علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

حزنها على فقد والدتها تحول إلى طاقة إيجابية دفعتها للتحدى في عالم الطبخ

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
TT

علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها

تقول الحكاية إن الطهي يُذهِب الهم، وإنه «خِلٌ وفي» يمد يد العون لغريبٍ في الديار وضع الحزن في الجُرن، إلى أن يعود مليئاً بالحياة من بعد ذبول.
وتقول الحكاية أيضاً إن «المُنقذ» قد يأتي على شكل ملكة تتدخل في اللحظة المناسبة لتحتوي هشاشة إنسان من بعد غربة، فيزهر ويبني في نفسه ويُعبّد طريقاً للنجاح؛ حينها فقط سنفهم ما تقصده لعبة الحياة من طلعاتِها ونزلاتِها، وسندرك كيف تعقد امرأة رباط مئزرها بتثاقل بعد أن أمضت عاماً في الحداد، لتبدأ بالبسملة استعداداً لعمل «كيكة البطاطا الحلوة»، فيما ينبعث لحنٌ خافت من صوتها المُتعب «معسّلة يا بطاطا»، وهي مقولة شهيرة لباعة البطاطا في مصر؛ ثم تنشغل بمخبوزات القرع المحشوة بالجبن... ما هي إلا دقائق وبعدها فاحت من الفرن رائحة زكية؛ لم تتوقع صاحبة المئزر أن يتسللّ هرمون السعادة إليها؛ لقد رُدّت الروح إليها.
- ذكريات...
علا حسني، شابة إسكندرانية انتقلت مع أسرتها الصغيرة إلى مدينة دبي منذ خمس سنوات، وصارت صفحتها الشخصية على «إنستغرام» تحتفي ببديع الأطباق؛ حديث عابر مع «الشرق الأوسط» كان كفيلاً بمرور لقطات من شريط حياتها أعادتها إلى سنواتٍ خلت.
في طريق العودة من المدرسة إلى البيت، كانت تتساءل بحماس عن الطعام الذي ينتظرها وإخوتها اليوم. وحين وصلت إلى باب البناية، تبسمّت لأنها ميزّت رائحة طعام أمها، رغم أن أسرتها تسكن في الطابق الرابع. وحتى لو في الطابق العشرين، كانت ستعرفه من بين كل روائح الشقق، حتى أنها كانت تُخمن نوع الطبخة على وجه التحديد، إذا ما كانت ملوخية مع «ريحة الطشّة المفَحفحة»، بحسب تعبيرها، أم «تسبيكة» - معكرونة مع صلصة، أم أكلة جمبري وكابوريا من بحر إسكندرية.
إنه واحد من المشاهد الذي يتضح منه مقدار تأثر البنت بأمها التي وصفتها بالطباخة الماهرة في تحضير الأطباق المصرية التقليدية، بالإضافة إلى الجديدة منها والمبتكرة: «كانت أمي لا تملّ من تدوين الوصفات في دفترها الخاص».. قالتها بحنين مُطعّم بالشوق.
لطالما استمتعت علا بمساعدة والدتها في تحضير الحلوى؛ وتبوح لنا أن فرحتها كانت تبلغ أوجّها بفوزها بجائزة تشبه براءتها: «هل هناك أحلى من لَعق ما تبقى من كِريمة على المضرب اليدوي بعد خفقها!».. وكأن تلك الذكرى منحت مَرحها مناعة قوية.
تتذكر أولى مغامراتها: «فتحت دفتر حلويات أمي، واخترت وصفة السويسرول، وانطلقتُ خلسة في منتصف الليل إلى تحضيرها؛ لم أنجح حينها ولكن ست الحبايب عندما طلع الصباح بثّت الثقة في قلبي، كما لو كنت أفضل صانعة حلوى في العالم».
افترقت علا عن عائلتها، وانتقلت مع زوجها إلى دولة الإمارات، وبعد ثلاثة أسابيع فقط تلّقت خبر وفاة والدتها؛ كانت فاجعة ما أقساها، أدخلتها في حالة حزن واكتئاب استمرت لعام كامل. وبصعوبة أخذت تستعيد توازنها، بمساعدة زوجها، إلى أن اقتنعت بأن روح أمها ستكون مرتاحة إن كانت ابنتها سعيدة ناجحة في حياتها.
تقول: «تحول كل الحزن الذي بداخلي إلى طاقة إيجابية، ومضيت نحو شغف لا ينتهي من البحث عن فن تصوير الطعام بالدرجة الأولى، والتعرف على مستجدات عالم الطهي. ومن هنا، أخذت أربط بين حبي للمطبخ وشغفي بالرسم والألوان، ودراسة تقنيات هذا النوع من التصوير».
وفي بعض الليالي، بينما تستعد للنوم، يطير النعاس من عينيها، ما إن تعثر على وصفة جديدة. فتركض إلى المطبخ ركضاً. ويجدر بنا هنا قول كلمة «أيووه»، كلمة إسكندرانية تعبرّ عن الدهشة، فهذا الذي تسميه عشقاً وتعباً لذيذاً يسرى في عروقها، إلى درجة أنه إذ ما أعجبها شكل أو لون طبق تبدأ بالتفكير في الطبخة أو الحلوى التي تليق به، متخيلة اللوحة بكل أبعادها، عبر تدوين الملاحظات في دفترها، مع رسمها.
وتؤكد أن تحضير المائدة لزوجها وطفليها يقتضي منها إنجاز أعمال فنية رفيعة المستوى، وفق نظام تلتزم فيه بوصفات مصرية ليومين أسبوعياً، مثل الرز المُعمّر على الطريقة المصرية مع الملوخية أو الحمام المحشي: «أريد أن تظل هذه الروائح عالقة في ذاكرة أطفالي، تماماً كما بقيت رائحة خبز أمي لصيقة بي».
وتتشبث بمبدأ إظهار هوية الأطباق القديمة وأصالتها، مع إضافة لمسة عصرية، وذلك في إطار فخرها بالمطبخ التقليدي الذي ذكرت في سياق الحديث واحدة من طرائفه: «شهقة الملوخية تمسكت بها نساء مصر في الماضي. فعلى سبيل الدعاية، تناقلت الروايات أن سر لذة الملوخية في الشهق (إصدار صوت الشهيق المرتفع) عند إضافة (الطّشة) - الثوم المقلي - فوقها».
- مَعمل مثالي
كانت الإمارات بالنسبة لها «معملاً مثالياً» للتجريب، فقد حالفها الحظ بأن تقيم في دولة تعد قِبلة للمشاهد الطهوية العالمية، مما سهّل انفتاحها على هذا العالم، بالتعرف على ثقافات متنوعة ومكونات جديدة لم يسبق لها تجربتها، ممتنة لزوجها الذي كان لها خير سند في الارتقاء بطموحاتها.
سيدة العناد الجميل هي... لا تيأس أبداً من إتقان وصفة مهما كانت، ولا تدخر وسعاً في تطوير أدائها، عبر المشاركة في الفعاليات والمسابقات والدورات المتخصصة بالطهي، وتميل بشكلٍ خاص إلى الحلويات، ويحلو لها استخدام الفواكه فيها. أما تصوير الطعام، فقد قطعت شوطاً به بالتعلم اليومي لطرق التصوير الاحترافي، إذ لا تكف عن القراءة والتدريب، على أمل أن تحقق شيئاً يذكر.
عندما تزور مصر، يقوم والدها بواجب الضيافة بنفسه، فيصر على الطهي، مستعيناً بدفاتر طبخ زوجته المكتوبة بخطها، التي تصفها ابنتهما بالكنوز، وتأمل في أن تشكّل منها لائحة طعام حين يتحقق حلمها يوماً بافتتاح مطعم خاص.
سألت علا عن الأكلة التي لا تفرّط بتناولها بمجرد وصولها؛ لا يستدعي السؤال تفكيراً من وجهة نظرها: «أذهب من فوري إلى عربات سندوتشات الكبدة المحضرة على الطريقة الإسكندرانية مع الليمون والفلفل الأخضر الحار، ولا تفوتني عربات الفول؛ ريحته وطعمه غير أي فول في الدنيا».
سَلامها الداخلي تعيشه في مطبخها؛ ويالسعادتها حين تكون «كعكة الجزر» ضمن الأوركسترا؛ ولا تحرم صغيريها من نعمة مشاركتها لهذه الأوقات الرائعة، عندما تسمح لهما باللهو بالعجين، ليحضّرا معها المعكرونة المنزلية، فتفتح شهيتهما لتلوينها؛ تقول عن ذلك: «أحاول إدخال مكونات لا تروق لهما، مثل السبانخ والبنجر، وهنا يحدث السحر عندما يتناولان ما حضرّاه بيدهما، من دون اعتراض على المكونات غير المرغوبة».
- خيراتٌ وبدائل
تقيم هنادي برهوم في الفلبين منذ ثلاث سنوات، حيث الطبيعة الساحرة النقية، لكن ذلك لم يُطفئ الحنين إلى بلدتها عين رأفة؛ تبعد 15 كم عن مدينة القدس.
جولة بين الصور التي تنشرها هنادي على صفحتها الشخصية على موقع «إنستغرام» تكفي لإخبارك بمستوى الحس الفني الراقي الذي تتمتع به في تحضير الطعام، وتصويره بأناقة لافتة، بعد أن وجدت فيه تسلية تُخفف عنها غربتها.
تُرجع الزمن إلى الخلف، ثم تبدأ حديثها: «حديقة عائلتي في القدس منبع لا ينضب لذكرياتي مع الطعام، فقد منّ الله علينا ببستان عامر بمختلف أنواع الأشجار، منها العنب والتفاح والكرز، بالإضافة إلى الخضراوات الموسمية؛ أتحدّث الآن معكِ فيما يمر بخاطري ورق العنب والبندورة الحلوة؛ إنني أشتهيهما بشكلٍ غريب».
وتتذكر كعك القدس بقولها: «طعمه ليس لذيذاً وحسب، إنه يسكب الذكريات سكباً».. خرجت منها الكلمات بعفوية ومحبة في أثناء استرجاع شريط الطفولة، حين كانت تشتريه مع صويحباتها قبل بدء اليوم الدراسي، وبعد انتهائه، ليُسكت الكعك جوعهم بشكلٍ جميل.
تحكي هنادي لـ«الشرق الأوسط» كيف غيرّ الطهي حياتها: «لقد ملأت الموهبة فراغاً كبيراً، لا سيما أني عشت وحيدة لفترة طويلة، من دون أصدقاء أو عائلة، ولولاها ما أدركت أن الطعام وسيلة جيدة للتعرف على أشخاص من خلفيات ثقافية عدة في العالم الافتراضي، وقد أصبح بعض منهم أصدقاء في الواقع؛ لقد آمنت أن الطعام يقرّب بين الناس».
«الشابة المقدسية» التي تعيش تجربة جديدة في أقاصي المعمورة تخبرني أن مَهمة التسوق تقع على عاتقها، فانتقاء أطيب المكونات يتطلب مهارة في فحصها ولمسها وشمها. وفي ثنايا حديثها، تبين لي أن أنواع الخبز في الفلبين ضئيلة وحلوة المذاق، وهذا بطبيعة الحال لا يناسب ربة بيت عربية، مما اضطرها إلى تدبر الأمر بالخَبز في المنزل، لتخرج من أعماقها مَلكة اسمها الإبداع في المخبوزات، كما باتت تُحضرّ اللبن الطازج بنفسها، نظراً لعدم توفر منتجات الحليب بجودة عالية. وتحت ضغط الخيارات التي تلزم بعض الوصفات الشعبية، اكتسبت خبرة في إيجاد البدائل؛ «المجدرة» على سبيل المثال تطهوها ببقوليات اسمها مونجو، بدلاً من العدس. وفي المقابل، تتمسك بالخيارات الصحية، فتستخدم زيت جوز الهند وسُكرّه أيضاً.
ومع أن طبيعة الفلبين الفاتنة تجذب السياح، فإن هذا البلد مع الأسف لا يستغلّ خيراته بشكل صحي، وفق ما تؤكده السيدة الفلسطينية بتطرقّها إلى نقطة جوهرية في أسلوب طهي الفلبينيين، يبدو في إطارها أن مقارنة غير مقصودة ترجح لصالح بني جَلدتها، قائلة: «في ظل العولمة، ألاحظ تسارعاً محموماً نحو مطاعم الوجبات السريعة التي تنتشر هنا، مما يرفع من معدلات السمنة والوزن الزائد عند السكان المحليين، ولا عجب في ذلك ما دام أن القلي يستهويهم، ناهيك عن إضافة كميات غير معقولة من السكر إلى جميع وصفاتهم».
ومن اللطيف أن مائدتها الشرق أوسطية تستضيف المدعوين إلى منزلها بكل ترحاب بُغية تعريفهم على الطعام الفلسطيني. ففي مأدبة العشاء التي أقامتها مؤخراً، التهم ضيوفها المقلوبة، وصارت أثراً بعد عين. ومن هذه الجلسات، سجلّت ملاحظة استرعت انتباهها: «استخدام البهارات شيء جديد بالنسبة للمحليين، إذ يندر أن يضيفونها إلى أكلاتهم، في حين أن المُنكهات والملونات الصناعية حاضرة على الدوام».
«ماذا تفعلين عندما تزورين القدس؟»... ترد على سؤالي: «أسارع عند وصولي إلى تناول الحمص، ومن ثم الكنافة، علّني أروي جزءاً بسيطاً من عطشي إلى وطني. وقبل العودة إلى الفلبين، أشتري (مُونتي)، بما تتضمنه من بهارات وزعتر ومواد غذائية يصعب إيجادها هناك».
وتطوّر هنادي من أدائها بالالتحاق بدورات قصيرة تختص بتعليم الطهي، ويبدو أن أسفارها حول العالم أغنت ذائقتها الطهوية، لا سيما أنها لا تتوقف عن التعرف على عادات وطرق الطهي في كل مكان جديد تزوره، لتغنم منه بأنواع توابل مختلفة، ومما سرّها حين تجولت في دول شرق آسيا اهتمام شعوبها بـ«المونة»، كحال الفلسطينيين، بتجفيف وتخليل أطعمة كثيرة لديهم، مثل السمك والمأكولات البحرية وأنواع مختلفة من الخضراوات، وفقاً لكلامها.
ألذ أنواع الكعكات تُحضرّها من فاكهة المانجا التي تفيض بها الفلبين، لتسعد صغيرتها التي صارت تشبه أمها في حبها للمطبخ، مع العلم أن أهل هذه البلاد يتناولون المانجا الخضراء، أي قبل نضوجها، مع رش قليل من الملح، مما يذكرّها بموسم اللوز الأخضر والجانرك (البرقوق الأخضر) بفلسطين.
وليس غريباً أن صديقات هنادي في القدس ينتظرن قدومها على أحر من الجمر، ويتفقن معها سلفاً لتطهي لهن ما لذ وطاب، فيأتي ردها: «مَرحى لنا... يبدو أننا سنقضي الوقت كله في المطبخ».


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.