الصين في زاوية «الحصار الشامل» وسط رسوم ترمب الجمركية

ازدياد مخاطر الانكماش وضغوط لإطلاق مزيد من الحوافز

شاشة تعرض حركة الأسهم في أسواق الصين وسط العاصمة بكين (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم في أسواق الصين وسط العاصمة بكين (رويترز)
TT

الصين في زاوية «الحصار الشامل» وسط رسوم ترمب الجمركية

شاشة تعرض حركة الأسهم في أسواق الصين وسط العاصمة بكين (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم في أسواق الصين وسط العاصمة بكين (رويترز)

أنشأ جين تشاوفنغ، صانع الأثاث الصيني، مصنعاً في فيتنام في يوليو (تموز) الماضي لتجنب الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة. وهو الآن يتطلع إلى إغلاقه، حيث تفرض واشنطن رسوماً باهظة على هانوي وبقية دول العالم.

وقال جين لـ«رويترز»: «لقد بذلت كل هذا العمل من دون مقابل»، مضيفاً أن التجارة الخارجية ستصبح قطاعاً بـ«هامش ربح ضئيل للغاية»، تماماً مثل السوق الصينية المتعطشة للطلب.

ولا يوجد بلد آخر يقترب من تحقيق المبيعات الصينية السنوية التي تتجاوز 400 مليار دولار من البضائع إلى الولايات المتحدة. ورفع الرئيس دونالد ترمب للتو الرسوم الجمركية بنسبة 34 في المائة إضافية على تلك السلع.

وتضرب الرسوم الجمركية العالمية جوهر استراتيجيتين رئيستين يتبعهما المصدرون الصينيون للتخفيف من وطأة الحرب التجارية: نقل بعض الإنتاج إلى الخارج، وزيادة المبيعات إلى الأسواق غير الأميركية.

وقد تُوجه هذه الرسوم الجمركية الشاملة ضربة قوية للطلب العالمي. وتُعد الصين أكثر عُرضة لخطر انكماش التجارة العالمية من أي دولة أخرى، حيث اعتمد نموها الاقتصادي العام الماضي بشكل كبير على تحقيق فائض تجاري بقيمة تريليون دولار.

وتتوقع شركة «كايوان» للأوراق المالية أن تُؤدي الرسوم الجمركية الجديدة إلى خفض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 30 في المائة، وخفض إجمالي الصادرات بأكثر من 4.5 في المائة، وعرقلة النمو الاقتصادي بنسبة 1.3 نقطة مئوية.

وقال يوان يووي، مدير صندوق التحوط في شركة «ووتر ويزدوم» لإدارة الأصول، الذي أعرب عن تفاؤله بشأن الذهب، وبيع أسهم الصين وهونغ كونغ على المكشوف نتيجة لذلك: «إنه حصار شامل ضد الصين».

وقبل إعادة انتخاب ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان كثير من المصنّعين الصينيين ينقلون بالفعل بعض مرافق الإنتاج إلى جنوب شرقي آسيا ومناطق أخرى... وتواجه مصانعهم الجديدة الآن تعريفات جمركية بنسبة 46 في المائة في فيتنام، و36 في المائة في تايلاند، وما لا يقل عن 10 في المائة في أي مكان آخر.

ومع رفع ترمب التعريفات الجمركية على الصين بنسبة 20 نقطة مئوية في فبراير (شباط) ومارس (آذار)، كانت القوة التسويقية العالمية لمصنّعيها في سباق محموم للبحث عن أسواق تصدير جديدة في آسيا وأميركا اللاتينية وأماكن أخرى.

وتتعرض هذه الاقتصادات الآن لضربة جمركية، مما قد يُقلل من قوتها الشرائية وطلبها على السلع الصينية. ويقول المحللون إن إجراءات واشنطن الجديدة تُعدّ بمثابة ضربة قاضية لبكين قد تُعيق نموها الاقتصادي وجهودها لمكافحة الانكماش.

وقال تشيوو تشن، أستاذ المالية في كلية إدارة الأعمال بجامعة هونغ كونغ، لـ«رويترز»: «هذا سيجعل تحقيق هدف النمو البالغ 5 في المائة أمراً مستحيلاً». وأضاف: «لا يمكن للصين الخروج من هذا الوضع الانكماشي في أي وقت قريب. هذه الزيادة الجديدة في التعريفات تُفاقم الأمور بالتأكيد».

وتنعكس صدمة الطلب الخارجي على الداخل، حيث يتعرض المنتجون لضغوط لخفض التكاليف. وصرح جيري جياو، صاحب مصنع في الصين يُنتج أحواض استحمام من الحديد الزهر، بأنه قد «سرّح بعض الموظفين، وخفّض تكاليف الإدارة، وخفّض نفقات مختلفة» هذا العام.

وقال لي تشاو لونغ، مدير مصنع ملابس في مدينة قوانغتشو الجنوبية، إنه بحاجة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الطلبات المحلية، لكنه قلق بشأن ضعف الطلب. وأضاف: «كانت لدينا كعكة واحدة لشخص واحد في السابق، والآن يريد خمسة أشخاص تناولها».

وفي عام 2023 زادت تجارة نحو 145 دولة مع الصين مقارنة بالولايات المتحدة، بزيادة تقارب 50 في المائة عن عام 2008، وفقاً لبحث أجراه بنك جيفريز الاستثماري. ويُعدّ هذا مقياساً لنجاح الصين على مدى عقود في تطوير صناعات تنافسية في ظل نظام التجارة العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة، الذي تعده الآن غير عادل ويشكل تهديداً لأمنها.

وقال مستشار صيني للسياسة التجارية، طلب عدم الكشف عن هويته: «ما زلنا بحاجة إلى تنويع أسواق صادراتنا، ودعم الصادرات، وتشجيع الشركات على التركيز بشكل أكبر على المبيعات المحلية».

وحذّر من أن «خطر الركود العالمي حقيقي»، مضيفاً: «إذا خضع الجميع، فسوف تستفيد الولايات المتحدة بالفعل، كما لو أن الآخرين يدفعون الجزية. أما إذا قاوموا وردّوا باستمرار، فلن يكون الاقتصاد الأميركي قادراً على التعامل مع الأمر».

وبالنسبة للصين، يتمثل الخطر الآخر في أن يشهد مزيد من شركائها التجاريين تنافساً زائداً بين مُصدّريها على الأسعار في أسواقهم، مما سيدفعهم إلى وضع حواجز تجارية خاصة بهم لحماية الصناعات المحلية... وقال لويس كويجس، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال» لشؤون آسيا: «هذا ينطبق على كل من أوروبا وكثير من اقتصادات الأسواق الناشئة».

كما تُضيف العوامل المحلية تحديات إلى أي خطة صينية لمضاعفة التجارة الخارجية. ويرى كثير من المحللين أن براعة الصين في التصدير ناتجة أيضاً عن سياسات حكومية حرمت الأسر من حقوقها، مما أدى إلى اختلالات مثل فائض الطاقة الإنتاجية في قطاع التصنيع، وتباطؤ الاستهلاك المحلي، وبناء الطرق والجسور دون جدوى.

وقال شاميك دار، كبير المستشارين الاقتصاديين في «فاثوم كونسالتينغ» إن «النزعة التجارية الصينية أدت إلى قمع مالي، حيث قدمت للأسر عوائد منخفضة على مدخراتها لتوفير تمويل رخيص للصناعات المفضلة... لقد أسهم هذا في نمو اقتصادي سريع، ولكنه أسهم أيضاً في سوء توزيع رأس المال، والمضاربة العقارية، وهشاشة القطاع المالي».

ويتوقع المحللون أن تعلن بكين عن مزيد من التحفيز قريباً. وقد تتراوح هذه الإجراءات بين تخفيضات أسعار الفائدة من البنك المركزي، وضخ السيولة، وتخفيضات ضريبية للمصدرين، ودعم سوق العقارات، وربما حتى زيادة عجز الموازنة وإصدار الديون بشكل أكبر مما أشير إليه في الاجتماع البرلماني السنوي في مارس.

وقال مستشار سياسي إن خفض الأموال التي يتعين على البنوك الاحتفاظ بها احتياطيات، وخفض أسعار الإقراض، ينبغي أن يكون ذلك أولوية للربع الثاني، بينما قد يأتي مزيد من التحفيز المالي في الربع الثالث. وأضاف: «من دون هذه الخطة البديلة، من غير المرجح أن تحقق الصين هدف النمو البالغ نحو 5 في المائة هذا العام». علاوة على ذلك، ينبغي على وزارة المالية إعداد خطة «ج» في حال أقدم ترمب على زيادة الرسوم الجمركية على الصين.

لكنّ المحللين يرون أن مفتاح تخفيف مخاطر النمو والانكماش يكمن في السياسات التي تُعدّها بكين لتعزيز الاستهلاك.

وتتعهد الصين منذ أكثر من عقد بتغيير نموذجها الاقتصادي بعيداً عن الاستثمارات، نحو نمو قائم على الاستهلاك. وقد قدّم قادتها هذه الوعود بصوت أعلى في البرلمان، دون الكشف عن تدابير هيكلية جوهرية.

وأشار المحللون إلى أن اضطراب التجارة العالمية يجعل هذه الالتزامات أكثر إلحاحاً، على الرغم من أن الآمال في إجراء إصلاحات هيكلية كبرى لا تزال ضئيلة، نظراً لمدى صعوبة هذا التحول.

ومن الممكن تقديم دعم لمشتريات السلع الاستهلاكية وزيادة دعم رعاية الأطفال، لكنّ إصلاحاً أوسع نطاقاً للرعاية الاجتماعية، وتغييرات جذرية في النظام الضريبي، وتحرير الأراضي، وغيرها من السياسات لإعادة توجيه الموارد إلى الأسر من القطاع العام، لا تزال غير مرجحة.

وقال نيك مارو، كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا ورئيس قسم التجارة العالمية في وحدة أبحاث «إيكونوميست»: «من المرجح أن نشهد مضاعفة الجهود لتشجيع الطلب المحلي وسيلة لتعويض هذه الصدمة المتوقعة للطلب الخارجي... لكن ليس بإمكان الحكومة الصينية فعل الكثير».


مقالات ذات صلة

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الاقتصاد الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بمارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

تُعيد الشركات الصينية بيع كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مستفيدةً من ارتفاع أسعار السوق الفورية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد انعكاس مبنييْ بنك إنجلترا والبورصة الملكية في مرآة مرورية بلندن (رويترز)

بنك إنجلترا يحذر من المخاطر المالية لحرب الشرق الأوسط

أعلن بنك إنجلترا، يوم الأربعاء، أن حرب الشرق الأوسط تسببت في «صدمة سلبية كبيرة في العرض للاقتصاد العالمي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.