بشتني... مدينة سلوفاكية تفخر بأن من يدخلها واهناً يخرج متعافياً

تتقن تفصيل السياحة العلاجية حسب متطلبات زوارها وجنسياتهم

موقع الجزيرة ساعد على تجميل سُمعتها لأنه يكسبها خلفية ناصعة البياض شتاء ومتوهجة الألوان ربيعاً وصيفاً
موقع الجزيرة ساعد على تجميل سُمعتها لأنه يكسبها خلفية ناصعة البياض شتاء ومتوهجة الألوان ربيعاً وصيفاً
TT
20

بشتني... مدينة سلوفاكية تفخر بأن من يدخلها واهناً يخرج متعافياً

موقع الجزيرة ساعد على تجميل سُمعتها لأنه يكسبها خلفية ناصعة البياض شتاء ومتوهجة الألوان ربيعاً وصيفاً
موقع الجزيرة ساعد على تجميل سُمعتها لأنه يكسبها خلفية ناصعة البياض شتاء ومتوهجة الألوان ربيعاً وصيفاً

كما تتنوع أهداف السياحة تتنوع وجهاتها. فمنها ما هدفه الاستكشاف وزيارة المعالم التاريخية، ومنها ما هو للتسوق كما منها ما هو للعلاج والنقاهة والراحة والاستجمام، وهو ما يعرف بـ«السياحة العلاجية»، التي تشتهر بها مناطق أكثر من غيرها، نظرا لطبيعتها وتسهيلاتها وخدماتها.
واحدة من هذه المدن، بشتني Piestany السلوفاكية، التي اكتسبت سُمعتها ومكانتها بفضل «طينها» المعدني و«مائها» الكبريتي وينابيعها الدافئة وأملاحها الطبيعية. رغم صغر حجمها، أصبحت قبلة لمن يسعون إلى العلاج أو فقط الراحة لما تمتاز به من طبيعة خلابة وسكينة، رغم أن أبناءها يرددون أنها ليست جديدة في هذا المجال. يؤكدون أن منافعها الصحية اشتهرت منذ حقب قديمة، وبأن مدينتهم من الوجهات التي قصدها ملوك أوروبا وأمرائها ومهاراجات الهند؛ حيث إن تشييد إحدى مصحاتها، ويحمل اسم نابليون، لأن جنود الإمبراطور الفرنسي كانوا يقصدونها للنقاهة واستعادة قواهم، يعود للعام 1822، في التاريخ الحديث، أصبحت وجهة للأثرياء العرب، الذي يبحثون منذ سبعينات القرن الماضي على وجهات تقدم خدمات العلاج البديل. وبالفعل لا تبخل المنطقة عليهم بأي شيء، من العلاجات المتطورة إلى الطبيعة الخلابة.
مما يُحسب لهذه الجزيرة الصغيرة مساحة، أنها عرفت كيف تستغل قدراتها الطبيعية لتصبح وجهة سياحية وعلاجية مهمة؛ حيث شيدت فيها سلسلة من الفنادق الفخمة والمصحات العلاجية، التي تستغل طين ومياه ينابيعها لجذب الزوار وخدمتهم ليلا ونهارا. ولا يختلف اثنان أن أبناء المدينة توارثوا خبرة واسعة في استخدام الثروات الطبيعية عبر الأجيال وحسن الضيافة، إلى حد أن بشتني تُعرف حاليا باسم «الجزيرة العلاجية».
ولا شك أن موقعها على ضفتي نهر الفاخ، وأسفل جبل Povazie ساعد على تجميل سُمعتها، لأنه يكسبها خلفية ناصعة البياض شتاء، ومتوهجة الألوان ربيعا وصيفا، في تنوع ساحر ومثير. أما من حيث المساحة، فهي لا تنكر أنها صغيرة جدا، بحيث يفصلها عن وسط المدينة جسر قصير لا يتجاوز طوله مائة متر يقف على مدخله نصب ضخم على هيئة رجل يحطم عصاه، في رمزية أن من يدخل مصحاتها متوكئا على عصا لن يحتاجها عند مغادرته لها.
يوجد ببشتني سلسلة من الفنادق التي تتباين أسعارها حسب نجومها، وفيما لا تزال آثار المعمار الشيوعي (العمارة الستالينية) ومباني ما بعد الحرب الرمادية منتشرة في معظم أنحائها، فإن الحال جد مختلف في قصر «ثيرميا» الذي يعود تاريخه إلى عام 1912، فقد شُيد على نمط «الآرت نوفو» محاطا بطبيعة خلابة تحدها جبال وتعلوها أشجار الزيزفون بأزهارها العنقودية البيضاء ورائحتها العطرة. واللافت أنه شُيد فوق ينبوع طبيعي تم اكتشافه صدفة، حسب ما يرويه أبناء المدينة. يقولون إنه كان سبب شفاء طاووس عجوز كان المرض قد أقعده، لكنه ما إن تمرغ في طينه دون قصد حتى تعافى واستعاد شبابه. ولهذا تم اتخاذ الطاووس شعارا للقصر؛ حيث تنتشر صوره في كل جنباته. الآن تحول القصر إلى فندق علاجي من فئة الـ5 نجوم، يفتح أبوابه ويقدم خدماته للنخبة والطبقات الثرية.

- بين فيينا وبراتسلافا
مما يزيد من جاذبية بشتني قربها من العاصمة السلوفاكية براتسلافا التي لا تبعد عن العاصمة النمساوية فيينا.
فهما، أي فيينا وبراتسلافا، عاصمتان متجاورتان لا يفصلهما سوى 55 كيلومترا. أمر يعني سهولة التنقل من وإلى بشتني أثناء فترة العلاج بالجزيرة، لا سيما خلال العطلة الأسبوعية إذا كانت النية البحث عن التغيير والمزيد من الترفيه والثقافة وفرص التسوق. فالأسعار معقولة جدا بالمقارنة بسبب انخفاض قيمة العملة السلوفاكية.
- من فيينا إلى براتسلافا، التي تعتبر المطار الرئيسي للبلاد، تتوفر كل وسائل المواصلات من طائرات وقطارات وحافلات عمومية، علما بأن المسافة بالسيارة لا تستغرق أكثر من ساعة وبضع دقائق إلى بشتني.
- يستخدم المطبخ السلوفاكي الكثير من الخضراوات التي يتفنن أهلها في تحضيرها كالملفوف، الذي يعدون منه حساء شهيا ومخللات. وحتى الباستا عندهم يصنعونها من دقيق البطاطس.
كما تنتشر في المنطقة أكشاك صغيرة تُباع فيها أنواع شتى من المعجنات صغيرة الحجم تخبز في أفران «جوالة» لتباع طازجة ساخنة، فضلا عن أكشاك لبيع أنواع كثيرة من الأجبان بعضها مخلوط بـ«الشطة» والفلفل الحار وبعضها مدخن أو مقلي.
- دولة سلوفاكيا من الدول الموقعة على اتفاقية شينغن للحدود الأوروبية المفتوحة ما يسهل التنقل بين دولها بتأشيرة واحدة.
- تكثر صيفاً المهرجانات المفتوحة والحفلات الموسيقية وتنتشر موائد الأطعمة الشعبية في الطرقات.
- رغم أن للسلوفاك عملتهم فإن اليورو متداول.

- برامج وجداول ودقة ونشاط
> قبل السؤال عما تقدمه منتجعات المدينة من علاجات بادرت بالسؤال عن الجو العام، لا سيما أن الإقامة قد تطول وفقا للإمكانات، ووفقا لفاعلية العلاج ووفرة فرص للنزهة والتغيير.
بلغة عربية سليمة، أجابت موظفة تخرجت في معهد للغات وتمرنت على إجادة لغة الضاد بقاهرة المعز بأن الضيوف هنا يأتون لقضاء عطلة يبحثون فيها عن الاستجمام والراحة أو عن حلول لمشكلات صحية تتم في أجواء ممتعة من خلال برامج مكثفة. قد تشمل هذه البرامج تمارين رياضية يتم تفصيلها على مقاسهم، أو نزهات فردية يقومون بها بين أحضان الطبيعة، تتجدد في كل يوم طوال فترة الإقامة.
فلكل ضيف برنامج محدد قد لا تزيد فقراته على 4 في اليوم، حتى يبقى له متسع من الوقت للتجول بالمدينة أو فقط الخلود إلى النفس في حدائقها أو مقاهيها المترامية. وطبعا تُفسح لهم المجال أيضا للتسوق. فهي تتمتع بأسواق توفر بضائع محلية وتقليدية، كما تتوفر على فروع لمحلات عالمية. جولة بسيطة في المدينة تُشعرك بأنها هيأت نفسها لاستقبال مختلف الجنسيات والمذاقات. فهي، مثلا تتوفر على عدد لا يستهان به من المقاهي والمطاعم التي تقدم اللحم الحلال والقهوة العربية والشيشة والعصائر الطازجة. بل هناك «ديوانية» كويتية صيفية، جزء منها للنساء وجزء آخر للرجال. والمثير للنظر أنه رغم أن سلوفاكيا، مثل باقي الدول الأوروبية المجاورة، لم تسلم من موجات اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا فإن بشتني بالذات تفخر بتسامحها واحتضانها للآخر، وهو ما تشهد عليه شجرة أطلقوا عليها اسم «شجرة التسامح» تم غرسها أمام متجر تركي سبق أن تعرض لهجوم يميني متطرف، في دلالة واضحة على رفض التطرف بكل أشكاله، وتقبل الآخر. في كل المنتجعات والمصحات تلمس هذا الاحتضان. فمثلا تحرص كلها على مراعاة طلبات روادها المسلمين، بدءا من توفير مسابح منفصلة إلى أغطية لستر الجسم حتى في مواقع العلاج الفردي.


مقالات ذات صلة

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

سفر وسياحة تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

على عُمق 30 متراً (98 قدماً) تحت مدينة لندن، تقع شبكة من الأنفاق بطول ميل واحد، من المقرر أن تصبح واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العاصمة البريطانية.

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق أطفال مبتهجون عقب أدائهم صلاة العيد مع عائلاتهم (تصوير: عبد العزيز النومان)

فعاليات ترفيهية مبهجة تثري ليالي العيد في السعودية

فعاليات وأنشطة ترفيهية متنوعة أطلقتها «الهيئة العامة للترفيه» بالسعودية، فأثرت الأجواء الاحتفالية بعيد الفطر، مقدمة تجارب استثنائية للزوار من داخل وخارج البلاد.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق الملياردير الأميركي جيف بيزوس وخطيبته لورين سانشيز (رويترز)

الاحتفالات ستستمر 3 أيام... جيف بيزوس يختار وجهة أوروبية لعقد زفافه

كشف عمدة البندقية عن مكان حفل زفاف الملياردير الأميركي جيف بيزوس المرتقب بشدة، بعد أن تفاخر بأن الاحتفالات ستدرّ ملايين الدولارات على المدينة الإيطالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - روما)
سفر وسياحة إطلالة رائعة على أجمل مباني فلورنسا وساحاتها (الشرق الاوسط)

فلورنسا... المدينة الأكثر شهرة عالمياً لمحبي سياحة الفن والتاريخ

إذا كنت من محبي السياحة الممزوجة بالفن والتاريخ أنصحك بالذهاب إلى فلورنسا التي تستضيف حالياً معرضاً خاصاً للفنانة البريطانية تريسي إمين

جوسلين إيليا (فلورنسا)
سفر وسياحة إقبال شديد على السفر بالقطارات التي يمكن النوم فيها (ترينيتاليا)

هل تخطط لرحلة بالقطار في أوروبا؟

ما زال السفر بالسكك الحديدية في توسع في أوروبا، مع افتتاح مجموعة من الطرق الجديدة واحتدام المنافسة على الطرق الرئيسية

بايج مكلاناهان (نيويورك)

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
TT
20

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)

على عُمق 30 متراً (98 قدماً) تحت مدينة لندن، تقع شبكة من الأنفاق بطول ميل واحد، من المقرر أن تصبح واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العاصمة البريطانية، وفقاً للشركة التي حصلت على الموافقة لتنفيذ المشروع بتكلفة 149 مليون دولار.

كانت أنفاق «كينغسواي إكستشينج» قد بُنيت في الأربعينات من القرن الماضي لحماية سكان العاصمة من حملة قصف معروفة بـ«بليتز»، (حملة قصف ألمانية على المملكة المتحدة في عامي 1940 و1941، وقد استخدمت المصطلح لأول مرة وسائل الإعلام البريطانية، وأصل الكلمة مشتق من الألمانية Blitzkrieg، وتعني «الحرب الخاطفة»)، خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي فُتحت فيها للجمهور.

المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)
المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)

كان الدور التالي لهذه الأنفاق في زمن الحرب أنها مقر للعمليات الخاصة البريطانية السرية للغاية، التي كانت جزءاً من الاستخبارات البريطانية «M16»، ومصدر إلهام من الواقع لقسم «Q» في سلسلة أفلام العميل السري «جيمس بوند».

وسيكون هذا المَعْلم السياحي الجديد بمنزلة نصب تذكاري لحملة قصف لندن، وهو ما ذكره بيان للرئيس التنفيذي لـ«أنفاق لندن»، أنغوس موراي، قائلاً إن الموقع سيقسَّم إلى ثلاثة أجزاء: «متحف، ومعرض، ومكان ترفيهي». ومن المقرر افتتاح المشروع للجمهور في أواخر عام 2027 أو أوائل 2028.

تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)
تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)

«متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية وإذا كنت لا تستطيع الانتظار حتى ذلك الحين لاستكشاف أعماق مدينة لندن، فإن «متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية، بصحبة مرشدين، لمحطات الأنفاق المهجورة، بما في ذلك محطة «داون ستريت»، التي كانت مخبأ سرياً تحت الأرض ساعد بريطانيا على تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية. هناك باب مغلق على المنصة المتجهة شرقاً من محطة «تشانسيري لين» في مترو أنفاق لندن. إنه باب متواضع، وقوي وأبيض اللون. وخلفه تجد مجموعة من السلالم المؤدية إلى متاهة يبلغ طولها ميلاً واحداً تقريباً من الأنفاق التي بُنيت في الأربعينات من القرن العشرين، التي هدفها في البداية أن تكون ملجأً للحرب ثم استُخدمت في وقت لاحق للتجسس وتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات.

ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)
ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)

مرحباً بكم في أنفاق «كينغسواي إكستشينج»، التي تقع على عُمق 100 قدم تقريباً تحت مستوى شوارع وسط لندن، وتمتد تحت الخط المركزي لمترو الأنفاق. سرعان ما تدخل تلك الأنفاق إلى فصل جديد من تاريخها؛ إذ تقدَّم أنغوس موراي، صاحب المجمع، الذي اشترى الأنفاق الصيف الماضي، بطلب للحصول على تصريح تخطيط للسلطات المحلية جنباً إلى جنب مع شركة «ويلكنسون أير» المعمارية لتحويل الأنفاق إلى وجهة سياحية يمكنها استقبال ملايين الأشخاص سنوياً. وتخطط شركة أنفاق لندن، التي يملكها موراي، لاستثمار ما مجموعه 220 مليون جنيه إسترليني (نحو 275 مليون دولار) في ترميم الأنفاق والحفاظ عليها، فضلاً عن إضافة التكنولوجيا للمنشآت الفنية وغيرها من عوامل الجذب السياحي. وقال موراي إنه سيكون قادراً على استضافة معارض فنية مؤقتة، وعروض أزياء وغيرها. وفي الوقت الحالي، يتطلب الدخول إلى الأنفاق ركوب مصعد صغير مخبَّأ خلف باب جانبي في أحد الأزقة قبالة شارع واسع في وسط لندن. (قال موراي إن زوار المنطقة الجديدة سوف يستخدمون مدخلاً مختلفاً، وأكبر حجماً).

داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)
داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)

وعندما تُفتح أبواب المصعد، تدخل إلى نفق يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية -وهو واحد من 10 ملاجئ مدنية اقترحتها الحكومة البريطانية بعد بداية حملة القصف الجوي النازية، وهو قصف الذي استمر 8 أشهر على لندن من الألمان، وبدأ في سبتمبر (أيلول) عام 1940. لم تُستخدم الأنفاق أبداً ملاجئ. وبحلول الوقت الذي اكتملت فيه عام 1942، كانت الغارات الجوية قد انتهت.

نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق

وخلال الحرب الباردة، أصدرت الحكومة البريطانية تعليمات إلى إدارة الهاتف، والذي أصبح فيما بعد شركة الاتصالات البريطانية، بإنشاء نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق التي يمكن أن تصمد أمام هجوم نووي. وقد كان الخط الساخن الشهير بين الكرملين والبيت الأبيض يمر عبر ذلك المجمع، وفق الموقع الإلكتروني للمشروع. ولا يزال بعض معدات التبادل الهاتفي في الأنفاق قائمة حتى اليوم، على الرغم من أنها لم تُستخدم منذ ثمانينات القرن الماضي على الأقل. وقال مارتن ديكسون، أحد أمناء مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، وهي مؤسسة خيرية توثق وتحاول الحفاظ على المساحات تحت الأرض: «إن الفكرة كانت أن هذا من شأنه أن يوفر درجة من الحماية». وأضاف ديكسون، الذي انضم إلى مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا» قبل نحو 40 عاماً: «لو أن الحرب الباردة قد تحولت إلى شيء أكثر خطورة، لكان ذلك قد سمح باستمرار الاتصالات على مستوى ما». وتمتد الأنفاق تحت محطة «تشانسيري لين» لقطارات الأنفاق لأكثر من ميل، ويصل قطرها في بعض الأماكن إلى 25 قدماً تقريباً. وقال السيد موراي إن هذه الأبعاد تجعلها من بين كبرى مجموعات الأنفاق التي جرى بناؤها للناس في مدينة حضرية. وأضاف موراي قائلاً: «لديها تاريخ رائع حقاً». بالنسبة لمجموعة من العاملين في مكاتب البريد والاتصالات في العقود التالية على الحرب العالمية الثانية، تحول مجمع الأنفاق إلى مكان عمل، وقد ظلت بعض جوانبه باقية. وفي إحدى الغرف، لا مفرَّ من اشتمام رائحة سجادة قديمة. ولا يزال آخر يحمل بقايا مقصف. وهناك أيضاً نافذة مزيَّفة تصوِّر صور الطبيعة على أنها زخارف. ولا تزال هناك مكاتب، وكذلك غرف حيث يمكن للعمال قضاء الليل فيها. بعض أجزاء الأنفاق مبطنة بجدران وهمية، وبأبواب ليس وراءها أي شيء.

بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)
بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)

وقد أصبحت عملية الاتصالات في الأنفاق أمراً قديماً منذ ثمانينات القرن الماضي. وفي عام 2008، عرضت شركة الاتصالات البريطانية الأنفاق للبيع. اعتاد موظفو شركة الاتصالات البريطانية على النزول إلى المجمع حتى تسعينات القرن الماضي للتفتيش على السلامة من الحريق وغير ذلك من الظروف الأخرى. وكانت الأنفاق بخلاف ذلك خاوية. لا تزال هناك حاجة إلى توضيح كثير من التفاصيل بشأن منطقة الجذب السياحي الجديدة، ولكن السيد موراي قال إن تكلفة الزيارة ربما تكون في نفس نطاق السعر الذي تتمتع به المواقع السياحية الرئيسية الأخرى في لندن. (تبلغ رسوم الدخول إلى برج لندن نحو 40 دولاراً، وتبلغ رسوم الدخول إلى دير وستمنستر نحو 36 دولاراً). وقال ديكسون، من مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، إنه متحمس لتوقع تحول «كينغسواي إكستشينج» إلى منطقة جذب سياحية، شريطة أن تكون آمنة وأن يُحفظ التاريخ. وقال ديكسون: «لقد رأيت الآلاف من الأماكن تحت الأرض، من الأماكن العادية إلى المثيرة». ثم أضاف أن «(كينجسواي إكستشينج) مثيرة للاهتمام بصفة خاصة بسبب جميع الوظائف المختلفة التي كانت فيها. فقد لعبت دورها في الحرب العالمية الثانية، وكانت على استعداد للاضطلاع بدورها في الحرب الباردة كذلك».

إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)
إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)

وقال موراي في بيان له: «إن تاريخ الأنفاق وحجمها وموقعها بين هولبورن في لندن ومنطقة سكوير مايل التاريخية، يمكن أن يجعل هذه الأنفاق واحدة من أكثر الوجهات السياحية شعبية في لندن». وتتمثل الخطة في استثمار 140 مليون جنيه إسترليني (170.5 مليون دولار) في أعمال الترميم، ثم 80 مليون جنيه إسترليني (97 مليون دولار) أخرى في جميع الأجراس والصافرات المغمورة. ومع وجود المهندسين المعماريين من شركة «ويلكنسون أير» ضمن جهود المشروع، من المؤكد أن لديهم فريقاً بارعاً جرى تجميعه لتنفيذ هذه المشاريع الطموحة التي تفوق إلى حد بعيد أي شيء آخر معروض في المدينة.

استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)
استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)

غرف حرب تشرشل تحت الأرض

تعد «غرف حرب تشرشل» -التي تقع على عمق 12 قدماً فقط تحت مستوى الأرض وجزء صغير من المساحة البالغة 8000 متر مربع التي تشغلها أنفاق «كينغسواي إكستشينج»- من أكثر مناطق الجذب السياحي الدائمة تحت الأرض تطوراً في لندن حالياً. كما تُجري شركة مترو أنفاق لندن جولات سياحية دورية في «لندن الخفية» لاستكشاف محطات المترو والأنفاق المهجورة في المدينة. وعادةً ما تكون الجولات ذات شعبية كبيرة مع زيادة ملحوظة في عدد المشتركين فيها، حيث تنفد التذاكر بمجرد طرحها للبيع. ومع ذلك، فهي لا تزال أفضل فرصة لك لخوض مغامرة تحت الأرض لبضع سنوات مقبلة، لأن مشروع أنفاق لندن إذا استمر فلن يستقبل أول زواره المنبهرين حتى عام 2027.

إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)
إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)

إذاً، كيف وصلنا إلى هنا؟ بعد الحرب، استولت المخابرات البريطانية على الأنفاق لمكتبها التنفيذي للعمليات الخاصة (جزء من MI6)، وكان من المفترض أن تكون المكاتب مصدر إلهام لأفلام «جيمس بوند». وفي الخمسينات، جرى تحويل المجمع إلى Kingsway Exchange Tunnels، وهو يضم أعمق مقهى تحت الأرض، تم بناؤه لموظفيه البالغ عددهم 200 موظف.

وقال موراي: «عندما تنزل إلى هذه الأنفاق، سيكون من المستحيل عدم التفكير في تاريخ بنائها، وكيف ضحَّى الرجال والنساء بأنفسهم من أجل ذلك».

تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)
تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)

وأوضح موراي الخطط قائلاً: «هناك مولِّدان كبيران جرى تركيبهما بعد الحرب لتشغيل تبادل الاتصالات. سيتم الاحتفاظ بجميع هذه القطع من المعدات -مثلما فعل ويلكنسون اير في باترسي- وسيرى الناس هذه المعدات الأصلية الموجودة داخل الأنفاق».

ويأمل المشروع الذي تبلغ تكلفته 120 مليون جنيه إسترليني أن يتميز بشاشات عالية الدقة وأنشطة تفاعلية ومئات من المتحدثين، وحتى تكنولوجيا انبعاث الروائح لجذب هواة التاريخ والسياح على حد سواء. ويتوقع موراي أن يكون عامل الجذب مؤثراً مثل «عين لندن» التي تستقبل نحو 3 ملايين زائر سنوياً.