النظافة التي «تسطح»

الخميس - 5 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 مـ Issue Number [14625]

الخوف على الأطفال شيء محمود، ومراعاة نظافتهم أمر مطلوب، و«تهشيكهم وتبشيكهم» عين الصواب أحياناً، ولكن – وأضع تحت هذه الـ«لكن» عدة خطوط - أقول: ولكن الإفراط الزائد «أخو» التفريط، ومَن أراد أن يكون أطفاله أجمل الأطفال وأنظفهم وأعلمهم وأأدبهم وأخفّهم ظلاً، فعليه أن يبعثهم إلى مدرسة خارج نطاق الكرة الأرضية.
هؤلاء الأطفال في حاجة إلى العطف أكثر من التدليع، وإلى ضرب المثل أكثر من التلقين، وإلى إعطائهم الفرصة أكثر من محاصرتهم مخافة أن يسقطوا.
السقوط هو الذي يعلّمنا الوقوف، والوقوف هو الذي يعلّمنا المشي، والمشي هو الذي يعلّمنا الجري، بل إننا عندما ضقنا ذرعاً بالجري ووجدنا أنه قاصر عن تحقيق طموحاتنا التي تريد أن تنهب الأرض نهباً، دجّنّا الحيوانات وتعلّمنا أن نركب الجمال والخيل والبغال، وبعد ذلك «كرّت السبحة»: من العربة «الحنطور» - مثلما يقول إخواننا في مصر- إلى القطار إلى السيارة إلى الطائرة إلى الصاروخ إلى سفن الفضاء، ولا أدري بعد ذلك إلى أين نمضي! وكل ما أجزم به أننا في طريقنا محكومون بقانون «من أسرع إلى أسرع»، وكل هذه السرعة من أول ما بدأت بدأ بالسقوط من أجل تعلّم الوقوف ثم المشي.
الشيء المضحك أنني مع حماسي الزائد واندماجي مع قانون السرعة، أخذت أكتب بسرعة قصوى إلى درجة أنني عندما راجعت ما كتبت «يا دوبك» قدرت أقرأ وأفهم ما كتبت، وبمعنى أصح «ما شخبطت».
ولكي أريح القارئ من شخابيطي أروي له هذه الحادثة:
كانت الأم الصغيرة شديدة الحرص على تنشئة طفلها الوليد الأول في جو صحي تام إلى درجة الوسوسة، حتى إنها كانت تطلب من زائريها أن يضعوا على وجوههم «كمامات» مثل أقنعة الجراحين، وترش المواد المطهّرة في أنحاء غرفته بين حين وآخر.
وقالت تلك الأم يوماً لزوجها: إنه يبدو أن أولى أسنان طفلنا على وشك الظهور، ولكني لم أستطع إقناعه بفتح فمه لكي أراها بعيني وأتأكد من ذلك.
فقال لها الزوج: بسيطة افعلي مثلما كانت أمي تفعل، ادخلي إصبعك في فمه وتحسسي مكان السن.
وعندما رأى الفزع في عينيها لهذا الإجراء غير الصحي وغير المتوقع بالنسبة إليها، استدرك قائلاً بسرعة: آسف يا حبيبتي، أقصد طبعاً قبل أن تدخلي إصبعك في فم الطفل، عليك أن «تعقّميه» بأن تضعيه في الماء المغلي لمدة دقيقتين كاملتين حتى تتأكدي من القضاء على الجراثيم، ثم تدحشيه في فمه وتتحسسي مكان أسنانه.