، ألاحظ تسارعاً محموماً نحو مطاعم الوجبات السريعة التي تنتشر هنا، مما يرفع من معدلات السمنة والوزن الزائد عند السكان المحليين، ولا عجب في ذلك ما دام أن القلي يستهويهم، ناهيك عن إضافة كميات غير معقولة من السكر إلى جميع وصفاتهم».
ومن اللطيف أن مائدتها الشرق أوسطية تستضيف المدعوين إلى منزلها بكل ترحاب بُغية تعريفهم على الطعام الفلسطيني. ففي مأدبة العشاء التي أقامتها مؤخراً، التهم ضيوفها المقلوبة، وصارت أثراً بعد عين. ومن هذه الجلسات، سجلّت ملاحظة استرعت انتباهها: «استخدام البهارات شيء جديد بالنسبة للمحليين، إذ يندر أن يضيفونها إلى أكلاتهم، في حين أن المُنكهات والملونات الصناعية حاضرة على الدوام».
«ماذا تفعلين عندما تزورين القدس؟»... ترد على سؤالي: «أسارع عند وصولي إلى تناول الحمص، ومن ثم الكنافة، علّني أروي جزءاً بسيطاً من عطشي إلى وطني. وقبل العودة إلى الفلبين، أشتري (مُونتي)، بما تتضمنه من بهارات وزعتر ومواد غذائية يصعب إيجادها هناك».
وتطوّر هنادي من أدائها بالالتحاق بدورات قصيرة تختص بتعليم الطهي، ويبدو أن أسفارها حول العالم أغنت ذائقتها الطهوية، لا سيما أنها لا تتوقف عن التعرف على عادات وطرق الطهي في كل مكان جديد تزوره، لتغنم منه بأنواع توابل مختلفة، ومما سرّها حين تجولت في دول شرق آسيا اهتمام شعوبها بـ«المونة»، كحال الفلسطينيين، بتجفيف وتخليل أطعمة كثيرة لديهم، مثل السمك والمأكولات البحرية وأنواع مختلفة من الخضراوات، وفقاً لكلامها.
ألذ أنواع الكعكات تُحضرّها من فاكهة المانجا التي تفيض بها الفلبين، لتسعد صغيرتها التي صارت تشبه أمها في حبها للمطبخ، مع العلم أن أهل هذه البلاد يتناولون المانجا الخضراء، أي قبل نضوجها، مع رش قليل من الملح، مما يذكرّها بموسم اللوز الأخضر والجانرك (البرقوق الأخضر) بفلسطين.
وليس غريباً أن صديقات هنادي في القدس ينتظرن قدومها على أحر من الجمر، ويتفقن معها سلفاً لتطهي لهن ما لذ وطاب، فيأتي ردها: «مَرحى لنا... يبدو أننا سنقضي الوقت كله في المطبخ».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».


مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
TT

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن في فترة ما بعد رمضان وخلال عطلات الصيف، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى. فخلال العام الماضي، استقبلت أحياء «سوهو»، و«فيتزروفيا»، و«مايفير»، و«دالستون» سلسلة من المطاعم التي تعكس تحولاً ملموساً نحو المساحات الأكثر خصوصية والأعلى تركيزاً.

يواصل مطبخ شرق البحر المتوسط توسيع نطاق حضوره، بينما تخطف القوائم المعتمدة على المكونات الموسمية الطازجة الأنظار. كما تعيد المقاهي الهادئة التي تعتني بتفاصيل التصميم الزخم إلى ثقافة الحياة الليلية في العاصمة. وتوفر هذه الافتتاحات الأخيرة، في مجملها، صورة واضحة ومباشرة للوجهات التي تجسد نبض لندن العصري في الوقت الراهن.

فيما يلي نماذج منتقاة لأبرز المطاعم التي أُطلقت في لندن خلال العام الماضي، وهي وجهات افتُتحت مؤخراً وباتت بالفعل محور حديث النخبة في كافة أنحاء المدينة.

أطباق صغيرة في مطعم كامارا (الشرق الاوسط)

إيسز فود كرافت (Aces Food Craft)

مطعم فاخر في قلب فيتزروفيا يعكس مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»

شهد حي «فيتزروفيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، انطلاقة مطعم «إيسز فود كرافت»، وهو أول مشروع مستقل للثنائي «ألكساندرا يازيفيكا» وزوجها «أليكس كراسيوم».

يرتكز هذا المطعم الذي يتميز بأجوائه الحميمية على مفهوم الطهي القائم على جودة المكونات، حيث يقدم تجربة عشاء راقية ومبتكرة تستلهم جوهرها من أفضل المحاصيل البريطانية. وتتجلى في أطباقه خبرة «أليكس» العريضة التي اكتسبها في أرقى المطابخ العالمية، بما في ذلك مطاعم حائزة على نجمة ميشلان في طوكيو. وبعد مسيرته السابقة بوصفه رئيس الطهاة التنفيذي في مطعم «سوشارو» الشهير، يقود «أليكس» اليوم مطبخاً يقدم طهياً دقيقاً يحتفي بالمكونات الأساسية، ضمن أجواء دافئة صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالألفة وكأنه في منزله، بعيداً عن صرامة المطاعم الرسمية التقليدية.

أغرودولتشي (Agrodolce)

بصمة روما الكلاسيكية تحط الرحال في لندن

مطعم أغرودولتشي من الخارج (الشرق الاوسط)

افتتح مطعم «أغرودولتشي» أبوابه في شارع «شارلوت» بحي فيتزروفيا في مارس (آذار) 2025، لينقل تقاليد الطهي الرومانية الأصيلة إلى قلب لندن. يصب المطعم جُل اهتمامه على المعكرونة المحضرة يدويا والأطباق الكلاسيكية العريقة، مثل «كاريبونارا» و«أماتريشيانا» و«توناريلي بالزعفران»، إلى جانب قائمة مختارة بعناية من المقبلات والحلويات. ويعكس تصميم المكان روح نظيره في روما، حيث تزدان المساحات بطاولاته الرخامية، وأواني الخزف الإيطالية العتيقة، مع توفير خيارات لتناول الطعام في قاعات خاصة. ويحافظ «أغرودولتشي» على التزام صارم بالوصفات التقليدية، والمكونات عالية الجودة، وأصول الضيافة الإيطالية البسيطة وغير المتكلفة.

أوتومات (Automat)

جوهرة أميركية خفية في قلب «مايفير»

افتتح مطعم «أوتومات» أبوابه في شارع «ماونت» بحي مايفير في نوفمبر 2025، ليقدم مفهوماً راقياً ومجدداً للمطبخ الأميركي في المنطقة.

وبإشراف من مجموعة «وان لوكشري غروب» وبإدارة «كريس سيدون» بوصفه مديراً للعلامة التجارية، يعيد المطعم صياغة كلاسيكيات المائدة الأميركية من أوائل ومنتصف القرن العشرين برؤية عصرية حديثة. ويتميز الوصول إلى المطعم بخصوصية تامة عبر متجر الجلود الفاخرة «تانر كرول»، حيث تبرز المساحة التي تتسع لـ58 ضيفاً كوجهة حميمية تحاكي نمط «البارات السرية»، ويقدم أطباقاً أميركية كلاسيكية بلمسات مخملية راقية. وتجمع الديكورات الداخلية من تصميم استوديو «توميف» بين سحر الأصالة القديمة والبراعة الحديثة، لتقديم أصول الضيافة الأميركية بروح «مايفير» المتميزة.

براذر ماركوس (Brother Marcus)

مطعم شرق المتوسط المفضل يتوسع في «سوهو»

مأكولات براذر ماركوس (الشرق الاوسط)

في سبتمبر (أيلول) 2025، حطَّ مطعم «براذر ماركوس» رحاله في شارع «بولاند» بحي سوهو، ناقلاً نكهات شرق البحر المتوسط إلى قلب وسط لندن. يشتهر المطعم - الذي أسسه «تاسوس غايتانوس» و«أليكس لارج» - بأطباقه السخية الشهية المفعمة بالنكهات المستوحاة من تقاليد الطهي العريقة في شرق المتوسط، والتي تُقدم في أجواء مريحة تُعنى بأدق تفاصيل التصميم. يمتد فرع «سوهو» على طابقين، ويقدم خدماته على مدار اليوم؛ بدءاً من أطباق الفطور المتأخر الراقية وصولاً إلى أطباق «المزة» المخصصة للمشاركة. وتعكس قائمة الطعام عقداً من التطوير، مرتكِزة على لمسات مستوحاة من جزيرة كريت وأسلوب الطهي التشاركي الودود.

كراست بروس (Crust Bros)

بيتزا نابولي الحائزة على الجوائز تتألق في «كوفنت غاردن»

بيتزا "كراست بروس" الحائزة على عدة جوائز (الشرق الاوسط)

تُعد «كراست بروس» علامة لندنية مرموقة حائزة على «جائزة البيتزا الوطنية» لمرتين متتاليتين؛ وتشتهر بعجينتها ذات الحواف المحمرة والمميزة بنقشة «جلد النمر»، وبيتزا نابولي المُخصصة حسب طلبات الضيوف، حيث تمزج بين التقنيات التقليدية واللمسات العصرية المبتكرة.

وفي يوليو (تموز) 2025، افتتحت العلامة أكبر فروعها حتى الآن في حي «كوفنت غاردن» وهي مساحة تمتد على طابقين، وتتسع لـ135 ضيفاً في شارع «بيدفورد» في قلب منطقة «ويست إند»، حيث تُحضر العجينة طازجة يومياً وتُترك لتتخمر ببطء لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل خبزها في درجات حرارة عالية للحصول على قوامها الهش الفريد. ويمكن للضيوف ابتكار البيتزا الخاصة بهم أو الاختيار من قائمة الأطباق المفضلة، إلى جانب أطباق جديدة حصرية، فضلاً عن الآيس كريم «الجيلاتو» بالتعاون مع «لا جيلاتيريا».

باراسول (Parasol)

إيقاعات «الديسكو» تعيد صياغة السهرات في شرق لندن

انطلق «باراسول» في منطقة «دالستون» في مايو (أيار) 2025، بوصفه أول مشروع مشترك بين «آندي كير» و«توم غيبسون»، الثنائي الذي يقف وراء عدد من أبرز الوجهات اللندنية المرموقة، مثل «ذا صن تافرن»، و«ديسكونت سوت كومباني»، و«ذا أمبريلا ووركشوب».

ويتخذ «باراسول» موقعاً مميزاً في طابق تحت الأرض جرى تحويله بالكامل في شارع «ستوك نيوينغتون»، حيث تبرز الديكورات ذات الطابع الترابي مع لمسات مغربية ومكسيكية ناعمة. ويضفي منسقو الأغاني طابعاً خاصاً على الأمسيات التي تمتد حتى الثانية صباحاً، بمختارات موسيقية مستوحاة من حقبة «ديسكو نيويورك» في أوائل الثمانينات، مما يجعلها وجهة مثالية لمن يبحث عن تجربة ليلية مفعمة بالحيوية والزخم.


من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
TT

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص، وتشكيلات المزّة العامة. غير أن هذا المطبخ بدأ اليوم يبرز بوصفه تأثيراً طهوياً مستقلاً، يحظى بقبول متزايد بين روّاد الطعام في الهند.

في مدنٍ هندية متعددة، بات الطعام السعودي يجد موطئ قدمه تدريجياً، لا عبر تسويقٍ صاخب أو بهرجة قائمة على كونه موضة جديدة أو تجربة غريبة مؤقتة، بل من خلال إحساس عميق بالألفة لا يزال المتذوّق الهندي في طور اكتشافه.

ولم يعد هذا المطبخ حكراً على مطابخ الجاليات أو الفعاليات المؤقتة في الفنادق، بل أخذ يتجذّر بثبات في مطاعم الأحياء، وإقامات الطهاة المنسّقة، وأنماط الطعام الحضرية.

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

ويكمن جوهر هذا التحوّل في تنامي التقدير للطهي القائم على المكوّنات، وتقنيات الطهي البطيء، وثقافة الأكل الجماعي، وهي قيم راسخة منذ زمن طويل في كل من المطبخين السعودي والهندي.

وقد أسهمت عروض طهوية حديثة، في مقدمتها فعالية «المائدة السعودية» التي أشرف عليها الشيف كونال كابور، أحد أبرز رواة القصص الطهوية في الهند، في إبراز هذه القرابة الثقافية بوضوح أكبر، مقدمةً المطبخ السعودي لا باعتباره غريباً، بل قريباً ومألوفاً على نحو هادئ.

يعيد كابور تقديم أطباق مثل الكبسة والمنسف وأرز الزعفران بالمأكولات البحرية، بأسلوب يتّسم بالأناقة والتوازن اللذين اشتهر بهما. وحتى الحلويات، مثل بانا كوتا الورد والفستق، وإبداعات التمر واللوز، والبقلاوة الغنية، تحمل بصمته المميّزة: تحافظ على جوهرها التقليدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه تقدَّم بأسلوب مهني راقٍ وتقنيات عالية دون تشويه أصلها.

السليق على الطريقة السعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف كابور، الذي لعب دوراً محورياً في تعريف الجمهور الهندي بعمق المطبخ السعودي عبر تجارب طعام منسّقة: «الطعام السعودي لا يحاول أن يبهرك، بل يطعمك. إنه صادق، قائم على المكوّنات، ومبني على المشاركة. وهذه قيم يفهمها المطبخ الهندي جيداً».

مطبخ يبدو مألوفاً

حين وصف الشيف كابور المطبخ السعودي بأنه الأقرب إلى مطبخ ولاية بيهار شرق الهند، أثار ذلك دهشة الكثيرين، إلا أن المقارنة لم تكن مجازية؛ فكلا المدرستين الطهويتين تعتمدان بدرجة كبيرة على الحبوب والبقوليات والأرز والخضراوات واللحوم المطهوة ببطء، مع نكهات تُبنى عبر العطر لا الحدّة.

الجريش السعودي (شاترستوك)

وقال كابور خلال إطلاق «المائدة السعودية» في مطعم «ون 8 كوميون» بمدينة غورغاون: «لو طُلب مني أن أربط النكهات السعودية بأي منطقة هندية، لاخترت بيهار. التقنيات، والإحساس بالراحة، وحتى طريقة مشاركة الطعام، كلها أمور تبدو مألوفة. الفارق الأكبر هو الزيت؛ نحن نستخدم زيت الخردل، وهم يستخدمون زيت الزيتون. تغيّر الزيت يغيّر الإحساس بالنكهة، لكن بنية الطبق تبقى متشابهة بوضوح».

كما يسلّط كابور الضوء على مكوّنات سعودية مثل الباذنجان والزعفران والتمر والأعشاب، مشيراً إلى مدى انسجامها مع الذاكرة الطهوية الهندية. ويقول: «الطهي السعودي لا يُخفي المنتجات المحلية تحت طبقات متعددة من التوابل، بل يبرز نكهاتها الطبيعية من خلال تقنيات بسيطة مثل الشواء، والطهي البطيء، أو التحميص».

ويحرص كابور على كسر الفكرة الشائعة التي تختزل المطبخ السعودي في كونه مطبخاً واحداً متجانساً أو مجرد «مطبخ صحراوي». ويوضح: «السعودية تضم جبالاً وسواحل والبحر الأحمر وشِعاباً مرجانية، فضلاً عن المأكولات البحرية ولحم الضأن والحبوب، وطيف واسع من الأطباق النباتية». وهو مطبخ تشكّل بفعل الجغرافيا والتجارة، أكثر من اعتماده على كثافة التوابل. وتشكل مكوّنات مثل التمر والقمح والأرز والزعفران والهيل والليمون المجفف والأعشاب أساس الوجبات اليومية، وتُحضَّر باستخدام الشواء والطهي البطيء والتحميص، وهي أساليب مألوفة بعمق في المطابخ الهندية.

وفي إحدى أمسيات أيام الأسبوع في حي أوكلا بدلهي، لم يعد من غير المألوف رؤية روّاد يتشاركون أطباقاً كبيرة من المندي، الأرز طويل الحبة المعطّر بالهيل والقرنفل، الذي تعلوه قطع من الدجاج أو لحم الضأن المطهو ببطء. وما كانت يوماً وجبة للحنين تُطبخ بهدوء في بيوت المهاجرين، بدأت اليوم تتسلّل إلى أروقة المدن الهندية وتثبت حضورها في مشهدها الغذائي.

وغالباً ما يصف الطهاة الهنود العاملون بالمطبخ السعودي دورهم ليس كمبتكرين، بل كمترجمين؛ إذ يكمن التحدّي في الحفاظ على رصانة الطبق داخل ثقافة طعام تشتهر بالوفرة.

كبسة سعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف أنس خان، الذي يدير مطبخاً عربياً: «الطهي الهندي قائم على تعدد التوابل، بينما الطهي السعودي قائم على معرفة متى تتوقف. إذا بالغت، تفقد روح الطبق. هذا مطبخ الانضباط». ويؤكد الشيف كابور المعنى نفسه قائلاً: «لا يمكنك فرض الطابع الهندي على الطعام السعودي. إن فعلت ذلك، يفقد الطبق نزاهته. الفكرة ليست في المزج، بل في الفهم».

جذور في التجارة والهجرة

هذا التقارب ليس وليد الصدفة. فقد ربطت الهند وشبه الجزيرة العربية عبر قرون طويلة طرق تجارة بحرية، تبادلتا خلالها التوابل والأرز والمعرفة الطهوية.

وفي العقود الأخيرة، عمّق الشتات الهندي في السعودية، وهو من أكبر الجاليات الوافدة في المملكة، هذا التبادل. فقد سمحت المطابخ المنزلية والطهاة والموائد المشتركة بانتقال النكهات والتقنيات عبر الأجيال. والنتيجة ليست اندماجاً بمعناه الحديث، بل تداخلاً: مطبخان نشآ كل على حدة، لكنهما ظلا في حوار دائم.

ومع عقود من الهجرة إلى السعودية، دخلت كثير من الأطباق البيوت الهندية قبل أن تصل إلى المطاعم. ويقول الشيف روحان، الذي نشأ في عائلة ذات صلات وثيقة بالسعودية: «بالنسبة لنا، هذا الطعام يجسّد مشاعر الحنين؛ إذ يذكّر الناس بآباء عملوا في الخارج، وبموائد العيد، وبالأطباق المشتركة. المطاعم لا تفعل اليوم سوى اللحاق بما عرفته البيوت منذ زمن».

لماذا أصبح الذوق الهندي أكثر تقبلاً الآن؟

يكتسب توقيت بروز المطبخ السعودي في الهند أهمية خاصة. ويقول الشيف الشهير رانفير برار: «روّاد المطاعم في الهند اليوم باتوا أكثر سفراً وفضولاً، وأقل اهتماماً بالطعام الغريب أحادي البعد. فهناك شهية متزايدة للأصالة، سواء داخل الهند أو خارجها. والطعام السعودي، بتركيزه على الراحة والألفة، ينسجم طبيعياً مع هذا التحوّل».

ويرى برار أن أقوى صلة بين الثقافتين تكمن في طريقة تناول الطعام نفسه، ففي السعودية تُقدَّم الوجبات في أوعية كبيرة تُشارك بين أفراد العائلة والضيوف الجالسين معاً، وهو ما يعكس التقاليد الهندية التي ترى في الطعام تعبيراً عن الضيافة لا مجرّد عرض.

ويؤمن الشيف كابور بأن هذا القبول ينبع من الألفة لا من عنصر التجديد، فيقول: «الطعام السعودي لا يصدم الذوق الهندي، بل يطمئنه. التقنيات بسيطة، والنكهات صادقة، والطعام مُعدّ للمشاركة. وهذا أمر يفهمه الهنود بالفطرة».

فالسليق، عصيدة الأرز الكريمية الغنية بالمرق والحليب، تجد ما يقابلها في الأطعمة التي يأكلها الهنود للشعور بالراحة. والجريش المصنوع من القمح المجروش يذكّر بأطباق الحبوب الشائعة في شمال وشرق الهند. وحتى شوربات العدس المنتشرة في البيوت السعودية تبدو مألوفة على الفور للذوق الهندي في الطعام.

مدن هندية يترسّخ فيها الطعام السعودي

لم يكن نمو المطبخ السعودي في الهند متكافئاً، لكنه حمل دلالات مهمة.

فإلى جانب منطقة دلهي الكبرى، برزت بنغالورو بوصفها مركزاً مهماً، مدفوعة بجمهورها من الطلاب والعاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الخبرة الخليجية. وتحتضن أحياء مثل فريزر تاون وكاماناهالي مطاعم تتمحور حول المندي، حيث تُقدَّم الأطباق الكبيرة للأكل باليد، تماماً كما في البيوت السعودية.

وبالمثل، أظهرت مدينة حيدر آباد، ذات الإرث العريق المرتبط بالأرز، تقبّلاً خاصاً لهذا المطبخ. ويشير طهاة محليون إلى أن المندي يبدو مألوفاً للمدينة التي نشأ سكانها على أكل البرياني. ويقول أحد الطهاة في حيدر آباد: «الناس يفهمون منطق الطبق فوراً. الأرز يحمل نكهة اللحم؛ ولذا فهو ليس غريباً على الإطلاق».

أما كيرالا التي توصف بأنها «بلاد الله»، فإنها تتصدر القائمة.