روسيا تتبنى قانون «الأخبار الكاذبة» وتستعد لتطبيق «الإنترنت السيادي»

تحذيرات من تسبب الإجراءات بعزل الإنترنت والتضييق على الإعلام

جانب من الاحتجاجات على القوانين المفروضة على الإنترنت في روسيا
جانب من الاحتجاجات على القوانين المفروضة على الإنترنت في روسيا
TT

روسيا تتبنى قانون «الأخبار الكاذبة» وتستعد لتطبيق «الإنترنت السيادي»

جانب من الاحتجاجات على القوانين المفروضة على الإنترنت في روسيا
جانب من الاحتجاجات على القوانين المفروضة على الإنترنت في روسيا

تبنت السلطات الروسية منذ مطلع العام الجاري مجموعة قوانين في مجال المعلومات والإنترنت، قالت إن الهدف منها ضمان الأمن القومي، وأمن المعلومات. ورأى فيها خبراء وحقوقيون استمراراً لمحاولات فرض هيمنة الدولة على الإنترنت، لا سيما فيما يتصل بدوره كمنصة إعلامية - اجتماعية عامة. ورأى البعض في تلك القوانين تكراراً لتجارب دول أخرى، مثل سوريا وقانونها سيء السمعة الذي يعاقب عن «نشر أخبار توهن من عزيمة الأمة»، والصين التي فرضت سلطاتها سيطرة على مساحات واسعة من الإنترنت.
ودخلت وسائل الإعلام الروسية، والنشاط الإخباري - الإعلامي للمواطنين على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مرحلة جديدة اعتباراً من 29 مارس (آذار) الماضي، بعد أن وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قوانين تحظر نشر «الأخبار الكاذبة وإهانة السلطات ورموز الدولة». ويفرض القانون حظراً على «نشر معلومات عامة غير موثوقة في شبكات المعلومات والاتصالات، وتقديمها على أنها موثوقة، تخلق تهديداً يلحق الضرر أو يعرقل عمل المرافق الحيوية المهمة».
وعند ظهور «أخبار كاذبة»، يطلب المدعي العام، أو ممثلوه من هيئة الرقابة (روسكومنادزور)، حجب الموقع الذي نشرت عليه تلك الأخبار. ومن جانبها، تطلب الهيئة من إدارة الموقع حذف الخبر، وإن لم تفعل، تقوم الهيئة بحجبه. أما إذا كانت الأخبار على صفحات مواطنين، فإن الهيئة تقوم بحجب تلك الصفحة دون أي إشعار مسبق. وفضلاً عن ذلك، يفرض نص القانون غرامات مالية عقاباً على نشر أخبار كاذبة، تتراوح قيمة الغرامة من 30 حتى 500 ألف روبل (من 460 حتى 7750 دولاراً تقريباً)، حسب صفة المخالف.
ومنذ بداية النقاش في البرلمان حوله، واجه مشروع قانون «الأخبار الكاذبة وإهانة رموز الدولة والسلطات» موجة انتقادات واسعة، وحذر ممثلو وسائل الإعلام من مخاطر تبنيه. وقال غيورغي إيفانوف، كبير المحامين في مؤسسة «كوميرسانت» الإعلامية، إن القانون الجديد يخلق تهديداً ملموساً لعمل وسائل الإعلام المهنية التي تعتمد على «مصادر»، لافتاً إلى أنه من غير الواضح بعد أي معلومات ستصنفها النيابة العامة «كاذبة»، ولم يستبعد أن تقع تحت هذا التصنيف الأخبار «نقلاً عن مصادر»، لكنها غير مناسبة للسلطات.
وضمن حملة الانتقادات، برز بصورة خاصة موقف المجلس الرئاسي لحقوق الإنسان، الذي دعا المجلس الفيدرالي إلى رفض مشروع القانون، وأشار إلى أنه «مفرط» و«يفترض ضمناً أن هيئة الرقابة والنيابة العامة لديها معرفة بالحقيقة المطلقة»، بينما «الأخبار التي قد تبدو اليوم عارية عن الصحة، من الممكن أن تصبح في اليوم التالي دقيقة صحيحة».
إلا أن دفاع الغالبية في مجلسي البرلمان الروسي عن مشروع القانون، وإيجاد مبررات له، واعتماده، وبدء العمل به، لم يغير المزاجية العامة. وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «ليفادا سنتر» أن 64 في المائة من المواطنين الروس يعتقدون أن «عدم السماح بتوجيه انتقادات للسلطة» هو الهدف الحقيقي من تبني قانون «الأخبار الكاذبة وإهانة رموز الدولة والسلطات»، بينما قال 23 في المائة إن الهدف منه ضمان مصداقية الأخبار في وسائل الإعلام والإنترنت.
إلى ذلك، يستمر الجدل حول مشروع قانون طرحه برلمانيون على مجلس الدوما نهاية العام الماضي، يُعرف باسم مشروع قانون «الإنترنت السيادي»، الهدف منه، وفق ما يقول مؤيدوه، توفير أرضية تقنية معلوماتية في روسيا تضمن استمرار عمل الإنترنت داخل البلاد، بحال قررت شركات التخديم العالمية فصل روسيا عن الشبكة العنكبوتية.
وسيتعين على مشغلي الاتصالات تثبيت وسائل تقنية، تقدمها لهم مؤسسة الرقابة مجاناً، لمواجهة التهديدات السيبرانية، شرط أن تكون هذه الوسائل التقنية قادرة على تقييد الوصول إلى الموارد بمعلومات محظورة، وليس فقط عن طريق عناوين الشبكة، ولكن أيضاً عن طريق حظر مرور البيانات. وتقوم مؤسسة الرقابة بمراقبة تشغيل الإنترنت، وتحديد التهديدات الأمنية، ويطالب مشغلي الإنترنت بضمان إمكانية التحكم المركزي بحركة مرور البيانات والمعلومات المتبادلة، في حال وجود تهديد أمني. وأخيراً، ينص مشروع القانون على إنشاء نظام أسماء نطاقات (DNS) وطني.
ومنذ طرحه في القراءة الأولى، حصل مشروع القانون على تأييد كتلة حزب «روسيا الموحدة» في البرلمان، وهو حزب السلطة، وتأييد الحكومة والرئاسة بالطبع. وعبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن دعمه مشروع القانون، في تصريحات أخيرة، لم يستبعد فيها فرضية «فصل الإنترنت عن روسيا». وقال في إشارة إلى الولايات المتحدة: «لا يمكنني الحديث بالنيابة عن شركائنا، وما يفكرون به»، وأكد أن روسيا لا تنوي فصل نفسها عن شبكة الإنترنت، وشدد في الوقت ذاته على أنه «كلما تعززت السيادة، بما في ذلك في المجال الرقمي، كان ذلك أفضل».
ويجمع المراقبون على أن فصل الإنترنت عن روسيا من الناحية النظرية أمر ممكن تقنياً، لكنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى أن شركة «آيكان»، المسجلة رسمياً في الولايات المتحدة، المختصة بتوزيع وإدارة عناوين «آي بي» وأسماء المجال، المسؤولة عن إدارة الموارد الرئيسية للبنية التحتية للشبكة العنكبوتية، لم يسبق أن قامت بقطع الإنترنت عن أي دولة، ويستبعدون أن تقوم بخطوة كهذه تحت أي ظرف كان.
ورغم محاولة نواب كتلة «روسيا الموحدة» طمأنه أعضاء مجلس الدوما بأن مشروع القانون لا يرمي إلى عزل روسيا، وتحويل شبكتها العنكبوتية إلى شبكة معزولة عن العالمية، عبرت القوى الأخرى الممثلة في مجلس الدوما عن رفضها القانون. وقال أليكسي كورينني، النائب عن كتلة «الحزب الشيوعي»، إن «أي محاولات لوضع قيود في مجال الإنترنت خطيرة للغاية، من وجهة نظرنا، وغير مجدية، ونحن لن نصوت على مشروع القانون». كما رفضته كتلة حزب «روسيا العادلة»، لكن بسبب ضعف في فقراته الإجرائية التنفيذية. أما كتلة «الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي»، فقد قال زعيمها فلاديمير جيرينوفسكي عن مشروع القانون إنه «مادة فيها بذرة طيبة»، وأكد على ضرورة أن «تكون روسيا مستعدة لأي تأثير سلبي من الخارج على الشبكة». لكن رغم ذلك كله، لن يمنح الليبراليون أصواتهم لصالح مشروع القانون، وإنما سيستمعون إلى مواقف الناخبين، وفق جيرينوفسكي الذي قال عبر قناته على «تلغرام»: «نحن نعرف موقف عدد كبير من المواطنين، والمدونين، الذين ينظرون بألم لأي اعتداء على الحرية في الإنترنت».
أما مجلس الخبراء التابع للحكومة الروسية، فقد حذر في تقريره من أن مشروع القانون يحمل مخاطر التسبب بخلل في عمل الإنترنت، ويمنح هيئة الرقابة صلاحيات واسعة النطاق، وهو ما يتعارض جزئياً مع التشريعات المعمول بها. وأشار الخبراء إلى غياب الشفافية في الأهداف من مشروع القانون.
وتحفظت على مشروع قانون «الإنترنت السيادي» شركات حكومية عملاقة، تلعب دور أداة فعالة في السياسة الخارجية الروسية، وتوفر حصة كبيرة من دخل الميزانية، مثل شركة «غاز بروم» التي قالت وسائل إعلام إنها تحفظت على مشروع القانون، وطالبت بعدم تعميم شروطه على شبكاتها، محذرة من أن خطوة كهذه «تهدد عمل الشبكة التقنية للشركة، وقد تؤدي إلى حالات طارئة في عمل شبكة الوقود والطاقة». وقال مصدر آخر لصحيفة «كوميرسانت» إن الشركة العامة للسكك الحديدية عبرت عن موقف مماثل.
وعلى مستوى قوى المعارضة «غير الرسمية»، نظمت أحزاب معارضة احتجاجات في مدينة موسكو ضد مشروع قانون «الإنترنت السيادي»، شارك فيها أكثر من 15 ألف متظاهر. وقال بافل دوروف، مؤسس «تلغرام»، إن تلك الاحتجاجات، ورغم تضييق الخناق، كانت الأكبر في روسيا خلال السنوات الأخيرة. ورفع المتظاهرون شعارات يحذرون فيها من أن مشروع القانون سيؤدي إلى «عزل روسيا عن الإنترنت»، وأكدوا رفضهم له.
- قانون «وهن نفسية الأمة» السوري ... تنفس لكن «بصمت»
> استغل النظام السوري الاتهامات بـ«نشر أخبار من شأنها أن توهن نفسية الأمة» لإسكات المواطنين، وقمع معارضيه منذ عقود. ويقول حقوقيون إن تلك الاتهامات كانت أساسية في قرارات حكم بالإعدام صدرت عن «محكمة الإرهاب» بحق الآلاف من المتظاهرين السلميين الذين شاركوا في الاحتجاجات منذ مارس (آذار) 2011. ولا يحدد القانون السوري بدقة المعلومات أو العبارات التي «توهن نفسية الأمة»، ويتيح بذلك للأجهزة الأمنية اعتقال أي شخص، بسبب أي كلام قاله بصوت مرتفع، وسمعه آخرون لا علاقة لهم بما قال. وبموجب المادة (208)، يُعاقب من ينشر المعلومات المشار إليها، إن قام بفعلته هذه عبر «وسائل علنية»، تشمل وفق نص المادة ذاتها «الأعمال والحركات (...) والكلام أو الصراخ، سواء جهر بهما أو نقلاً بالوسائل الآلية (...) إذا حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور»، فضلاً عن «الكتابة والرسوم والصور والأفلام والإشارات والتصاوير على اختلافها».
وكانت القاضية هبة الله محمد سيفو، رئيسة النيابة العامة المختصة بجرائم المعلوماتية والاتصالات في القصر العدلي بدمشق، قد أكدت أن القانون السوري يفرض عقوبات على كل من ينشر أخباراً كاذبة وإشاعات من شأنها أن «توهن نفسية الأمة». وقالت في لقاء أجرته معها إذاعة «نينار إف إم» إن من ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي إشاعات مثلاً عن التجنيد أو زيادة الرواتب، فإن «هذه الأنباء ما دام أنها تذاع في سوريا بزمن الحرب، وتثير قلقلة وذعراً بين الناس، فإنها تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة، من 3 سنوات إلى 15 سنة، وفقاً لتقدير القاضي (إذا كان يعلم أنها كاذبة)»، وأضافت أنه إن لم يكن يعلم أنها كاذبة، فإن العقوبة تكون الحبس 3 أشهر على الأقل.
- الصين تقيم «جداراً سيبرانياً» يعزز قبضتها
> تُعد الصين الدولة الأولى في العالم التي أطلقت نهج «الإنترنت السيادي»، أي فرض سيطرة مطلقة من جانب الدولة على الشبكة العنكبوتية، والتحكم ومراقبة تبادل المعلومات عبرها، وحجب المواقع الخارجية «المضرة بالأمن القومي».
ويخضع عمل الإنترنت في الصين لما يُعرف باسم «جدار الحماية العظيم»، وهو عبارة عن مجموعة من الإجراءات القانونية والتقنية، تهدف إلى حجب عدد من مواقع الإنترنت الأجنبية محلياً، ومراقبة حركة البيانات من وإلى الإنترنت، وتعمل على الحدّ من الوصول إلى مصادر المعلومات الأجنبية، وحجب أدوات الإنترنت الأجنبية.
ويعود تاريخ أول قيود فرضتها الصين على الإنترنت إلى عام 1997. حينها أصدر الأمن العام جملة قرارات نصت على عدة أمور، منها منع الأفراد من استخدام شبكة الإنترنت لأغراض تضر بالأمن القومي. وفي عام 1998، بدأت الصين تنفيذ مشروع «جدار الحماية العظيم»، وأنجزت جميع مرحله بحلول عام 2008، واستخدمت فيه تقنيات غربية متقدمة، تشمل أمن الإنترنت ومراقبة الفيديو والتعرف على الوجوه.
ويقوم «جدار الحماية العظيم» بحجب المحتوى، ويتكون من عدد من جدران الحماية ومخدمات الوكلاء في البوابات التي تصل الصين مع شبكة الإنترنت، ويشارك بشكل انتقائي في عملية التحايل، باستعمال نظام أسماء النطاقات عند طلب مواقع محددة. وفي عام 2010، أعدت الحكومة الصينية لأول مرة تقريراً يتضمن مفهوم «السيادة السيبرانية»، الذي يعني وجوب السيطرة الحكومية الكاملة على الإنترنت. وفي عام 2013، تم تشكيل «مجموعة القيادة المركزية لأمن المعلومات» التي تعمل تحت إشراف مباشر من الرئيس الصيني، باعتباره القائد العام.
وقامت الصين بحجب مواقع التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث الأجنبية، وأسست بديلاً وطنياً عنها، وفرضت على المستخدمين تقديم بياناتهم الحقيقية للتسجيل في تلك المواقع، كما فرضت على مقاهي الإنترنت تسجيل بيانات روادها، وتسليم تلك السجلات إلى مكتب الأمن العام.


مقالات ذات صلة

بعد 4 أشهر من تعيين رشوان... هيكلة مرتقبة لوزارة الإعلام المصرية

يوميات الشرق وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (مجلس الوزراء المصري)

بعد 4 أشهر من تعيين رشوان... هيكلة مرتقبة لوزارة الإعلام المصرية

تستعد وزارة الدولة للإعلام في مصر لإجراء هيكلة تنظيمية مرتقبة، بتشكيل فريق عمل جديد يضم نحو 22 مساعداً ومستشاراً ومعاوناً ومنسقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد مبنى شركة «كومكاست إن بي سي يونيفرسال» في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

«كومكاست» الأميركية تفصل «إن بي سي يونيفرسال» و«سكاي» في شركة مستقلة

أعلنت مجموعة الاتصالات والكابلات الأميركية العملاقة «كومكاست»، يوم الاثنين، عن خطة استراتيجية لـ«فصل» قطاعَي الإعلام والترفيه التابعَين لها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
TT

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)

مع ازدياد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام عدة، يزداد الجدل بشأن إمكانية استخدامه في كتابة القصص الصحافية. وبينما اعتبر خبراء أن هذا الاستخدام «مفيد»؛ لا سيما في تحديد القصص الصحافية وصياغة العناوين، فإنهم أكدوا أن «المراجعة البشرية تظل ضرورية».

وأشار تقرير نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الأسبوع الماضي، إلى ما وصفه بـ«نصائح متضاربة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والعناوين الصحافية».

ووفقاً للتقرير الذي أعدته الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أنيكا كولير نفارولي، فإن «كتابة العناوين واحدة من الأدوار التي يمكن أن تؤديها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطوير نماذجها اللغوية لتصبح مؤهلة لاقتراح العنوان الأنسب».

لكن في الوقت ذاته، فإن «الأمر لا يخلو من مخاطر»، حسبما يوضح التقرير الذي يشير إلى أن «إرسال مواد غير منشورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغتها وتدقيقها، يُثير تساؤلات بشأن حقوق الملكية الفكرية، وما إذا كانت هذه التطبيقات ستعيد استخدام المحتوى، ما يُعرِّض الصحافي لمخاطر قانونية وأمنية».

وقال التقرير إن «صناعة الذكاء الاصطناعي التي تقدَّر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار، اعتمدت على أعمال صحافيين تم تدريب الروبوتات عليها، من دون موافقة من صُناع المحتوى أو تعويضهم عن ذلك»، لافتاً إلى تحقيق أجرته «واشنطن بوست» أثبت أن «نصف المواقع العشرة الأولى التي استُخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية».

وحسب تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «بعد نفاد البيانات المتاحة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في الاعتماد على البيانات الاصطناعية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أي الاعتماد على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف بشأن ترسيخ تحيُّزات وهلوسات الذكاء الاصطناعي».

وفي رأي الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، فإن الذكاء الاصطناعي «يمكن أن يكون أداة مفيدة في تحرير القصص الصحافية؛ بل وحتى في صياغة العناوين». ولكنه أوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «العنصر البشري يظل ضرورياً في مرحلة المراجعة النهائية للقصص الصحافية».

وقال إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحلَّ بالكامل محل الذكاء البشري، فهو مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»، لافتاً إلى أنه «في كثير من الحالات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أيضاً في اختيار الكلمات، مثل اقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني».

وأكد إكو «ضرورة وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع محددات بشأن مدى ملاءمة مشاركة معلومات سرية عبر هذه التطبيقات». وقال إن «التطورات التكنولوجية المتسارعة تتطلب إعادة مناقشة الأخلاقيات الإعلامية والمعايير المهنية، لا سيما مع انحيازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة».

ويوصي رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، بضرورة «تدقيق المعلومات التي يتم استقاؤها من الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد بشكل كلي عليها». كما يلفت إلى أن «الصحافي قد يرى في هذه التطبيقات أدوات تُسهِّل عمله؛ لكن استمرار الاعتماد عليها سيفقده مهارته، ويقضي على التنوع في القصص والقوالب؛ لا سيما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكرر القصص والعناوين وزوايا المعالجة ذاتها».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وأشار تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» إلى «اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على مسودات المستخدمين والأوامر المكتوبة بأيدي البشر لتدريب نماذجها»، ولفت إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وجاء فيها أن «شركات مثل (أمازون)، و(أنثروبيك)، و(غوغل)، و(ميتا)، و(مايكروسوفت)، و(أوبن إيه آي) تستخدم بيانات محادثات مستخدميهم، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها».

وخلص التقرير إلى «التحذير من مخاطر إدخال مسودات أو معلومات سرية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لعدم معرفة الطريقة التي سيتم بها استخدام هذه المعلومات أو البيانات».

من جهتها، أكدت الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، أستاذة الإعلام والتواصل، الدكتورة سالي حمود: «إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية»؛ لكنها قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي يفتقد العمق والتحليل البشري في تحرير القصص، وصياغة العناوين أو تحسينها، واختيار الكلمات والحفاظ على الموضوعية».

وحول ما يتعلق بالعناوين، أفادت الدكتورة سالي حمود بأن «العناوين مهمة جداً؛ كونها دلالات مرتبطة بالسياق والثقافة الشعبية، ويجب أن تكون جذابة، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن «الذكاء الاصطناعي له تحيزاته التي تؤثر في العمل الصحافي وفي زوايا الكتابة الصحافية، ما يتسبب في تكرار معالجة القضايا والزوايا نفسها باستمرار».

وترى الباحثة الإعلامية اللبنانية «ضرورة العمل على وضع أطر مؤسسية ممنهجة، بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير وغرف الأخبار، ليصبح جزءاً من العملية التحريرية، ما يعزز فوائده ويقلل أضراره».

وبينما ينصح خبراء بـ«عدم إدخال البيانات السرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحين معرفة الآلية التي سيتم بها إعادة استخدامها»، تبقى الخيارات أمام الصحافي محدودة، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط مطالبات بحوكمتها، ووضع قواعد لاستخدامها لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى صيغة واضحة، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بشأن الملكية الفكرية للمعلومات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتحدَّث تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، عن اتجاه أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة إلى «حظر أو تقييد الوصول لأرشيفهم على الإنترنت؛ إثر تصاعد استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي، دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى».

ووفق تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، نهاية يونيو (حزيران) الجاري، فإن «الخيار الأقل خطراً فيما يتعلق بمسودات الصحافيين غير المنشورة، هو استخدام نموذج لغوي كبير محلي». وأوضح أن «هذا نوع من نماذج اللغة الكبيرة يُمكن تشغيله على جهاز الحاسب الآلي، تمتلكه غرفة الأخبار أو الصحافي نفسه».

ولفت التقرير إلى أن «هذا النوع من النماذج يتيح للمؤسسة أو الصحافي، القدرة على تحديد كيفية استخدام النماذج للبيانات». ولكنه أشار إلى أن «هذا النوع من النماذج المحلية ليس شائعاً». واقترح «تحالف أدوات غرف الأخبار» وهي فكرة اقترحها باحثون العام الماضي كبديل «أكثر أماناً للتعامل مع المسودات غير المنشورة».

وحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «حتى تصبح هذه الحلول أكثر انتشاراً، يجب على الصحافيين التدقيق في سياسات الخصوصية الخاصة بالنماذج المتاحة للجمهور، والتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي، أو رفض السماح باستخدام مدخلات الدردشة في عمليات تدريب جديدة، والمضي قُدماً بحذر في أفضل الأحوال».

«الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»


بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

تتجه الحكومة البريطانية نحو تنظيم أولوية ظهور المحتوى الإخباري على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديوهات بـ«هدف التصدي للفوضى الرقمية وضمان وصول الجمهور إلى مصادر موثوقة». ورغم أن معايير تحديد «المؤسسات الموثوقة» لا تزال قيد النقاش، فإن خبراء أبدوا تفاؤلاً حذراً تجاه هذه الخطوة، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «قد تساهم في حماية المحتوى الجاد وتعزيز التنافسية بشرط وضع معايير موضوعية وشفافة».

وبحسب وزيرة الثقافة والإعلام والرياضة، ليزا ناندي، فإن «الحكومة البريطانية تخطط حالياً لدعوة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل (يوتيوب) و(ميتا) لإجراء هذه التغييرات بشكل طوعي، مع الاحتفاظ بحقها في اللجوء إلى التنظيم التشريعي والقانوني في حال عدم استجابة تلك الشركات». وأضافت في تصريحات قبل نهاية يونيو (حزيران) الحالي أن «أكثر جزأين عرضة للخطر في الوقت الحالي هما هيئات البث العام والمؤسسات الإخبارية؛ لذا نحتاج إلى إيجاد آلية تدمج القديم بالجديد لضمان حصول الجمهور على أفضل محتوى إخباري وترفيهي ممكن».

وفي مسعى لتعزيز المصداقية، حددت الحكومة مجموعة من المؤسسات الإعلامية كجهات مرشحة للاستفادة من سياسات «أولوية الظهور»، شملت «هيئة الإذاعة البريطانية»، وشبكة «آي تي في»، وهيئة البث الاسكوتلندية، والقناة الرابعة، وقناة «إس فور سي» الويلزية، والقناة الخامسة، إلى جانب فئات أخرى من مقدمي الخدمات الموثوقين. ومع ذلك تجنبت الورقة الحكومية تقديم تعريف دقيق لمفهوم «الإعلام الخدمي العام»، مؤكدة أن هذا المصطلح سيخضع لنقاشات موسعة خلال فترة الاستشارة العامة.

وفي رد فعل سريع، حثت «رابطة الأخبار» - التي تمثل الناشرين الوطنيين والإقليميين في بريطانيا - الحكومة على توسيع نطاق هذه المقترحات لتتجاوز هيئات البث العام؛ إذ أكدت الرابطة أن الأمر لا يقتصر على هيئات البث العام، مشددة على «ضرورة ضمان شمولية المعايير لتشمل كافة الناشرين المستقلين، لضمان دعم البيئة الإعلامية المتنوعة وحماية الأصوات الموثوقة التي تشكل ركيزة أساسية في الإطار الديمقراطي للبلاد».

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي، يرى أن «المقترح فرصة لفتح ساحات النقاش»، وقال: «أتوقع أن تكون مؤسسات الإعلام ذات الخدمة العامة هي القاعدة الأساسية التي ستُبنى عليها التجربة بشكل عام».

ورغم عدم رفع سقف التوقعات، فإن الشولي عدّها خطوة مُبشّرة، لكن في الوقت عينه أشار إلى بُعد «الاستقلالية المهددة». وأوضح: «مثل هذه الخطوات ستحد بشكل كبير من حرية المنصات في ترتيب المحتوى؛ لأن أفضلية الخوارزميات ستحدد ذلك، لكن في نفس الوقت لا يوجد أي إشارة إلى أنه سيتم حذف المحتوى أو منعه من باقي المنصات، وهنا تظهر زاوية مختلفة، وهي إعادة ترتيب نشر المحتوى، مما يعني أن بعض المنصات الإخبارية المستقلة يجب أن يكون لها منصات خاصة تتحكم بها بعيداً عن منصات التواصل بشكل رئيسي».

كما أشار الشولي إلى خطر «تهميش المنابر الإعلامية الناشئة»، وقال: «أعتقد أن هذا أكبر تحدٍّ سيواجه التجربة؛ ولذلك لاحظت أن (جمعية الأخبار البريطانية) طلبت أن يكون هناك قائمة واسعة وشاملة للناشرين المعترف بهم، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، ولو كانت القائمة واسعة وتشمل الجميع ربما هذا سيصب في صالح المنصات الناشئة لتدخل ملعب الكبار».

وتجدر الإشارة إلى أن «قانون السلامة عبر الإنترنت» الصادر عام 2023 يضع تعريفاً محدداً لـ«الناشر الإخباري المعترف به»، ليشمل كل من حصل على ترخيص بث من هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، أو الكيانات التي تخضع لرقابة تحريرية وتمارس نشاطها من خلال مقر عمل مسجل داخل المملكة المتحدة، وهو التعريف الذي يُرجح اعتماده كركيزة أساسية لهذه المقترحات الجديدة.

المختص في التسويق الرقمي بمصر، عبد الله جمعة، أشار إلى أن معيار الموثوقية «فضفاض». وقال: «لا يمكن رهن مصداقية العمل الإعلامي بالوضع التنظيمي، أو الحصول على تراخيص البث فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مدى التقيد بأخلاقيات المهنة، من حيث دقة المعلومات، وتعدد المصادر، والشفافية في تصحيح الأخطاء حال حدوثها».

واقترح جمعة «في حال اتجهت الحكومات لوضع إطار تنظيمي، فمن الأفضل أن يكون بمشاركة الجهات التنظيمية والمؤسسات الإعلامية ونقابات المهنة وخبراء الإعلام الرقمي». وشدد على ضمان الآليات التي تمكّن الحكومات من تحقيق المستهدف، وعدّدها بالقول: «يجب التحقق من هوية المؤسسات الإعلامية، والاستعانة بجهات مستقلة لتقصي الحقائق، وقياس مدى الالتزام بالمعايير المهنية، إلى جانب أدوات تقنية لرصد المحتوى المضلل».

وأضاف: «في هذه الحالة لا بد أن تكون المعايير معلنة وشفافة وتطبق على الجميع، حتى لا تتحول إلى معايير تقديرية أو تثير مخاوف بشأن العدالة والمنافسة بين المؤسسات الإعلامية».

وأشار إلى أن «نجاح التجربة في دفع الأخبار الموثوقة على واجهة منصات التواصل الاجتماعي لن يتصدى لأزمة فوضى المعلومات فحسب، وإنما سيعزز التنافسية أيضاً».

كما أوضح المختص في التسويق الرقمي أنه «إذا وضعت الدولة معايير معلنة وواضحة راعت مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المؤسسات الإعلامية، بغض النظر عن حجمها، فسيكون ذلك داعماً للتنافسية والتعددية. أما إذا حدث العكس، فأعتقد أن هناك تخوفاً مشروعاً في حال لم تُصمم هذه السياسات بعناية». وتابع قائلاً إن «مبدأ التعددية الإعلامية يقوم على إتاحة الفرصة لمختلف الأصوات للوصول إلى الجمهور، وليس فقط للمؤسسات الكبرى».


الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات