تولر لـ «الشرق الأوسط»: مخرجات الحوار الوطني السيناريو الأفضل لليمن

السفير الأميركي يقول في آخر حديث يجريه قبل انتقاله إلى بغداد إن بلاده لا تريد استعداء الحوثيين

ماثيو تولر
ماثيو تولر
TT

تولر لـ «الشرق الأوسط»: مخرجات الحوار الوطني السيناريو الأفضل لليمن

ماثيو تولر
ماثيو تولر

يقر الدبلوماسي الأميركي ماثيو تولر، بنقطة ضعف شخصية تواجهه عند تذكُّر اليمن. إنها وجبة «بنت الصحن» الشهيرة التي يتناولها اليمنيون بكثرة في رمضان، وهي التي ختم بها آخر حديث يجريه قبل أن يغادر منصبه ممثلاً الولايات المتحدة سفيراً لدى اليمن، إلى بغداد، العاصمة العراقية التي لا تبخل هي الأخرى على المنطقة بسخونة الأحداث والمستجدات والتحديات.
وصل تولر إلى اليمن مع نهاية مؤتمر الحوار الوطني في عام 2014، وقبيل الانقلاب الحوثي الذي اكتملت أركانه في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ودأب على تمثيل بلاده خلال سنوات الحرب التي لم تقف حتى اليوم، مروراً بأبرز منعطفاتها السياسية والعسكرية والإنسانية.
وترك السفير رسائل قبل أن يغادر، دعا فيها اليمنيين إلى الحفاظ على الوحدة، وطالب فيها المغرر بهم بالاستيقاظ ومناوءة التنظيمات الإرهابية، وأكد خلالها للحوثيين أن بلاده لا تريد أن تخلق عداوة بينها وبينهم.
شهد الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط» هاتفياً يوم الاثنين الماضي، سؤالاً عن الوضع الراهن في اليمن، وتحديداً انسحاب الحوثيين في الحديدة: سعادة السفير، كيف ترون ما يحدث في الحديدة هذه الأيام من خطوات يبدو أنها تتسم بالإيجابية وفق تصريحات الأمم المتحدة وبياناتها الأخيرة؟
«أرحب بهذه الخطوات الرمزية التي تم اتخاذها خلال اليومين الماضيين، وأرحب بخطوات حقيقية ستمكّن القوات الأمنية المحلية من السيطرة على الموانئ». كان هذا تعليق تولر بعد أن شرح إجابته، إذ قال: «نرحب جميعاً بأي خطوة يتم اتخاذها وينتج عنها تنفيذ الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في السويد قبل أربعة أشهر. ما أعلنته الأمم المتحدة أمس أقل بكثير من المتوقع بالنسبة إلى هذه الخطوات التي ينتج عنها المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقية (اتفاقية السويد). في السويد، عمل المبعوث الأممي والمجتمع الدولي بشكل كبير لمنع أي تدهور قد يقود إلى مواجهات فظيعة بالحديدة».
«كان من المفترض أن ينسحب الحوثيون من موانئ الحديدة والمدينة ومناطق أخرى خلال أسابيع من التوصل إلى تلك الاتفاقات، وكان سيتلو تلك الخطوة نقاش شروط لاحقة تتعلق بالقوات الأمنية المحلية»، مكملاً: «منذ ذلك الوقت رأينا خروقات لوقف إطلاق النار إلا أننا لم نرَ حملات عسكرية مكثفة لطرد الحوثيين من الحديدة والمناطق المحيطة بها. وخلال تلك الفترة رأيت الحوثيين يتبنون تكتيكات ومراوغات والحديث عن قضايا خارجة عن تلك الاتفاقية وذلك بهدف عدم الوفاء بالالتزامات التي التزموا بها في السويد».
كان الحديث قد بدأ بسؤال: كيف تلخص تجربتك التي قاربت خمسة أعوام، والتي كانت مليئة بالأحداث الساخنة، والأكثر سخونة في اليمن؟ يقول تولر في البداية: «دعني أزفّ إليكم التهاني بحلول شهر رمضان المبارك. وكما كنت أقول في كثير من لقاءاتي معكم ومع صحافيين آخرين وما زلت أقول دائماً، الولايات المتحدة تتطلع إلى أن يكون اليمن بلداً مستقراً وموحداً ومزدهراً، وبالتالي يوفر الفرص لشعبه. وإذا نظرنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، فإننا نتفق على أن أمامنا طريق طويلة».
ورغم هذه الأوضاع يرى السفير أن هناك حكومة في العاصمة المؤقتة عدن «بدأت بدفع الرواتب للمتقاعدين ودفعت نسباً أعلى من رواتب موظفي الدولة، وأيضاً تمكنت من عقد البرلمان في هذه الفترة»، معلقاً: «أعتقد أنني وكل أصدقاء اليمن يرحبون بتقوية هذه المؤسسات الدستورية».
من ناحية أخرى، يؤمن السفير بأنه لم يعني له شيئاً في الأعوام الخمسة الماضية التي قضاها سفيراً أكثر من العمل مع اليمنيين وبناء صداقة معهم. «لقد تعلمت مراراً أن اليمنيين يتمتعون بسمة المرونة، ولديهم ولاء لمجتمعهم، وهم كرماء ولطيفون ومضيافون أيضاً. وهذا يعطيني أمل بأن اليمنيين بإمكانهم العمل يوماً ما بعضهم مع بعض وذلك بإنهاء الحرب وبناء يمن قوي وموحد ومزدهر».
يجيب تولر عن سؤال حول أبرز المتغيرات التي لاحظها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، بالقول: «أعتقد أن كثيراً من التحديات هي ذاتها التحديات التي تواجه الكثير من البلدان في المنطقة. وهناك أحياناً بعض الحكومات تديرها نخب لا تسمح لسكان تلك المناطق بأن يسهموا أو يساعدوا في تأدية أدوار بإمكانهم أن يقوموا بها، غالباً ما تستخدم هذه النخب تلك المواقع لإثراء أنفسهم أو استخدام مواقعهم لأجنداتهم الشخصية بدلاً من مصالح بلدانهم، غالباً ما يتم حرمان الشباب من التعليم الذي يمكّنهم من الوصول إلى أعلى قدر ممكن من إمكانياتهم ومقدرتهم، وبالتالي هناك تزايد كبير في عدد السكان ولا توجد فرص عمل من القطاع الخاص لتحقيق تطلعاتهم وإيجاد فرص تناسب إمكانياتهم، ولسوء الحظ أن هناك قوى تستغل هذه الأمور لإثارة الكراهية بين الذي يعانون هذا الحرمان. بعض الأحيان هذه القوى تخفي نفسها تحت غطاء الدين أو القبيلة وغيرها، وأحياناً تستثير الكراهية ضد الجيران».
ويذكّر الدبلوماسي الأميركي بأن الولايات المتحدة «من كبار المانحين سواء لليمن أو لدول أخرى في المنطقة، ونعمل على تقوية مؤسسات الدول لتقديم الخدمات لشعوبها، ومكافحة الفساد المالي والإداري، وتقوية النظم التعليمية، وضمان أن تعامل الدول مواطنيها بالمساواة بغض النظر عن الانتماءات القبلية أو الأسرية أو الدينية والعقائدية».
ويضيف السفير: «خلال 5 أعوام رأيت مثلاً إيران لا تعمل بانسجام مع المجتمع الدولي للتخلص من عناصر الزعزعة، بل إنها تستغل الفرص لإثارة هذه الزعزعة. واثق من أن هناك شريحة من الشباب ترى في ممارسات سواء إيران أو الحوثيين الفكرية ما يتعاطى مع عناصر غضبهم وحرمانهم، وأشعر بالقلق البالغ على هؤلاء الشباب لأنهم مخدوعون، وسلوكهم هذا يثير المزيد من الإشكاليات ويتسبب في كثير من الدمار والفساد المالي والإداري، مكملاً: «أعتقد أنه يجب على كل الحكومات المسؤولة في العالم أن تعمل لمواجهة هذه المجموعات التي تستغل هذه الظروف لمزيد من زعزعة الاستقرار».
ما السيناريو الذي كنت تتمناه لليمن؟ يقول تولر: «السنوات العشر الأخيرة أو أكثر كانت لسوء الحظ صعبة جداً بالنسبة إلى اليمن. في عام 2011 عبّر اليمنيون عن رغبتهم في رؤية انتقال إلى قيادة جديدة ممثَّلة بشباب وشمولية أكثر لقيادة بلادهم. كان اليمنيون ومنهم كثير من الشباب خلال تلك الفترة، سواء في صنعاء أو تعز أو مختلف المناطق الأخرى يسعون إلى إيجاد أمل لهم وبالتالي الحفاظ على كرامة لهم في الحياة ولعائلاتهم».
ويكمل: «أعتقد أن السيناريو المثالي الذي خرج به اليمنيون هو أنهم وجدوا طريق سلام عبر فترة انتقالية أعقبها حوار وطني يخطط لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم». ويشرح ذلك: «وصلتُ إلى اليمن قبل خمسة أعوام وكان مؤتمر الحوار الوطني قد انتهى للتوّ. كانت هناك مجموعة من اليمنيين المتخصصين بالشؤون القانونية وبالتالي يمثلون جميع الأطراف والمناطق داخل اليمن يعملون بجهد لكتابة مسودة مشروع دستور جديد. السيناريو المثالي لم يحصل ولكن نتمنى في المستقبل، وهو تنفيذ مخرجات الحوار الوطني والدستور الذي كُتب على أساس تلك المخرجات. ومرة أخرى، ما يسعى إليه اليمنيون هو أمل في المستقبل وحكومة تعاملهم بكرامة وتعامل اليمنيين جميعاً بعدالة وسواسية. وطبعاً لا أستبعد تنفيذ هذه المخرجات ولكن أعتبره السيناريو المثالي لليمن».
يؤكد السفير أن الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط كمنطقة ذات إمكانات عالية، «لأن هناك الموارد الطبيعية والمواقع الاستراتيجية الجغرافية وعدد سكان من الممكن أن ينفّذ أكثر مما تم إنجازه».
ومن أبرز الذكريات التي كوّنها السفير الذي لم يهنأ باستكشاف صنعاء وبقية اليمن كبقية الدبلوماسيين أو الزائرين الآخرين، «التجربة الكبرى في التعامل مع الشباب اليمني». يقول تولر: «في أثناء وجودي في صنعاء التقيت بعض الشباب الذين عادوا للتوّ من دراستهم في الولايات المتحدة، ورأيت مستوى الثقة التي عادوا بها والحماس والتطلع إلى مشاركة بناء بلادهم وأعجبني هذا كثيراً. وتمكنت من لقاء كثير من الشباب اليمني المتطلع إلى الدراسة في الخارج لإكمال تعليمهم، وحقيقة أرى أن هذا الموضوع يحمّسني ويلهمني عندما أرى هؤلاء الذين يعملون سواء الشباب أو رجال الأعمال الذين يساعدون أولئك الشباب على تحقيق تلك الأحلام».
إضافةً إلى ذلك، «أذكر قبل خمسة أعوام أنني اشتركت في فعالية رياضية رمضانية مع شبان طامحين وسعيدين ويتطلعون إلى مستقبلهم، لديهم تطلع غير مسبوق. وهذا كان مصدر إلهام بالنسبة إليّ».
ولكن، «للأسف»، يرى السفير أن اليمنيين «واجهوا أوقاتاً حزينة، وكثير من اليمنيين فقدوا كثيراً من ذويهم خلال الصراع القائم. لقد رأيت من اليمنيين من فقد المستقبل وآخرين فقدوا حياتهم نتيجة هذا الصراع... آمل أن تحمّسنا هذه المواقف الحزينة على ألا نفقد الأمل ونظل نعمل بأسلوب حثيث نحو المستقبل في اليمن».
طلبت «الشرق الأوسط» أن يترك السفير رسالة لعدة مجموعات في اليمن، كالشباب، والحكومة، والحوثيين، والإرهابيين، والجنوبيين (مناصري الوحدة ومناهضيها)، فقال تولر: «تشرفت بتلقي نوط الوحدة الذي يمنحه اليمن لأصدقائه، وكصديق لليمن، أدرك نهج الوحدة وأهميته لليمن، ونهج الوحدة في اليمن مفهومه ليس مقصوراً على مسألة شمال وجنوب وحسب، ولكن عبر جميع الهويات داخل اليمن والتي تتمثل في الثقافة والمدنية على مدى مئات السنين. واليمن واليمنيون يتطلعون لحكومة تتعامل مع الجميع على قدم المساواة، ولا تفرّق بين مواطنيها حسب القبيلة أو الدين أو المنطقة أو النوع البشري، وبالتالي أحث قادة اليمن كافة على العمل لتحقيق هذا الهدف، وهو الوحدة».
ويضيف: «أحث الشباب اليمني على تبني هذا الأمر وبالتالي القيام بكل الجهود لتحقيق هذا الهدف، وألا يقعوا ضحايا لأولئك الذين يريدون استثارة الكراهية بينهم».
وللحوثيين، ترك تولر رسالة قال فيها: «نحن لا نسعى لإيجاد عداوة بيننا وبينهم، ونعتقد أنهم فعلاً وسيظلون جزءاً من اليمن، وأنه يجب عليهم معاملة الآخرين كما يرغبون أن تتم معاملتهم، وهو ما تدعو إليه جميع الديانات السماوية، وفكرة أنهم يفرضون أي فكرة على الناس باستخدام العنف والأسلحة والتهديد فهذا لا يخدم أحداً».
وأما لـ«القاعدة» و«داعش»، فيقول: «كل من يريد استخدام الدين لتحقيق مصلحة شخصية، للأسف من الصعب أن نخترع وسيلة تخترق هذه المنظومة التي لديهم والتي تطورت إلى عقيدة خاصة بهم، والولايات المتحدة تعتبر الإسلام ديناً رائعاً مدنياً استطاع نشر السلام في كثير من المجتمعات في العالم. ومن يتبنى مبادئ الإسلام السمحة ثم يحولها إلى شرعنة قتل الآخرين وزراعة الكراهية بين الناس تحت غطاء الدين فإنه يرتكب فعلاً يتنافى مع تعاليم الدين. و(القاعدة) و(داعش) قتلوا من المسلمين أكثر مما قتلوا غيرهم؛ لذلك أدعو المغرر بهم في هذه التنظيمات أن يفيقوا ويتبنوا مبدأ السلام الذي دعا إليه الإسلام وأن يتصدوا لهذه المجموعات الإرهابية».
ضحك السفير قبل أن يجيب عن سؤال حول الأطباق اليمنية التي قد يفتقدها في اليمن، ولأن المقابلة أُجريت في الصباح، مازح بالقول: «هذا ليس سؤالاً عادلاً في نهار رمضان»، ثم أخذ يجيب: «لكن أفضل ذكرياتي تقاسمي وجبات مع أصدقائي اليمنيين، إذ تمكنت من القيام بهذا في صنعاء وعدن ومأرب والمكلا. وقريباً تناولت وجبة يمنية لذيذة في أطراف واشنطن العاصمة... وطبعاً أصدقائي اليمنيين ومضيفيَّ يعرفون نقطة ضعفي بالنسبة إلى الوجبات اليمنية، الشفوت والفسحة والسلتة والحلبة والفتة بالموز. ولكن نقطة ضعفي تتمثل في (بنت الصحن) وكل هذه الوجبات يتمتع بها الشخص في رمضان، وجبة الإفطار التي عادةً ما يتم تناولها جماعياً تعيد الروابط الأسرية والصداقة بين الناس».
وكآخر جملة، إذ انتهت مهمته هذا الأسبوع سفيراً لليمن، يقول ماثيو تولر: «أتمنى بهذا السؤال الذي يتعلق بالوجبات وشهر رمضان الكريم أن يتحقق السلام، وأن يتم استخدام الروح السائدة في هذا الشهر الكريم لإيجاد سبل لتحقيق السلام لليمنين».


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».