ترمب قد يلجأ لميزانية «البنتاغون» وإعلان «حالة طوارئ» لبناء الجدار

مظاهرات أمام البيت الأبيض لإعادة العمل في الدوائر الحكومية

إغلاق الدوائر الحكومية الأميركية مستمر منذ 21 يوماً (أ.ف.ب)
إغلاق الدوائر الحكومية الأميركية مستمر منذ 21 يوماً (أ.ف.ب)
TT

ترمب قد يلجأ لميزانية «البنتاغون» وإعلان «حالة طوارئ» لبناء الجدار

إغلاق الدوائر الحكومية الأميركية مستمر منذ 21 يوماً (أ.ف.ب)
إغلاق الدوائر الحكومية الأميركية مستمر منذ 21 يوماً (أ.ف.ب)

وصل إغلاق الدوائر الحكومية إلى يومه الـ21، وبدأت وزارة الدفاع تعد العدة لحالة الطوارئ التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل بناء الجدار المثير للجدل على الحدود الجنوبية الأميركية مع المكسيك على نفقة البنتاغون التي خصصتها له الحكومة. حالة التراشق السياسي، بين الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري من جهة، والحزب الديمقراطي الذي يشكل أغلبية برلمانية في مجلس النواب من جهة أخرى، دفعت الكثير من موظفي الحكومة إلى التظاهر. وقد احتشد هؤلاء في مظاهرة أمام البيت الأبيض مطالبين بإعادة فتح الحكومة الفيدرالية والعودة إلى وظائفهم وتسلم رواتبهم المتأخرة، وسار المئات منهم حاملين لافتات تقول: «أريد العودة لعملي» و«دعوني أعمل من أجل الشعب الأميركي» و«ترمب ضع حداً لوقف الإغلاق».
في الوقت نفسه، أفادت تقارير صحافية بأن دوائر البنتاغون بدأت فعلياً في إعداد خيارات لتوفير ميزانية بناء الجدار الحدودي تأهباً لإعلان الرئيس دونالد ترمب حالة الطوارئ التي وعد بها، وهو أحدث مؤشر على أن مثل هذه الخطوة تكتسب قوة دفع داخل الإدارة، ومن المقرر إعلانها قريباً.
وقال الناطق باسم البنتاغون، بيل سبيكس: إن وزارة الدفاع تعمل على مراجعة السلطات المتاحة وآليات التمويل، وذلك لتحديد الخيارات التي تمكّنهم من بناء الحاجز الحدودي، ملمحاً إلى إصدار الإعلان قريباً، وأنه من غير المناسب التصريح أكثر من ذلك في هذا الوقت. وقد ينتهي المطاف بالرئيس ترمب إلى استقطاع جزء من ميزانية برامج الإغاثة لدى وزارة الدفاع التي تبلغ 13.7 مليار دولار، أو من ميزانيات البناء العسكري.
وينظر الرئيس ترمب في إعلان لحالة طوارئ وسيلة لتحرير الأموال المتاحة في وزارة الدفاع لبناء الجدار الحدودي، بعد أن فشلت الأطراف السياسية في الكونغرس من الوصول إلى اتفاق من أجل إقرار الميزانية للدولة، والسماح للرئيس ترمب ببناء الجدار الحدودي، الذي يعارضه الديمقراطيون بشدة. وتبلغ قيمة بناء جدار على طول 234 ميلاً 5.7 مليار دولار.
إعلان حالة الطوارئ على الحدود الجنوبية ستسمح لفريق المهندسين العسكريين بتصميم الحواجز والسماح بتوقيع عقود البناء. وكان قد رافق الضابط تود سمونيت، الذي يقود الفرق على الحدود الجنوبية، الرئيس ترمب خلال رحلته يوم الخميس الماضي إلى الحدود الجنوبية مع المكسيك في ولاية تكساس. وكان الرئيس ترمب قد هدد يوم الخميس بأن الإعلان يمكن أن يحدث في أي وقت، بعد أن باءت المحادثات بين الرئيس والديمقراطيين الرامية إلى إنهاء الإغلاق الجزئي للحكومة الفيدرالية بالفشل، قائلاً: «لدينا الكثير من الأموال يمكن استغلالها في حالة طوارئ وطنية».
بدوره، قال مايك بنس، نائب الرئيس، في الكونغرس الخميس: إن ترمب مصمم على بناء جدار على الحدود، وهو يعتقد أنه يتمتع بحق مطلق في إعلان حالة الطوارئ، وسيقوم الرئيس بإنجاز ذلك بطريقة أو بأخرى، مؤكداً أن تلك الأموال ستأتي من ميزانية البنتاغون لتنفيذ مشروعات البناء التي وافق عليها الكونغرس، لكنها لم تنفق بعد.
وانقسم الفريق الجمهوري السياسي في الكونغرس ما بين معارض ومؤيد لبناء الجدار من ميزانية البنتاغون، على عكس الفريق الديمقراطي المعارض بشكل كامل. وأكد النائب ثورنبيري ماك ثورنبيري، الجمهوري من تكساس، وهو عضو بارز في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إنه يعارض تحويل الأموال من ميزانية البنتاغون، أو أي إدارة أخرى لدفع ثمن الجدار، معتقداً أن تحويل الأموال من الجيش سيمنعها، على سبيل المثال، من بناء ثكنات لإيواء القوات.
لكن من غير الواضح ما إذا كان يملك الرئيس ترمب الأعذار القانونية الكافية لاستخدام سلطات الطوارئ الرئاسية للحصول على تمويل فيدرالي من دون موافقة الكونغرس؛ إذ يقول الخبراء القانونيون: إن القانون يمكن تفسيره بطرق مختلفة اعتماداً على الخطوات التي يتخذها ترمب. لكنهم يوافقون على أن أي خطوة يقوم بها من المرجح أن تمهد الطريق لمعركة أخرى بارزة في قاعة المحكمة، وهي معركة قد تكون أمام المحكمة العليا.
ولا يحدد قانون الطوارئ الوطني لعام 1976 بوضوح ما يشكل الحالة، إذ يرى بوبي شيسني، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة تكساس، أن النظام الأساسي واسع للغاية، فهو لا يتمتع بالمعايير المخصصة لمنع تنفيذها. وأكد شيسني لصحيفة «ذا هيل» الأميركية، أنه من الممكن أن يعطي ترمب اليد العليا على الأقل في البداية بتنفيذ القانون، إلا أن المحاكم غالباً ما تؤجل قرار الرئيس عندما يتعلق الأمر بمسائل الأمن القومي، مضيفاً: «على سبيل المثال، عندما حكمت المحكمة العليا في العام الماضي بحظر قانون السفر الذي أقره ترمب، قالت أغلبية القضاة إن الرئيس قدّم حجة معقولة بأن هذه السياسة كانت ضرورية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، على الرغم من أنه وصفها بأنها (حظر إسلامي)؛ لذا لكي يكون المدعي واقفاً في المحكمة، وأن يثبت أنه قد يتضرر في إعلان الطوارئ الذي سيقرّه ترمب، وأن ضرره يمكن تصحيحه بقرار مواتٍ من المحكمة».
وأشار شيسني إلى أن الديمقراطيين في مجلس النواب قد يحاولون رفع قضية بالمحكمة لإنهاء حالة الطوارئ التي قد يرفعها ترمب، لكنه بيّن أنه يصعب في كثير من الأحيان تحديد مكانة التشريع؛ إذ قد يتضمّن المتقاضون الآخرون ذوو الكفاءات مالك الأرض الذي يواجه مجالاً بارزاً نتيجة لهذا. وأضاف: «هذا يمكن أن يوسع نطاق مجموعة المدعين المحتملين بالنظر إلى أن المساحة الشاسعة من الأراضي الممتدة على طول الحدود مملوكة ملكية خاصة، وإن كياناً آخر يمكن أن يقاضي مثل الشركات التي تفقد عقداً حكومياً بسبب إعادة تخصيص التمويل للجدار الحدودي».
وبالنظر تاريخياً إلى استخدام الرؤساء الأميركيين إعلان حالات الطوارئ، في عام 1952 أعلن الرئيس ترومان بشكل واضح حالة الطوارئ الوطنية وأمر وزير التجارة بالاستيلاء على معظم مصانع الصلب في البلاد، وتشغيلها بعد أن ذهب عمالها إلى إضراب على مستوى البلاد. وذلك لأن الصلب في تلك الفترة كان ضرورياً للأسلحة والمواد الحربية الأخرى المستخدمة في الحرب الكورية، وفي نهاية المطاف رفضت المحكمة العليا هذا الإعلان بعد مرور عام كامل، وصدر حكم في 6 يونيو (حزيران) من عام 1953 بإبطال تلك الحالة، وأوضحت المحكمة، أن الرئيس لا يستطيع الاستحواذ على الممتلكات الخاصة لإبقاء نزاعات العمل من أجل وقف إنتاج الصلب، وأن هذه وظيفة للمشرعين في البلاد، وليس لسلطاتها العسكرية. وفي عهد الرئيس رونالد ريغان، أعلنت حالة الطوارئ الوطنية لمواصلة السيطرة على بعض الصادرات بعد فشل الكونغرس في تجديد القانون ذي الصلة. كما أعلن الرئيس جورج دبليو بوش بشكل خاص حالة طوارئ بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية؛ مما منحه سيطرة واسعة على الجيش، وتم تجديد هذه الصلاحيات في السنوات اللاحقة خلال إدارة الرئيس باراك أوباما.
وأعلن الرئيس أوباما حالة طوارئ وطنية أثناء تفشي إنفلونزا الخنازير في عام 2009 للسماح للمستشفيات والحكومات المحلية بإعداد مواقع لمعالجة بديلة بسرعة، وقد وجد تقرير «مركز برينان للعدالة» الأخير، أن هناك أكثر من 100 سلطة طوارئ يمكن للرئيس أن يستشهد بها عند إعلان حالة الطوارئ الوطنية.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».