السوريون في تركيا يواجهون مضايقات بعد سنوات من الترحيب

اصبحوا موضوعاً للجدل بين الحكومة والمعارضة

لاجئون يعملون في مطعم سوري في اسطنبول شهد أحدث أعمال عنف ضد السوريين (أ.ف.ب)
لاجئون يعملون في مطعم سوري في اسطنبول شهد أحدث أعمال عنف ضد السوريين (أ.ف.ب)
TT

السوريون في تركيا يواجهون مضايقات بعد سنوات من الترحيب

لاجئون يعملون في مطعم سوري في اسطنبول شهد أحدث أعمال عنف ضد السوريين (أ.ف.ب)
لاجئون يعملون في مطعم سوري في اسطنبول شهد أحدث أعمال عنف ضد السوريين (أ.ف.ب)

تحوّل ملفّ اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن إلى قضية عامة، وموضوع جدل في الأوساط السياسية والشعبية بعدما كانوا مكان ترحيب في الدول المجاورة في المراحل الأولى للأزمة السورية قبل نحو ثماني سنوات.
وأظهر تحقيق لـ«الشرق الأوسط» من أنقرة وبيروت وعمان انتقال ملف اللاجئين السوريين إلى مرحلة جديدة في الأيام الأخيرة، علما بأن أرقام الأمم المتحدة تشير إلى وجود نحو خمسة ملايين سوري في الدول المجاورة، إضافة إلى سبعة ملايين نازح داخل البلاد.
في لبنان، بات «النازحون السوريون» قضية مركزية في ضوء ما يتعرّض له هؤلاء من حملات سياسية وإعلامية تطالب بترحيلهم وإعادتهم إلى بلادهم رغم المخاطر المحيطة بهذه العودة، وسط تحذيرات من مؤسسات حقوقية وإنسانية لبنانية دولية، «من عمليات اضطهاد وتمييز عنصري وطائفي ضدّ النازحين»، في وقت بدأت وزارة العمل حملات تفتيش على المؤسسات اللبنانية التي تستخدم عمالاً سوريين وأجانب، وتنذر أصحابها بتنظيم أوضاعهم القانونية.
ومع تراجع الخطة الروسية - اللبنانية لإعادة النازحين إلى حدّ الاحتضار، يواجه السوريون في لبنان حملة متعددة الأوجه، يمثّل «التيار الوطني الحرّ» ورئيسه وزير الخارجية جبران باسيل رأس حربتها.
وفي الأردن، ترافق العيش داخل مخيمات اللجوء السورية الأربعة صعوبات معيشية أقل وفقا لحقوقيين؛ حيث يمكن للمقيم داخل المخيم العمل أحيانا دون تصريح عمل، كما تتلاشى معوقات السكن والاستئجار وكذلك بالنسبة لمعاملات الأحوال الشخصية خاصة بعد استحداث محكمة شرعية داخل مخيم الزعتري، وفقا للمديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية، المحامية هديل عبد العزيز.
أما في تركيا، فتزداد أوضاع السوريين سوءا بعد أكثر من 8 سنوات على اندلاع الحرب في بلادهم. وبعدما كانوا في البداية محل ترحيب من حكومة «حزب العدالة والتنمية» التي دأب مسؤولوها، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب إردوغان، على وصفهم بـ«المهاجرين» ووصف الأتراك بـ«الأنصار»، بدأ الحديث عن إجراءات مشددة ضدهم إلى جانب التضييق عليهم رغم تمتعهم بالحماية المؤقتة.

مع مرور الوقت تزداد أوضاع السوريين في تركيا سوءا بعد أكثر من 8 سنوات على اندلاع الحرب في بلادهم. وبعدما كانوا في البداية محل ترحيب من حكومة «حزب العدالة والتنمية» التي دأب مسؤولوها، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب إردوغان، على وصفهم بـ«المهاجرين» ووصف الأتراك بـ«الأنصار»، بدأ الحديث عن إجراءات مشددة ضدهم إلى جانب التضييق عليهم رغم تمتعهم بالحماية المؤقتة.
وكان لافتا ما جاء في تصريحات لإردوغان الأسبوع الماضي من أن حكومته ستتخذ خطوات جديدة تجاه السوريين في تركيا، تتضمن ثلاثة ملفات هي التشجيع على العودة وترحيل مرتكبي الجرائم واقتطاع الضرائب في المستشفيات. وجاءت تصريحات إردوغان خلال اجتماع للجنة المركزية لـ«حزب العدالة والتنمية»، الذي عقد لتقييم نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة والخسائر التي مني بها الحزب في هذه الانتخابات وفقده معاقله في المدن الكبرى وفي مقدمتها إسطنبول.
ونقل بعض نواب الحزب خلال الاجتماع تنامي ردود الفعل السلبية من الشارع التركية، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية أو السياسية، تجاه السوريين، ودعوا إلى تطبيق سياسة جديدة تجاههم.

- إجراءات جديدة
وردا على مطالبات النواب، قال إردوغان: «كان علينا أن نفتح أبوابنا للسوريين، لم يكن بإمكاننا أن نتجاهل ما كان يحدث وفتحنا لهم أبوابنا، تخيلوا لو حدث لنا مثلهم، من الذي سيساعدنا.. لكن على كل حال الآن سيكون لدينا خطوات جديدة في هذا الصدد. سنتخذ الخطوات اللازمة لتشجيعهم على العودة، سنرحل من ارتكب منهم جرائم وسنأخذ الضرائب على العلاج الطبي الذي يتلقونه».
في الوقت ذاته، أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو توقف تسجيل السوريين في مدينة إسطنبول، التي بلغ عددهم فيها 546 ألفاً و296 سورياً في الوقت الراهن، ضمن قانون الحماية المؤقتة، «إلا في الحالات الاستثنائية». وذلك خلال مشاركته في اجتماع لتقييم الهجرة في إسطنبول، عقدته المديرية العام لإدارة الهجرة في وزارة الداخلية التركية.
وقال صويلو إن عدد الأجانب في تركيا حالياً يقدر بنحو 4.9 مليون شخص، وإن عدد السوريين المصنفين ضمن الحماية المؤقتة من بين هؤلاء هو 3.6 مليون. وأضاف أن عدد السوريين المسجلين في إسطنبول بلغ حالياً 546 ألفا و296 شخصا، و«بالتأكيد هذه الأعداد كبيرة، ولكن الدولة التركية لديها القدرة اللازمة لإدارتها، وهي تبذل جهوداً حثيثة في هذا الصدد. المشكلة الأساسية هنا هي منع الهجرة غير النظامية».
ولفت صويلو إلى أن وزارته اتخذت إجراءات للتحكم بوضع السوريين في إسطنبول بهدف الحيلولة دون استغلاله.. «لم نعد نقبل تسجيل السوريين في إسطنبول إلا للحالات الاستثنائية. إسطنبول مغلقة أمام تسجيل السوريين».
وقبل أيام من هذه التصريحات، قال نائب وزير الداخلية التركي إسماعيل تشاتاكلي إن السوريين الذين يتورطون في جرائم بمواضيع مهمة يفقدون صفة «الحماية المؤقتة»، وتتم إعادتهم إلى بلادهم. وأشار إلى عودة نحو 335 ألف سوري، إلى مناطق عمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، بعد تطهيرها من الإرهاب من قبل تركيا بالتعاون مع الجيش السوري الحر.
وأضاف: «لا يمكننا إرغام أحد على العودة، كما أن الدول الأوروبية أو الدول المجاورة التي لجأ إليها السوريون لا يرغمونهم على العودة، لكن السوريين الذين يرتكبون جرائم خطيرة عرضة للترحيل. لا يتمتع أحد بحرية ارتكاب جرائم في بلادنا، الأمر الذي ينطبق على السوريين ومواطنينا أيضا».

- اتهامات للمعارضة
وفي ظل تصاعد الجدل حول بقاء السوريين في سوريا وظهور دعوات لترحيلهم استنادا إلى مقولة أن الأتراك يحاربون في سوريا ويقتلون بينما السوريون يمرحون و«يدخنون النرجيلة على شواطئ تركيا»، يحاول مسؤولو الحكومة و«حزب العدالة والتنمية» تحميل المعارضة المسؤولية عن هذه النغمة، لكن الإجراءات الأخيرة وتصريحات بن على يلدريم مرشح الحزب الحاكم الخاسر في إسطنبول أشارت إلى أن هناك توجها جديدا تجاه السوريين أكده لاحقا الرئيس رجب طيب إردوغان ووزرائه. وفي هذا الصدد، اتهم صويلو جهات داخلية في بلاده (في إشارة إلى المعارضة) بالتحريض على المهاجرين الأجانب، ومحاولة تحقيق مكاسب سياسية، ومحاولة ركوب موجة معاداتهم التي تشهد صعوداً في أوروبا. وقال إن إردوغان لم يبتعد أبداً عن مبدأ «الأنصار والمهاجرين» في تعامله مع اللاجئين السوريين وغيرهم من الجنسيات الأخرى، وإن الحكومة أعدت خطة لتنظيم ملف الهجرة غير القانونية، وغير النظامية، في إطار الحماية المؤقتة.
وأضاف: «تنظيم ملف الهجرة يعني تطبيق القوانين كاملة على السوريين كتجار وكمحلات وكأفراد من جهة ضرورة حصولهم على التراخيص المناسبة، وحملهم للأوراق الثبوتية وتصاريح العمل بالنسبة للعاملين، وعدم مخالفتهم نظام الإقامة أو الحماية المؤقتة أو العمل».
وأكد مجددا وجود نية لدى السلطات لترحيل كل من لا يملك وثائق إقامة من إسطنبول إلى بلده، والمسجلين كلاجئين إلى الولايات الموثقة أوراقهم فيها.
وأوضح أن السلطات ستشدد العقوبات والترحيل، وتطبيق القوانين ضد مرتكبي الجرائم، خاصة المتعلقة بالتهريب والتزوير. وذكر أن تركيا تستضيف نحو 5 ملايين أجنبي مقيم، بينهم نحو مليون شخص في إسطنبول فقط، إضافة إلى وجود 3 ملايين و630 ألف سوري تحت بند الحماية المؤقتة، و300 ألف شخص تحت بند الحماية الدولية.
ولفت إلى أنه لن يكون هناك تغيير في سياسات الإقامة طويلة الأمد، مثل إقامة الطالب، لكن سيكون هناك تغيير في سياسات منح الإقامة قصيرة الأمد (السياحية) لأنه ينبغي معرفة ما سيفعل صاحبها بعد عام، وهل سيحصل على عمل أو يواصل الدراسة.
وكانت الحكومة التركية أجازت قانون الحماية المؤقتة، الذي يسمح للاجئين السوريين المهجرين من بلادهم بسبب الحرب، بالحصول على إقامة مؤقتة تمنحهم حق التعليم والصحة والعمل. ويتضمن القانون الحصول على بصمات اللاجئين وربطها بالمركز الأوروبي للمعلومات الخاص بشؤون الهجرة، بهدف إعادة السوريين الوافدين إلى دول الاتحاد الأوروبي بطريقة غير شرعية، إلى تركيا.

- ترحيل قسري
وأقدمت السلطات التركية الأسبوع الماضي على ترحيل 26 لاجئاً سورياً من مهجري دمشق وريفها كانوا يقطنون حي أسنيورت، المتخم بالسوريين في غرب إسطنبول، إلى منطقة عفرين، بعد أن أجبرتهم على توقيع أوراق تفيد بـ«العودة الطوعية»، باستخدام العنف.
وكشف تقرير لمركز «الغوطة» الإعلامي، بعنوان «أبناء ريف دمشق في تركيا: من حافلات التهجير إلى حافلات الترحيل»، أن السلطات التركية أقدمت الخميس الماضي على ترحيل 26 سورياً، غالبيتهم من مهجري دمشق وريفها، إلى عفرين مستخدمة القوة مع بعض من رفض التوقيع على أوراق «العودة الطوعية». وأوضح التقرير أن الشرطة التركية أوقفت أولئك السوريين في منطقة «أسنيورت» في إسطنبول، لتنقلهم بعد التفتيش إلى سجن مجاور لمطار «صبيحة جوكشن» في الشطر الآسيوي للمدينة، وأن غالبية من رحلوا إلى جنديرس بمنطقة عفرين، كانوا قد دخلوا الأراضي التركية بعد تهجيرهم من منازلهم في السنوات الماضية على يد النظام السوري.
ولفت التقرير إلى أن عدد الموقوفين في السجن ذاته بلغ عند الترحيل 150 سورياً، تمثلت مخالفتهم القانونية في عدم حيازة بطاقة الحماية المؤقتة (كمليك)، أو أن وثيقة الحماية كانت صادرة عن ولاية أخرى، ليتم ترحيل 26 منهم إلى منطقة عفرين، فيما نقل البقية إلى الولايات المسجلين لديها.
ونقل المركز عن أحد المرحّلين: «بعد زجّنا في السجن بسبب مخالفة بطاقة الولاية، طلبت مِنَّا الشرطة التركية التوقيع على أوراق لا نعرف مضمونها، بعضنا رفض التوقيع إلا بوجود مترجم، فتعرض للضرب الشديد والإجبار على التوقيع بالقوة».
وتابع: «وبعد خمسة أيام من التوقيف، كبلوا أيدينا إلى الخلف، وأرفقوا رجلاً من الشرطة مع كل شخص، وظننا أنه وجهتنا الولاية التي نتبع لها، لكن فوجئنا مساء بدخولنا منطقة عفرين من معبر الحمام ثم أطلقونا في مدينة جنديرس».
وأضاف: «كانت الصدمة كبيرة عندما رمونا في جنديرس، إذ أجبرونا على توقيع أوراق لا نعرف مضمونها، وأدركنا فيما بعد أنها تتضمن موافقتنا على العودة الطوعية إلى سوريا، ونحن نعتبر هذا التصرف خدعة، ونحن الآن ليس لدينا منازل نبيت فيها، وتركنا كل مقتنياتنا في منازلنا بإسطنبول».

- استغلال منظم
يفضل السوريون الانتقال إلى مدينة إسطنبول، بعد حصولهم على بطاقة الحماية المؤقتة من ولاية أخرى، بسبب توفر فرص العمل بشكل أكبر، لكنهم يعيشون دائماً في ذعر لعدم حيازتهم بطاقة حماية صادرة من إسطنبول أو على تصريح عمل.
ويعمل السواد الأعظم من السوريين كعمال عاديين، ويفضل أرباب العمل الأتراك تشغيلهم بسبب موافقتهم على تقاضي أجور متدنية مقارنة بالعمال الأتراك، وكثيراً ما يتم تشغيلهم من دون عقود عمل أو تأمينات صحية أو اجتماعية.
وكشفت دراسة أعدها 8 أكاديميين من جامعات تركية مختلف، على أساس مقابلات أجريت مع عمال أتراك وسوريين في قطاع صناعة النسيج عن نتائج صادمة لكنها متوقعة، أيضا، لأن المعروف أن العمال السوريين غير مسجلين ويتقاضون أجورا منخفضة للغاية. وأشارت الدراسة إلى أن 99.6 في المائة من الرجال السوريين العاملين و100 في المائة من السوريات العاملات في تركيا غير مسجلين بشكل رسمي. ولا يتجاوز معدل الراتب للسوريات نصف معدل راتب العمال الأتراك الذكور.
وكشفت الدراسة عن عمق المشاعر السلبية التي يكنها العمال الأتراك تجاه العمال السوريين، إذ يعتقد 73 في المائة من العمال الأتراك الذكور و60 في المائة من العاملات التركيات أن وصول السوريين تسبب في انخفاض رواتبهم. ويعتبر 66 في المائة من العمال الأتراك أنه يجب منع اللاجئين السوريين من حق العمل في الأراضي التركية.
وتؤكد غالبية الدراسات الأكاديمية، وتقارير غرف الصناعة والتجارة وبعض جمعيات الأعمال، أن إسهامات السوريين في قطاع العمل التركي إيجابية وليست سلبية.
وتكذب الأرقام والإحصاءات فرضية تسبب السوريين في ارتفاع معدل البطالة في تركيا؛ حيث كان بلغ 14 في المائة في عام 2009 وهبط إلى 11.9 في المائة عام 2010 بينما في عام 2015، وهو العام الذي اجتاح فيه الروس مدينة حلب، وشهد موجة نزوح هي الأكبر إلى تركيا، كان معدل البطالة 9.9 في المائة، بينما وصل في العام الماضي 2018 إلى 11 في المائة أي إلى مستوى أقل عما كان عليه قبل نزوح السوريين إلى تركيا.
وتشير الدراسات إلى أن العمالة السورية المدربة والجاهزة سدت ثغرة وفراغا كان سوق العمل التركية بأمس الحاجة إليها؛ حيث كان هناك نقص كبير في العمالة المتوسطة سده السوريون.

- إسهامات اقتصادية
تشير إحصاءات رسمية إلى أن استثمارات السوريين في تركيا وصلت إلى أكثر من 3 مليارات دولار وأنهم شكلوا قوة دافعة للاقتصاد التركي بحفز الاستهلاك وسط تراجع القوة الشرائية للأتراك في ظل أزمة الليرة التركية وارتفاع التضخم.
وفي عام 2015 مثل المستثمرون السوريون نسبة 25.1 في المائة من المستثمرين الأجانب في تركيا. وحاليا يعمل في تركيا نحو 10 آلاف شركة سورية باستثمارات تبلغ نحو 3.5 مليار دولار. وتشير دراسات حديثة إلى أن 90 في المائة من السوريين في تركيا يعملون بإمكاناتهم الذاتية ويواصلون العيش بهذه الطريقة.
ومؤخرا، بدأت السلطات التركية مطالبة محلات السوريين التي ترفع لافتات بالعربية غير المطابقة للمواصفات التركية في ولاية إسطنبول بضرورة التزام القانون، كما فرضت وزارة العمل شروطاً مشددة للحصول على تصاريح العمل ورفضت الكثير من الطلبات في الفترة الأخيرة.

- إخفاق اجتماعي
وفي مقابل النجاح الاقتصادي الكبير للسوريين، لم ينجحوا رغم ضخامة عددهم، في تشكيل مؤسسات تعمل لخدمتهم والحديث باسمهم لدى السلطات التركية. وفي الوقت ذاته، يجري تضخيم بعض الحوادث وتعميم الأخطاء التي يقع فيها البعض والتهويل بشأن تأثير السوريين على النسيج الاجتماعي التركي، لا سيما فيما يتعلق بزيادة عدد الأتراك الذين يتزوجون سوريات، فيما تشير الإحصاءات الرسمية إلى انغلاق المجتمع السوري على نفسه اجتماعيا واستقلاليته اقتصاديا.
ونشأت موجة من التحريض على السوريين في الفترة الأخيرة بدت شبه منظمة بعد أن كان الأمر يقتصر على حوادث فردية، ويجري أيضا تضخيم هذه الحوادث، بسبب إظهار السوريين تمسكا ببعض التصرفات التي لا يقبلها الأتراك، مثل السهر ورفع الصوت والضحك بصوت مرتفع في الشوارع أو المتنزهات والضجيج، وتورط قلة من الشباب السوري في أعمال مخلة بالأمن.
ولم ينجح العدد الكبير من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني التي أسسها السوريون في تقديم حلول لمشكلاتهم الاجتماعية، بسبب غياب التعاون والتنسيق فيما بينها، إضافة إلى عدم فاعلية المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية مثل ائتلاف قوى المعارضة والحكومة المؤقتة في القيام بدور في عملية التواصل مع الجانب التركي.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».