الصحراء المغربية في عهود ثلاثة ملوك

السياسي المغربي محمد اليازغي يقدم شهادته عن القضية منذ بداية الاستقلال

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الصحراء المغربية في عهود ثلاثة ملوك

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

اعتباراً لأهمية القضية وقدسيتها لدى المواطنين المغاربة، لارتباطها بالوحدة الترابية للمملكة، نشرت في السابق عدة كتب عن الصحراء، لكن السفير خليل الحداوي يرى في تقديمه لكتاب «الصحراء: هويتنا؟» أن هذه هي أول مرة يتصدى فيها زعيم سياسي مغربي، من حجم محمد اليازغي، لإصدار جديد حول الموضوع، في شكل حوار أجراه معه الصحافي يوسف ججيلي، يكشف فيه عن أحداث كان اليازغي طرفاً فيها، وعن رجال، وهو منهم، كانوا في الصفوف الأولى يدافعون عن مغربية الصحراء منذ بداية الاستقلال.
ومن خلال الأسئلة التي طرحها ججيلي، والأجوبة التي قدمها اليازغي، يغوص القارئ بين صفحات تستحضر مختلف المراحل التي مرت بها القضية حتى الآن، خصوصاً أن المستجوب (بفتح الواو) زعيم سياسي سابق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ووزير سابق أيضاً حمل حقيبة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والبيئة، في أول حكومة للتناوب في تاريخ المغرب السياسي المعاصر، وكان دائماً على اتصال بهذا الملف الذي لا يزال مطروحاً في الأمم المتحدة.
ومن بين الملاحظات التي سجلها اليازغي أن إدماج جيش التحرير بالجنوب في القوات المسلحة الملكية كان «خطأً كبيراً». ففي نظره، لو احتفظ المغرب بهذا الجيش، وبقي مرابطاً في الحدود، لكان بإمكانه أن يساهم في تحرير الصحراء كلياً.
ويتذكر اليازغي أن الزعيم السياسي علال الفاسي، مؤسس حزب الاستقلال، كان أول من طرح المشكل على مستوى النقاش السياسي، نظراً لمعرفته التاريخية بالصحراء.
في تلك الفترة، وبالضبط في شهر مارس (آذار) من سنة 1957، كلف الراحل المهدي بنبركة، اليازغي بالاشتغال مع علال الفاسي في ملف الصحراء، رفقة أعضاء آخرين، لتوفره على وثائق ومراجع مهمة جداً.
هناك سيكتشف اليازغي، وعمره آنذاك 22 سنة، وهو يومئذ موظف في وزارة المالية، وعضو في فرع حزب الاستقلال بالرباط، أن القادة القادمين من جامعة القرويين بفاس لديهم، مثل الفاسي، «معرفة أدق وأقوى بتاريخ المغرب من الأطر الذين درسوا في الغرب، وكانوا من قادتنا آنذاك، والذين كانوا يرون أن مطالبة المغرب بالصحراء، ومعها موريتانيا، هو نوع من الهيمنة والتوسعية للمغرب في الصحراء، لكنهم اتفقوا بعد النقاش على أن الصحراء مغربية، وبلاد شنقيط من الأراضي المغربية».
كانت الخلاصات التي تم الخروج بها من بيت الزعيم الفاسي، بعد دراسة تلك الوثائق لمدة 15 يوماً، هي أن تلك الأراضي مغربية، وتم تسجيل ذلك في تقرير سلم لبنبركة والفاسي.
وتبعاً لذلك، كانت قضية الصحراء دائماً مصدر حساسية كبيرة لدى المغاربة الذين لا ينسون أن الملك محمد الخامس قام بدور أساسي وفعال، حسب ما ذكره اليازغي، خصوصاً بخطابه الشهير بمحاميد الغزلان (جنوب المملكة) سنة 1958، الذي أكد فيه على انتماء الصحراء للمغرب.
وتحدث اليازغي، وهو يستعرض فصول تطور قضية الصحراء، عن نشوء جبهة البوليساريو الانفصالية، منذ إرهاصات التأسيس الأولى، مشيراً إلى وقوع «خطأ كبير»، تجلى في قمع الجنرال محمد أوفقير لمظاهرة سلمية للشباب الصحراوي في مدينة طانطان (جنوب المغرب) سنة 1972، مما ترتب عليه فرار جزء من الشباب من المغرب إلى دول أخرى، كما حصل فيما بعد بالنسبة للشباب الصحراوي في الجزائر.
وذكر المتحدث ذاته أن الراحل الفقيه محمد البصري (سياسي مغربي معارض سابق) قدم هؤلاء الشباب، أول الأمر، إلى الزعيم الليبي معمر القذافي الذي أراد استعمالهم في صراعه مع الملك الحسن الثاني، سواء بالمال أو السلاح.
ويرى اليازغي أن «بروز الدور الليبي في قضية الصحراء كان نتيجة لـ(خطأ سياسي كبير) قام به الرحل الفقيه محمد البصري»، مضيفاً أن هذا كان هو «الخطأ الأول» الذي ارتكبه البصري، لكن «الخطأ الأكبر» الذي سيقع فيه هو حين قدمهم إلى الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين «لأن للجزائر حدوداً طويلة مع المغرب، ولها خطة سياسية للهيمنة على مجموع شمال أفريقيا. وهكذا، سيتمكن الأمن العسكري الجزائري من استعمال ورقة الانفصال، ومن ثم استعمال قيادة البوليساريو لمعاكسة المغرب».
ولدى تطرقه إلى موقف الملك الحسن الثاني من قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1981، في خضم التفاعل مع موضوع الاستفتاء بالصحراء، قال إن رد العاهل المغربي «كان عنيفاً»، وكانت «المحاكمة الشهيرة» بعد اعتقال كل من عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد الحبابي، ومحمد منصور، ومحمد الحبيب الفرقاني، واليازغي، والحكم عليهم بالسجن، قبل إطلاق سراحهم في فبراير (شباط) 1982، بعفو لم يتم طلبه.
وانطلاقاً من معايشة اليازغي للحسن الثاني، كولي للعهد أولاً، وكملك للبلاد ثانياً، فإنه يعيب عليه أنه في المرحلة الأولى عمل على حل جيش تحرير الجنوب، وإدماج أعضائه في القوات المسلحة الملكية، ويؤكد أن «هذه المبادرة كانت خطيرة، وقراراً لم ينظر فيه ولي العهد إلى المدى البعيد، لأن تحرير الصحراء أجل إلى أجل غير مسمى».
وما يأخذه اليازغي على الحسن الثاني كذلك أنه بخصوص قضية الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبدل أن يبقي مطلب استرجاعهما قائماً، قام بإدراجهما داخل هيئة الأمم المتحدة، وبالضبط أمام اللجنة الرابعة التي تصدر توصيات لتصفية الاستعمار على أساس تقرير المصير.
وفي اعتقاد اليازغي، فإن «هذين القرارين خاطئان بامتياز»، إضافة إلى قمع الشباب الصحراوي من طرف الجنرال أوفقير، بمدينة طانطان، مما دفعهم إلى تنظيم أنفسهم على أرض دولة أجنبية.
وحرص اليازغي على التذكير بأن تأسيس «البوليساريو» سنة 1973 تم على قاعدة وحدوية، إلا أن وجوده على أرض الجزائر أعطى لحكومتها إمكانية التدخل والتأثير، ووسائل الإملاء على قيادة الجبهة للانخراط في نهج انفصالي.
واستفاد أعضاء الجبهة، منذ المرحلة الأولى في العمل الدبلوماسي، من الدعم الواسع للحكومة الجزائرية، فالشبكة الواسعة من السفارات والقنصليات الجزائرية وضعت رهن إشارتهم، وكذلك الشبكة السياسية والإعلامية لجبهة التحرير الجزائرية.
والنتيجة أن المغرب من الناحية الدبلوماسية كان في وضعية صعبة، وأحياناً في عزلة قاتلة. وهنا، يؤكد اليازغي أنه من أخطاء الحسن الثاني سياسته مع الدول الأفريقية، بل غياب أي استراتيجية ناجحة في القارة السمراء، إذ لم ينهج سياسة حكيمة، إلى أن جاءت حكومة التناوب ليفتح الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي قنوات جديدة مع الأقطار الأفريقية.
لكن التحول الذي حدث هو مع جلوس الملك محمد السادس على العرش، إذ «أصبحت الدبلوماسية الجديدة بأفريقيا سياسة تتبناها الدولة»، على حد وصف اليازغي، حيث عرفت العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية تطوراً إيجابياً في الميادين الاقتصادية والثقافية «حتى مع تلك الدول التي ساندت أطروحة الجزائر في البداية. ومن هنا، تراجع عدد من الحكومات الأفريقية عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية».
وفي الفصل الخاص من الكتاب، حول تدبير «ملف الصحراء في عهد الملك محمد السادس»، يرى اليازغي أن العاهل المغربي جاء بفلسفة جديدة في الحكم، وبمعنى جديد للسلطة، معبراً عن اعتقاده أن التوجه الحقيقي كان - وما يزال - هو استمرارية سياسة توسيع الحريات الفردية والعامة.
وأول «قرار شجاع» اتخذه الملك محمد السادس، من وجهة نظر اليازغي، هو إعفاء إدريس البصري، وزير الداخلية، يوم التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1999، لا سيما أن هذا الأخير يبقى المسؤول عن تداعيات ملف الصحراء.
وبقدوم وزير جديد للداخلية، هو أحمد الميداوي، سجل اليازغي أن التغيير بدأ يظهر بوضوح؛ سواء في قضية الصحراء أو في العلاقة مع المواطنين.
ومن بين القناعات التي خلص إليها اليازغي أن المغرب لم تكن له سياسة دبلوماسية ناجحة في السابق. أما الآن، فله استراتيجية سياسية معينة، لا تنصب فقط على ملف الصحراء، بل على مستقبل أفريقيا.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).