الكسل... صفة وراثية أم مكتسبة؟

الجينات ونمط الحياة يساهمان في حدوثه

الكسل... صفة وراثية أم مكتسبة؟
TT

الكسل... صفة وراثية أم مكتسبة؟

الكسل... صفة وراثية أم مكتسبة؟

كشفت دراسة حديثة مسؤولية بعض الجينات عن الشعور بالكسل، وعدم الرغبة في النهوض من الفراش باكراً، وأرجعت أسباب ذلك الشعور إلى 7 جينات، هي المسؤولة عن ميل الأشخاص إلى الخمول وعدم ممارسة أي نشاط بشري.

الكسل والحمض النووي
هل الكسل في حمضك النووي؟ دائماً ما يتم الربط بين الخمول والكسل بعادات يميل إليها الشخص الكسول، دون أن يكون للجينات الموروثة أي علاقة. إلا أن دراسة حديثة نسفت هذا المفهوم، لتبرئ معها الشخص الكسول من مسؤولية ميله إلى الخمول.
أكدت الدراسة التي أجراها علماء من جامعة «أكسفورد» البريطانية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أن الكسل ينبع من صفات متوارثة وليست مكتسبة، عبر الجينات السبعة المسؤولة عن الكسل والخمول. واعتمدت الدراسة على بحث أجري على 91 ألفاً و105 أشخاص، عبر تحليل بياناتهم، مؤكدة أن النتائج برهنت على أن الكسل والخمول ينحصر في الواقع بعلم الوراثة. وقد ارتدى الأشخاص الذين أجريت عليهم الدراسة جهاز مراقبة مثبتاً على معصمهم لمدة أسبوع، بهدف قياس مستويات النشاط لديهم، ليتبين أن هناك 14 جيناً نصفها غير معروف، كانت مرتبطة مباشرة بنشاط الشخص. وهذه الجينات هي أجزاء من الحمض النووي (دي إن إيه) التي ترشد الجسم لأداء العمل بشكل ما.
ويمكن أن تقدم دراسة الحمض النووي نظرة جديدة حول ما إذا كانت الجينات تجعل الناس يعانون من السمنة، ولذلك هم كسالى، أو لأنهم غير نشطين مما يؤدي إلى السمنة. وربط الباحثون بين هذه الجينات المكتشفة حديثاً ومستويات النشاط لدى الأفراد في بريطانيا بعد إجراء المقارنات.
ومع هذا، يرى الباحثون أن الدراسة الحديثة على الرغم من أهميتها في تحديد الجينات المسؤولة عن الكسل، فإن العادات المكتسبة والوعي لدى الأشخاص، يساهم بشكل فعال في تقليل الشعور بالخمول.
وأوضحت الدكتورة إيدين دوهرتي التي قادت الدراسة، أن كيفية ممارسة أنشطتنا وأسبابها لا تتعلق بالجينات، مستدركة بأن فهم العمل الذي تلعبه الجينات سيساعد في تحسين فهم أسباب ونتائج عدم الرغبة في ممارسة أي نشاط بشري. وأن الخمول البشري هي مشكلة الصحة العامة المتنامية؛ لأن أنماط الحياة المستقرة للناس تزيد من خطر السمنة والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والسرطان.
وقد أظهرت البيانات الأخيرة لممارسة الرياضة في إنجلترا، أن هناك واحداً من كل ستة أطفال يمارس الرياضة لمدة ساعة واحدة في اليوم، الموصى بها من قبل وزارة الصحة البريطانية. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية في سبتمبر (أيلول) 2018، فإن 40 في المائة من النساء و32 في المائة من الرجال في المملكة المتحدة، يفشلون في القيام بما يكفي من النشاط البدني للبقاء في صحة جيدة.

الكسل والذكاء
هل تصدق أن الكسل ربما يدل على الذكاء؟ في دراسة جامعة «أكسفورد» وكثير من الدراسات التي سبقتها، كان هناك إجماع على أن الأشخاص الكسالى محدودو التفكير، ولا يتمتعون بالقدر الكافي من الذكاء، وهو ما يدفعهم إلى الكسل وعدم النشاط، وأن نمط الحياة هذا يسبب لهم مشكلات صحية كثيرة.
وقد أثبتت دراسة حديثة عكس ذلك تماماً؛ حيث تناولت العلاقة بين الكسل ونسبة الذكاء المرتفعة، وتوصلت إلى أن الأشخاص الذين يبدون كسلاً أكثر مما لدى الأشخاص العاديين يتمتعون بنسبة ذكاء تفوق النسب المعتادة. وأجرى باحثون من جامعة «فلوريدا العالمية» في عام 2016، استطلاعاً للرأي بين عشرات من الطلبة.
وبناء على الاستبيان الأولي تم اختيار 60 منهم، تم تقسيمهم إلى مجموعتين، ضمت المجموعة الأولى 30 طالباً من المفكرين، والمجموعة الثانية 30 طالباً من غير المفكرين.
وأظهرت النتائج أن مجموعة الأشخاص المفكرين، كانت أقل نشاطاً من أعضاء مجموعة غير المفكرين. ورجح الباحثون أن هذه النتائج تؤيد فكرة أن غير المفكرين يُصابون بالملل بسهولة، ولذلك يحتاجون إلى ملء أوقاتهم بالأنشطة البدنية.
وشدد العلماء على أن هذه الدراسة لم تقدم تفسيراً علمياً للحقيقة المتداولة حول اتباع نمط حياة يتميز بالكسل والخمول بالنسبة للمفكرين، والأشخاص الأكثر ذكاء، ولكنها أثبتت أن هناك علاقة منطقية بين الذكاء والكسل، وهو ما يمثل دليلاً على أن نمط الحياة المستقر والروتيني يمكن أن يكون مؤشراً علمياً على الذكاء.

الكسل القاتل
أظهرت دراسة أجريت على مليون شخص، أن عدم ممارسة النشاط البدني يكلف الاقتصاد العالمي نحو 67.5 مليار دولار سنوياً، بالنسبة لتكاليف الرعاية الصحية والخسائر الإنتاجية، وأن ممارسة التمرينات لمدة ساعة يومياً يمكن أن تمنع كثيراً من هذه الخسائر.
ووجد الباحثون أن أسلوب الحياة الذي يخلو من النشاط، مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان، وأن أنشطة مثل السير السريع قد تقي من الاحتمال المتزايد للموت المبكر، المرتبط بالجلوس لمدة 8 ساعات أو أكثر يومياً. وتشير التقديرات إلى أن عدم الحركة يتسبب في حدوث أكثر من 5 ملايين حالة وفاة سنوياً.
وقال أولف أيكيلوند، أستاذ في المدرسة النرويجية للعلوم الرياضية وجامعة «كامبردج»: «إن توصيات منظمة الصحة العالمية بممارسة التمرينات المعتدلة، بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً ليست كافية على الأرجح. ولا يتبع حتى ربع البالغين في أنحاء العالم توصيات منظمة الصحة العالمية».
وأضاف أنه ليس من الضرورة أن تمارس الرياضة أو أن تذهب إلى صالة الألعاب الرياضية، ولكن من الضروري أن تفعل ذلك «بالسير أو ركوب الدراجة» لمدة ساعة يومياً.
وشدد على أن الأشخاص الذين يجلسون لمدة 8 ساعات يومياً لكنهم يمارسون نشاطاً من نواحٍ أخرى، هم أقل تعرضاً لخطر الموت المبكر، مقارنة بالأشخاص الذين يقضون ساعات أقل في الجلوس لكنهم أقل نشاطاً، مما يشير إلى أن التمارين مهمة على نحو خاص، بصرف النظر عن عدد الساعات التي يقضيها المرء في الجلوس. وأشارت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يجلسون لفترات طويلة ولا يمارسون أي نشاط، هم الأكثر عرضة لخطر الموت المبكر.

* أكثر الشعوب كسلاً أو نشاطاً في العالم

* وضعت دراسة سابقة أجرتها جامعة «ستانفورد» الأميركية وشملت نحو 717 ألف رجل وامرأة من 111 دولة حول العالم، قائمة بأكثر الدول كسلاً. وجاءت إندونيسيا في المركز الأول للكسل وفق الدراسة، ثم ماليزيا والفلبين وجنوب أفريقيا، بينما كانت هونغ كونغ الأكثر نشاطاً حول العالم، ثم الصين وأوكرانيا واليابان. وتم الحصول على هذه المعلومات من خلال تحليل البيانات الموجودة على هواتف 700 ألف شخص شاركوا في الدراسة.
وقال سكوت ديلب، أستاذ الهندسة الحيوية وأحد المشاركين في الدراسة، إنه تم إجراء كثير من الدراسات الاستقصائية المشابهة من قبل، ولكن الفرق هو أن هذه الدراسة وفرت بيانات من عدد أكبر من البلدان، متتبعة بذلك نشاط البشر على أساس مستمر، وهذا ما يفتح لنا الباب على طرق جديدة في ممارسة مهامنا العلمية، على نطاق أوسع من السابق.
لاحظ الباحثون من خلال دراستهم جانباً مهماً بعض الشيء، وهو أنه وعند الدلالة عن معدل السمنة في بلد ما، فإننا لا نأخذ معدل تلك الخطوات في عين الاعتبار بشكل مباشر، وإنما نأخذ الفرق بين من هم أكثر نشاطاً جسدياً ومن هم الأكثر كسلاً، وكلما اتسعت تلك الفجوة كلما زاد عدد الأشخاص المصابين بالسمنة في ذلك البلد.
وفي مشروع بحثي آخر قامت به الباحثة جور ليسكوفيك، أوضحت فيه أن النساء هنَّ الأكثر تأثراً في هذه الدراسة؛ حيث أوضحت أنهنَّ الأقل نشاطاً من الرجال، وهذا هو سبب ارتفاع معدلات البدانة بين النساء أكثر من الرجال.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
TT

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)
«ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

وتم تحديد موعد أول رحلة مأهولة إلى القمر ضمن برنامج «أرتيميس» الآن في توقيت لا يتجاوز 8 فبراير (شباط)، متأخرة يومين عن الموعد الأصلي، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وكانت وكالة «ناسا» على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» القمرية، البالغ طوله 322 قدماً (98 متراً)، بالوقود، غداً السبت، لكنها ألغت كل شيء في وقت متأخر، أمس الخميس، بسبب الطقس البارد المتوقع.

والآن، تم تحديد موعد «الاختبار النهائي بالغ الأهمية»، يوم الاثنين المقبل، إذا سمحت ظروف الطقس.

ويعني هذا التغيير أن أمام «ناسا» ثلاثة أيام فقط في فبراير (شباط) لإرسال أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر والعودة، قبل أن تمتد المهمة إلى مارس (آذار).


الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي
TT

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

نشهد اليوم طفرة غير مسبوقة في القدرات الإبداعية؛ إذ تُزيل الواجهات الصوتية الحواجز أمام مليارات الأشخاص الذين يجدون لوحات المفاتيح مُرهقة، بينما تستطيع مولدات الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي محاكاة أي توجُّه إبداعي تقريباً على الفور. وهكذا تتلاشى القيود التقنية التي كانت تُحدد العمل الإبداعي، كما كتب كاميرون آدامز(*).

ومع ذلك، تُثير هذه الوفرة تحدياً جديداً: عندما يصبح كل شيء ممكناً، تُصبح الاحتمالات مُربكة. عندها، تكمن القيمة الحقيقية في معرفة ما يستحق الصنع والتنفيذ.. وما لا يستحق.

وأتوقع أنه في عام 2026، سيُصبح السؤال: «هل يجب أن نبني هذا؟» أكثر أهمية من السؤال «هل نستطيع بناء هذا؟».

فائض القدرات

يدور نقاش الذكاء الاصطناعي حول القدرات؛ ما يُمكنك صنعه. سرعة إنجازه. ما هو مُمكن الآن. لكن ثمة فجوة تتسع بين ما يُمكننا ابتكاره وما ينبغي علينا ابتكاره.

يكشف تقرير ماكينزي لحالة الذكاء الاصطناعي الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن مفارقة لافتة: 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً في وظيفة تجارية واحدة على الأقل، ومع ذلك، فإن نسبة 39 في المائة فقط تُبلغ عن تأثيره المالي على مستوى المؤسسة. إنها تُحقق قيمة في حالات استخدام مُحددة، لكنها تُعاني في ترجمة ذلك إلى نمو طويل الأجل أو تحسين هوامش الربح.

الخلل يكمن في معرفة المواضع التي يمكن فيها تطبيقه، وكيفية إنشاء إطار عمل يُمكّنه من إحداث تأثير فعلي.

المهارات التي يُمكن للجميع صقلها في عام 2026

يُتيح هذا التحوّل فرصة حقيقية لكل مُبدع، ومُحترف، وكل من يهتم بتطوير مهاراته وتوسيع نطاق تأثيره.

عندما يُصبح التنفيذ الإبداعي مُتاحاً للجميع، تبرز ثلاثة عوامل مهمة:

البدء بطرح أسئلة أفضل: «كيف يُمكننا تحقيق أكبر تأثير؟ ما القرارات التي يجب أن تبقى بيد الإنسان؟ أين تُؤدي الأتمتة إلى الهشاشة؟». هذه ليست قيوداً، بل أُطر عمل تمنع الإرهاق المعرفي عندما يكون كل شيء مُمكناً تقنياً.

• تطوير الذوق من خلال التكرار: كما حدث مع الآلات الحاسبة، فإنها لم تُلغِ الحاجة إلى الفهم الرياضي. وكذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يُلغي الحاجة إلى الأسس الإبداعية. ولكن ما يتغير هو أن القدرة على التكرار السريع باستخدام الذكاء الاصطناعي تُسرّع في الواقع من تطوير الذوق. ستحصل على المزيد من المحاولات، ودورات تغذية راجعة أكثر دقة، وتعلّم أسرع. أنت تُنمّي أحكامك من خلال اتخاذ المزيد من القرارات، لا أقل.

• تحديد موعد النشر والمشاركة: عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد عدد لا يُحصى من التنويعات فوراً، يصبح الضغط على زر مشاركة شيء ما مع شخص ما هو الفعل الإبداعي الأساسي. إن ما تُرسله، ومتى تُرسله، ومَن يتسلمه قرارات تشكل هويتك ورسالتك بطرق لا يستطيع التوليد وحده، تحقيقها.

الأدوات والمنصات الشركاء في الإبداع

إذا كانت معرفة ما يجب صنعه هي المهارة الجديدة، فإن الأدوات التي تُساعدنا على تطوير هذه المهارة لن تكون مجرد أدوات مُطيعة؛ إذ إن أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر قيمة لن تكون تلك التي تُنفّذ رؤيتك فحسب، بل تلك التي تعمل شركاء في الإبداع. أتوقع ظهور أدوات تُوفّر القدر المناسب من التحدي لدفع أفكارك الإبداعية قُدُماً.

سيتغير دور المنصات الإبداعية من مجرد توفير الإمكانيات إلى توفيرها مع دعمٍ مُدمجٍ في المنتج نفسه. وهذا يعني:

أدوات تُحفّز التفكير الإبداعي بدلاً من مجرد تنفيذ الأفكار

• واجهات تُدرك متى تتوقف عن الإزعاج بدلاً من المقاطعة المستمرة (إشعارات أقل، قرارات أقل، مقاطعات أقل)

• ميزات تُساعد المستخدمين على فهم سبب نجاح خيارٍ ما، وليس مجرد نجاحه

الطيف الإبداعي الجديد: إنساني واصطناعي وهجين.

نتجه الآن نحو أنماط إبداعية متعددة وفعّالة: إبداع بشري خالص، إبداع ذكاء اصطناعي خالص، إبداع ذكاء اصطناعي مُدمج مع إبداع بشري (أحياناً مُعلن، وأحياناً خفيّ). وبدلاً من هيمنة نهجٍ واحد، سيُنتج هذا الطيف أنواعاً مختلفة من الأعمال ونقاشاتٍ مُختلفة حول الإبداع. سنرى إعلانات «غير مُصمَّمة باستخدام الذكاء الاصطناعي» تتعايش مع دمج الذكاء الاصطناعي في الخفاء بوصفه ممارسة قياسية.

يعكس هذا توسعاً في الإمكانيات. سيتمكن عددٌ أكبر من الناس من الوصول إلى الأدوات الإبداعية أكثر من أي وقتٍ مضى. السؤال هو: هل سيُطورون القدرة على استخدامها بشكلٍ جيد؟

جوهر الذكاء الاصطناعي يكافئ مطوري مهارات التفكير النقدي

كيف يبدو النجاح الآن؟ لا يكمن التفاؤل في عام 2026 بأن يجعل الذكاء الاصطناعي الإبداع سهلاً. يكمن جوهر الذكاء الاصطناعي في إتاحة الإبداع للجميع، ثم مكافأة مَن يطورون مهارات التفكير النقدي ضمن هذا النطاق.

يتمتع مليارات الأشخاص اليوم بإمكانية الوصول إلى أدوات إبداعية احترافية؛ فهل سنغرق في فيديوهات التزييف العميق للمشاهير، أم سنشهد ظهور جيل جديد من الفنانين المعاصرين؟ يعتمد هذا على مدى جودة دمجنا «أطر التفكير النقدي» في أدوات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها وفي أساليب عملنا. علينا استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحكمة، ولكننا نحتاج أيضاً إلى محاسبة أنفسنا على التفكير العميق قبل النشر.

أكثر المهنيين المطلوبين للعمل

سيكون الطلب أكثر على المحترفين القادرين على إعادة صياغة الأسئلة المعقدة، وتفنيد الافتراضات الخاطئة، وتحديد ما لا يحتاج إلى تحسين. لماذا؟ لأنه عندما تتوفر للجميع أدوات توليد المحتوى ذاتها، يرتفع مستوى جودة المخرجات، ولكن يزداد أيضاً حجم الأعمال المتوسطة التي تبدو احترافية، ولكنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.

نشهد بالفعل عواقب الاعتماد على القدرات دون تمييز: حملات تسويقية مصقولة تقنياً ولكنها غير متماسكة استراتيجياً، وتصاميم تتبع الصيحات دون تلبية احتياجات المستخدمين، وبرمجيات تعمل ولكنها تُراكم ديوناً تقنية.

حملات إعلانية «ذكية بلا روح»

كانت حملة «كوكاكولا» لموسم الأعياد لعام 2024، التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مصقولة تقنياً، ولكنها بدت «خالية من الروح» للجمهور الذي توقع دفء العلامة التجارية المعهود، بينما تم سحب إعلان «ماكدونالدز» في هولندا، الذي تم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي، بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقه، إثر ردود فعل غاضبة.

وفي مجال البرمجة، وجد تحليلGitClear» » لعام 2024 لـ211 ​​مليون سطر، أن كتل التعليمات البرمجية المنسوخة والملصقة زادت ثمانية أضعاف؛ ما أدى إلى توليد تعليمات برمجية تعمل ولكنها تُراكم «ديوناً تقنية» لتُسبب مشاكل مستقبلية.

مبدعون فائزون

الفائزون في هذا المشهد الجديد - سواء أكانوا مبدعين أو منصات - هم مَن يستطيعون تمييز ما هو مهم وسط الزحام.. مَن يطورون المهارة البشرية لمعرفة المشكلات الجديرة بالحل.. من يدركون أن الإمكانيات غير المحدودة لا تعني بالضرورة أن كل إمكانية قيّمة. يتحول معيار التنافس من «أستطيع فعل هذا» إلى «أعلم أن هذا يستحق العناء».

* مجلة «فاست كومباني»


الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
TT

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

عام 2024، تقاسم عالمان من «غوغل ديب مايند» جائزة نوبل في الكيمياء عن برنامج الذكاء الاصطناعي المسمى «ألفا فولد 2».

وفي حين كان العلماء يجاهدون لعقود، لفهم كيفية طي سلاسل الوحدات البنائية الجزيئية التي تكون البنى ثلاثية الأبعاد المعقدة للبروتينات، قام ديميس هاسابيس وجون غامبر وزملاؤهما في «ديب مايند» بتدريب برنامج للتنبؤ بأشكال هذه البروتينات. وعندما طُرح برنامج «ألفا فولد 2» في عام 2020، حقق أداءً متميزاً في هذه المهمة، مما دفع العلماء حول العالم إلى اعتماده.

ويقول أليكس بالازو، عالم الوراثة في جامعة تورنتو: «الجميع يستخدم (ألفا فولد 2). وقد استخدم العلماء البرنامج لدراسة كيفية عمل البروتينات بشكل طبيعي، وكيف يمكن أن يؤدي خلل وظيفتها إلى الإصابة بالأمراض. وقد ساعدهم البرنامج في بناء بروتينات جديدة كلياً، سيخضع بعضها قريباً لتجارب سريرية».

«ألفا فولد» لدراسة إنتاج البروتينات

مشروع «ألفا جينوم»

والآن، يحاول فريق آخر من الباحثين في «ديب مايند» تطبيق ما فعلته الشركة مع البروتينات، على الحمض النووي «دي إن إيه»، فقد كشف الباحثون النقاب يوم أمس الأربعاء، عن برنامج «ألفا جينوم» AlphaGenome في مجلة «نتشر» Nature بعد أن درّبوا ذكاءهم الاصطناعي على كم هائل من البيانات الجزيئية، ما مكّنه من التنبؤ بآلاف الجينات.

التنبؤ بنشاط الطفرات الجينية

على سبيل المثال، يستطيع «ألفا جينوم» التنبؤ بما إذا كانت طفرة ما ستؤدي إلى تعطيل جين أو تنشيطه في وقت غير مناسب، وهو سؤال بالغ الأهمية لفهم السرطان وأمراض أخرى.

وقال الدكتور بيتر كو، عالم الأحياء الحاسوبية في مختبر «كولد سبرينغ هاربور» بنيويورك الذي لم يشارك في المشروع، إن برنامج «ألفا جينوم» يُمثل خطوةً هامةً نحو الأمام في تطبيق الذكاء الاصطناعي على الجينوم. وأضاف: «إنه إنجاز هندسي رائع». لكن كو وخبراء آخرين من خارج الفريق حذروا من أن هذا البرنامج ليس سوى خطوة واحدة على طريق طويل. وقال مارك غيرستين، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ييل: «هذا ليس برنامج ألفافولد... ولن يفوز بجائزة نوبل».

شكوك علمية في فائدته

وفي الواقع سيكون برنامج ألفا جينوم مفيداً. وقال الدكتور غيرستين إنه سيضيفه على الأرجح إلى أدواته لاستكشاف الحمض النووي، ويتوقع آخرون أن يحذوا حذوه. لكن لا يبدو أن كل العلماء يثقون ببرامج الذكاء الاصطناعي مثل «ألفا جينوم» لمساعدتهم في فهم الجينوم.

فقد صرح ستيفن سالزبيرغ، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة جونز هوبكنز: «لا أرى أي قيمة لها على الإطلاق في الوقت الحالي. أعتقد أن هناك الكثير من الأذكياء يُضيعون وقتهم عليه».

قبل عصر الحواسيب، أجرى علماء الأحياء تجارب دقيقة لكشف القواعد التي تحكم جيناتنا. وكان أن اكتشفوا أن الجينات تُكتب بأبجدية جينية رباعية الأحرف تُسمى القواعد. ولإنتاج بروتين، تقرأ الخلية التسلسل الموجود في الجين، الذي قد يمتد لآلاف القواعد.

الخلايا وأخطاء إنتاج البروتينات من الجينات

لكن كلما تعمق العلماء في دراسة الجينوم البشري، ازداد تعقيده وتشابكه. ورأوا أنه عندما تقرأ الخلايا جيناً ما، على سبيل المثال، غالباً ما تتجاوز أجزاءً من تسلسله. ومن خلال هذه العملية تستطيع الخلايا إنتاج مئات البروتينات المختلفة من جين واحد. ولكن يحدث عدد من الأمراض عندما تتعامل الخلايا مع جيناتها بشكل خاطئ. ولا توجد بصمة بسيطة للمواقع في الجينات التي يجب أن يتم على الخلايا التعامل معها، لذا أمضى العلماء عقوداً في بناء فهرس لها.

ومن الأسئلة المهمة الأخرى المتعلقة بالجينوم، كيفية اختيار الخلايا الجينات التي تستخدمها لإنتاج البروتينات، إذ اكتشف العلماء جزيئات خاصة ترتبط بالحمض النووي «دي إن إيه» وتمدده في حلقات معقدة. في بعض الحالات، تُعرّض الحلقات الجين لآلية تصنيع البروتين في الخلية. وفي حالات أخرى، ينتهي المطاف بالجين مُخبأً داخل لولب.

جمع مليارات البيانات

في عام 2019، شرَّع باحثون في «غوغل ديب مايند» في مشروع تطور لاحقاً إلى «ألفا جينوم». بحلول ذلك الوقت، كان علماء الأحياء قد جمعوا كميات هائلة من البيانات، فإضافة إلى ثلاثة مليارات زوج من القواعد في الجينوم البشري، جمعوا أيضاً نتائج آلاف التجارب التي تقيس نشاط الجينات في أنواع عديدة من الخلايا.

وكان الباحثون في «ديب مايند» يأملون، من خلال تدريب الذكاء الاصطناعي على هذه النتائج الموجودة، في تطوير برنامج قادر على التنبؤ بدقة بأجزاء من الحمض النووي لم يسبق لهم رؤيتها. وقال زيغا أفسيك، الباحث العلمي في «ديب مايند»: «كان هذا هو الهدف الأمثل لنا».

توظيف الذكاء الاصطناعي

في عام 2021، كشف الدكتور أفسيك وزملاؤه عن نموذج أولي للذكاء الاصطناعي يُدعى «إنفورمر» Enformer، الذي قاموا بتطويره لاحقاً إلى «ألفا جينوم». وقد درّبوا البرنامج على نطاق أوسع من البيانات البيولوجية. وقال الدكتور غيرستين: «إنه حقاً يعمل على نطاق صناعي».

التنبؤ بـ11 عملية داخل الجينوم

يتناول العديد من برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لدراسة الجينوم جانباً واحداً فقط منه، مثل عملية تعامل الخلايا مع الجينات. لكن «ألفا جينوم» دُرِّب على التنبؤ بـ11 عملية مختلفة. وفي التقرير الصادر أمس الأربعاء، أشار الدكتور أفسيك وزملاؤه إلى أن أداء «ألفا جينوم» كان مماثلاً أو أفضل من أداء البرامج الأخرى في جميع الجوانب.

التعامل مع الطفرات وآثارها

وقالت الدكتورة كاثرين بولارد، عالمة البيانات في معاهد غلادستون، وهي منظمة بحثية في سان فرانسيسكو، التي لم تشارك في الدراسة: «إنها تقنية متطورة للغاية». وأوضحت بولارد وباحثون آخرون أن برنامج «ألفا جينوم» يتمتع بقدرة فائقة على التعامل مع الطفرات، وقادر على التنبؤ بآثارها، مثل تعطيل جين مجاور.

رصد دور أحد الجينات في حدوث اللوكيميا

في إحدى اختبارات الأداء، أضاف الباحثون طفرات إلى جزء من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يتضمن جيناً يُسمى TAL1.

في الأشخاص الأصحاء، يساعد جين TAL1 خلايا المناعة على النضوج حتى تتمكن من مكافحة مسببات الأمراض. وبمجرد اكتمال نمو الخلايا، يتوقف عمل الجين. لكن العلماء اكتشفوا أن الطفرات في جين TAL1 يمكن أن تؤدي إلى تنشيط الجين بشكل دائم. وهذا التغيير قد يتسبب في نهاية المطاف في تكاثر خلايا المناعة بشكل خارج عن السيطرة، مما يؤدي إلى الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا).

ووجد الدكتور أفسيك وزملاؤه أن برنامج «ألفا جينوم» قد تنبأ بدقة بتأثير هذه الطفرات على جين TAL1، وقال: «لقد كان من المثير حقاً رؤية نجاح هذه النماذج. إنه أشبه بالسحر أحياناً».

أداة تنبؤية تحتاج إلى تجارب مختبرية

وشارك باحثو «ألفا جينوم» توقعاتهم بشأن جين TAL1 مع الدكتور مارك منصور، اختصاصي أمراض الدم في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن»، الذي أمضى سنوات في الكشف عن الطفرات المسببة لسرطان الدم من خلال التجارب المختبرية.

وقال الدكتور منصور: «لقد كان الأمر مذهلاً حقاً، فقد أظهر مدى قوة هذه التقنية»، لكنه أشار إلى أن قدرة «ألفا جينوم» على التنبؤ تتضاءل كلما ابتعدت دراسته عن جين معين. ويستخدم منصور الآن «ألفا جينوم» في أبحاثه حول السرطان، لكنه لا يقبل نتائجه دون تمحيص. وأضاف: «هذه الأدوات التنبؤية تبقى مجرد أدوات تنبؤية، وما زلنا بحاجة إلى إجراء التجارب المختبرية».

ثقة مبالغ فيها

أما الدكتور سالزبيرغ من جامعة جونز هوبكنز، فهو أقل تفاؤلاً بشأن «ألفا جينوم»، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقاده بأن مطوريها يبالغون في الثقة بالبيانات التي دُرّبت عليها. فالعلماء الذين يدرسون مواقع الربط الجيني لا يتفقون على تحديد المواقع الحقيقية، من المواقع التي تُعدّ مجرد أوهام جينية. ونتيجة لذلك، أنشأوا قواعد بيانات تحتوي على فهارس مختلفة لمواقع الربط الجيني.

وقال الدكتور سالزبيرغ: «يعمل المجتمع العلمي منذ 25 عاماً على محاولة تحديد جميع مواقع الربط في الجينوم البشري، وما زلنا بعيدين عن تحقيق ذلك. ليس لدينا معيار ذهبي متفق عليه».

كما حذَّر الدكتور بولارد أيضاً من أن برنامج «ألفا جينوم» لا يزال بعيداً كل البعد عن أن يكون أداةً يستخدمها الأطباء لفحص جينومات المرضى بحثاً عن أي مخاطر صحية. فهو يتنبأ فقط بتأثير طفرة واحدة على جينوم بشري قياسي واحد.

وفي الواقع، يمتلك أي شخصين ملايين الاختلافات الجينية في حمضهما النووي. ولا يزال تقييم تأثير كل هذه الاختلافات في جسم المريض يتجاوز بكثير قدرات برنامج «ألفا جينوم» الصناعية. وأضاف الدكتور بولارد: «إنها مشكلة أصعب بكثير».

خدمة «نيويورك تايمز»